الإسلام والإغتيال السياسي

سعود سالم
2021 / 4 / 21

إن التاريخ السياسي لكافة شعوب العالم مليئ بجرائم القتل والإغتيالات والتصفيات الجسدية والحروب والإبادة الجماعية لمجموعات بشرية كاملة. تاريخ البشرية تاريخ تسبح فيه الحضارات الديموقراطية والقمعية السلطوية جنبا إلى جنب على بحار من الدماء والرؤوس المقطوعة والأشلاء والمقابر الجماعية والحرائق والأنقاض. ومن هذا الجانب ليس هناك مجتمع أكثر مسالمة أو حضارية من الآخر، لأن مرتكبي هذه المجازر لا علاقة لهم بالشعوب، بل هم طبقة معينة تتواجد على قمة السلطة في كل زمان ومكان ويحملون جميعهم نفس الإسم ونفس الهوية "قاتل"، رغم إختلاف اللغة أو الزمن أو الجغرافيا، جميعهم يحملون علامة قابيل على جباههم. ربما الفرق الوحيد يكمن في الأدوات المستعملة للقتل وللإغتيال والإبادة، من الحجر الذي شج به قابيل رأس أخيه هابيل حسب الأسطورة اليهودية، إلى السيوف والخناجر والسهام المسمومة، إلى الأسلحة النارية بمختلف أنواعها وعياراتها المتعددة من بنادق ومسدسات ورشاشات، إلى المتفجرات والقنابل الجرثومية والكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والعنقودية والقنابل النووية المختلفة. عبقرية الإنسان في إختراع أسلحة جديدة وتطوير الأسلحة القديمة لا يضاهيها في الحقيقة سوى إزدياد الأسباب والدوافع لمزيد من المجازر كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة. فالإغتيال سياسة رسمية تمارسها العديد من الأنظمة في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب، كل حسب إمكانياته وقدراته المادية العسكرية والإقتصادية. والإغتيالات العديدة التي تمارسها إسرائيل وأمريكا والمعروفة من العالم أجمع ومن كل المنظمات الدولية، هي إغتيالات سياسية تدخل ضمن البرنامج الأمني لهاتين الدولتين، منظمة ومبرمجة ومنفذة من قبل الدولة ذاتها وبأوامر من أعلى المسؤولين في الحكومة لأغراض أمنية وإقتصادية وسياسية تتعلق بالحفاظ على مصالح ومكانة أمريكا وإسرائيل من منطلق الحرب الوقائية وقتل العدو قبل أن يقتلني. ومن المفارقات التاريخية التي تستحق الإنتباه، أن هذه الإغتيالات التي تمارسها الدولة الإسرائيلية منذ عشرات السنين تجاه الفلسطينيين الرافضين للتطبيع السياسي وللإحتلال والإستيطان الإسرائيلي من قيادات فلسطينية في لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وفي تونس والعديد من الدول الأوروبية، وخلال الانتفاضات الفلسطينية المتتالية، أو في إيران حيث تم إغتيال العالم النووي محسن فخريزاده في نوفمبر ٢٠٢٠ Dr Mohsen Fakhrizadeh، حيث قامت إسرائيل باستخدام العديد من الوسائل القتالية وعلى رأسها القصف الجوي والمدفعي والسيارات المفخخة والعديد من الطرق المختلفة لتصفية العديد من السياسيين والنشطاء والمقاومين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وأيضا في سوريا والعراق وإيران ولبنان، هذه الإغتيالات المتعددة داخل المقاومة الفلسطينية تشبه في طبيعتها وأهدافها إلى حد كبير الإغتيالات التي أمر بها الرسول محمد بنفسه ضد أعيان اليهود وقادتهم في بداية قيام الدولة الإسلامية في المدينة. ذلك أن دعوة محمد في مكة لم تعط نتائجها المرجوة، فبعد ثلاثة عشرة عاما من الدعوة و "نزول" أكثر من ثلثي القرآن، لم يدخل الإسلام سوى 145 فردا، لأسباب عديدة وتحتاج إلى دراسة خاصة، مما يقوض نظرية إعجاز القرآن ولغته السماوية والإلهية. وإن كان من المؤكد أن أحد هذه الأسباب هو سبب إقتصادي من الدرجة الأولى. مكة في ذلك الوقت كانت مركزا تجاريا ومركزا دينيا تحج إليه كل القبائل العربية ومحطة رئيسية في طريق التجارة الدولية، وكانت قبيلة قريش تسيطر على هذه التجارة ومصدر ثروتها الوحيد. غيرأن هذا النشاط التجاري وهذه الثروة كانت ترتبط إرتباطا وثيقا بآلهة القبائل العربية وأصنامها " فالتجارة في مكة، منها وإليها، مع القبائل العربية ومع الشام واليمن والعراق والحبشة، كل ذلك كان مرهونا بالحج إليها، إلى الآلهة التي أقيمت لها أصنام فيها، ومرهونا كذلك بالأمن الذي يوفره الحج للتجارة في الأسواق، وفي المكان الحرم والأشهر الحرم. وإذن فالمس بآلهة قريش هو مس مباشر بتجارتها. إن الدعوة المحمدية التي يقوم مشروعها على ربط الناس، جميع الناس، بإله واحد، متعال، يوجد في كل مكان، ولا تعترف بإله آخر سواه، ولا بوسائط ولا شفعاء، إن هذه الدعوة قد نظرت إليها قريش من منظورها التجاري، فرأت فيها إعلانا للحرب على مواردها الإقتصادية، دعوة إلى إغلاق الأسواق وإلغاء المواسم والمعارض وشل الحركة التجارية نهائيا" ( العقل السياسي العربي - محمد عابد الجابري ) وكان على محمد أن يهاجر إلى المدينة بعد أن وجد مساندة من بعض قبائلها، ليس خوفا من قريش، وإنما لتنفيذ برنامجه السياسي العسكري. فقد توصل إلى أن قريش لا تهمها آرائه الدينيه بقدر ما يهمها نتائج هذه الآراء على وضعهم الإقتصادي والسياسي، فقرر أن يقوم بالضغط على قريش بواسطة قوة السيف ومهاجمة طرق التجارة والإستيلاء على قوافلهم. ففي خلال عام واحد من إستقراره في المدينة نظم سبع غزوات بهدف الإستيلاء على القوافل التجارية القرشية وبهدف الضغط على قريش إقتصاديا. ومنذ الأيام الأولى كتب المعاهدة المعروفة باسم "الصحيفة" بينه وبين اليهود، وهي تحدد العلاقات الداخلية بين المهاجرين والأنصار وبينهم وبين اليهود في حالة الحرب. فالهجرة إلى المدينة كانت الخطوة الأولى في حرب شاملة ضد قريش أستعمل فيها محمد كل الوسائل المتاحة أمامه من غزو وقطع الطرق على القوافل أو الهجوم على كل من يساند قريش وأعوانها. وكان الإغتيال إحدى الوسائل التي لجأ إليها ضد بعض اليهود وبعض رؤساء القبائل العربية الذين كانوا يناصبونه العداء ويشكلون خطرا على برنامجه السياسي والعسكري. كانت في المدينة تجمعات يهودية تعيش غالباً في حصون بعيدة عن مركز المدينة، وقبائلهم الرئيسية هي بنو النضير وبنو القينقاع وبنو قريظة، إلى جانب يهود خيبر التي تقع حصونهم خارج يثرب على طريق الشام. وحاول محمد في البداية التحالف معهم ضد مشركي مكة في المعاهدة المذكورة" الصحيفة" كما سبق القول. لكن اليهود أدركوا أن انتشار الإسلام وقيام مركز ديني قوي في المدينة سيضعف من مكانتهم ونفوذهم في جزيرة العرب. فكان البعض منهم يحرض قريش ويساندها سرا للقضاء على محمد وجماعته، فكان من الطبيعي أن يحاول محمد التخلص من هؤلاء المعارضين، وكانت وسيلته في ذلك مثله مثل أي سياسي آخر: الإغتيال. فأمر بإغتيال كل من : كعب بن الأشرف، سلاّم بن أبي الحُقيّق، ابن سنينة، عصماء بنت مروان، أبو عفك من اليهود، ولكنه أمر أيضا بإغتيال بعض رؤساء العشائر العرب، مثل خالد بن سفيان، رفاعة بن قيس الجشمي، وعَبْهَلة ـ الأسود العنسي. ولم يكتف محمد بإغتيال بعض قادة اليهود وزعمائهم، فعندما قويت جماعته فإنه قام بنفي وإجلاء يهود بني قينقاع ويهود بني النضير إلى الشام والإستيلاء على أموالهم وأراضيهم. أما يهود بني قريظة، فقد كانوا أقل حظا من إخوانهم، فقتل جميع البالغين من الذكور - وكانوا ما بين 600 و 900 رجل، وقسم أموالهم ونسائهم وأطفالهم على جماعته من المسلمين. إن ما نشاهده اليوم من إغتيالات تقوم بها بعض الجماعات الإسلامية ليس ظاهرة جديدة سقطت علينا من السماء، أو تكتيك جديد أبدعته بعض العقول السياسية النشطة، الإغتيال ظاهرة قديمة متجذرة في العقل السياسي العربي والإسلامي، ولا سبيل للتخلص منها نهائيا إلا بتواجد وخلق منطق سياسي آخر، مبني على أسس جديدة بعيدة عن الله وعن محمد وعن القرآن والحديث وما شابه ذلك من غيبيات وتعاليم عبثية يفسرها كل إنسان كما تتطلبه مصالحه الآنية المباشرة. للتخلص من العنف الديني، ليس هناك حل آخر سوى التخلص من الدين وإبعاده عن الحياة السياسية للمجتمع.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب