ميشيل كيلو، المعارض النجم

راتب شعبو
2021 / 4 / 25

قليلون في سورية من لم يسمعوا باسم ميشيل كيلو، فقد طاف اسمه على حقبة طويلة من تاريخ سورية المعاصر، ليس من موقع سلطوي بل من موقعه كمثقف مستقل خارج السلطة ومعارضاً لها. كثيرون غيره دخلوا معترك الشأن العام السوري، كثيرون غيره كتبوا وواكبوا واعتقلوا، وكانوا أكثر شجاعة منه في معارضتهم للنظام، لكن اسم ميشيل كيلو بقي الأكثر لمعاناً. لا يوجد في تاريخ المعارضة السورية من حقق الشهرة التي تمتع بها ميشيل كيلو.
هل لأنه لم يلتزم بحزب محدد فلم يُحتجز اسمه في خانة حزبية محددة؟ هل بسبب نشاطه وحضوره الدائم في مختلف أنشطة المعارضة؟ هل لأنه لم يكن دوغمائياً في نظرته إلى الواقع السياسي، أي لم يكن ضعيفاً أمام سطوة فكرة مسيطرة تجعل معتنقيها يعتقدون أنهم مُخلِّصون، ويتحولون في إيمانهم هذا إلى عبيد "مُخلصين" للفكرة؟ لقد استطاع، الرجل، مع آخرين، أن يرى قصور التصور الاشتراكي وأن يرى الديموقراطية هي الخيار الذي يمكن أن يخرج بالمجتمع السوري من جورة الاستبداد والعطالة. ربما كان ذلك بتأثير من الياس مرقص "معلمه وصديقه"، هكذا يصفه في إهداء روايته أو "قصته الطويلة" كما يعرفها، "دير الجسور".
ولكن التحول الديموقراطي المبكر (أي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي) لميشيل كيلو، وضعه أمام أسئلة عويصة، مثل العلاقة مع الجماعات الإسلامية، والعلاقة مع النظام (ليس بوصفه سلطة قمع، بل بوصفه كتلة مصالح لا يمكن لديموقراطي أن لا يعترف بها)، وأيضاً العلاقة مع الشارع من موقع ديموقراطي، أي غير وصائي.
لقد ظهر أن التحرر من سطوة الفكرة الاشتراكية يلقي على كاهل المرء أعباء أثقل، وكأن هذا التحرر ليس إلا طريقاً إلى معترك نضالي فعلي شديد التعقيد. الفكرة الاشتراكية كانت تريح معتنقيها من هذه الأعباء، فهي في صيغتها البسيطة أو المبسطة تقول (لا) كبيرة للإسلاميين وللنظام، وتقول (نعم) كبيرة للشارع أو الشعب أو الجمهور، بوصفه مكمناً لثورة اشتراكية، أو سبيلاً إلى السلطة التي تكون وسيلة تمارس "الطليعة الاشتراكية" عبرها وصاية على شعب جاهل، شعب قادر على الثورة ولكنه جاهل بمصالحه.
صحيح أن هذا المسار الذي سمي اشتراكياً، يلقي على عاتق رواده أعباء نضالية كبيرة وخطيرة، لأنه يضعهم في مواجهة حادة مع قوى ثقيلة، وأنه مسار يختار رواده من الشجعان ومن ذوي الكفاحية العالية، لكن المسار الديموقراطي لا يقل صعوبة، وإن كان يتطلب خصالاً أخرى من رواده، مثل القدرة على الاعتراف بالآخرين وفهم مصالحهم وأخذها في الحسبان، والتخلي عن مبدأ السيطرة وعن فكرة الطليعة، وتخفيف العدائية تجاه المختلفين ... الخ، وهذه خصال أقل توفراً ولكنها أكثر جدوى.
كان ميشيل كيلو من رواد المسار الديموقراطي، وقد تكبد خسائر على هذا الطريق. لم يكن كيلو حازماً في نظرته الى نظام الأسد، يمكن القول إنه كان ذا ميل إصلاحي، وكان لا يمتنع عن العلاقة برجالات من السلطة أو من محيطها غير الرسمي. على هذا المستوى، لم يكن تطهرياً. كان يعتقد أن السلطة ليست صخرة صماء بلا خطوط تباين يمكن ملاحظتها والاستفادة منها والولوج إلى معطيات مفيدة، وحتى ممارسة التأثير فيها. لم يكن وحيداً في هذا التصور، ولاسيما بين المثقفين، ولا يمكن إنكار هذا التصور على أحد. غير أن خطورة هذه المعارضة اللاعدائية، إذا جاز القول، تكمن في الجذر العدواني للسلطة الأسدية التي ترتد بعنف على غير المتسقين، فما بالك بالمستقلين أو الناقدين أو أصحاب الطروحات الديموقراطية. خسر ميشيل كيلو في "إصلاحيته" هذه، أي في افتراضه وجود إمكانية للعمل ضمن حدود النظام، ثقة شريحة من المعارضين الجذريين الذين لم تكن معارضتهم أكثر جدوى على أي حال.
شيء مشابه يمكن ملاحظته في علاقة ميشيل كيلو مع الإسلاميين ونظرتهم إليهم. من السهل الخلاص من موضوع الإسلاميين برفضهم جملة وتفصيلاً، وقد يكسب أصحاب هذا الموقف صفة الوضوح والجذرية والثورية الحقة. غير أن هذا الموقف، بطبيعة الحال، لا يحل المشكلة، وهو نفسه موقف الاستبداد ولكن من موقع معاكس. القاسم المشترك بين الموقفين هو إلغاء المشكلة، بإنكار حق أصحابها بالوجود هنا، أو بمحو أصحابها بالقمع المادي هناك.
لم يذهب ميشيل كيلو في ذاك الطريق السهل بالتعالي على المشكلة أو القفز عنها، بل قاده تصوره الديموقراطي إلى الانفتاح على الإسلاميين، وكان في هذا جزءاً من تيار يساري سوري حاز على زخم غير قليل بعد اندلاع الثورة السورية. ولكن قبل اندلاع الثورة، كما بعدها، وجد ميشيل أنه يراكم الخيبة من الإسلاميين، كما راكمها من النظام، وأن الإسلاميين لا يختلفون عن النظام في استتباع كل من هو أضعف منهم، ويأتي ساعياً إلى علاقة "تحالفية" معهم.
مع الشارع، كان ميشيل كيلو مميزاً في انفتاحه على الجميع، ومن ضمنهم المختلفين، كان يمارس ما أوصى به السوريين. ففي وصيته التي كتبها قبل وفاته بأيام، كتب: "التقوا بمن هو مختلف معكم". والحق إنه كان موهوباً بقدرة هائلة على التواصل مع كل المستويات الاجتماعية، ومع كل الأعمار. تجده نشطاً في الندوات، وعلى صفحات الواتس أب التي تنشغل بالشأن السوري العام. لم يكن يميل إلى اللغة الصعبة، في حديثة أو في كتاباته، دون أن يكون سطحياً بأي حال. وكان يستطيع الاحتفاظ بحرارة العلاقة مع مئات الأشخاص، حتى يبدو لكل منهم إنه مميز لديه.
وثق به أشخاص بسطاء إلى حد أنهم كانوا يستشيرونه إن كان يمكنهم العودة إلى بيوتهم في إدلب، معتقدين أنه يدرك مسار التطور العسكري والسياسي في المنطقة. بالمقابل، خسر ثقة قطاع غير قليل من الناس، ولاسيما المثقفين والمتابعين منهم، وقد اشتكى غير مرة من حملات اتهام طالت نزاهته. المثقف (الكاتب في الشأن السياسي) ينبغي أن لا يناور، وتكمن قيمته في نزاهته، فيما يناور السياسي في الغالب، والجمع بين الأمرين لا بد أن يعود على صاحبه بالاتهامات.
بعد كل شيء، يبقى ميشيل كيلو أحد ألمع نجوم المعارضة السورية على مدى يزيد عن نصف قرن ولم ينته حتى 19 نيسان 2021.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية