قصة الولايات المتحدة (23) – روزفلت وعلاج الكساد

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 22

روزفلت وعلاج الكساد

في يوم سبت بارد رمادي اللون، من شهر مارس عام 1933، أدى فرانكلين روزفلت اليمين كرئيس للولايات المتحدة. لمدة مائة يوم، من 8 مارس إلى 16 يونيو، أرسل روزفلت إلى الكونجرس فيضا من المقترحات لقوانين جديدة. "لقد طالبني الشعب الأمريكي بالعمل، وها أنا أحيل ما قد طلبوه إليكم." قال روزفلت للكونجرس.

العديد من القوانين الجديدة، التي تنشئ تنظيمات حكومية مستحدثة، لكي تكون فرق عمل، لمساعدة الأمة على التعافي من مشكلة الكساد العظيم. مثل، فيلق الحماية المدنية، وظيفته حماية البيئة، وإيجاد عمل لآلاف الشباب. أيضا، إدارة إغاثة الطوارئ الاتحادية، تمنح حكومات الولايات الأموال لمساعدة العاطلين عن العمل والمشردين.

كذلك، إدارة التعديل الزراعي، كانت تهدف إلى رفع أسعار المحاصيل عن طريق حث المزارعين على إنتاج أقل. وهيئة وادي تينيسي، التي قامت ببناء شبكة من السدود لتوليد الكهرباء، ووقف الفيضانات في المنطقة الجنوبية الشرقية للولايات المتحدة. أما إدارة الإنعاش الوطني، فدورها التأكد من أن الشركات تدفع أجورا مناسبة وتبيع بأسعار عادلة.

في أبريل عام 1933، بعد أسابيع قليلة من تولي الرئيس روزفلت أمر البلاد، نشرت الصحف الأمريكية قصة مثيرة للقلق. القصة جاءت من مزارعي الغرب في ولاية أيوا. تقول إن المزارعين قاموا بالاعتداء على قاض، كان ينظر في قضية مزارع مدين. لقد قاموا بجر القاضي في الشارع، وكادوا يقتلونه.

بحلول عام 1933، كان العديد من المزارعين الأميركيين في موقف لا يحسدوا عليه. بيع حمولة عربة من الشوفان، كانت بثمن أقل من سعر زوج أحذية. أسعار العديد من المحاصيل الأخرى كانت منخفضة جدا، لا تغطي حتى تكاليف الحصاد. المزارعون كانوا يتركون محاصيلهم تتعفن في الحقول.

خلال المائة يوم الأولى، أنشأ روزفلت وكالة التعديل الزراعي، بهدف مساعدة المزارعين. حاولت الوكالة اقناع المزارعين بتقليل الانتاج من اللحوم والقطن والذرة وغيرها من المحاصيل. الفكرة، هي جعل هذه المحاصيل شحيحة في السوق، بحيث ترتفع الأسعار. وهذا أفضل للمزارع. المزارع الذي يوافق على الانتاج القليل، سوف تعوضه الحكومة بالفرق. أي سوف تدفع له ثمن الكمية التي لم ينتجها. أمر معكوس.

لكثير من الناس هذا يبدو شيء مضحك. مع الملايين الجياع، تقوم الحكومة بدفع مبالغ للمزارعين، لا لزراعة الغذاء، ولكن للحد من انتاج الغذاء. هل رأيت شيئا مثل هذا من قبل؟

لكن الغريب في الأمر، أن هذا المخطط، كما كان يطلق عليه، قد أتى أكله. بحلول عام 1936، كان المزارعون يكسبون نصف ما كانوا يكسبونه من قبل. وبحلول عام 1939، كانوا يكسبون الضعف.

الشعب الأمريكي كان يعرف كل هذا. ولاحقا كان يعرف هذه المنظمات بالأحرف الأولى من أسمائها. دعونا ننظر عن كثب في عمل بعض هذه المنظمات أو الإدارات الحكومية.

كان يعتقد روزفلت أن مهمته الأكثر إلحاحا، هي العثور على عمل للناس. وظائف. كان قلقاً بشكل خاص على الشباب. الآلاف منهم كانوا يركبون خلسة فوق أسطح قطارات البضائع، ويتنقلون من بلد إلى بلد، بحثا عن وظيفة.

لقد أنشأ روزفلت فيلق الحماية المدنية (حماية البيئة)، لمساعدة في خلق وظائف تناسبهم. في شهر أغسطس عام 1933، كان هناك 250 ألف شاب، في معسكرات عمل في جميع أنحاء البلاد.

هؤلاء الشباب، اللي زي الورد، كانوا يقومون بالأعمال الصعبة، مثل شق الطرق خلال الغابات، وتقوية ضفاف الأنهار حتى لا تنهار بالفيضانات. وكانوا يزرعون الأشجار في التربة، حتى لا تذروها الرياح. هذا فقط مقابل الغذاء والمأوى وأجر دولار واحد في اليوم. وصدق أو لا تصدق، كان هؤلاء الشباب يقومون بإرسال هذا الدولار لمساعدة أقاربهم الأقل حظا. هكذا كان الحال أيام الكساد العظيم.

لقد رأيت بنفسي أحد هذه الطرق بجوار مسكني في أحد أحياء مدينة نيويورك، الطريق يشق الغابة بالطول إلى أن ينتهي إلى البحر. لكن الطريق لم يستخدم قط، وهو الآن تنمو خلاله الحشائش الضالة.

عندما سألت صديقي الأمريكي عن حكاية هذا الطريق. قال إنه قد مهد في الثلاثينيات أيام فترة الكساد. وبعد الانتهاء منه، تحولت الغابة إلى محمية طبيعية، فلم يستخدم قط.

أما إدارة تقدم الأعمال، فهي إدارة أنشأها روزفلت عام 1935. تهدف إلى خلق وظائف أيضا للأمريكان. بحلول عام 1937، تم مد آلاف الأميال من الطرق الجديدة، وآلاف المدارس والمستشفيات.

لقد أوجدت هذه الإدارة وظائف، حتى للكتاب والفنانين. الكتاب كلفوا بوضع دليل سياحي لكل مدينة وولاية. الفنانون، طلب منهم رسومات ولوحات لكي توضع في المباني الحكومية ومكاتب البريد للتجميل والزينة.

الإدارتان السابقتان، قامتا بتوظيف ملايين الأمريكان. بين عامي 1935 و1942، إدارة تقدم الأعمال وحدها، قامت بتوظيف ثمانية مليون أمريكي. هذا يعني أن الناس أصبحت قادرة على إعالة نفسها مرة أخرى. لقد استعادوا الاعتماد على النفس واحترام الذات.

ليس هذا كل ما في الأمر. بل الأجور الهزيلة التي كانوا يحصلون عليها، ساعدت في عودة الحياة للتجارة. الحوانيت بدأت تستقبل الزبائن من جديد. المصانع بدأت تعمل لاستيفاء الطلبات. الفلاحون وجدوا أخيرا من يشتري محاصيلهم.

هذا ما كان يأمله روزفلت. كان يعتقد أن وضع المال في جيوب الناس، مثل وضع البنزين في السيارة التي توقفت عن المسير. الآن محرك السيارة سيعمل من جديد، لكي يقود قاطرة الاقتصاد الذي تحيا به البلاد.

تينيسي هو أحد الأنهار العظيمة في أمريكا. إنه يجري في منطقة من شرق الولايات المتحدة، كبيرة في مساحة ألمانيا الغربية تقريبا. كان وادي تينيسي واحة من الأشجار. لكن أجيال المزارعين المتعاقبة، قاموا بقطع الأشجار لحرث الأرض وزراعة الذرة والتبغ والقطن.

كل هذه المحاصيل كانت تذرع في الربيع، وتحصد في الخريف. في فصل الشتاء، كانت تترك الأرض بلقعا خالية من الزرع. فتأتي الأمطار الغزيرة لكي تجرف التربة الخصبة. نفس الأمطار في كثير من الأحيان، كانت تسبب فيضانات تدفع الناس لترك منازلها.

بحلول عام 1933، استنفدت أرض وادي تينيسي. كانت تنتج محاصيلا رديئة عاما بعد عام. كانت هذه الأرض لزارعها، مجرد عمل شاق، وجوع مستدام، ووادي فقير لا أمل فيه. ثم أقام روزفلت إدارة وادي تينيسي، لثلاثة أهداف. وقف الفيضانات، توليد الكهرباء، وإعادة خصوبة الأرض مرة ثانية للزراعة.

منذ عام 1933 فصاعدا، وادي تينيسي أخذ يكتظ بالآلات الثقيلة، والسدود الضخمة من الخرسانة المسلحة. عندما تهطل الأمطار الغزيرة، تحجزها السدود في بحيرات صناعية كبيرة. مع توجيه نفس الماء من خلال التوربينات، تتولد الكهرباء.

إدارة وادي تينيسي، قامت أيضا ببيع الكهرباء للفلاحين بثمن بخس. الكهرباء تستخدم لتشغيل مصانع جديدة للورق والألومنيوم والمواد الكيميائية والأسمدة. هذه المصانع تعني فرص عمل جديدة وحياة أفضل لشعب وادي تينيسي.

بالإضافة إلى ذلك، قامت إدارة وادي تينيسي، بزراعة ملايين الأشجار، وأقنعت المزارعين بزراعة محاصيل مثل العشب والبرسيم في الشتاء. هذا لتغطية الأرض على مدار السنة، ومنع أمطار الشتاء من غسل التربة. لقد أصبحت الحقول والتلال في وادي تينيسي خضراء مرة، وعولجت مشكلة تجريف التربة بالأمطار والسيول.

أهمية إنجازات إدارة وادي تينيسي، لا تقل عن أهمية طريقة تنفيذها. في 1930s، كان الناس في العديد من البلدان، مستعدين لتقبل حكم الطغاة، كمحاولة يائسة للخروج من دائرة البؤس والفقر والبطالة التي وجدوا أنفسهم فيها. لكن، أن تأتي إدارة مثل إدارة وادي تينيسي، وتفعل باسم الديموقراطية ما فعلت من معجزات، لهو شيء مذهل حقا.

لم يكن الناس، لا رأي لهم فيما يخص حياتهم، كما هو الحال بالنسبة للنظم الديكتاتورية. لكن، كانت إدارة وادي تينيسي، تشجع الناس على القيام بدور أكثر نشاطا. أنشأت لهم جمعيات تعاونية لبيع الكهرباء، وتنظيم الأسواق للمنتجات الزراعية.

مثل هذه الجمعيات كانت تدار من قبل الناس أنفسهم. لقد قدموا خبرة قيمة في مجال الديمقراطية، بالعمل على المستوى المحلي. حتى تصل الديموقراطية إلى جذور القواعد الشعبية.

كان يعتقد روزفلت، أن هذا الجانب من نشاط إدارة وادي تينيسي والخاص بإشراك الناس في الأنشطة، شيء مهم، بل أهم الأشياء. في عام 1940، كانت جيوش هتلر، على وشك تدمير آخر معاقل الديمقراطية في أوروبا.

في شهر سبتمبر. سافر روزفلت إلى وادي تينيسي لافتتاح سد جديد. في خطابه، أشار إلى إدارة وادي تينيسي، كدليل حي على ما يمكن أن تحققه الديموقراطية كأسلوب للحكم.

"هذه الإنجازات الهائلة التي نراها، لم تأت بالإجبار. بل أتت عندما اجتمع آلاف سكان المدينة وبذلوا جهودا مشتركة. لقد ناقشوا وجادلوا. لم يُجبر أي مزارع على الانضمام لهذه المجالس. ولا أحد أجبر على العمل رغم أنفه بدون أجر. ولم يفقد أحد حريته التي نقدرها أعلى تقدير. هذا هو دليل على ما يمكن للديمقراطية أن تفعله." انتهى كلام روزفلت.

في عام 1935، أقنع روزفلت الكونجرس بتمرير قانون لحماية حق العمال في الانضمام إلى النقابات العمالية. ثم أعرب روزفلت عن أمله في أن هذا القانون، سوف يعطي العمال فرصة أفضل للمساومة مع ارباب العمل.

لكن بعض أصحاب العمل الكبار، مثل هنري فورد، كانوا يكرهون النقابات العمالية. يقومون بفصل أي عامل ينضم لنقابة. مما أدى إلى إضرابات وقلاقل في المناطق الصناعية بالبلاد، كلما حاولت النقابات الاعتراف القانوني بها.

لوقف هذه المتاعب، صدر قانون نقابات آخر. يعرف بقانون فاجنر. قانون فاجر يعطي كل عامل الحق في الانضمام إلى نقابة. ثم تم إنشاء مجلس عمل وطني لحماية هذا الحق.

بالرغم من الإصلاحات الاقتصادية، لا يزال الأمريكيون يعيشون في خوف. ماذا لو فقدوا وظائفهم مرة أخرى؟ هل سيرجعون إلى طوابير العيش؟ الإجابة هي "لا"، أجاب روزفلت. ثم قام بتمرير قانون الضمان الاجتماعي عام 1935.

يعطي قانون الضمان الاجتماعي، معاشا للأشخاص غير القادرين على العمل بأنفسهم. كبار السن، الأرامل، والعمي، على سبيل المثال. وينشئ نظام تأمين ضد البطالة. وأنت تعمل، تسدد جزءا من مرتبك، ويسدد صاحب العمل الجزء الباقي من قسط التأمين.

لم يؤيد كل رجال الأعمال الأميركيين صفقة روزفلت الجديدة. قال البعض إن البلاد لا تستطيع تحمل الأموال التي ينفقها. قال آخرون إن الكثير من المال يضيع على أي حال. هم يخشون أيضا، أن سياسات روزفلت من شأنها أن تجعل الناس كسالى. "لا يمكنك تنظيم العالم كله." اشتكى أحد رجال الأعمال. "دع البقاء للأقوى، وهذا هو قانون الطبيعة بعد كل شيء ".

لكن مثل هذه الانتقادات، لم تؤثر في شعبية روزفلت. بالنسبة لملايين الناخبين، هو الرجل الذي خلق لهم وظائف، وحفظ منازلهم ومزارعهم. في عام 1936، عاد انتخابه بنسبة لم تحدث من قبل. بعد ثلاثين عاما، سائق سيارة أجرة في نيويورك، لا يزال يذكر كم كان يشعر الأميركيون نحو روزفلت في تلك السنوات. قال في حديث تليفزيوني عند سؤاله عن روزفلت: "لقد كان الإله في هذا البلد".

لكن، بحلول عام 1939، بالرغم من قوانين روزفلت الجديدة، عشرة ملايين عامل أمريكي فقدوا وظائفهم. في سبتمبر من نفس العام، دخلت جيوش هتلر بولندا، معلنة ببدء الحرب العالمية الثانية.

سرعان ما أصبحت الولايات المتحدة، هي المورد الرئيسي للأسلحة إلى البلدان التي تقاتل هتلر. أو كما وصفها روزفلت، "ترسانة الديمقراطية". المصانع الأمريكية بدأت تعمل ليل نهار. أعداد العاطلين عن العمل بدأت في التناقص. في عام 1941، انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب واختفت البطالة.

الرئيس روزفلت، أصبح الآن مشغولا، وليس لديه وقت للإصلاحات الداخلية. الهدف الآن هو كسب الحرب. جهود روزفلت لكسب الحرب، أنهكته. في عام 1945، بات رجلا مريضا. أسابيع قليلة قبل انتهاء الحرب، في صباح 12 أبريل، أصيب بسكتة دماغية. خلال ساعات، توفي. نائبه، هاري ترومان، أخذ مكانه كرئيس للولايات المتحدة في وقت صعب.

في هذا الوقت، معظم الأميركيين كانوا أفضل حالا من أيام الكساد العظيم. يرجع البعض أن هذا بسبب الحرب. لكن الكثيرين يعتقدون أن السبب، هو قوانين الإصلاح التي قدمها روزفلت.

القوانين الجديدة قد غيرت نظرة الأميركيين إلى الحكومة. قبل قوانين الاصلاح، كانوا ينظرون إلى الحكومة على أنها مجرد شرطة لحفظ النظام وتطبيق القوانين. بينما يترك رجال الأعمال ليكي يعملوا لإثراء البلاد.

الكساد، أضعف هذه المقولة. روزفلت علم الأمريكان، أنه عن طريق الحكومة، يمكن أن يجد كل واحد فرصته في الحياة الكريمة. لذلك، لايزال الكثير يذكرونه بكل الاحترام والحب.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية