قصة الولايات المتحدة (25) – مشاكل الرخاء

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 25

"الحرب؟"، تعجب عامل الصليب الأحمر السابق في مقابلة صحفية. "الحرب كانت نزهت لأمريكا". قد تتعجب من الرأي الذي يقول، إن الأميركيين كانوا الشعب الوحيد في العالم الذي استفاد من الحرب العالمية الثانية.

لقد انتهت الحرب وهم أسعد حالا وأقوى اقتصادا وأكبر نفوذا. لم تقصف بيوتهم، وتدمر جسورهم ومصانعهم. لقد حاربوا فوق أرض ليست لهم، مصانعهم كانت تعمل بكامل طاقاتها، لتصب الثرة في أياديهم.

في السنوات التي تلت الحرب، بات الأميركيون أفضل حالا. بين عامي 1947 و1971، تضاعفت القوة الشرائية لأجورهم أكثر من مرة. وقام الأمريكيون بشراء المزيد من المنازل والسيارات والتليفزيونات والمواد الاستهلاكية من كل نوع.

ازدهارا وثراء لم يشهدهما العالم من قبل. في بداية عام 1960، 55% من الأسر، كانت تمتلك كل منها ماكينة غسيل أطباق. 75%، تمتك سيارة. 90%، تمتك جهاز تليفزيون. وكل الأسر تقريبا كان لديها ثلاجات.

خلال سنوات الازدهار هذه، كان رؤساء الولايات المتحدة: أولا، ترومان (1945-1953)، ثم أيزنهاور (1953-1961). في عام 1961، أنتخب الرئيس جون كينيدي (1961 -1963).

أخبر كينيدي الشعب الأمريكي أنهم يواجهون حدودا جديدة. هي بالنسبة لهم تمثل فرصا سانحة، ومشاكلا كبيرة. أحد هذه المشاكل، هي الفقر. بالرغم من أن معظم الأميركيين كانوا يعيشون في رفاهية، لكن لا يزال هناك ملايين الفقراء غير القادرين على الحياة الكريمة. بعضهم لا يزال يعيش في أحياء فقيرة في ضواحي المدينة. وغيرهم يعيشون بجوار مناجم فحم قديمة مغلقة.

كينيدي كان ديمقراطياً، كما كان روزفلت. حاول مساعدة الفقراء من مال الحكومة. أراد أيضا مساعدة الجماعات الأخرى المظلومة، مثل الأميركيين السود. لكن قبل أن يحقق ذلك، أطلق عليه النار وقتل. حدث هذا بينما كان يمر بسيارته في شوارع دالاس في نوفمبر 1963.

أمريكا في القرن العشرين

ثم تولى ليندون جونسون الرئاسة (1963-1969)، وكان نائبا للرئيس كينيدي. كان جونسون قد قضى سنوات كعضو في الكونجرس الأمريكي. كون صداقات سياسية، وله نفوذ هناك. استخدم هذه العلاقات والنفوذ للإسراع بتنفيذ خطط كينيدي الإصلاحية. بدأ أعماله بإقناع الكونجرس بتمرير خطة كينيدي لتحسين وضع السود الأمريكيين. في عام 1964، أصبح هذا القانون يعرف بقانون الحقوق المدنية.

كما وعد جونسون الشعب الأمريكي بالقضاء على الفقر والمرض. لذلك، أنشأ برنامج الرعاية الصحية لكبار السن (Medicare)، وللفقراء (Medicaid). كما رفع المبالغ الفيدرالية المخصصة للتعليم. كان يقول، إنه يريد تحويل الولايات المتحدة إلى مجتمع عظيم، يحصل فيه الكل بنصيب عادل من المعاملة اللائقة.

لكن جونسون نفسه تسبب في فشل خططه. في وقت لاحق 1960s، أخذ يتورط شيئا فشيئا، ويغوص في أعماق مستنقع حرب فيتنام. التكلفة الضخمة للحرب، أجبرت جونسن على التخلي عن العديد من الخطط الإصلاحية التي بدأها كينيدي. لذلك، اندلعت أعمال الشغب والاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد ضد الحرب، ضد الفقر، وضد استمرار الفصل العنصري والظلم.

بحلول عام 1968، انقسم الشعب الأميركي بمرارة. ألقى الكثيرون باللوم على جونسون في مشاكل البلاد. مما جعله يفقد شعبيته ويقرر عدم محاولة إعادة انتخابه.

تم انتخاب ريتشارد نيكسون (1969-1974)، لكي يأخذ مكان جونسون كرئيس. كان نيكسون جمهوري، أقل اهتماما بكثير من كينيدي وجونسون في تنفيذ برامج مساعدة الفقراء. وكان يقول: "الحكومة تنفق ما فيه الكفاية على برامج الرعاية الاجتماعية. وإن الفقراء يجب عليهم التغلب على مشاكلهم بأنفسهم."

في نوفمبر 1972، أعاد الشعب الأمريكي انتخاب نيكسون. السبب الرئيسي هو أنه كان على وشك الانسحاب من فيتنام. لقد تم التوقيع على وقف إطلاق النار أخيرا في يناير 1973. وتم اتخاذ الترتيبات لعودة جميع الجنود الأمريكيين إلى بلادهم. وبدأ الشعب الأمريكي يتنفس الصعداء ويشعر بارتياح كبير.

لقد كانت لحظة انتصار عظيم لنيكسون. لكنه سرعان ما وقع في مشكلة كبيرة داخليا. لقد اتهم بأنه قد تورط في عمل غير قانوني، بهدف تشويه سمعة خصومه السياسيين. المشكلة عرفت ب "قضية ووترجيت".

لم يأخذ الكونجرس الأمريكي الأمر ببساطة. هدد بمحاكمة نيكسون وعزله من منصبه. بتهمة إساءة استخدامه للسلطة. لكي يتجنب كل هذا، استقال نيكسون كرئيس للبلاد.

جاء بعد نيكسون، جيرالد فورد (1974-1977) ليكمل مدته، ثم جيمي كارتر (1977-1981). لم يحظ كلا من فورد أو كارتر بكثير من النجاح، ولم تكن لهما شعبية كبيرة. أحد الأسباب، أنهما لم يستطعا السيطرة على التضخم.

الولايات المتحدة الآن تستورد النفط. بعد الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973، ارتفعت أسعار النفط الدولية ارتفاعا كبيرا. هذا الارتفاع تسبب في التضخم. بحلول عام 1980، ارتفعت الأسعار في الولايات المتحدة بنسبة 13.5% سنويا، مما جعل الحياة صعبة على كثير من الناس.

في عام 1980، انتخب الأميركيون رئيسا على أمل أن يكون أداؤه أفضل من سابقيه في إدارة البلاد. كان ممثلا سينمائيا سابقا، هو رونالد ريجان. جمهوري مثل نيكسون. لم يبد تعاطفا كبيرا مع الفقراء، شأن كل الرؤساء الجمهوريين. قال إنه ينبغي عليهم الاعتماد على أنفسهم، لا على الحكومة. وهي سياسة الحزب الجمهوري وتعامله مع الفقراء.

بالنسبة لسياسته الخارجية، قرر أن يجعل الولايات المتحدة قوة كبيرة، تفوق قوتها قوة الاتحاد السوفيتي، منافس أمريكا الأول. أنفق ملايين الدولارات على تطوير منظومة صواريخ مضادة للصواريخ. أي صواريخ تقوم بتدمير صواريخ مهاجمة في الفضاء.

انتقد العديد من الناس في الداخل والخارج ريجان. قال البعض إنه عديم الاحساس. اعتقد آخرون أنه لم يكن كفؤا لهذه الوظيفة. ورآه البعض من دعاة الحرب. لكن سياسات ريجان الخاصة بالإنفاق على تطوير الأسلحة، ساعدت الكثير من الأميركيين على العثور على وظائف.

رجال الأعمال زادت أرباحهم. معظم الأميركيين، باستثناء أفقر الفقراء، أصبحوا أفضل حالا. هذا ساعد على زيادة شعبية ريجان. مما جعله يظهر واثقا مرتاحا على شاشات التليفزيون.

ازدياد شعبية ريجان، كانت أيضا لسبب آخر. بعد حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت، كانت سياسة ريجان التي تقول: "قف على قدميك وتصرف بحزم"، جعلت العديد من الأميركيين يشعرون بالثقة في بلدهم مرة أخرى.

في عام 1984، أعادوا انتخابه رئيساً في واحدة من أعلى الانتخابات نسبة نجاح في التاريخ الأميركي. وكان لا يزال يحتفظ بشعبيته لنفس الأسباب حتى نهاية فترته الثانية عام 1989.

فضيحة ووترجيت

في ليلة 17 يونيو 1972، اعتقلت الشرطة في واشنطن خمسة لصوص. أمسكوا بهم داخل المقر الوطني للحزب الديمقراطي في مكاتب مبنى ووترجيت. الصحفيون في صحيفة واشنطن بوست، بدأوا يبحثون الموضوع. اكتشفوا أن اللصوص قاموا بسرقة معلومات، لتشويه سمعة خصوم الرئيس نيكسون الديموقراطيين.

في فبراير 1973، أنشأ مجلس الشيوخ لجنة لنظر قضية ووترجيت، وكانت تبث اجتماعاتها مباشر على شاشات التلفزيون. الأمريكيون، يوما بعد يوم، كانوا يشاهدون اللجنة وهي تكشف عن شبكة من الأكاذيب وخيانة الأمانة، متغلغلة في قلب حكومة الأمة.

في البداية، أكد نيكسون مرارا وتكرارا أنه لا يعرف شيئا عن اقتحام مبنى ووترجيت. لكن مع استمرار التحقيقات، بدأ يقل عدد الذين وثقوا بأقواله، ويزداد عدد المطالبين بعزله، لسوء استخدامه لسلطاته كرئيس للبلاد.

ثم جاءت النهاية في أغسطس 1974. شريط كاسيت مسجل في مكتب نيكسون، أثبت أنه كان يعرف كل شيء عن قضية ووترجيت. عزله، أو حتى سجنه، كان يبدو في ذلك الوقت أمرا مؤكدًا. لتجنب هذا المصير، استقال نيكسون كرئيس للولايات المتحدة، قبل أن يكمل مدته. وهو شيء لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة من قبل.

لكثير من الناس، في الداخل والخارج، فضيحة ووترجيت كانت تبين بوضوح فساد النظام السياسي الأمريكي. لكن النظام السياسي الأمريكي، ليس مؤسسة الرياسة فقط. إنما هو يشمل أيضا الصحف الحرة، والقضاء، والكونجرس، الذي بين أخطاء الرئيس ووضعها في الضوء. كل هذا أثبت عمليا، أنه لا أحد فوق القانون، حتى لو كان رئيس الجمهورية نفسه.

من المفارقات، أن نيكسون نفسه هو أفضل من لخص هذا الجانب من قضية ووترجيت، عندما قال قبل استقالته بقليل:

"بعض الناس سيقولون إن ووترجيت بينت إفلاس النظام السياسي الأمريكي. أنا اعتقد العكس هو الصحيح بالضبط. ووترجيت بينت سلسلة من الأعمال غير المشروعة. لكن النظام السياسي الأمريكي، هو الذي كشف هذه الأعمال وقدمها للعدالة"

المكارثية، مطاردة الساحرات

أواخر 1940s و1950s، كانت سنوات القلق بالنسبة للأمريكان. على الرغم من ازدهار البلاد اقتصاديا، إلا انهم كانوا قلقين من مخاوف الحرب. الأمة التي كانوا يخشونها هي الاتحاد السوفياتي.

كل من الرئيس ترومان والرئيس أيزنهاور، كان يعتقد أن طريقة الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، هي طريقة قاسية وخاطئة. لذلك قررا العمل على وقف انتشار الشيوعية، وانتقالها إلى البلدان الأخرى. لكن وقف الانتشار، لم يكن كافيا بالنسبة لبعض الأمريكان.

لقد رأوا الشيوعية كمرض خطير. يهدد حرية الأمريكان كأفراد، ويدمر النظام الاقتصادي الرأسمالي للولايات المتحدة. الهدف إذن يجب تدمير الشيوعية لا احتوائها.

في عام 1949، تلقى مثل هؤلاء الناس مفاجأتين غير سارتين. الأولى عندما سيطر الشيوعيون على الصين. والثانية عندما فجر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة ذرية. لم يكن أحد غير الأمريكيين يمتلكون مثل هذا السلاح من قبل.

لذلك، اجتاحت الولايات المتحدة موجة من الخوف. بدأ العديد من الأميركيين في رؤية المؤامرات الشيوعية في كل مكان. عندما غزا جنود كوريا الشمالية الشيوعيون، أراضي كوريا الجنوبية في يوليو 1950، تضاعف خوف الأمريكان. البعض كان يعتقد أن الحكومة نفسها، بها العديد من الخونة الذين يعملون لصالح الروس.

سياسي طموح عديم الضمير اسمه جوزيف مكارثي، استخدم هذه المخاوف لكسب الشهرة والسلطة لنفسه. بدأ بما عرف في ذلك الوقت ب "مطاردة الساحرات". كان يبحث عن أناس يمكن اتهامهم بأنهم يشكلون خطرا على أمن الولايات المتحدة.

في أوائل 1950s، كان يتهم جميع الناس، مسؤولين حكوميين، علماء، فنانين مشهورين. وكانت التهمة، هي العمل سرا لخدمة الاتحاد السوفيتي. لم يقدم مكارثي أبداً دليلاً واحدا. لكن الأمريكان كانوا مرعوبين من الشيوعية، العديد منهم كانوا يصدقونه.

هذه الاتهامات الباطلة، دمرت مئات من الابرياء. وكانت الناس تخاف توظيف أي شخص، أو مجرد إظهار صداقته، إذا اتهمه مكارثي. وإن فعلوا، فهم يخاطرون بسمعتهم كخونة هم أيضا.

ثم بدأ الناس يشكون في مكارثي. لقد شاهدوه وهو يستجوب "المشتبه فيهم" على شاشة التلفزيون. ثم اكتشفوا أنه متنمر، كاذب. في منتصف 1950s، فقد مكارثي سلطته. لكنه استمر في إلقاء الاتهامات جزافا، والتي لم يعد يصدقها أحد.

في عام 1957، توفي مكارثي. لكن المكارثية، كانت قد فعلت فعلها، ودمرت سمعة الولايات المتحدة، كدولة يحكمها القانون العادل.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي