قصة الولايات المتحدة (22) – الكساد العظيم

محمد زكريا توفيق
2021 / 4 / 21

الكساد العظيم

جنوب حي مانهاتن بمدينة نيويورك، يقع شارع ضيق صغير، وسط عمارات عالية معظمها مكاتب. اسمه "وول ستريت". بعد ظهر يوم خميس في أكتوبر 1929، وجد عامل نظافة خارج نافذة طابق علوي في شارع وول ستريت، عيون أربعة من رجال الشرطة تحدق فيه. وصلوا لكي يمسكوا به. صاح أحدهم: "لا تقفز".

"ليس الأمر بهذا السوء"، "من الذي سيقفز؟"، تساءل العامل باستغراب. "أنا هنا لكي أنظف زجاج النوافذ". لفهم ماذا حدث، نحن بحاجة إلى فهم ما كان يجري في وول ستريت، في الأشهر والسنوات السابقة لشهر أكتوبر عام 1929.

وول ستريت، هو مكان تبادل الأوراق المالية في مدينة نيويورك. هنا سماسرة بيع وشراء الأوراق المالية. الأوراق المالية معظمها أسهم وسندات. يمتلك حامل السهم جزءا من رأس مال الشركة، أما السند، فهو فقط دين على الشركة أو الحكومة، ولا يعني تملك رأس المال.

في عشرينيات القرن العشرين، كانت مبيعات السيارات وأجهزة الراديو والسلع الاستهلاكية في ارتفاع مستمر، عاما بعد عام. هذا يعني أرباحا للشركات التي تتداول أسهمها بالبيع والشراء في البورصة. ويعني أيضا ارتفاعا في قيمة الأسهم لتزايد طلبات الشراء عليها. لأن البيع والشراء يتم عن طريق المزاد.

عندما تمتلك أسهما في شركة ما، خلال العام، توزع الشركة أرباحها على المساهمين، أو تضاف أرباح الشركة إلى رأس المال. بالتالي تزيد قيمة السهم الذي تملكه. وهذا هو مكسبك. هناك طريقة أخرى لكسب المال من الأسهم. تشتري، وعندما يرتفع ثمن السهم، تبيعه. إلى الآن ليس هناك مشاكل. مكسب سهل، أليس كذلك؟

المزيد والمزيد من الناس كانوا حريصين على الحصول على هذا المكسب السهل. بحلول عام 1929، بيع وشراء الأسهم، أصبح تقريبا هواية وطنية. عدد الأسهم المتداولة بالبيع والشراء كان في عام 1923، 236 مليون سهم. في عام 1928، ارتفع العدد إلى 1125 مليون سهم.

مثل كل شيء في الولايات المتحدة، في 1920s، يمكنك شراء بيت بالتقسيط، سيارة بالتقسيط، راديو بالتقسيط، وكذلك يمكنك شراء أسهم بالتقسيط، يعني شكك. وعندما تكسب تبقى تدفع ثمنها.

بمبلغ 100 دولار فقط، كان يمكنك شراء، شكك، ما قيمته ألف دولار أسهم من أي سمسار. ناس كتير استلفوا من البنوك مبالغ هائلة، واشتروا بها أسهما بطريقة الشكك دي. وهي تسمى في عالم الأوراق المالية: "على الهامش"، "أون مارجن".

شراء أسهم بطريقة السلف هذه، "على الهامش"، هي في الواقع لعب قمار. أنت تراهن على أن السهم الذي اشتريته ستزداد قيمته في وقت قريب. بعد ذلك، يمكنك البيع وعمل ربح سريع وسداد البنك.

بحلول خريف عام 1929، كانت هناك رغبة محمومة في شراء الأسهم. وكانت الأسعار ترتفع وترتفع. أحد الزوار للبورصة في ذلك الوقت، شاهد قتال في الشوارع بسبب اندفاع سماسرة البورصة لشراء أسهم لزبائنهم.

لكن بعض العقلاء، كان لديهم شك. القيمة الحقيقية لأسهم الشركات التجارية، يعتمد على ما تحققه من أرباح. بحلول خريف عام 1929، الأرباح التي كانت تحققها شركات كثيرة بدأت تتراجع.

عندما تتراجع الأرباح، يصبح المشتري أكثر حرصا وأقل اندفاعا وتلهفا على شراء الأسهم. فتنخفض قيمتها، لأن المسألة عرض وطلب في مزاد. ويوم بعد يوم استمر الانخفاض في قيمة الأسهم المتداولة. عندها، اندفع الكل للبيع بأي سعر قبل فوات الأوان.

في البداية، العديد من المستثمرين احتفظوا بأسهمهم، على أمل أن ترتفع الأسعار مرة أخرى وتعود الأمور إلى ما كانت عليه. لكن السقوط كان أسرع، ثم بدأ الذعر.

يوم الخميس، 24 أكتوبر 1929، الخميس الأسود، 13 مليون سهم تم بيعها. في يوم الثلاثاء التالي، 29 أكتوبر، الثلاثاء المرعب، 16.5 مليون سهم تم بيعها.

بحلول نهاية العام، كانت قيمة جميع الأسهم قد انخفضت بمقدار 40 ألف مليون دولار. آلاف الناس، خصوصا أولئك الذين كانوا قد اقترضوا من البنوك للشراء على الهامش. لقد وجدوا أنفسهم يواجهون الديون والخراب والإفلاس.

أفلس البعض، وانتحر البعض. وهذا ما اعتقدته الشرطة، عندما رأت عامل النظافة في الشرفة. هذا الانهيار في أسعار الأسهم الأمريكية، يعرف باسم انهيار وول ستريت. لقد كان ذلك بمثابة نهاية الازدهار في 1920s.

"أين الخطأ؟" تساءل الناس. بعضهم ألقى اللوم على السياسيين وقصر نظرهم وعدم تنبؤهم بانهيار البورصة. آخرون وضعوا اللوم على جشع المضاربين والسماسرة. لكن، كان هناك سبب لم يتنبه له أحد. هو أنه في نهاية 1920s، لم يكن الناس يشترون الزيادات في الانتاج. لكن، لماذا؟

السبب في حادث انهيار بورصة وول ستريت ببساطة، هو أن العمال والمزارعين، كانت أجورهم زهيدة، إلى الدرجة التي لم تمكنهم من شراء السلع التي كانوا ينتجونها هم أنفسهم.

الانهيار في البورصة، جعل الناس غير متأكدة من المستقبل. لذلك، قرر الكثيرون توفير أي أموال لديهم، بدلاً من إنفاقها على أشياء مثل السيارات الجديدة وأجهزة الراديو. هذا يعني أن المصانع الأمريكية كانت تصنع المزيد من السلع، بكميات أكثر من قدرتها على البيع. في الوقت الذي لم يكن لديها زبائن تشتري.

انهيار البورصة، أثر على مبيعاتهم إلى الدول الأجنبية ايضا. في 1920s، كانت السلع الأمريكية تباع في الخارج بشكل جيد، وخاصة في أوروبا. بلدان مثل بريطانيا وألمانيا، لم تكن مزدهرة بعد الحرب العالمية الأولى مثل الولايات المتحدة.

كانوا يسددون، في كثير من الأحيان، ثمن مشترياتهم من أموال مقترضة من البنوك الأمريكية. بعد انهيار وول ستريت، أرادت البنوك استرداد أموالها. المشترون الأوروبيين لم يعد معهم نقود. بذلك جفت المبيعات الأمريكية في الخارج تماما. مع تكدس السلع الغير مباعة في المخازن، توقف أصحاب العمل عن توظيف العمال، وقاموا بتخفيض الانتاج.

بحلول نهاية عام 1931، ما يقرب من ثمانية ملايين أميركي كانوا بدون عمل. على عكس العمال العاطلين عن العمل في بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا، الحكومة الأمريكية لا تدفع لهم أية تعويضات ولا تقدم لهم أية مساعدة.

سرعان ما وجد العديد منهم أنفسهم بدون مسكن أو مأكل، يعيشون على الاحسان. الملايين كانوا يقفون في طوابير طويلة بالساعات للحصول على شرائح محدودة من الخبز أو كوب حساء، هبة من فاعلي الخير.

بحلول عام 1932، كان الأمر يزداد سوءا. آلاف البنوك وأكثر من مائة ألف نشاط تجاري، أغلقت أبوابها وأعلنت إفلاسها. انخفض الإنتاج الصناعي إلى النصف، والأجور خفضت بنسبة 60 في المائة. الاستثمار في الصناعة انخفض بنسبة 90 في المائة.

اثنا عشر مليون شخص، واحد من كل أربعة عمال، عاطل لا يجد عملا. مدينة شيكاغو وحدها، كان بها ثلاثة أرباع مليون عاطل عن العمل. تمثل 40% من القوى العاملة بالمدينة. الأمر كان بهذا السوء في أماكن أخرى بالمدن الأمريكية.

كان من السهل رؤية الكساد في المدن. في المصانع الصامتة، والمحلات التجارية المغلقة، والحركة البطيئة لطوابير الخبز الطويلة. بالنسبة للمزارع، لم يستطع الفلاحون بيع محاصيلهم ومنتجاتهم الزراعية.

مع تزايد البطالة، يوما بعد يوم، لم تعد المدن تشتري من المزارع شيء. وإذا استطاع أحد شراء شيء، ف بأبخس الأسعار. وهذا ينطبق على الأسواق الأجنبية أيضا.

لذلك بلغ الفلاحون حالة من اليأس كبيرة. جعلتهم يتجمعون بالبنادق لكي يقاوموا أي محاولة لإخراجهم بالقوة من أراضيهم، لعدم وفائهم بتسديد ديونهم. "كيف يمكننا السداد؟"، تساءل الفلاحون، "عندما لا يريد أحد شراء محاصيلنا بثمن عادل؟"

ثم ساروا في مظاهرات في الشوارع، يبدون غصبهم. يلوحون بلافتات مع كلمات من هذا القبيل: لقد وثقنا في هوفر، فرحنا في ستين داهية"

بحلول عام 1932، كانت الناس، من كل نوع، عمال المصانع، المزارعين، والعاملين في المكاتب، والمخازن، يطالبون الرئيس هوفر باتخاذ إجراءات قوية للتعامل مع الكساد.

كان هوفر يعتقد، أنه بالإمكان فعل شيئين لإنهاء الكساد. الأول، هو ضبط ميزانية الدولة. للتأكد من أن الحكومة لم يجاوز إنفاقها دخلها. والثاني، هو استعادة ثقة رجال الأعمال في المستقبل. حتى يمكنهم تشغيل العمال من جديد.

مرارا وتكرارا في أوائل 1930s، كان يقول هوفر للأمريكان، إن الكساد على وشك الانتهاء. لكن المصانع كانت لازالت مغلقة، بالضبة والمفتاح. وطوابير الخبر أطول وأطول. والناس أجوع وأجوع. بالنسبة للعاطلين، كان هوفر غير مهتم، وعير قادر على فعل شيء.

أنت تمشي وتمشي

وصف أحد الكتّاب، الحالة عندما تكون عاطلا عن العمل ومتشردا بدون سكن، في مدينة أمريكية وقت الكساد العظيم في 1930s:

"تستيقظ مبكرا. تتناول كوبا من القهوة. ثم تبدأ في المشي لبضع ساعات. تأكل أي شيء. ثم تبدأ في المشي من جديد. في الليل، تنام في أي مكان. لا تتحدث مع أحد.

تأكل أي شيء. ثم تواصل المشي. لا أحد تتحدث إليه. الدنيا برد. ترتعش. تقف في مداخل البيوت طلبا للدفء. أو محطة القطار. لا ترى شيء. تنسى من أنت. تمشي لمدة ساعة، فلا تدري من أين بدأت. الآن نهار، ثم ليل. بعد ذلك نهار من جديد. أنت لا تتذكر البداية. ثم تمشي وتمشي."

في ربيع عام 1932، آلاف العاطلين عن العمل تدفقوا إلى مدينة واشنطن، عاصمة الأمة. أرادوا من الحكومة منحهم مكافآت مستحقة لهم منذ سنوات الحرب العالمية الأولي. كانت الصحف تسمى هؤلاء "جيش المكافأة".

جيش المكافأة كانوا مصممين على البقاء في واشنطن حتى يفعل الرئيس هوفر شيئا لمساعدتهم. لقد أقاموا معسكراً للإقامة، وأكواخا على جوانب المدينة. أيضا مخيمات مماثلة كانت تقام بالقرب من مقالب الزبالة في كل مدينة تقريبا. لكي تأوي من لا سكن لهم. وكان يطلق عليها ب "مدن هوفر".

هذا التجمع من الرجال اليائسين أزعج الرئيس هوفر. فأمر الجنود والشرطة، بحرق مخيماتهم وطردهم من واشنطن. مع تصاعد الدخان من حرائق معسكر وأكواخ جيش المكافأة، دافع المتحدث باسم الحكومة عن قرار هوفر. قال إنه في مثل هذه الظروف، ليس أمام هوفر سوى أمران. أحدهما هو تسليم الحكم إلى الغوغاء. والثاني، هو دعم القانون والنظام وقمع الغوغاء.

ثم جاء فرانكلين روزفلت إلى مسرح الأحداث. لقد كان روزفلت حاكما لولاية نيويورك. قبل ذلك بسنوات، كان قد أصيب بشلل أطفال. في عام 1932، اختاره الحزب الديمقراطي كمرشح ضد الرئيس هوفر في انتخابات الرئاسة.

أبدى روزفلت حيوية وتصميما واهتماما بشؤون الرجل العادي. في جميع أنحاء الولايات المتحدة، نمى شعور قوي بين الرجال والنساء، أنه أخيرا جاء الرجل الذي يفهم متاعبهم، والذي يتعاطف معهم، والأهم من ذلك كله، أنه بدى كمن سيفعل شيئاً لمساعدتهم.

فكرة روزفلت الرئيسية، هي أن الحكومة الفيدرالية، ينبغي أن تأخذ زمام المبادرة في محاربة الكساد. قال للشعب الأمريكي: "إن احتياجات البلاد تتطلب قرارات جريئة، وتجارب جادة. وقبل كل شيء، محاولة جديدة." لقد وعد الرئيس روزفلت الشعب الأمريكي بمحاولة شيء جديد لمحاربة الكساد.

أدان هوفر سياسة روزفلت بتدخل الحكومة الفيدرالية في الأمر. كان يعتقد بأن مثل هذا التدخل قد يزيد المشكلة تعقيدا. وقال ان هذه السياسة، قد تدمر النظام الأمريكي بأكمله.

إنها سياسة قد تفقد الناس القدرة على الوقوف على أقدامهم وتحمل مسؤولياتهم. ثم يتنبأ هوفر بسخرية، أنه إذا طبقت هذه السياسة، فإن: "العشب سوف ينمو في شوارع مئات المدن وآلاف البلدان"

لحسن الحظ، تجاهل غالبية الشعب الأمريكي تحذيرات الرئيس هوفر القاتمة. وقاموا في 9 نوفمبر عام 1932، بانتخاب فرانكلين روزفلت رئيسا للولايات المتحدة بأغلبية كبيرة، لم تحدث من قبل في التاريخ الأمريكي. في ست ولايات فقط من 48 ولاية، حصل هوفر على أغلبية الأصوات. في الولايات ال 42 الأخرى، فاز روزفلت بأغلبية ساحقة.

في المقال القادم إن شاء الله، سنرى كيف عالج روزفلت مشكلة الكساد بحل عبقري، فإلى اللقاء.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي