حركة النهضة في قَدَمِ البلاد.

عزالدين بوغانمي
2021 / 4 / 25

مثلما سبق وفسّرت في أكثر من نصّ سابق، المفتاح الاستراتيجي لنجاح عملية الانتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية هو أولا وقبل كل شيء مدى قدرة النخب السياسية القديمة والجديدة على التفاهم، ورفضها الخضوع لجماعات المصالح. والتخلي عن ذهنية الانتقام والانقلاب، واستعدادها لتسوية تاريخية أساسها عدالة انتقالية نزيهة قائمة على الاعتراف والاعتذار وجبر الخواطر وطيّ صفحة الماضي.

بعد ذلك تأتي بقيّة العوامل البنيوية التي تشكّل بتظافرها شروط الانتقال الديمقراطي:
• تحرّر مؤسسة القضاء واستقلالها التامّ.
• الإجماع على الدولة، وإيمان النّخب بحق الشعب المطلق في أن يُشرّع للأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه. وبأن الدستور وُضِع لكي يجعل حدود السلطات، ويضمن الحقوق والحريات .
• غلق المنافذ على التدخل الخارجي.
• حد معقول الاستقرار الاقتصادي.
• حدّ معقول من الاستجابة لمطالب الناس الأكثر تضرُّرًا من الفقر.
• طبيعة القطاع الخاص غير الإجرامية ودرجة التزامه بالعمل ضمن القانون.
• درجة تطور المجتمع المدني والمنظمات الجماهيرية.
• درجة انخراط النخبة الإدارية العليا في عملية الانتقال الى الديمقراطية.
• المساواة ودرجة انخراط النساء في الشأن العام.
• مستوى التمدرس.
• حجم الطبقة الوسطى.
• غياب طموح الحكم لدى المؤسسة العسكرية.

هذا المبحث لم أُغادره منذ سنوات. إمّا أتحدّث فيه. أو أقرأ حوله. أو أكتبه. هو الشغل الشاغل. ولقد توصّلت إلى استنتاجات جدّيّة تؤكّد أنّ جميع شروط العلوم السياسية للانتقال الدّيمقراطي، والتي عدّدتها أعلاه، مُتوفّرة ومجتمعة في بلدي. وليست متوفّرة بالكامل وعلى نفس النّحو في أيّ بلد آخر، لا عربي ولا أجنبيّ. وهذا له علاقة بعوامل تاريخية وجغرافية وثقافية وديمغرافية ومناخية، تفاعلت جميعها بحيث كان هنالك تأثير لكلّ عنصر في باقي العناصر. ومحصّلة ذلك هي الوحدة السكّانية المتينة واستقرار الحدود لقرون طويلة، واستمرار المجتمع وبقائه. ولا شكّ أنّ هذه العوامل هي التي بَنَت لغة التواصل وطبيعة العقد الاجتماعي، والأهازيج الموسيقية، والعادات والمعتقدات وتجارب التّأمّل، والعلاقة بالأرض وبالطبّ وبالزواج وبقضيّة العبودية وبوضع المرأة، وبسلوك الناس، وبقدرتهم على التكيّف، وتواصلهم واختلاطهم ببعضهم واندماجهم. وكلّ هذا له علاقة بالتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة وبالتعليم والتحضّر، والصحةِ العامة والإعلام، والأدب، ومنسوب التطلّع للاندماج المغاربي والعربي. ومستوى الاتصال والتواصل مع الشعوب الأخرى في سياق حاجة التوانسة الجغرافية للتمدن، واستعدادهم لنظام ديمقراطي يصون الحرية والكرامة للجميع.

تونس صاحبة أعرق الدساتير المكتوبة في التاريخ (القرن السادس قبل الميلاد). وجمهورية قرطاج أهم منابع الديمقراطية في العالم القديم قبل روما و أثينا بشهادة أرسطو وأفلاطون، كان من الطبيعي أن تُحرّم العبودية قبل الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا. وكان من الطبيعي أن تكتب منذ قرنين دستور عهد الأمان الذي يُسوّي بين جميع السكّان على اختلاف دياناتهم. ومن الطبيعي أن تكون هنالك نخبة راسخة فرضت عملية الإصلاح داخل المؤسسة الدينية وداخل الدولة والمجتمع. ومن الطبيعي في بلد مثل هذا أن تكون المساواة مسألة محسومة. وكذلك الديمقراطية واحترام القانون.

فلماذا وصلت تونس اليوم إلى هذا الوضع المُهين؟
إنّ السّبب هو هذا الجسم الغريب على تونس وعلى أهلها وعلى إسلامها. هذا التيّار المافيوزي الذي يُسمّي نفسه "حركة النهضة". هؤلاء مسمار يجب نزعه.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية