من ماذا يعاني الاقتصاد التركي ؟

محمد رضا عباس
2021 / 4 / 23

عندما ترتفع نسبة الفائدة على القروض , ويرتفع التضخم المالي , وتخفض قيمة العملة المحلية بوجه العملات الأجنبية , يكون البلد في مشكلة اقتصادية لا يحسد عليها ويصبح رئيس الحكومة هدفا سهلا لمنافسيه. نظريا , فان انخفاض سعر العملة المحلية بوجه العملات الأخرى تزيد من نسبة التضخم المالي في البلاد , كما حدث في العراق مؤخرا بعد تخفيض قيمة الدينار بوجه الدولار الأمريكي , ونتيجة ارتفاع نسبة التضخم في البلاد , فان نسبة الفوائد على القروض سوف ترتفع , كي تتجنب البنوك التجارية الخسارة. هذا المثلث تحدث عنه مؤخرا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان , والذي ذكر فيه ان " بلاده تخوض نضالا ضد (مثلث الشر) في مجال الاقتصاد , ويتضمن الفائدة , أسعار الصرف , والتضخم". هذه المتغيرات الثلاث أصبحت عقبة في وجه استقرار الاقتصاد التركي , بعد ان وصلت نسبة التضخم المالي ما بين 14% و 16.65%, الفائدة على القروض بين 17% و 19%, فيما وصل سعر الصرف الليرة التركية الى حد 7.2 ليرة للدولار الأمريكي في اذار 2021.
كيف يقف "مثلث الشر " حجر عثرة امام النمو الاقتصادي؟ التجارب العالمية تؤكد ان سهام " مثلث الشر" تبدء مع تعاظم العجز في ميزان المدفوعات الوطني , وهو ذلك الميزان الذي يشمل التجارة الخارجية و المدفوعات المالية. فكلما زاد العجز في هذا الميزان زادت التزامات الدولة الخارجية , وطالما وان دفع هذه الالتزامات لا يتم بالعملة المحلية وانما بإحدى العملات العالمية , فان الدولة تضطر بدفع مبالغ إضافية من عملتها المحلية من اجل شراء العملات الأجنبية , الامر الذي يؤدي الى ارتفاع قيمة العملة الأجنبية بوجه العملة المحلية , او بكلام الاقتصاديين انخفاض في قيمة العملة المحلية. على سبيل المثال , قد تنخفض العملة المحلية من 10 وحدات للدولار الواحد الى 15 وحدة.
ماذا سيحدث في السوق بعد انخفاض قيمة العملة المحلية؟ في الاقتصاد المفتوح (كثير الاعتماد على التجارة الخارجية) , تصبح السلع المستوردة غالية الثمن داخليا , والتي سوف تؤثر على جميع نواحي الحياة. اكثر من ذلك , انخفاض قيمة العملة المحلية تؤدي الى ارتفاع الطلب الخارجي على السلع والخدمات المحلية , وبذلك فان أسعار السوق المحلي تبدء بالغليان من طريقين: زيادة الصادرات الى الأسواق الخارجية و زيادة أسعار المواد المستوردة , انه التضخم المالي.
التضخم المالي , بطبيعة الحال, لا يعفي قطاع , وهكذا يبذء الزحف نحو البنوك التجارية , لينتج عنه ارتفاع بسعر الفائدة. فلو كان سعر الفائدة 7% والتضخم 10% , ستكون النتيجة خسارة البنوك التجارية 3% من قيمة القروض, ومن اجل تجنب الخسارة تبدء البنوك برفع نسبة الفائدة على القروض.
ماهي النتيجة من كل ذلك: انخفاض في الاستثمارات المحلية , انخفاض في الطلب العام على السلع والخدمات , تراجع في الإنتاج الوطني , و زيادة نسبة العاطلين عن العمل. هذا هو ما تعانيه ايران , تركيا, إندونيسيا, باكستان , و الفلبين.
نظريا , ان إطفاء نار الأسعار هو زيادة أسعار الفائدة , وبعد ان تنخفض نسبة التضخم المالي , تنخفض معه نسبة الفائدة , ولكن على شرط تخفيض حجم العجز في ميزان المدفوعات , حتى اذا تطلب الامر تخفيض الاحتياطي الخارجي.
في كثير من الأحيان تلعب السياسة الداخلية والخارجية دورا مغاير لما تسطره النظريات وتؤكدها الدراسات الاقتصادية. على سبيل المثال , تخفيض قيمة الدينار العراقي لم يكن شان اقتصادي بقدر كونه قرار سياسي من اجل تخفيض حجم العجز المالي في ميزانية عام 2021. او إصرار السيد رجب اردوغان على إبقاء نسبة الفائدة صغيرة , حتى لو تطلب الامر اعفاء رئيس البنك المركزي التركي من منصبه. اردوغان أراد إبقاء نسبة الفائدة منخفضة من اجل إرضاء أنصاره من رجال الاعمال , حتى وان احرق التضخم المالي أصابع كل فقراء تركيا.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا