حكم البكباشية أو اللواءات .. فشل و ضياع

محمد حسين يونس
2021 / 4 / 23

كثيرا ما تصيبني الحيرة .. في فهم و تفسير علاقات المصريين العاطفية المنحازة .. تجاة ضباط جيشهم ..فهم يتصورون دائما .. مهما كانت خيبات الأمل السابقة .. أن من يرتدى البدلة الميرى .. سوف يكون الأفضل.. وان أصحاب الكابات و غصون الغار .. لديهم قدرات خاصة علي مواجهة المشاكل غير متوفرة لدى غيرهم ..
قدرات (ميرى ) مرتبطة بالإنضباط و الكفاءة ..و الطهارة .. و العدل ..وقوة التحمل ...و في بعض الأحيان يضيفون المكر و الحكمة و مخادعة الأعداء .كما لو كانوا قد قدوا من عجينة خاصة تختلف في صفاتها عن أهاليهم .. أوأنهم بإنضمامهم للكليات العسكرية يتم تغيير جيناتهم بما يجعلهم متميزين
في( 23 يوليو 1952 ) رغم هزيمة الجيش القريبة في 1948 بفلسطين بسبب عدم تدريبهم أوكفاءتهم إلا أن الطبقة الوسطي المصرية عن بكرة أبيها قفزت ..تهتف وترقص وتنشد قصائد المدح في الضباط الاحرار الذين إنقلبوا علي مولانا الملك المعظم فاروق الاول ملك مصر والسودان ...
جماهير فرحة ..تغني لهم و تدعمهم و توزع الشربات و الحلوى .. و تهنيء بعضها بعضا .. دون أن تعرفهم أو تعرف خططهم أو إسلوبهم في مواجهة الفساد أو إستعدادتهم الفردية و الجماعية علي إدارة حكم رشيد .
لقد كانوا .. جماعة متأمرة غامضة من شباب الضباط ذوى الرتب المتوسطة.. يتلعثمون و هم يتحدثون.. ويضعون نظرات شمسية علي أعينهم كي لا تكشف لغة الجسد ضعف إمكانيتهم..ولا يجمعهم عامل موحد مشترك سواء كان ( طبقيا أو علميا أو ثقافيا أو ثوريا ) يدل علي سلوكهم المستقبلي سوى البدلة الميرى.و تقارب الرتب
كل منهم يتبني رأى مخالف لزملاءة (في أى موضوع) و يود أن يفرضه عليهم بروح (الثوار) ..يسهرون بالليالي في مجلس قيادة الثورة بالجزيرة يدخنون .. و يشربون شاى و القهوة .. و يأكلون سندوتشات فول و طعمية .. و يتناقشون فيما لا يفهمون.. و يتضاربون .. ثم يزيح بعضهم بعضا .. و يتهم فريق منهم الفرق الأخرى بالتأمر ضد الثورة الوليدة .
بل.. يحاكمون زملاء لهم بتهمة الخيانة العظمي و يسجنونهم بما في ذلك كبيرهم ..أو ينفونهم للخارج في وظائف دبلوماسية ..
في نفس الوقت يتحالفون مع أسوأ العناصر و أكثرها إنتهازية الكارهه للوفد في الشارع السياسي .
قد يتساءل البعض كيف عرفت هذا و قد كنت طفلا لم يتجاوزالثانية عشرإلا بشهور ..والرد .. من مذكراتهم الشخصية.. لخالد محي الدين و محمد نجيب .. و عبد اللطيف البغدادى .. و هي كلها في السوق أى ليست سرا .
و لكن الكبار(منا ) الأكثر وعيا كيف تحمسوا لدرجة الخروج في مظاهرات تأييد و دعم ..و الملك لم يزاح بعد .. إلا لو كان هذا بسبب عشقهم غير المبرر للبدلة الميرى التي لم يروا منها أى خير .. منذ جيوش محمد علي .. حتي جيش مولانا الملك فاروق .
لقد سارات المظاهرات في الشوارع - فيما يشبه المؤامرة - ترفض رجوع القوات إلي سكناتهم و تسليم الحكم لقوى مدنية في مارس.. 1954 وهي تهتف (( تسقط الديموقراطية )) ..
هل كنا سذج أم قليلي التجربة ..أم كان السواد حولنا شديد لدرجة قبول أن يحكمنا مجموعة .. من المتأمرين علي ملكهم ..و نتصور أنه سيأتي من خلفهم خير ... وسيخرجون بالبلد من مستنقع الإستعمار و التخلف إلي نور الحرية و الإبحار في المياة العالية ..أم هو شعور بالدونية قبلهم .. مترسب داخل نفوس المصريين منذ أن كان ضباط جيشهم من الباشوات والبكوات و أبناء الأمراء .
و مع ذلك .. ورغم دعم الشعب و محبته فإن ضباط يوليو لم يرونه حب وود و دعم .. و أمل فيهم للخلاص .. بل رأوه ضعف و غفلة .. و عدم تقدير من شعب جاهل حافي جعان ..
فزاولوا علية ما يتقنونه .. عنجهية فارغة و ديكتاتورية .. أمنية .. تأمرية بغيضة .. متسببين في الإضرار بالمصريين .
عندما الغوا الأحزاب و دمروا الحياة السياسية ..و سلموا ذقونهم للإخوان المسلمين ..و تولوا مراكز القيادة في وحدات الإنتاج او الخدمات ، مبدلين العلاقات السياسية و محتلين وزارة الخارجية ليصبحوا سفراء و وزراء مفوضين ..فارضين الوصايا علي من دعموهم ..
ثم مع الهزيمة القاسية في67 للمجتمع المفكك قبل الجيش المنهك في حرب اليمن و القيام باعمال المدنيين .. و إدارة السجون و المعتقلات .
ومع قرارات السادات غير المتزنه في علاقته بالعدو الإسرائيلي و ضرب اليسار و تمكين الوهابية من رقبة المصريين .
ضباط (اكتوبر) من الجنرالات لم يكونوا أفضل من البكباشية عندما حكموا .. فمبارك سقط بمصر و المصريين في خيات شبكات التبعية لامريكا .. و السعودية .. و الخليج .. و إسرائيل .. و لم يقدم للمصرىن جديدا إلا وحوش المليونيرات لا يتوقفون عن النهب وعصابات رجال البزنيس يمتصون دمهم
الغريب أن هذه التجربة المريرة مع حكم الضباط ( مجلس قيادة الثورة المتخبط - ديكتاتورية عبد الناصر - فاشية السدات - خمول مبارك ).. لم تغير مشاعر المصريين تجاة أصحاب الكابات و البيادة .. فقابلوا تنازل مبارك عن الحكم للجيش .. ببساطة كما لو كانت من طبيعة الأمور أن يحكم الضباط .. و لم يلتقطوا الخيط لإنشاء دولة مدنية ديموقراطية ليبرالية حرة .. و لم ينتهزوا الفرصة لتصحيح أخطاء 1952 .
فبعد 23 يوليو .. ب61 سنة بالتمام و الكمال .. يتكرر سيناريوالإلتفاف حول الجيش و خروج المصريون يهتفون للضباط القادة الذين إعتقلوا رئيس الجمهورية ..
و هم لا يعرفون عنهم ..إلا أن كبيرهم حرض الشعب علي التظاهر .. فهم لم يرونهم يخوضون معارك سلم أو حرب ..و لا شاهدوهم في نقاش وطني في ميدان التحرير .. و لا تعرفوا علي أسماءمجلسهم الأعلي و قدرات كل منهم علي الحكم الرشيد .. و لم يسمعوا منهم خططا.. و رؤية للإصلاح .. و لم يعرفوا لاى إتجاه سياسي يميلون .. كل ما حدث أن وزير الدفاع طلب تفويض(غامض لا معني له ) للقوات المسلحة لمحاربة الإرهاب .. و هل هذا يحتاج لتفويض ؟..
يوم الجمعة التالية ( 30 يوليو ) إحتشدت الملايين في الشوارع حول ميدان التحرير في حماية جنود القوات المسلحة من أجل تحقيق مطالب سيادة الوزير .. و دعم إعتقال رئيس الجمهورية .. و تدميرمقرات جماعته .
بكلمات أخرى تجعل من الأمر ملهاة ..
عندما أحاط بالمصريين المصاعب من كل جانب ( بسبب سياسات حضرات الضباط خلال 60 سنة ) .. لجأوا مياشرة لضباط الجيش ..
و منذ ذلك اليوم .. و ضع كبار القادة أنفسهم في موقف الوصي علي الشعب و الحاكم له .. و المراقب للحياة السياسية و الإجتماعية ... و المنفذ لسياسة البنك الدولي فيما يسمي بالإصلاح الإقتصادى .. و التعاون مع دول الخليج العربي و السعودية .. و التفاهم مع إسرائيل . ليبدأ كابوس مخيف لم تشهد الساحة المصرية منذ بداية القرن التاسع عشر حتي اليوم مثيلا له .
عاشرت الضباط لمدد طويلة ( ميرى و مدني ) و كنت واحدا منهم في يوم ما بعيد .. رأيتهم في جميع الظروف .. منذ أن إلتحقت بالكلية الحربية في أوائل الستينيات لأكون ضابطا مهندسا و كانوا هم القادة و المعلمين .. و حتي أحيلت للمعاش بسبب عجز طبي في السبعينيات .. فلم أجد فيهم ما يميزهم .. عن باقي المصريين .. و يجعل من حقهم أن يكونوا تلك الأوليجاركية العسكرية الأمنية .. المتحكمة ... يختالون علينا .. بمواكب حركتهم ..و يتنمرون بمن يخالفهم الرأى ..و يعوقون من يحاول الإصلاح .
عشت معهم في الصحراء نعد للمعركة .. و في اصقاع اليمن نبي سد في منطقة حرض شديدة البدائية و الخطورة .. و في أثناء حرب 67 .. و تعرضت للقتل كثيرا سواء من السعوديين أو اليمنين أو الأسرائيلين ..و ضمني مع 500 ضابط معسكر الأسر في عتليت.. و علي القنال بعد العودة نعيش في أقفاص تحت الأرض لنعد حوائط الصواريخ و خطوط الدفاع و الإستطلاع ..
و سهرت الليالي أتدرب علي العبورمع باقي القوات في الخطاطبة ..و رايت الزملاء في أصعب الظروف و أكثرها قسوة ..و عاينت تصرفات كل منهم تحت الضغط .. فلم أجد أنهم من طينة مخالفة لطينة المدنيين .. أو لهم صفات تفوق أخواتهم و أقاربهم و جيرانهم .. تجعلهم يتميزون .
سنجد منهم من لقي تربية قويمة و أصبح من ذوى الأخلاق الحميدة .. و منهم من عاش طفولته في ضنك و إهمال فأثر ذلك علي سلوكه .. ومنهم الذكي أو الشجاع و المغامر .. كذلك كان منهم ..الجبناء و المرتشين .. و المفتريين .. مثل باقي الناس .
لذلك لا أخدع أبدا بالألقاب أو بالزى الميرى .. أو بالعنجهية التي يتحدث بها كبار القادة ..
و لا أرى أنهم أفضل من أقاربهم و يستحقون كل هذا التهليل و التحيز لهم و حمايتهم بالقانون ..و بالاعراف..و بواسطة طبالين الإعلام و أجهزة البث و الدعاية ..
بل أستفز من الصورة المعلقة في الشوارع و الميادين لجندى شاب قوى يحمل طفلا .. و مكتوب أسفلها (( الجيش و الشعب إيد واحدة )) .. أو للكبارى القبيحة .. التي علي مدخلها (( يد تبني و يد تحمل السلاح )).. أو (( وعدنا و أوفينا )) إيه اللي حشركم في شغل المدنيين الذى لا تتقنونه .. و جعلكم تخرجون لنا هذه البلاوى .. و تنفقون عليها المليارات .
عندما أعلنوا عن أنه جارى العمل لإنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر .. إبتسمت .. و علقت مندهشا و منين الفلوس .. و إحنا مديونين لطوب الأرض .. كفاية عليكم الصوبات .. و زراعة الخيار و الفلفل .. و تربية الأسماك و المواشي .. التي تتناسب مع أصول جنودكم الريفية .. لكن بناء مدن .. و أبراج .. فهذا علم و فن ..لا يقوم به الهواة ..و المتطفلين ..و غياب الرؤية العلمية يؤدى لكوارث بيئية .. و إقتصادية .. و جمالية .. كنت أظنها دعاية .. لرفع الروح المعنوية للشعب كما فعلوا في تكريك قناة السويس
عندما إعتذرت شركة خليجية عن إتمام الإتفاق معهم .. و أحضروا الصينين .. وأحالوا الأمر للمهندسين العسكريين ثم بدأوا أنشطة البناء .. كنت مندهشا ..
ما خبرة ضباط الهيئة الهندسية في تخطيط المدن و تصميم المنشئات و حسابات الجدوى الإقتصادية أو المجتمعية ..لم أتصور ابدا .. أنه من الممكن و نحن نعاني من الفقر و التخلف و الديون ..أن نرتكب مثل هذه الأخطاء ..
حتي رأيت صور مبني فندقي قبيح علي هيئة ماسة سوداء في الصحراء و شهدت إحتفال إقامة الصلوات في اكبر جامع .. و أضخم كنيسة .. فعرفت إن الناس لا يهزلون في موقف الجد .. و أن المصرى الذى خرج في 2013 يحتمي بقواته المسلحة .. من الإرهاب ..
حصل علي كبارى و طرق و ناطحات سحاب و أبراج .. بدلا من الأمن و التنمية..
ثم و بصلف شديد (( أهو دة اللي عندنا و حنبني قصور و عمارات كمان و كمان )).. و اللي مش عاجبة نعرف نقنعه في السجون المفتوحة و أجهزة السيطرة الجاهزة .
الإعلان عن الشقق و الفيلات التي بملايين الجنيهات في التلفزيونات قبل و بعد برامج رمضان وفي جميع وسائل الإعلام .. ليست بهدف تشجيع المصريين علي الشراء و الإستثمار في مدنهم المرفهه .. فهو أمر بعيد عن منال 90% منهم .. بقدر ما هي تنمية و رفع درجة الإحساس بالدونية.. التى صاحبت علاقة الضابط الفقراء أو المليارديرات بالشعب حتي الأطباء و المهندسين منهم ..
الشاب الذى أغلقت أمامة جميع منافذ التكسب .. و فتحت علي الواسع لابناء الأجهزة السيادية و المتحكمين في رقاب الخلق .. و يرى عدم العدالة .. في توزيع الوظائف و المهام .. حتي لا يثور أو يتمرد أو يشتكي .. أو يحتج .. علية أن يبقي دائما في دائرة الإحساس بالدونية و العجز ..و يكتفي بمحاولة إخفاء مشاعرة و الصراع في غابة أبناء الطبقة العليوى التي .. تكونت من حصيلة بناء المدن الجديدة و الطرق و الكبارى و القصور ..و ما تم تبذيره عليها .
بناء مدينة جديدة في الخباثة .. دون مناقشة مجتمعية ,,وبالمواصفات التي يتحدثون عنها .. بين الحين و الأخر .. لم يكن مشروعا قوميا يلتف حولة الشعب المصرى .. كما إلتف حول بناء السد العالي و تزويد القرى و الكفور بالكهرباء .
للاسف
مصر مع حكم الضباط منذ 1952 و حتي الأن أضاعت فرصة النهوض عدة مرات ..أخرها بعد ثورة 2011 المسماة بالربيع العربي و إمكانية تعديل مسار المجتمع في إتجاة الحداثة ..و المعاصرة الحقيقية ..و ليست الشكلية.
الفرص الضائعة السابقة كان أبرزها ..و أكثرها تأثيرا علي مسيرة المصريين جاءت بعد الحرب العالمية الثانية و خروج العديد من البلدان في حالة التدهور إلي مستوى التماسك و الإنتاج ... فيما عدا المنطقة التي أصابتها لعنة الإنقلابات العسكرية و حكم الضباط
لقد كانوا في اوروبا وامريكا و الاتحاد السوفيتي قد غسلوا أيديهم من حرب مات فيها 50 مليون بشرى منذ سبع سنوات (لا تزيد) وبدأ كل طرف يستعد لدور عالمي جديد .
وكانت الطبقة الوسطي الصاعدة في مصر قد إستكملت كل أستعداداتها من خلال ثورة إجتماعية وثقافية الحقتها ( اى الطبقة ) بركب المتحضرين،
كما انها كانت قد إنتهت من تهميش دورشركاء النضال سواء من قيادات الفلاحين المؤيدين أو من رجال الاعمال، وأصبحت ترغب في تولي أمر نفسها وبلدها مزيحة لسيطرة الحلف غير المقدس بين (الانجليز محتلي منطقة قناة السويس والملك حفيد محمد علي والباشاوات كبار ملاك الاراضي )
فإنقلب البكباشية من صغار الضباط علي قادتهم وعمت الافراح الوادى.
كانت مصر في ذلك الوقت تنقسم الي فسطاطين أحدهما يسكنة من يمتلك الثروة والجاه والنفوذ والالقاب والبرلمان بشقيه (النواب والشيوخ) ويلبس الردينجوت والاسموكينج ويتكلم التركية او الانجليزية..
وفي مواجهته شعب لم تزل علامات كرباج السخرة واضحة علي جلده، جائع، جاهل، تفتك به الانكلستوما و البلهارسيا و الرمد وامراض سوء التغذية حافي لا يرتدى حذاءً، يساق للعمل في تراحيل ولا توجد لديه أية حقوق ومع ذلك يحمد المولي ويحرص علي أداء الفروض وزيارة بيوت الاولياء حيث يجود هناك بملاليمه عندما يطلب العون منها أو عندما يحتفل في زفة مولدها.
وكان بينهما شريحة من أبناء الطبقة الوسطي تنظر لأعلي بإعجاب وشبق و تمني ولأسفل بحزن عميق متدثر بفلسفة تعلمتها حديثا وخوف من السقوط .
أبناء الطبقة الوسطي في أغلبهم كانوا من أصول ريفية (يحملون كل أمراض الريف) بعد أن استطاع أهلهم توفير فرص تعليمهم فحصلوا علي مؤهلات تسمح لهم بأن يشغلوا وظائف عامة كضباط و قضاة ومهندسين وأطباء وصحفيين ورجال أعمال وكتبة ويعيشون (هكذا ) في المدينة
أو كانوا من رؤساء العمال أو صغار التجار والحرفيين والمدرسين أو إجمالا من الذين ليسوا من كبار الملاك أومن القابضين علي مفاتيح الحياة الاقتصادية وفي نفس الوقت لم يكونوا (ايضا) من المعدمين المعتمدين علي إيرادات الترحيلة .
عندما دفعت الطبقة بوجوه شابة جديدة للحكم وضعت في سلة التكليف بجوار الامنيات الطيبة مشاكل وتناقضات عديدة أيضا ..
أهمها التغلب علي ذلك الفارق الحضارى بين أهل الريف (من الآباء و الاجداد ) و أهل المدن )المطعمون بالاجانب واليهود( ..التغلب علي الانفصام بين ما يتعلمه ابناء الريف في الكتاتيب و مدارس الازهر الدينية و بين ما يتعلمه ابناء الحضر في الليسيه و الانجليش سكوول و فيكتوريا كولدج ومدرسة فاروق الاول الثانوية .. بين ما يتناوله الفقير بالمدينة بسهولة إذا جاع سندوتش فول او طعمية او رغيف ابيض وبيضة مسلوقة.. وما يتناوله الريفي بجهد فعليه النهوض كل صباح مبكرا من أجل اللحاق بالحلب والخبيز .. الكهرباء في المدينة ولمبة الجاز في الريف، المياة النظيفة في المدينة و الطلمبة الحبشي في الريف، الشوارع المسفلته في المدينة والدروب الترابية في الريف، الامن المستقر في المدينة وشيخ الغفر الحرامي في الريف .. الدعاة المتعلمون في جوامع المدينة و كسر الفقهاء في زاوية او مصلية القرية.. النظافة في المدينة والذباب والناموس وباقي الحشرات والقوارض في الريف ..
لذلك كان أول قرارات المنقلبون الذين مازالت أحذيتهم متربة بتراب جرن الوالد .. تدمير منظومة الزراعة منتقمين من كبار الملاك بتأميم الارض و تحديد الملكية و توزيع فدادين خمسة علي المعدمين وتوسيع مساحة الطبقة المتوسطه الريفية مع السيطرة عليها بواسطة زبانية الجمعيات التعاونية ...
ولكن الذى حدث كان شيء اخر لقد نزح أهل الريف هربا من الجوع وقلة الخدمات الي المدينة وعاشوا حولها في عشوائيات يغزونها كل صباح منتشرين في طرقاتها بحثا عن اى عمل وباى اجر ناشرين معهم أسلوب حياتهم في شوارعها و حول مرافقها أو بمعني أخر ( أريفة) المدينة بدلا من( تمدين ) الريف.
التكليف الاخر الذى لا يقل أهمية عن الاول كان إزاحة سيطرة الاجانب بعيدا عن مفاصل الحياةالاقتصادية فالاجانب كانوا يسيطرون علي شركات المياة و توليد وتوزيع الكهرباء والغاز و النقل و يديرون بكفاءة السكك الحديدية والتليفونات والرى .. ويمتلكون منافذ بيع عصرية عملاقة لتجارةالجملة والقطاعي ويوجهون المدارس والبنوك و مؤسسات المجتمع المدني
وكانت هناك حركة سياسية بدأت مع طلعت حرب و إستمرت تدعو الي مواجهة الصناعات الاجنبية بتكتلات محلية (مثل مشروع القرش لبناء مصانع طرابيش بدلا من إستيرادها )..
لذلك كان القرار الثاني لرجال الانقلاب هو تمصيرممتلكات الاجانب و التخلص من أغلبهم بما في ذلك من يديرون قناة السويس علي أن يحل محلهم مصريون ظلوا يتخبطون في إدارتهم ولا يتقنون العمل لتتدهور كل المرافق التي تم تأميمها ،وفي مرحلة تالية تلحق بها المصانع التي تم ضمها الي القطاع العام الذى لم يصنع الابرة ولم يطلق الصاروخ .
التكليف الثالث كان الاستقلال التام او الموت الزؤام والذى ضحت من أجلة الجماهير بالعشرات بل بالمئات من الفدائيين والمتظاهرين والمقاطعين للعمل في معسكرات الانجليز ..
وهكذا بدأت مفاوضات الجلاء فورا ثم إنتهت عام 1956 بفصل السودان عن مصر وتقديم ضمانات وتعهدات(مصرية ) لتنظيم حماية الملاحة في القناة جعلت الانجليز يحتفظون بمخازن معداتهم لا تمس لاستخدامها في حالة الرجوع لتأمين المنطقة و الدفاع عنها ،و هو ما حدث فعلا ففي نفس السنة التي غادرفيها الانجليز بورسعيد عادوا ومعهم فرنسا و إسرائيل لتبدأ معارك كر وفر حول المنطقة فتنقطع الملاحة بالقناة لاكثر من مرة وتحبس سيناء عن الوادى لعقود طويلة و ها هي المعارك لم تنته بعد.
التكليف الرابع كان تكوين جيش قوى حديث يعيد أمجاد ابراهيم باشا (دون هزائمه ) و يحمي ارض مصر من عدوان (عصابات الدولة المزعومة ) و لكن كان هذا يستلزم إعادة تسليح القوات المسلحة ، الذى فشلت مفاوضاته غربا فإتجهت الطبقة المتوسطة الحاكمة شرقا لتكون جيشا (شرقيا )خاض خمسة حروب (56، اليمن، 67 ثم الاستنزاف، 73 ) لم يحقق فيها نصرا حاسما أبدا .
بقي من سلسلة التكليفات إقامة حياة ديموقراطية سليمة.. وكان تصور ابناء الطبقة الوسطي الحاكمة له ( بسبب عجز كوادرهم الحزبية المدربة ومحدودية خبرتهم ) أن أفضل نماذجها هو ما طبقه (ستالين ) كمركزية ديموقراطية مسيطره بواسطة حزب واحد علي مقدرات الجميع وأن تحالف قوى الشعب العامل ستكون الأداة المناسبة للبناء وحلا يتناسب مع طبيعة شعبنا التي لا تقبل صراعات ديموقراطية الغرب. ثم اثبتت الايام والليالي ان التحالف كان بين عناصرالانتهازية غير العاملة و المتفرغة للتسلق ونهب الاموال وتسليم الشرفاء لاجهزة الامن التي لها سجون ومعتقلات أكثر من المدارس و المستشفيات.
لقد فشلت الطبقة الوسطي البيروقراطية في أن تحقق المهام الموكلة إليها حتي ملامح تحرر المرأة ومساواتها مع الرجل التي ظهرت في المدارس و الجامعات و مجلس الشعب و اماكن العمل نتيجة لكفاح خاضته الجدات منذ ثورة 19 تقلص وترك مكانه لميكانيكا التحرش الذى ساد بين الجميع (خصوصا بين الراقصة والسياسي ).. وسيادة قوانين المواطنة بين اصحاب الديانات المختلفة تحولت لتعصب وكوته منحطة مذلة للطرفين الطالب و المانح ، والفن الراقي الذى بني اساساته ثروت عكاشة تحول الي رقاعة لا تتم الا في الكباريهات .. والتعليم المجاني أصبح أكثر أنواع التعليم في العالم كلفة وأقلها فائدة .. هل نكمل أم نعرف جميعا ما حدث ويحدث حولنا منذ اربعة عقود حكمت فيها مصر طبقة متوسطة منفتحة...تحولت الشريحة العليا منها خلال العقد إلي رأسمالية طفيلية كومبرادورية الملامح .. تمارس علي الطبقات التالية لها تحكما بوليسيا أمنيا .. مانعا لأى درجة من درجات الحرية الفردية أو الجماعية ..ومسطحا طموحات الشارع إلي الإحتفال يتحريك جثث القدماء من متحف لأخر ..و الفخر بالبرج الذى تبنية في الصحراء .
لقد خانت الطبقة الوسطي أحلام المصريين .. سواء عندما حكم البكباشية .. أو حكم اللواءات .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول