حول القدس والمخاطر المتزايدة على هويتها الفلسطينية

نهاد ابو غوش
2021 / 4 / 25

حول القدس والمخاطر المتزايدة على هويتها الفلسطينية*

نهاد أبو غوش
ترافقت التطورات السياسية المتصلة بصفقة القرن وما تلا الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة لها، بتطورات سياسية وميدانية حادة ومتسارعة في مدينة القدس تنسجم وتمهد لتنفيذ صفقة ترامب – نتنياهو من الزاوية الإسرائيلية، وتزيد من صعوبات وتعقيدات الدور الوطني في مجابهة هذا المخطط من الزاوية الفلسطينية، وفيما يلي بعض ابرز هذه التطورات:
- هجوم إسرائيلي متواصل وغير مسبوق على كل ما يرمز أو يتصل بالشخصية الفلسطينية، ويتمثل ذلك في منع اي نشاط، حتى النشاطات الاجتماعية والرياضية والتربوية، التي يشتبه بوجود علاقة لها بالسلطة، الاعتقالات المتكررة لمحافظ القدس ولعدد من الشخصيات بينها وزير شؤون القدس ومنعها من ممارسة أي دور فلسطيني.
- التوسع في عمليات هدم منازل الفلسطينيين، والاستخدام الواسع النطاق لقانون كيمنتس العنصري الذي يضع أكثر من 22 ألف منزل فلسطيني في القدس في دائرة مخاطر الهدم، ولجوء سلطات الاحتلال ( بالتعاون والتكامل بين البلدية والأجهزة الأمنية والحكومة) إلى دفع الناس لما يسمى الهدم الذاتي تجنبا للغرامات الباهظة، وهي قضية باتت تفرض نفسها بقوة على اهتمامات المواطنين وصورة الاحتلال وإحساس الناس أنهم باتوا بلا ظهر ولا سند في مواجهة تعسف الاحتلال، وبالتالي تعزيز خيارات الخلاص الفردي في مواجهة هذه السياسات.
- تبرز قضية الهدم الذاتي للمنزل بيد صاحبه باعتبارها تحديا كبيرا يتطلب المعالجة من زاوية الموقف الوطني الواجب تعميمه واتباعه من جهة، ومن جهة ثانية توفير الحماية الممكنة الوطنية والمؤسسية للمهددين بهدم منازلهم، الهدم الذاتي هو إجراء ظاهره إعفاء صاحب المنزل من رسوم وغرامات الهدم الذي تقوم به البلدية بما في ذلك تكاليف مرافقة الشرطة الإسرائيلية للجرافات، لكنه من الجهة المقابلة ينطوي على تعقيدات وطنية ونفسية متداخلة، فالاحتلال يريح نفسه من المشهد القاسي لعملية الهدم: لا جنود ولا جرافات ولا مواجهات، والمواطن كأنه يقرّ بأنه مذنب بالبناء مع أن حرمان الفلسطينيين من البناء هي سياسة إسرائيلية ثابتة ومنهجية، ثم إن عملية الهدم لا تكلف الاحتلال سوى إرسال إشعار وتحذير، والطامة الكبرى أن المواطن الفرد يجد نفسه وحيدا في مواجهة "الدولة" المحتلة، وأدواتها، لا ظهير ولا سند سوى التعاطف الأخلاقي، بدأت في الآونة الأخيرة تصدر أصوات تدعو لرفض عملية الهدم الذاتي، وتسعى لتوفير دعم أهلي مادي لضحايا الهدم، لكن العملية برمتها ما زالت تمثل كابوسا مرعبا لأصحاب 22 ألف بيت مهددين بخسارة بيوتهم وجنى عمرهم، وتشريد أسرهم علاوة على تكاليف هدم تصل إلى حوالي 150 ألف شيكل (46 الف دولار) .
- مواصلة الاحتلال وتكثيفه لإجراءات أسرلة التعليم، وابتزاز المدارس الخاصة والأهلية لإرغامها على استخدام المناهج المعدلة (المؤسرلة بشطب المواد الوطنية الفلسطينية، وإضافة مساقات إسرائيلية)، بالإضافة إلى استمرار الضرائب الباهظة والإجراءات القاسية تجاه المقدسيين في شتى مجالات الحياة ( البناء، تردي الخدمات العامة، منع جمع شمل العائلات) والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى.
- الإعلان الواضح والمتكرر عن مخطط لإخراج حوالي 150 ألف فلسطيني من المدينة، وإدخال مستوطنات محيط القدس التي تضم أكثر من 100 ألف مستوطن وذلك بهدف واضح وهو تقليص نسبة السكان الفلسطينيين من حوالي 38% حاليا، إلى أقل من 20% وربما إلى 15% لاحقا، يحتمل هذا المخطط اقتراحات بإخراج أحياء كاملة مثل مخيم شعفاط ( مساحة صغيرة جدا من الأرض فيها أكثر من 40 ألف فلسطيني) وهي موجودة خارج الجدار، مقابل ضم مستوطنات نفي يعقوب، آدم، غفعات زئيف وبسغات زئيف، جبل ابو غنيم، جيلو، راموت، ولاحقا كتلة أدوميم ( معاليه أدوميم، المنطقة الصناعية ميشور أدوميم، كفار ادوميم، وصولا إلى متسبيه يريحو وفيرد يريحو)
- التلميح والتصريح بإمكانية تطبيق مخطط الضم بالتدريج والمنطقة المرشحة بقوة لذلك هي منطقة شرق القدس والمخطط المعروف E1 ، الذي كانت التحفظات الأميركية سابقا على تنفيذه في هي المانع الرئيسي لتطبيقه، والخطير أن إسرائيل باشرت بخطوات عملية لتنفيذ هذه الخطة أبرزها التحويلات في مسارات الطرق، وافتتاح أجزاء من الطريق الذي يربط رام الله ببيت لحم والجنوب عبر طريق عناتا- الزعيم- العيزرية- وادي النار
- الفلسطينيون في القدس مقسومون عمليا إلى ثلاث تجمعات متمايزة في ظروفها القانونية والإدارية: الأولى وهي الموجودة في حالة صدام يومي مع كل السياسات الإسرائيلية في المدينة وهم حملة الهوية الزرقاء الذين يعيشون داخل الجدار ويقدر عددهم بحوالي 220 الف مواطن، المجموعة الثانية هم حملة الهوية الزرقاء ويسكنون خارج الجدار وخاصة في المجمعات السكنية العشوائية الجديدة التي نشأت في كفر عقب، راس خميس بين شعفاط وعناتا، أطراف العيزرية والزعيم والسواحرة، يسكن في هذه المناطق حوالي 150 ألف فلسطيني في مناطق مصنفة على أنها قدس، يدفعون ضريبة المسقفات (ارنونا) ولا يتمتعون باي خدمات بلدية، ويبقى بقاء وانتماء هذه الفئة الكبيرة للقدس رهنا بقرار إسرائيلي قد يجري تكييفه قانونيا وإداريا بما يساهم في تنفيذ مخطط التطهير العرقي، لا سيما وأن المؤسسة التشريعية الإسرائيلية طيعة جدا لتنفيذ ذلك، المجموعة الثالثة هم المواطنون في المناطق التابعة إداريا للسلطة وهؤلاء باتوا مرتبطين برام الله وبيت لحم وأسواقها ومؤسساتها، وهم مثلهم مثل باقي كان الضفة .
- على الرغم من المآثر المهمة والمميزة التي سجلها المقدسيون في عدد من المحطات الوطنية ( معركة البوابات الاليكترونية، قضية باب الرحمة، الارتفاع النسبي في حالات العمل الفدائي الفردي بين شباب القدس، المواجهات المستمرة في الأقصى) إلا أن هذه المآثر لا تخفي التراجع الملحوظ إلى درجة التردي في حالة القوى الوطنية وأدواتها ومستوى التنسيق بينها، واستمرار تعدد المرجعيات الوطنية وتضاربها وتنافسها، بل ونشوء ولاءات ومراكز جديدة تتركز حول المسجد الأقصى ( أنصار تركيا وأردوغان، والسعودية وغيرها). بل إن الهيئة الرئيسية التي تعمل من خلالها القوى والفصائل الوطنية والمؤسسات ( هيئة العمل الوطني والأهلي) باتت تعاني من الترهل والشلل والانقسام.
- اتساع الفجوة والتراجع الحاد للثقة بين المواطنين والمؤسسات الوطنية الفلسطينية (السلطة وأذرعها وصولا للمرجعيات والتشكيلات المختلفة والفصائل)، لقد تميزت العلاقة بين السلطة والمقدسيين طوال السنوات والعقود الماضية بالاعتماد على ولاءات أفراد ومجموعات محدودة العدد والتاثير، يستفيدون (بشكل عائلي غالبا) من الوظائف والرتب والموازنات، وتنتشر في صفوفهم وعلى أطرافهم كثير من مظاهر الفساد، كما تنتشر أشكال التنافس والتضارب بين هذه المجموعات والمرجعيات التي تقتصر علاقتها بمركز السلطة على إظهار الولاء، بينما غابت كل أشكال العمل المؤسسي المنظم، وغاب الفعل التراكمي، كما غاب الفعل النضالي لصالح الهبات الموسمية والحركات الاستعراضية التظاهرية المحدودة التأثير.
*** إزاء كل ما سبق بات مطلوبا مجموعة من الخطوات وبلورة اتجاهات عمل وبرامج ملموسة واضحة لعموم أطراف الحركة الوطنية:
- تثبيت صيغة هيئة العمل الوطني والأهلي باعتبارها الأداة الرئيسية لقيادة العمل الوطني، وتصحيح الاختلالات في نمط عمل هذه الهيئة : قوامها الفضفاض، وتيرة اجتماعاتها، غياب الخطط، علاقتها بالهيئات الأخرى.
- مواصلة العمل والضغط لتوحيد المرجعيات ووقف التنافس والتضارب بينها، مساءلة دور الهيئات الشكلية التي لا تفعل شيئا وتستنزف الموازنات .
- إعادة تشكيل وتفعيل اللجنة الرئاسية لشؤون القدس بضمان تمثيل القوى الوطنية الفاعلة في القدس من جهة، وتحرير هذه الهيئة من العضويات الفخرية والوجاهية وربطها بقضايا القدس ومواطنيها.
- تطوير برنامج العمل الوطني في القدس ( بكل أبعاده وعناصره السياسية والجماهيرية والنضال الميداني والمجالات التخصصية من قانونية وتربوية وغيرها) والمؤسسية نحو برنامج واقعي تراكمي طموح يعيد الاعتبار للحركة الوطنية ودورها.
- تشكيل لجنة وطنية أهلية على مستوى القدس لمجابهة هدم المنازل، وتعزيزها بكفاءات قانونية وهندسية، وتوفير الدعم المركزي لها سواء عبر تخصيص الكوادر البشرية أو الموازنات أو دعمها بشبكة العلاقات الديبلوماسية، وتواصلها مع هيئات التضامن مع الشعب الفلسطيني، هيئات حقوق الإنسان، الكنائس العالمية، اعضاء كنيست ولجنة المتابعة ومؤسسات لشعبنا في الداخل ومؤسسات وهيئات إسرائيلية مناوئة للاحتلال، وعواصم التأثير العالمي والأوروبي بشكل خاص، كما يمكن تشكيل لجان محلية على مستوى الأحياء والبلدات المقدسية.
*ورقة عمل أعدت قبل عام من هبة رمضان 2021

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول