الإِسْلاَم: كارِثة طَويلة الأَمَدْ!

سهيل أحمد بهجت
2021 / 4 / 21

تابعوني على تويتر @SoShow11 و اشتركوا في قناتي على يوتيوب https://www.YouTube.com/c/SohelBahjat
هناك نوعان من الكوارث الّتي قد يوجهها البشر على هذا الكوكب الذي يحوي الآن ما يقارب ال8 مليارات إنسان.
أولا: الكوارث الطبيعية كالزلازل و البراكين و ما يصاحبهما من أمواج هائجة (تسونامي) لا تقلّ عنها تدميراً إلى جانب عدة ظواهر أخرى قد تهدد المجتمعات البشرية و الجنس البشري بشكل عام! و هذه الكوارث يصعب – و أحيانا يستحيل – تفاديها و لكننا نستطيع تقليل أضرارها بطرق علمية و عملية.
ثانياً: و هذه الفقرة مهمة لنا – هي – الكوارث الّتي تنتجها المجتمعات البشرية و لأسباب تتعلق بالثقافة و العقلية السائدة في بيئة معينة و يمكننا وصف الحربين العالميتين الأولى و الثّانية و حروب داخلية و إقليمية عدة أخرى داخِلةً في هذا التصنيف و ما يعنينا هنا هو دور الدّين – الّذي لا يزال مهيمنا في الشرق الأوسط و شمال و غرب أفريقيا – و كيف أنّ هذا الدّين تمّ تشكيله و تجميده بضراوة بحيث أصبح عَصيّاً على الإصلاح.
مع بزوغ عصر العقلنة و التنوير في أوروبا القرن 17 فإنّ الدول الأوروبية بدأت عصر قوتها و تفجّر طاقاتها عبر البدء و بشكل جدّي بعزل الدّين و الكنيسة – أو الكنائس بعبارة أدق – عن عالم السّياسة و عن عالم الفرد الّذي أصبح قادِرا على التعامل مع الكنائس – على اختلاف مشاربها و انتمائاتها – على أنّها وكالات تسويق متعدّدة و بالتالي يستطيع المواطن في هذه الدول الأوروبية و الغربية لاحقاً أن يختار لنفسه الكنيسة الّتي يرتاح لها أو يرفض جميع الكنائس جملةً و تفصيلاً إن أراد.
المسيحية – حالها حال اليهودية و الإسلام – كانت منذ بداياتها مستعدة للخضوع للسلطة و نجد القدّيس بولِس الرّسول في الرّسالة إلى أهل روميّة في الفصل 13 – الآيات من 1 إلى 12 – يؤكّد على الخضوع التّام من قِبَل جماعة المؤمنين بالمسيح المخلّص لقوانين الدّولة و أنّ أيّا من المواطنين (المؤمنين بالمسيح) إذا تعرّض للظلم و التعسّف من قبل السلطات ، فعليهم – أي المواطنين المؤمنين – أن يلوموا أنفسهم لأنّهم لا بُدّ قد خالفوا القانون و أنّهم لو كانوا مطيعين لما ظُلِموا و تعرّضوا لعسف الحاكم و كذلك – حسب بولِس الرّسول – على جماعة المؤمنين الخضوع و الصلاة لله لكي يتدخّل و يلقي الرّحمة في قلب الحكّام ليُخَفّفوا عنهم العذاب لأن قلوب الملوك بأيدي الله.
هذا التعبير الاستسلامي أيضا استعاره فقهاء المسلمين – أحيانا لفظا و دون ذكر بولِس الرّسول طبعاً – و لكن سنرى السّبب الّذي جعل المسيحية قابلة للتلاؤم في الحصيلة النهائية للعيش و البقاء في دولة تتعدّد فيها الكنائس و العقائد و الأفكار ، و بين إسلام متجمّد ، مُتَصلّب و غير قابل لأي نوع من المساومة الاجتماعية و السياسية لكون تاريخه الاجتماعي و السّياسي نشأ في بيئة غير مساعدة للنضوج الفكري المَنْشود.
المسيحية منذ ولادتها و نشأتها عاشَت في بيئة مستقرّة نسبيّا و بمقاييس ذلك العصر ، حيث كانت الفيالق الرّومانية بقيادة قيصر و خلفائه يفرضون نضاماً متكاملا من العلاقات الاجتماعية و علاقات المجتمعات بالسلطة و كان الجيش الرّوماني قد خاض حربا ضروسا مع اليهود الغيورين – zealots – الّذين يذكروننا بغيرتهم و ضراوة مقاومتهم للسلطة الرّومانية بالإسلاميين الّذين يستعدون حتى لقتل أبنائهم في سبيل القضية. ما حصل هو أنّ المسيحيين الأوائل رفضوا العنف قطعاً كوسيلة للحصول على أيّ شيء و هذا القرار الاستراتيجي المسيحي في الدعوة "السلمية" – على الأقل في القرنين الأوّلين – هيأ لانتشار فكرة المسيح الّذي يحتقرّ العالم المادّي و يردد في إنجيل يوحنّا الفصل 18 آية 36 "«مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا»."
هذه الآيات طبعاً لم تمنع قساوسة و باباوات مسيحيين من الحكم و السيطرة و جني الأموال الطائلة و العيش ببذخ لقرون كما أنّ آيات القرآن عن بشرية محمد ، و أنّه ميّت بالنتيجة كسائر الناس ، لم تثني المسلمين عن تحويله لإله تُقْطَع في سبيله الرؤوس ، و قتل المستهزئين و الرّسامين الساخرين من محمد لا تحتاج لتفصيل هنا. لكن يبقى الفارق بين الشخصية اليسوعية الأسطورية الّتي تبدو غير خاضعة للجاذبية و لا لغضب الطبيعة و بين محمد النبي الأرضي المنتقم المستحوذ على الأرض و النساء و الأطفال و الأملاك مختلفا بشكل فاحِش جدّا عن شخصية يسوع المخلّص الرّوحي.
فلنفترض أنّ محمداً لم يكن بذلك الفاتح الغازي الّذي سيلهم حتى كاتِب سيرة جنكزخان لاحقا ، و أنّه في الحقيقة كان مسالما و يدعم الآخرين! لكن هذه الفرضية تنهارُ حالاً حينما نبدأ في دراسة المصادر التاريخية عن محمد – نبي الحرب – و سنجد أن أولى كتب السيرة و أكثرها قرباً تعاني من كونها مجرد "سماعيّات" يفرّق بينها و بين محمد قرنان من الزّمن أو حتى ثلاثة قرون!
اليهودية-الإسرائيلية كـديانة بدأت كدولة – كما الإسلام – لكنّ دخولها في عصر انتظار الملك المخلّص جعلها قريبة من المسيحية الّتي ولِدت في ظلّ الدولة. لكن عندما ظهر الإسلام فقد بدأ في منطقة تملئها الحرية – الحرية إلى حدّ الفوضى – و في بيئة كهذه و رغم وجود إيجابيات لهذه الحرية – حيث أننا لا نستطيع أن ننكر عبقرية و نبوغ من سمّاهم الإسلام بالجاهليين – لكن هذه البيئة هيئت لبزوغ ثقافة ذكورية قوية تعتمد على السيف و القوة لفرض "الحق"! ففي الإسلام لا يهم إن كان دليلك قوياً أو مقنعاً فطالما أن السلطة و القوة في يدك فأنت على حق!
هذه الثقافة و تطوّرها بارز و واضح من خلال علاقة الرجل بالمرأة ، حيث نجد أنّ محمد محاط بعدة شخصيات نسائية قوية داعمات له كزوجته خديجة – الّتي تبدو و كأنها كانت بمثابة تعويض له عن أمّه الّتي ماتت و هو صغير – و عائشة (تزوجها و هي في الـ9 و هو في ال50) و فاطمة ابنته و آخرياتٌ كثيرات. لكنّنا نجد أنّ دور النساء في الإمبراطورية الإسلامية بالفعل يتضاءل و يختفي في النهاية خلال بضعة عقود بعد محمد. وجود هؤلاء النسوة في حياة محمد لم يكن لأنّ الإسلام ينسجم مع حرية المرأة و إعطائها دوراً ، بل واحداً من بقايا ما قام الإسلام – كمجموع معتنقين لنصّ – بمحاولة محوه و إلغاءه و تشويهه.
رُبّ سائلٍ يسئل: ما علاقة موقف الإسلام الذكوري من المرأة و تطوره كدين و دولة و لماذا لا نقول أن الّذين جائوا بعد محمّد هم من همّش المرأة و جعل الإسلام دينا مقفلاً اجتماعياً و سياسيّاً؟
قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أطرح نقطة مهمة بشكل سريع و هو أنّ العديد من عامّة المسلمين – حتّى اؤلئك الّذين يعيشون في الغَرب الديمقراطي – يعربون عن استيائهم لأن هناك "استهداف زائد عن اللازم" للأسلام دون غيره على الإنترنت و الإعلام! هذا الموقف للأسف يظهر القصور الفظيع و الافتقار للتعليم المناسب من قبل المجتمعات المسلمة لفهم حقيقة أن الغالبية الساحقة من الأديان تتعامل بسلمية حتى في ما يتعلق بالاستهزاء بأكبر مقدّساتها ، باستثناء الإسلام الّذي يطالب بإلحاح "احترام" نصوصه بدون مساومة. في أوربا و أمريكا يقدمون المسيح كداعر و غبي و مثلي الجنس – على سبيل الدعم للمثلية الجنسية - أو كشرير مسلّح ، و يتمّ الاستهزاء بالبابا و الكنيسة دون أي قلق من المستهزئين من فنانين و مؤلفين إلى أنّهم قد يتعرضون لأي أذى من قبل المؤمنين بهذه المقدّسات. من هنا وجب جعل الإسلام هو هدف النقد بسبب تصلّبه و دمويّته.
فلننظر الآن للأسباب الّتي جعلت الإسلام الدّين الأكثر دمويةً و دكتاتورية في التاريخ. السبب الأهم في نظري هو أنّ مُحَمَّداً كنبي مؤسّس لهذا الدين لا يصلح أن يكون ذلك "الإنسان الكامل" الّذي يزعمه رواة السيرة سواءٌ كان الرّاوي محمّد بن إسحاق أو ابن قتيبة أو ابن سعد أو البخاري و هي وجهة نظر يدافع عنها لاهوتيّوا السّنّة و الشّيعة معاً. بل إنّ رسالة محمد المعجزة "القرآن" بحدّ ذاتها تعكس الإله الّذي أوحى بالقرآن كملكٍ – ذكر – أو بتعبير آخر هو رجل يخاطب الرّجال و يحتقر أو يقلل جدّا من قدرِ المرأة و يحتقر النساء بشكل لا نجده حتى بين أعراب الجزيرة العربية قبل الإسلام الّذين يسميهم الإسلام بـ"الجاهليين". و محمد من خلال أحاديثه اعتبر المرأة "ناقصة عقل و دين" و شهادتها نصف شهادة الرجل و ديّتها – تعويضها إن قُتلت – هي نصف دية الرّجل و النساء حسب محمد هنّ أكثر أهل النار.
خذ مثلا هذه الآية: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٲتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ‌ۗ ذَٲلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٲةِ ٱلدُّنْيَا‌ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔـابِ} الأنعام آية 14 فالخطاب موجّهٌ للرجال فقط و النساء هنَّ موضوع الشهوة و الإعجاب مقرونةً بالبنين و أكداس من الجواهر و الأشياء القيّمة و كذلك الخيل و حيوانات الحقل و المحاصيل الزراعية. القرآن يعامل المرأة بلا أباليّة –مستغربة حتى في العصر الذي كُتِبَ فيه – واضح الاستعلائية في تعامله معها لدرجة أن قاريء الآية سيحسب أنّ النساء لا يفتنهن جمال الرّجل و قوّته و رشاقته و أنّهن بالتالي لسن جديرات بتوجيه أخلاقي حقيقي لأنّه في الإسلام الرّجل هو من يتكلّف بذلك و الواضح أنّ كاتب القرآن لا يشعر بالراحة في أن يقرَّ بهذه الحقيقة و كون المرأة إنساناً لها رغبات و طموح و قدرات هائلة للإبداع. كون القرآن هو انعكاس للبيئة هو دليل قاطع على ضرورة تعرّض النّص القرآني للنقد العلمي و التاريخاني.
و أيضاً الآية: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} الأحزاب آية 30 فهي تظهر قلق صاحب القرآن و كاتبه من أن تخونه إحدى زوجاته و هو بدلاً من اللجوء للحل الطبيعي "الطلاق" يهدّدهنّ بضعفي العذاب ، و طبيعيٌّ أن المدافعين عن النّص سيحيلوننا إلى أنّهن "يعشن في بيت النبوة" و بالتالي كان من المنطقي تحميلهن العذاب بضعفين ، و طبعاً هذا كلام إنشائي ترقيعي يتحاشى حقيقة أن القرآن إنّما يعكس الحالة النفسية و الأبعاد السايكولوجية لمحمد.
الظلم الآخر الّذي أوقعه محمد على المرأة هو أنّ قرآنه {سورة النساء آية 11} يجعل لها نصف نصيب الذّكر و أيضاً يبيح للزوج ضرب زوجته {سورة النساء آية 34} و رغم محاولات المدافعين عن القرآن في أنّ الآية تعني "الضرب الخفيف" فإن التفاسير و الأحاديث تؤكد على أنّ الزوج لديه الحق حتى في كسر أسنانها. كلّ هذا مبرّر بـمجرد "إن خفتم منهنّ نشوزا" كما تقول الآية الموجهة في خطاب جمعي للرّجال ضد النساء و بمجرّد اشتباه الزّوج في "نشوز" و تمرّد زوجته يحق له حسب هذه القوانين "المقدسة" أن يسيء إليها إلى حدّ القتل ، و من هنا فإنّ جرائم الشّرف هي إسلاميّة بامتياز. و مظالم الإسلام بحق المرأة تستحق حلقات و ما قدّمناه هو لمحة من هذه المظالم و الجرائم.
إلى جانب احتقار قرآن محمّد للمرأة ، فإنّ القرآن يعبّر عن سلبية تامة تجاه أحد أسس التفكير العلمي الحديث و هو مفهوم "الشَّك"! على عكس المسيحية الّتي يُظهر نصّها المؤسّس – الأناجيل و رسائل التلاميذ – أنَّ الشكّ و حتى الوقوع في إنكار المسيح لن يكون سببا لقطيعة أبدية ، و سنرى كيف يتخذ القرآن موقفاً سلبيّاً من الشكّ ، حيث ينكر بطرس الرّسول علاقته بالمسيح ثلاثة مرّات كما ورد في الأناجيل الأربعة (متي 26: 69-71؛ مرقس 14: 66-69؛ لوقا 22: 56-59؛ يوحنا 18: 16، 17) ، مع ذلك فإن هذا الإنكار لم يمنع بطرس من التوبة و العودة ليسوع. أيضا لا ننسى كيف أن تلميذ يسوع "توما" أصرّ على لمس جروح يسوع ليؤمن "أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!». فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ». وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا». أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: «رَبِّي وَإِلهِي!». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا." (يوحنا 20: 25-30) طبعا لا توجد أي أدلة تاريخية على حقيقة هذه الأحداث و من المحتمل جدّا أن يكون يسوع أسطورة و رمزا لفكرة – كونه الإله الشّمس الجواب الأرجح - لا شخصا تاريخيا حقيقياً ، لكن ما يعنينا هو الجانب اللاهوتي في القصة و تطبيقاتها العملية.
طبعا ، كان من الممكن للمسيحية أن تتخذ موقفاً سلبيا من الشك و الإنكار لو أنها وُلدت في بيئة صحراوية لا نظام و لا قانون فيها و يحكمها واقع العنف و القوة لأنّ الشكّ لكي يصبح ذا قيمة عقلية و اجتماعية ينبغي له أن ينمو في بيئة استقرار و تبادل تجاري و اجتماعي و فكري. و هذه البيئة كانت متوفرة في مكّة ، حيث كانت العديد من الأديان و الأفكار و الآلهة و التقاليد تعيش جنباً إلى جنب و دون أن يكون بينها أي عنف. لكن هذه البيئة كانت معزولة و تحيط بها قبائل و شعوب – و الشعب القرآني لا علاقة له بتعبير الشّعب الحديث بل بشُعَبِ الجبال أي بطن من قبيلة – و كان على محمد أن يهزّ هذا المجتمع المتسامح دينياً بتعصّبه و عقيدته المتطرفة و بالتالي نجح في تحطيم هذا الاستقرار و لتأسيس دينه الحربي و استقراره الّذي يوافق مزاجه الخاص المتجسّد في إلهه الغاضب.
أنظر إلى هذه الآيات:
"قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم" {إبراهيم 10}
"وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا" {النساء 157}
"فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ" {يونس 94}
"بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ" {الدّخّان 9}
"وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ" {هود 110}
هذه الآيات هي مجرّد نماذج لسلسلة طويلة من نصوص قرآنية واضحة الدّلالة في أنّ محمّداً إنما يطالب أتباعه بالرّضوخ لأوامره المطلقة و رغبته الجامحة في أن لا يكون هناك أي "شَكٍّ" أو "رَيْبٍ" من جانب المؤمنين وهو إنّما يعكس اعتماده على رؤية "حربيّة" لصراعه اللاهوتي مع سادة قريش و صراعه مع المجتمعات اليهودية و المسيحية المعاصرة له ، و طبعاً يكون الجَيش و العسكر – على عكس المجتمع الحضري المدني – الأكثر خوفاً و ارتعاباً من حالة الشكّ الّتي ستؤدي حتماً لانهيار المعنويات (و ليس الإيمان). محمّد اعتبر نفسه أباً للمجتمع كما توضّح الآية 6 من سورة الأحزاب "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ" و الّتي يشرحها تفسير الطبري بأنها تعني "هو أبٌ لهم" و أنّها كانت بالفعل تُقرأ على هذا المنوال.
و ختاماً، فإن الكارثة الإسلامية تتمثّل في أنّ هذا الدين إنما يحيل المجتمع المسلم إلى مجتمع عاطل فكريا و اجتماعيا عبر تأسيس علاقات غير تكافئية و لا مساواة فيها فنجد ، كما قلنا ، أن الإسلام يبدأ بإخضاع نصف المجتمع ، و أحيانا أكثر من النصف ، عبر تحويل المرأة إلى نوع من العبودية للذكر. و انطلاقاً من هكذا مجتمع علاقاته مبنية على القهر و القوة و الخضوع لرؤية دينية صارمة ، ينقسم المجتمع الرجولي بحدّ ذاته إلى ذكور متصارعين للسيطرة على الإناث و الثروات في حالة تذكّرنا بمجتمعات الشمبانزي و الغوريلا حيث المجتمع مسيطر عليه من قبل ذكر أقوى و لا تتم الإطاحة به إلا على يد ذكر أقوى لاحقاً و هو بالضبط ما حصل و يحصل في المجتمعات العربية و الإسلامية منذ 1400 سنة. بينما استطاعت المسيحية و اليهودية أن تتلائم مع الدولة الحديثة و إعطاء المنافسين حرية التنافس لإقناع المتلقين من المواطنين ، علق الإسلام في عصر امبراطوريته المفقودة في عمق الماضي و لا تزال الطبقة الدينية تصرّ على أن حلول عصر الظلمات تصلح لعصر النور.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول