قصة الولايات المتحدة (24) – الحرب العالمية الثانية

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 23

الحرب العالمية الثانية

في ثلاثينيات القرن العشرين، كل عام يمر، يبدو أنه يجلب حرباً أو التهديد بحرب جديدة، في مكان ما من هذا العالم. زعماء، مثل الديكتاتور الألماني هتلر، يهدد ويرهب. فتقوم الدول ببناء السفن الحربية والطائرات المقاتلة والدبابات. الرئيس روزفلت يتحدث إلى الشعب الأمريكي بخصوص الحرب التي تدور رحاها في إسبانيا والصين: "الشعوب البريئة، تقع ضحية الطمع والتعطش للسلطة والاستعلاء العرقي"، حذر الرئيس الأمريكي. "ولا أحد يمكنه أن يجزم ببعد أمريكا عن هذا الخطر."

لكن إسبانيا والصين بدا أنهما بعيدتين. معظم الأمريكيين قد تجاهلوا تحذير روزفلت. فهم يعتقدون أن أفضل شيء يمكن فعله، هو ترك باقي الدول تحل مشاكلها بنفسها. كان هذا هو شعور الانعزاليين بشدة. مالنا ومال بقية العالم؟

كانت الأفكار الانعزالية قوية جدا في الكونجرس خلال الثلاثينات. ثم صدر عدد من القوانين تسمى قوانين الحياد. تقول إن الشعب الأمريكي لن يسمح ببيع المعدات العسكرية، أو
إقراض الأموال، إلى أية دولة في الحرب. حتى الامدادات غير العسكرية، مثل المواد الغذائية، سيتم بيعها إلى البلدان المتحاربة فقط إذا دفعوا ثمنها نقدا، ونقلوها بسفنهم هم.

في عام 1939، اندلعت الحرب في أوروبا. مع قدوم صيف عام 1940، كانت جيوش هتلر تسيطر على معظم أوروبا، واليابان، تزداد قوة في شرق آسيا. الأمريكان بدأوا يدركون الخطر المحدق بهم، وهم محصورين بين القوتين العظمتين.

أقنع روزفلت بالفعل الكونجرس بالموافقة على التجنيد العسكري في وقت السلم، ونبذ موقفها المحايد بالنسبة للحرب الدائرة. الآن يمكنه إرسال أسلحة إلى بريطانيا. بنادق، مدافع، سفن حربية، إلخ. في وقت مبكر من عام 1941، نفد معين البريطانيين من المال. في مارس، أقنع روزفلت الكونجرس، بقبول خطة البيع بالأجل، يعني شكك.

منح قانون البيع بالأجل، روزفلت الحق في إمداد بريطانيا بالمعدات الحربية وغيرها من السلع دون أن تدفع ثمنها بالكامل. كما يسمح له بفعل نفس الشيء مع دول أخرى ترى سلامتها من سلامة الولايات المتحدة.

بذلك، كانت المدافع الأمريكية والمواد الغذائية، والطائرات الحربية، تعبر الأطلسي بكميات هائلة. هذا قد لعب دورا هاما في مساعدة بريطانيا على الصمود في وجه هتلر. وعندما هاجم هتلر الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941، قام روزفلت بإرسال المساعدات والدعم إلى الروس أيضا.

كان القتال على أشده في آسيا. الدنيا مولعة هناك. القوات اليابانية كانت قد غزت منشوريا منذ عام 1931، وغزت الصين عام 1937. في يوليو عام 1941، قاموا أيضا باحتلال مستعمرات فرنسا في الهند الصينية. هذا أزعج حكومة الولايات المتحدة. لقد رأت أن تنامي القوة اليابانية يهدد السلام في آسيا وتجارة أمريكا. لذلك، في يوليو عام 1941، أوقفت الولايات المتحدة تصدير النفط إلى اليابان وأشياء أخرى.

هذا سبب لليابان كارثة. اليابان كانت تستورد 80 في المائة من نفطها من الولايات المتحدة. بدون النفط الأمريكي، تتوقف الصناعة في اليابان. "اليابان مثل سمكة في بركة، يتم تجفيفها من المياه."، ضابط بحري كبير أخبر الامبراطور (هيروهيتو).

في أكتوبر، أصبح الجنرال هيديكي توجو في اليابان رئيسا للوزراء. توجو كان معروفاً بإيمانه بأن استخدام القوة الحادة، هي أفضل وسيلة لحل الخلافات. هذا أكسبه لقب الشفرة، الموس. كان هناك الكثير من النفط في جنوب شرق آسيا. قرر توجو أخذه بالقوة. وفي نفس الوقت، منع الولايات المتحدة من استخدامها اسطولها في المحيط الهادي لوقف عملية البلطجة دي.

في 7 ديسمبر 1941، هجمت الطائرات الحربية اليابانية على بيرل هاربر، هاواي. حيث القاعدة الرئيسية للأسطول الأمريكي في المحيط الهادي. قنابلهم أغرقت ودمرت ثمان بوارج حربية، ودمرت مئات الطائرات الحربية، وقتلت أكثر من 2000 جندي أمريكي. مصيبة كبيرة.

عندما وقع هجوم بيرل هاربور، كانت الولايات المتحدة واليابان في سلام مع بعضهما. بعد الحادث، أعلنت الولايات الحرب على اليابان في ديسمبر عام 1941. ولأن اليابان كانت حليفة لألمانيا، أعلن هتلر الحرب على الولايات المتحدة.

الحرب في أوروبا والحرب في شرق أسيا، أصبحا حربا واحدة عالمية. بريطانيا، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة (هم أهم دول الحلفاء) في جانب، ألمانيا وإيطاليا واليابان (أهم دول المحور) في الجانب الآخر.

سخرت حكومة الولايات المتحدة كل شيء لكسب الحرب. وضعت ضوابطا على الأجور والأسعار، وأدخلت ضريبة على الدخل المرتفع. البنزين وبعض الأطعمة، أصبحت سلعا توزع بالبطاقة. توقفت المصانع عن إنتاج السلع الاستهلاكية مثل السيارات والغسلات، وبدأت تصنع الدبابات والمدافع والطائرات ومتطلبات الحرب.

كما خصصت مبالغ كبيرة تقدر ب 200 ألف مليون دولار على أبحاث غاية في السرية. الأبحاث السرية كان يشار إليها ب "مشروع منهاتن". ما دخل منهاتن بالموضوع؟ لأن العلماء كانوا يجتمعون للعمل سرا في المشروع في معهد كورانت التابع لجامعة نيويورك بجزيرة منهاتن، وهي أحد أحياء نيويورك الخمسة. في عام 1945، توصل علماء مشروع منهاتن إلى تفتيت الذرة وصنع أول قنبلة ذرية، وقاموا باختبارها بنجاح.

اتفق الحلفاء على هزيمة ألمانيا أولاً. في عام 1942، كانت ألمانيا تهاجم الاتّحاد السوفيتي بعنف. لمساعدة الروس، نصح الجنرالات الأمريكيون بسرعة غزو فرنسا، وكانت محتلة في ذلك الوقت بالجيوش الألمانية.

لكن ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الداهية، نجح في إقناع الرئيس الأمريكي روزفلت بمهاجمة ألمانيا أولا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ثم قامت قوات مشتركة من أمريكا وبريطانيا بالهبوط في شمال أفريقيا في نوفمبر عام 1942، لكي تنضم إلى القوات البريطانية المحاربة هناك.

القوات المشتركة، هزمت الجيش الألماني بقيادة الجنرال روميل. في عام 1943، قامت بغزو جزيرة صقلية، ثم شبه الجزيرة الإيطالية. بعد أشهر من القتال المرير، في 4 يونيو عام 1944، قامت جيوش الحلفاء بتحرير روما من السيطرة الألمانية.

بعد يومين، في 6 يونيو، غزت قوات الحلفاء نورماندي في فرنسا المحتلة من قبل ألمانيا. القائد الأعلى لجيوش الحلفاء، كان الجنرال الأمريكي ايزنهاور. في وقت مبكر من صباح يوم الغزو، وكان يسمى "دي-داي"، مئات الطائرات كانت تهبط لتفرغ حمولاتها من الرجال والعتاد على سواحل نورماندي شمال فرنسا. الجنود الألمان قاتلوا ببسالة لدفع الغزاة نحو البحر، لكنهم فشلوا.

بحلول نهاية يوليو، كان جنود الحلفاء يتسابقون داخل فرنسا. لقد تم تحرير باريس في 24 أغسطس، وبحلول سبتمبر، كانت قوات الحلفاء قد عبرت حدود ألمانيا غرب البلاد. لكن الألمان لم يكونوا قد انهزموا بعد.

في ديسمبر عام 1944، شنوا آخر هجوم ضاري في منطقة أردين ببلجيكا. ضغطوا على الخطوط الأمامية للحلفاء، ودفعوها إلى الداخل لعدة أميال. لكن الحلفاء استطاعوا الصمود وتنظيم أنفسهم، وبعد شهر تقريبا، قاموا بهجوم مضاد، لصد الهجوم الألماني. هذه المعركة، ثبت أنها آخر معركة هجومية لألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

في 25 أبريل عام 1945، الجنود البريطانية والأمريكية قابلت الجيش السوفيتي المتقدم على ضفاف نهر البي وسط ألمانيا. في 30 أبريل، أطلق هتلر النار على نفسه. ثم ألقى الجنود الألمان في كل مكان أسلحتهم. في 5 مايو عام 1945، استسلمت ألمانيا للحلفاء.

في المحيط الهادئ، أحرزت القوات المسلحة اليابانية بعض الانتصارات في وقت مبكر. في غضون أشهر قليلة فقط، اجتاحت جنوب شرق آسيا وجزر غرب المحيط الهادي. بحلول صيف عام 1942، كانوا قد غزوا أكثر من 1.5 مليون ميل مربع من الأراضي، غنية بالمواد الخام، ويسكنها أكثر من 100 مليون نسمة. تشمل الفيليبين، حيث كانت تحاصر آلاف القوات الأمريكية التي أجبرت على الاستسلام.

كانت أول هزيمة لليابان في مايو 1942. في معركة بحر المرجان. الطائرات الأمريكية دفعت أسطول غزو ياباني، كان يهدد أستراليا. في يونيو، عانت اليابان، ما هو أسوأ من ذلك. عندما هاجم الأسطول الياباني الرئيسي قاعدة بحرية أمريكية هامة في جزيرة ميدواي، قامت الطائرات الأمريكية بصد الهجوم، وأحدثت خسائر كبيرة بالأسطول الياباني. لقد خسرت اليابان 4 حاملات طائرات، وقتل العديد من أفضل الطيارين اليابانيين.

بحلول بداية عام 1943، اتفق الحلفاء الأميركيون والاستراليون والبريطانيون على خطة طويلة الأجل لهزيمة اليابانيين. قرروا الهجوم على ثلاث محاور. من أستراليا، طابور يتجه شمالا إلى اليابان مارا بالفيليبين. من هاواي، طابور آخر يتجه غربا مارا بجزر وسط المحيط الهادي. الثالث، يأتي عن طريق بورما مارا بجنوب شرق أسيا المحتلة باليابان.

بحلول يونيو عام 1943، كانت هجمات المحيط الهادئ قد بدأت. القوات الأمريكية تتقدم نحو اليابان عن طريق القفز فوق الجزر. بمعنى، تحتل الجزر الهامة استراتيجيا، وتترك الجزر الأخرى. في نهاية 1943 وبداية 1944، جيوش الحلفاء كانت تقترب من اليابان. في يونيو 1944، قوة ضخمة أمريكية قامت باحتلال جزر ماريانا. في أكتوبر، عادت القوات الأمريكية إلى الفيليبين لكي تقطع الطريق عن اليابان ومناطق احتلالها في جنوب شرق آسيا.

بحلول عام 1945، كانت اليابان في نطاق الهجمات الجوية. القاذفات الأمريكية شنت غارات مدمرة على المدن. في يونيو جزيرة أوكيناوا، أقل من 375 ميل من الساحل الياباني، سقطت في يد الأمريكان. القوات الأمريكية تستعد الآن لغزو اليابان نفسها.

لكن الغزو أبدا لم يأت. في 16 يوليو 1945، العلماء القائمون على مشروع مانهاتن، اختبروا أول قنبلة ذرية في العالم. النتيجة كانت مفزعة وصادمة. لقد توصلوا لصناعة أكبر سلاح مدمر شهده العالم على الإطلاق.

في 6 أغسطس، أسقطت قاذفة أمريكية قنبلة ذرية فوق مدينة هيروشيما اليابانية. بعد ذلك بثلاثة أيام، أسقطت القنبلة الثانية على مدينة ناجاساكي. القنبلتان الذريتان دمرتا المدينتين بالكامل، وقتل 200 ألف مدني. في 14 أغسطس عام 1945، استسلمت الحكومة اليابانية، وأتت الحرب العالمية الثانية إلى نهايتها.

هوامش على دفتر الحرب العالمية الثانية

في أوائل 1940s، أكثر من 100 ألف شخص من أصل ياباني، كانوا يعيشون في الولايات المتحدة. معظمهم في كاليفورنيا. عمال مهرة يتصفون بالجد والنشاط. بحلول عام 1941، على سبيل المثال، كان الأمريكان من أصل ياباني، ينتجون نصف ما تنتجه ولاية كاليفورنيا من فواكه وخضروات. البعض الآخر أصبح ناجحا كأطباء ومحامين ورجال أعمال.

بعد الهجوم على بيرل هاربور، بدأ الأميركيون البيض ينظرون إلى كل الأميركيين اليابانيين على أنهم إما جواسيس أو مخربين. كانوا يعاملون بشكل سيء. وكانت ترفض المحلات التجارية بيع الطعام لهم. في مارس عام 1942، أرسلت الحكومة جنودها لكي تأخذهم من بيوتهم وأماكن أعمالهم، وتضعهم في معسكرات اعتقال، تسمى مراكز تأهيل.

معظم معسكرات الاعتقال كانت في أماكن نائية صحراوية من البلاد. أكثر من 100 ألف أمريكي من أصول يابانية تم التحفظ عليهم بهذه الطريقة إلى نهاية الحرب. في السنوات اللاحقة، أدان الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية هذا الإجراء، ووصفه بأنه: "أسوأ انتهاك للحقوق المدنية للمواطنين الأمريكيين في تاريخنا".

لقد كان اعتقال الأمريكان من أصل ياباني أكثر من ظلم. كل الأدلة تظهر أنه لم يكن ضرورياً البتة. آلاف من أبنائهم المولودين في أمريكا، حاربوا بشجاعة في صفوف الجيش الأمريكي. ولم يشذ جندي واحد عن أداء واجبه الوطني، أو ثبتت عليه خيانة للولايات المتحدة مدة الحرب كلها.

هيروشيما 1945: صح أم خطأ؟

في تمام الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة، صباح يوم 6 أغسطس 1945، أسقط قاذفة قنابل أمريكية رقم 1329، قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما. بعد ذلك ب 45 ثانية، انفجرت القنبلة وانبعث منها ضي يخطف الأبصار. ثم سحابة فوق المدينة تشبه فطر عش الغراب، ترتفع إلى عنان السماء.

أسفلها هيروشيما قد تحولت إلى كرة جحيم ملتهبة. قطرها 18 ألف قدم. درجة حرارتها، 100 مليون درجة مئوية. صاح أحد طاقم الطائرة: "لقد انتهت الحرب"، لكن صرخ آخر: "يا إلهي ماذا فعلنا".

أمر الرئيس ترومان باستخدام القنبلة الذرية. كان يعتقد بأن استخدامه لها، قد أنقذ أرواحا كثيرة. لأنها أنهت الحرب بسرعة. منذ ذلك الحين، والجدل لا يتوقف عما فعله الرئيس الأمريكي. هل هو على حق، أم على خطأ؟

البعض يعتقد أن ترومان كان على حق. لأنه بدون القنبلة، كان على أمريكا غزو اليابان وإنهاء الحرب. عدد القتلى في هذه الحالة من الأمريكان واليابانيين، قد يفوق عدد من ماتوا فعلا بالقنبلتين الذريتين.

أشخاص آخرين لا يقبلون هذا المنطق. ويقولون إن الحكومة اليابانية كانت على استعداد للاستسلام قبل التفجيرات في كل الأحوال. وفي رأيي، استخدام القنابل الذرية خطأ بالغ تحت أية ذريعة. وقد كان من الممكن استخدام قنبلة واحدة، واسقاطها بعيدا عن المدنيين في منطقة صحراوية أو على جزيرة غير مأهولة مثلا كإنذار لليابانيين. لكن وإلى الآن لا يزال الجدل مستمرا.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي