المحادثة الكثيفة الموحية مع الآخر في مجموعة الأحمر لميرفت ياسين

محمد سمير عبد السلام
2021 / 4 / 20

الخطاب السردي – في نصوص القاصة المصرية المبدعة ميرفت ياسين – يؤكد الهوية الفردية للمرأة، ومحاولاتها المتكررة لتكوين وجود شعري متعلق بالكينونة، ومختلف عن البنى المركزية الأسبق من حضورها الخاص، أو البنى المتعلقة بمركزية وعي الآخر، وتوقعاته، كما تنسج نوعا من الاتصال بالماضي عبر مستويين جماليين؛ الأول منهما يتعلق بنماذج الذاكرة الجمعية، وشخصيات الحكايات، والأساطير، والتراث؛ فهي مثلا تعود لكل من إيزادورا، وحابي من خلال لحظة اتصال روحي مع الآخر في شعرية الحضور؛ أما المستوى الثاني فيتعلق بالرغبة اللاواعية في استعادة أصالة الطفولة، وذكريات الأب، ووهج المنزل القديم الذي يبدو في حالة من التجدد، والدائرية في أحلام يقظتها، أو في تأملاتها الأنثوية الشاردة وفق تعبير باشلار في شاعرية أحلام اليقظة؛ وتبدو مثل هذه الثيمات الفنية واضحة في مجموعة ميرفت ياسين المعنونة ب الأحمر؛ وقد صدرت عن دار كيميت للنشر بالقاهرة سنة 2020؛ وقد اختارت – في أغلب قصص المجموعة – أن يكون التبئير على شخصية البطلة، أو التبئير الداخلي طبقا لتعبير جينيت؛ لتؤكد رؤية البطلة لكينونتها، وللعالم من داخل ضمير المتكلم، ولغة الأنثى، وانطباعاتها الخاصة عن الآخر، والعلامات المتعلقة بالطبيعة، والحياة اليومية، والحكايات القديمة؛ كما تواتر – في خطاب ساردة ميرفت ياسين – السرد الكثيف الذي يترك بعض الفجوات التي تفترض – ضمن بنيتها الخاصة – نوعا من الإكمال في عمليات القراءة، أو تمنح المتواليات السردية نوعا من احتمالية الدلالة؛ وبخاصة في لحظات النهاية، أو الكشف؛ وأرى أن عتبة العنوان الكثيفة / الأحمر قد أسهمت بدرجة كبيرة في إبراز التباين الدلالي الحاد – في المجموعة – بين رؤية اللون طبقا لتوقعات المجموع والآخر / المضاد للبطلة من جهة، ورؤيته عبر مستوى شعرية إدراك الأنثى، وروحها الفردية المؤكدة لحضورها الداخلي، وإمكانية تحويل ذلك الحضور، وعلاماته الخاصة في نص قيد الكتابة من جهة أخرى.
مزجت الكاتبة – إذن في المجموعة – بين جماليات القصة، والقصة القصيرة جدا؛ فكثير من قصص المجموعة تقوم على التكثيف، والشعرية، والمفارقة بين الحالات الانفعالية من داخل علاماتها الكثيفة التي تكثف المتوالية القصصية في أثرها الداخلي في لغة سردية استعارية موحية؛ وقد تستعيد – في بعض القصص – لحظات كاشفة من حياة الشخصية، وتسهب في حكي الحدث، وانطباع الشخصية، ولحظة التنوير المميزة للقصة القصيرة؛ ومن ثم يمكننا معاينة حالات مختلفة لبطلات قصص ميرفت ياسين بين السرد الكثيف الموحي، وبعض لحظات اليومي في اتصالها العميق بالذكريات، واتصال الطفولة ببنية اللاوعي، وأحلام اليقظة، والذاكرة الجمعية.
وتعزز قصص ميرفت ياسين من فعل الحوار، أو المحادثة الكثيفة الموحية مع الآخر، أو المحادثة الصامتة الموحية التي تكشف عن كل من التداخل، والاختلاف، واستدعاء الأصوات القديمة؛ ويمكننا قراءة هذه الأنماط من المحادثات تداوليا؛ فالمحادثة – في النص القصصي أو في الحياة – تنطوي على تفاعلات خفية بين القوى، والانفعالات، والأفكار التي تتكشف عبر دلالات الجزء الظاهر منها وفق البحث المنهجي التداولي؛ وبهذا الصدد، يرى كل من نيكولاس كوبلاند، وآدم جاوونسكي في بحثهما المعنون ب الخطاب، أو المحادثة أن قراءة المحادثة – من منظور تداولي – تتضمن التمثيلات الذاتية للهوية، أو الترجمات المستحبة للهوية بين الذات، والآخر كفاعلين اجتماعيين، كما تعكس المحادثة تفاعلات القوة، وعلاقاتها الخفية عبر إشارات مثل طلب بعض المعلومات مثلا، أو تعكس العلاقات بين الرؤى، والأيديولوجيات، وطرائق تفاعلها في الحوار، أو طرائق تجلي الآخر ثقافيا في وعي المتكلم؛ ويعودان – في ذلك السياق – إلى فوكو، وغوفمان. (راجع، كوبلاند، وجاوونسكي، الخطاب، أو المحادثة، ضمن دليل راوتليدج لعلم السيمياء واللغويات، تحرير: بول كبلي، ترجمة: هبة شندب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2016، من 246: 259).
المحادثة – إذا – تنطوي على نوع من التوافقية، أو الاختلاف في مستوى الهوية، أو على تعارضات القوى، والأفكار، ودرجات تفاعلها الخفية، ولو كان هذا التفاعل فيما وراء محادثة صامتة، أو كثيفة؛ مثلما يتجلى ذلك في بعض قصص ميرفت ياسين؛ ففي قصة جدارية، تكشف الساردة / البطلة عن اتصال حضورها الخاص ووحدتها بوحدة الشاب الآخر عبر وسيط مياه النيل، بوصفها مادة لحلم اليقظة، فضلا عن ذلك الحضور القديم المتجدد الذي يستدعي الجداريات الفرعونية في لاوعيها الجمعي؛ يمكننا – إذا – قراءة هذه المحادثة الصامتة عبر التواطؤ على تأكيد الهوية الذاتية التمثيلية لكل منهما عبر الوسائط النفسية، والخيالية، والطبيعية، وعبر النقوش الجدارية التي تعكس الإحساس بأصالة الموقف الوجودي، وأصالة الهوية الفردية، والاتصال بأصوات الماضي في كل منهما؛ كما تعكس تلك العلاقة نوعا من التكافؤ اللازمني في علاقات القوة في فضاء ملتبس، يخلو من الهيمنة التي تقاومها البطلة؛ فهو فضاء حلمي ثقافي، كما يعكس نوعا من الاتصال المتناغم – في مستوى الفكر – مع فاعلية التراث في لحظة الحضور.
وتعكس الحوارات الكثيفة بين كل من البطلة، والأم في قصة طيف نورا، أو بين البطلة والآخر في قصة تمرد علاقات القوة بين المهيمن، والهامشي فيما وراء الخطاب؛ كما تجسد تأكيد الهوية الأنثوية في فعل الكتابة، أو في إعادة تشكيل العالم ضمن لغتها الخاصة، ومنظورها النسبي؛ فالآخر يقوم بإقصائها في قصة تمرد، وتجيبه بإبراز التباين الحاد بين صراخه، وفعل الكتابة الأنثوي الصارخ الذي يعكس التعارض بين البنى المركزية المسبقة، والانتماء للهوية الفردية، كما تعكس قصة طيف نورا تكرار النهي في خطاب الأم ، في مواجهة الحكاية السردية المضادة لأيديولوجيا الأم في لغة البطلة الأنثوية الخاصة؛ وإذا قرأنا الفاعلين في القصة – طبقا لنموذج غريماس – سنجد أن البطلة تكتسب نوعا من الفاعلية الدائرية لحدوث فعل الكلام بصورة فردية إبداعية تستوعب الآخر ضمن منطقها الخاص، بينما تشير رمزية الأم إلى فاعل آخر مضاد يدعو إلى الصمت المتكرر في بنية القصة.
وقد تنسج الساردة / البطلة حوارا صامتا مع طيف الأب في قصة سراب؛ ويعكس هذا الحوار تمثيل الهوية الفردية للبطلة عبر دائرية حضور الذكريات، والتنازع بين فضاءات الماضي، والحاضر في سياق الانتماء للأصالة، والتواطؤ – في ذلك – مع صوت الأب الآخر؛ كما يعكس الحوار علاقات القوة المتباينة بين أثر الماضي في لحظة الحضور، وسلطة لحظة الحضور نفسها بما تشير إليه من آلية تعارض دائرية الماضي، وحياته الأخرى في وعي، ولاوعي البطلة.
ويعكس اللون الأحمر – في قصة الأحمر – التعارض الثقافي بين كل من صخب الهيمنة الذي يتشكل حلميا في سيمياء التعارض بين البهجة الشكلية الواقعية وغياب ملامح الآخر في الحلم، وفعل السخرية الذي يؤجل اكتمال اللون، أو الحدث بصورة ما بعد حداثية في وعي البطلة؛ فالأحمر هنا يتجلى – في وعيها ولاوعيها – بلون الفراغ، أو اللالون، بينما يتشكل اللون الأحمر – في حلم يقظتها – بصورة شعرية فردية تتمركز حول الرغبة في إعادة تشكيل الذات جماليا فيما وراء الفضاء الواقعي المؤجل لمشهد البهجة.
وسنجد أيضا أن الآخر يتجلى في وعي البطلة الأنثى ثقافيا في بنيتين ثقافيتين متعارضتين؛ الأولى يتجلى فيها ضمن بنية مركزية مضادة لحضورها الفردي، والأخرى يتشكل فيها ضمن شعرية كتابتها الذاتية، وعلامات ذاكرتها الجمعية.
وقد تبحث البطلة عن شعرية أنثوية فردية دائرية تقاوم آثار الزمن في قصتي صولو، ونشاز؛ فالساردة / البطلة تبحث عن صورتها المضادة لفاعلية تحولات الزمن التي تجلت سيميائيا في كل من علامتي المرآة، وألبوم الصور؛ ويظل الانشقاق بين صورة الكينونة في العالم الداخلي، وحالة التحول الزمني قائما في النصين بصورة دائرية تكشف عن عمق العلاقة بين الذات، ولحظات حضورها المتوازية والمتباينة في لحظة الحضور.
ويتجلى الآخر ضمن خبرة حسية جمالية رومنتيكية في قصة الرقصة الأخيرة؛ إذ يمكننا قراءة المدلول الوجودي للآخر من خلال علامة الأوراق المتطايرة التي تبرز كأثر؛ أي علامة تجمع بين الوجود، والمحو طبقا لتصور دريدا؛ فالآخر هنا تتجلى فيه مادية الدال، وإمكانية استنزافه معا؛ كما تذكرنا الأوراق المتطايرة بتصور فرويد عن الموت، أو الانتشار الإبداعي لصوت الآخر في وعي الساردة، وعالمها الإدراكي الذي يحتفي بالوجود الإبداعي للذات والآخر.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول