في ساحة بطعم الغبار...

عبد الغني سهاد
2021 / 4 / 24

ساحة بطعم الغبار..

في احدى المناسبات الوطنية كلفت بقضاء سخرة للاخ الكبير تتمثل في تبديل كتب رسوم متحركة بلغة موليير ..ناولني اربعة كتب لا زلت اتذكرها جيدا ..واحد تحت عنوان لوكي لوك luky luke..والثاني زامبلا...ZEMBLA.والثالث نيفاد.NEVADA.والرابع تانتان.TINTAN.وامرني بكراء اخرى تحمل نفس العناوين..وناولني مبلغ النقود الكافي لذلك.وكان الكشك يوجد في نهاية الحي ..قريبا من الباب الجنوبي للمدينة العتيقة الذي كان يحمل اسم باب الرخاء..قديما ووقتها كان يسميه الناس ولا زالوا باب دكالة.. قد يكون ذلك اليوم عيدا وطنيا ..وليس دينيا لان الساحة امام الباب كانت تعج بالحركة بالحركة..والحلقات..والخيام..والخيول ..والحمير والبغال والعربات المزينة بالاعلام واللافتات باللونين الاحمر والاخضر..كلها كانت تتموضع..على جنبات سور المدينة الخرب. ووسط الساحة ممتلآ باسراب الخيل وجماعات الفرسان...وكان الكشك الخاص بالكتب المستعملة مغلوقا بسبب تلك المناسبة الوطنية في الغالب وليست دينية..والساحة عامرة باسراب الخيل و بجيش عرمرم من شتى اصناف البشر.. اصناف من داخل المدينة لكن اغلبهم قدموا على بغالهم وحميرهم وعرباتهم من القيايل خارجها ...ترافقهم مجموعات فلكلورية من هوارة واحواش والشيخات..كانت تصطف تلك المجموعات على قدم السور الخرب عند مقدمة الساحة المتربة والمغبرة.ساحة الباب ..التي غالبا ما تكون خالية الا من هذه الاتربة والغبار..ووقوف بعض النخلات الشامخات التي لم تعد تعطي لا البلح ولا الثمار..وعلى يمين الباب ينتشر مطرح كبير للقمامة والازبال..زبالة باب دكالة...فيها ترعى الابقار وقطيعات صغيرة ونحيفة من الخرفان والماعز وبضع بقرات بقرات علال ..و بقرات اولاد بودال..كلما كانت تنتهى من نجعتها وقت الغروب تتجه لوحدها في دروب الحي المفرغة الى اروى الشيخ بودال.ودار علال .من بعيد كنا نتابع هذا الدخول دخولها وقلوبنا تخفق خوفا من قرونها الممددة الى الامام...و في نهايتها كانت الساحة تحجب عن الرؤية بمحطة بنزيل مسيجة لشركة طوطال..وطريق اسفلتي ضيق يعبر من الشمال الى الجنوب في غالب الاوقات يكون خاليا من اي نوع من السيارات ..ومن حين لاخر تخترق هذا الطريق رموكات كبيرة من نوع بيرلي حمراء مشحونة بالمعدن..كنا نخشى باسها لانها اكثر عماءا من القطار…!!!..
في رمشة عين اصبحت لساحة عبارة عن مطرك..مكان خاص للخيل والفرسان ..وجنباته وضعت الافرشة والخيام وارتفع في الجو صوت عبيدات الرمى وزغريد الشيخات والاشياخ ..الا انه ما نال اعجابي وزاد من هياجي وروعي حلقة هوارة ..بدقاتها المتوالية بانسجام كانها انغام سرمدية دايمة بقرص من حديد..ومقص عريض..وطر من الجلد المربع..كان الراقص بداخل الحلقة يشرشف الماء المغلي من ابقراج..من نحاس..ويصيح...ويحفن الجمر في جلبابة ليخرجه حفنات من الثمر..والنساء يصلين على الرسول..ويرفعن صوتهن بالزغاريد...وغير بعيد
بدات المنافسة بين السربات..
بداء رقص الخيول..
واصطدام الحوافر بالحجر الصلب..
وصعود الشرر..
وتحذير العلام..
وانتقال العمار..
من سرج الى اخر..
وفشل في الطلقة المنسجمة لواحدة..
في المدى تتابعت الطلقات..
وتوقفت الجموع عن التشجيع..
وصمتت حلقات النساء..!!
بعدما زاغ الفارس وهو على فرسه عن سكة المطرك..وانحرفا في الممرات الضيقة….مرعوبان
سقطا
في قاع البئر..
000000
العلام لم يعلم الرقص للخيول..
ولم يشد على يد الفرسان للصمود في مواجهة المطرق..
الخيل الاشقر الادهم
يتمختر بالعقول..
وبطنه فارغا
على تراب الساحة ولاثم الديدان
حيث يستريح الغبار
مع الضجيج
تسمرت المجاذل على البنادق العاجزة
فوق صدور الفتيان
والريح شاحنة (رموك)
عظيمة
بلا ربان
وقليل من البارود
يبعثر الفرحة الكبرى
وسكت دقات الطبول..
وحدها طقطقات
الشيخة زينة
تسمع من بعيد
في اعالي
البرج..
وداخل الخيمات البيضاء..
كان اريج الموت
يتسكع..
ووقع الحوافر على الارض..
يوقظ الشرر..
لم توفق السربة في طلقة واحدة..
تباعدت الطلقات..
ودعر الفارس والفرس..
وارتبكت الخطوات..
سقطا معا
في عمق البثر
القريب..
طار الشد
تمزق السرج..
اما البندقية
لا علم لاحد بها..
وكذلك الكتب الاربعة…
قضيت النهار كله في الساحة ادور في جنباتها اتامل احداثها..حومت كالنسر على طولها وعرضها...الا اني لم فهم لا كيف ولماذا ..كان هذا السقوط المفاجي في الخطارة..وهي نوع من الابار..التي حفرها المرابطون.على طول اسوار المدينة...رفع ماء الفرشاة المائية..وايصالها من الجبل الى المدينة..
في كل الابواب وبالقرب من كل الابراج والسور توجد الحفر المائية اي الخطارات..
وهي لم تعد كما كانت ..مملوءة بالماء..المستعمل في كل شيء الا الشرب..اترى هذه المحطة الطرقية الكبرى في باب دكالة فكل ارضيتها كانت خطارات جفت تم ردموها...هل ترى اسواق السلام الحديثة..اصلها كدية كبيرة من تراب الترس الاسود..ومابين باب المحطة الطرقية واسواق السلام لازال الطريق الذي توسع واصبح يزدحم بالسيارات من كل نوع..كان وقتها تعبرها شاحنات نقل المعدن..ولا احد غيرها..
حفظت هذه الوقايع الاليمة في هذا ليوم دون ان اعرف مناسبة لاحتفال وعروض البوريدة والفلكلور..ولن انسى اني ضيعت كتب الرسوم الاربعة..ونلت حصتي من عقاب الاخ الاكبر..الذي اقسم ان يحرمني من الفرجة على كتاب لوكي لوك..وسخر مني حين قال ان لوكي لوك ..طاح في الخطارة..ومات..
ولن يعود للوجود..

ع.س
2018

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير