حروب العولمة الإمبريالية

منيف ملحم
2003 / 5 / 6

 

العولمة ووسائل الإعلام.
كان لثورة الاتصالات التي عرفها الربع الأخير من القرن العشرين أثرا كبيراً جداً في انطلاقة العولمة الإمبريالية. فإضافة إلى الإمكانية الكبيرة التي وفرتها سرعة الاتصالات ونقل المعلومات لتنقل رؤوس الأموال والسندات والأسهم بين الدول وبين الأسواق المالية فإنها وفرت الإمكانية للسيطرة على العقول والأمزجة لتسويق منتجاتها المادية والفكرية. ويكفي أن نعلم أن ما ينفق على الدعاية والإعلان سنوياً يعادل 1000   مليار دولار لنرى كم هي الفائدة التي يحققها رأس المال من خلال الدعاية والإعلان.
لقد استطاعت الشركات الكبرى ومن خلال الدعاية والإعلان أن تحدد للمستهلك ما يجب أن يحتاجه. وبالتالي فقد أفقدته حرية اختيار احتياجاته تبعاً لحاجاته المادية. وأصبحت احتياجاته النفسية التي تسيطر عليها وسائل الدعاية والإعلان هي المحدد الأساسي ،لا حاجاته المادية الحقيقية. هذا إذا تركنا جانباً ما هو اخطر من ذلك وعنينا به السيطرة الثقافية على العقول والأفكار وصياغة وعي الناس وفقاً لحاجات ومصلحة الطغم المالية.
إن التفوق والسيطرة في وسائل الدعاية والإعلام التي تمتعت بها الشركات الأمريكية  ولاسيما في العقد الأخير من القرن العشرين دفعت دولاً كبرى وذات عراقة وقوة على هذا الصعيد أن تشكو من الطغيان الأمريكي على عقول وثقافة مواطنيها. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للدول الكبرى فكيف الحال بالنسبة لنا نحن مواطنو وشعوب الدول الفقيرة. هذه الشعوب التي وضعت بين فكي إعلامين. الأول معولم إمبريالي والثاني مخصخص للسلطات الحاكمة وغبي.

إعلام معولم
تسيطر على المشاهد العربي بضع قنوات تلفزيونية فضائية خاصة (يحار المرء  في معرفة من يمولها؟؟!!). كانت الجزيرة من ضمن عديدات هي الرائدة. (وفي الأشهر الأخيرة أضيفت إليها "العربية").
إن السيطرة التي حققتها هذه القنوات لم تأت من فراغ فقد استطاعت خلال سنوات من ظهورها أن تحقق للمواطن تواصلاً بين أقطار الوطن العربي لم يكن بإمكان الفضائيات العربية الرسمية أن تفعله بسبب ضعف إمكانياتها من جهة  (على الرغم من أن الإنفاق الذي تستهلكه ليس بقليل). وبسبب خطابها الممل والغبي من جهة أخرى.كما استطاعت أن تربط المواطن بالعالم الخارجي بعد حصار طويل مارسته القنوات الرسمية تحت سيف الرقابة الإعلامية والحظر. إضافة إلى هذين العاملين فقد استطاعت هذه القنوات امتلاك تقنية وحرفية إعلامية عالية جعلت بعض القنوات العالمية المعروفة بسيطرتها العالمية تناصبها العداء.
قامت هذه القنوات بعد 11 أيلول ببث خطاب(عن وعي أو دونه) سيطر عليه الطابع الديني السلفي المغرق في لا عقلانيته. ففي الوقت الذي تسعى فيه قوى العولمة الإمبريالية ومن خلال منظرّيها وايديولوجييها إلى تصوير الخطر القادم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي إنما يأتي من الإسلام وأن الصراع القائم اليوم إنما هو صراع  ضد الإسلام (صراع حضارات). بغية تمييع الصراع الحقيقي وتمويه أهداف الهجوم الإمبريالي على المنطقة وإضعاف جبهة المواجهة وحرمان الشعب العربي من حلفاء على الصعيد العالمي. في هذا الوقت تلتقط هذه القنوات الأمر وتعزف عليه ليل نهار تحت ذريعة الدفاع عن الإسلام والمسلمين. كما أنها ومنذ أخذت الإدارة الأمريكية تعد العدة للحرب على العراق والمنطقة العربية أغرقت المشاهد العربي بمثقفي ومفكري  C.I.A (كما يسميهم الأستاذ سعدي يوسف) وهي أسماء كثيراً ما احتار المشاهد العربي من أين أوتي بها إلى الثقافة والفكر. أما إذا لم يكن من مثقفيC.I.A، فقد تم اختياره من مثقفي ومفكري الانهيار الذين ظهروا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد سعى الاثنان معاً (مثقفيC.I.A ومثقفي الانهيار) إلى خلق وعي استسلامي وتيئيسي. سواء من خلال تصوير محاسن الغزو الأمريكي أو من خلال تصوير حالة الضعف (لا ضعف الأنظمة واستسلامها فهذا شيء لا خلاف عليه) التي تعيشها الشعوب العربية ويأسها وقابليتها لأن تعطي نفسها بكل سهولة لكل عابر طريق. فأمام قوة العدو الإمبريالي وذكاء التكنولوجيا التي يستخدمها (والتي يمكنها أن ترمي بصواريخها العابرة حيث تقع في أسرتنا بين الزوج وزوجته إن أراد لها سادتها ذلك) طلبوا منا أن نقبل بالاستعمار وتسليم أرضنا للغزاة. أما إذا لم يكن الخطاب الذي تقدمه لنا هذه الفضائيات لا من هذا ولا من ذاك. فلا تجد ما هو أفضل من خطاب ديني عنصري تدفع العولمة الإمبريالية الكثير من أجل نشره على الرأي العام العالمي.  وحتى عندما يتعلق الأمر بنقل أخبار عن الحركة الشعبية المعارضة للهيمنة الإمبريالية والحرب التي تعدّ لها الإدارة الأمريكية على العراق (هذا قبل بدء الهجوم العسكري) أو النازلة إلى الشارع والمنددة بالعدوان على العراق فإنه يطيب لها أن تسلط الضوء على الحركة ذات الطابع الديني. أما إذا كانت الحركة تنطلق من الموقع الديمقراطي العلماني فإنها لا تستحق منها التغطية إلا رفع عتب. فهي مهتمة كثيراً في إظهار المعارضة العربية للقوى الإمبريالية على أنها تنطلق من موقع المعارضة الدينية وليس من موقع المعارضة للمشروع الإمبريالي – الصهيوني. هذا المشروع الذي ينخرط فيه مسلمون ومسيحيون ويهود وبوذيون وغيرهم من القوى الإمبريالية- الصهيونية. ويعارضه مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين. وقد بينت الحركة المناهضة للعولمة والحرب التي انطلقت لرفض الحرب على الفلسطينيين والعراق والتي هزت وتهز الساحة الدولية حقيقة ذلك.

إعلام مخصخص للسلطات الحاكمة و غبي
 في الموقف من الحرب على العراق ظهر بوضوح ولاسيما في القمة العربية في شرم الشيخ تميز الموقف السوري( على لسان رئيس الجمهورية) عن باقي "الأطراف" العربية.مبيناً أهداف الحرب الأمريكية الحقيقية ومكذباً الادعاءات الأمريكية حول أسباب الحرب ودوافعها. فكيف تعامل الإعلام السوري مع هذا الموقف وكيف خدمه ؟؟!!.
أثناء قيام وسائل الإعلام السورية بتغطية الحراك العالمي المناهض للحرب على صعيد الشارع الشعبي أفردت صفحات كثيرة في الصحف والإذاعة ومحطات التلفزيون للمتظاهرين ضد الحرب في جميع أنحاء العالم ونقل مراسلوها تقاريرهم بالصوت والصورة لما يجري في مدن العالم. وتحدثت مقدمة إحدى البرامج في اليوم الأول للعدوان—اليوم الذي دعت فيه الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب إلى محاصرة السفارات الأمريكية في العالم احتجاجاً على العدوان— تحدثت عن المتظاهرين (في أسبانيا وايطاليا ومصر واليمن...الخ) وكم عددهم وماذا رفعوا من شعارات وكيف تصدت لهم الشرطة وكم عدد الجرحى والمعتقلين حتى إنها رغبت لو تستطيع ذكر أسماء المتظاهرين واحداً واحداً... ولكن عندما جاء دور الحديث عن سوريا وكيف عبر الشعب السوري عن موقفه من العدوان فقد اكتفت بالقول: قامت اليوم تظاهرة في دمشق احتجاجاً على العدوان وندد المتظاهرون بالولايات المتحدة. أما الصورة التي عرضها التلفزيون للمظاهرة فقد اقتصرت على (لقطة) لإحدى اللافتات دون أي صورة ولو من بعيد للمتظاهرين. ففي الوقت التي أعطي فيه عدة دقائق لتغطية مظاهرات في  أسبانيا أو مصر أو جزر الواق الواق منح التلفزيون العتيد خمس ثواني لتغطية تظاهرة دمشق.هذا إذا تغاضينا عن عدم ذكر أن المتظاهرين استهدفوا سفارة المعتدي الأمريكي في دمشق وأن قوات حفظ النظام قد حالت دون وصول المتظاهرين إلى السفارة الأمريكية.
لماذا هذا الموقف من تظاهرة دمشق؟ هل خجل الإعلام من ذكر أنها بضعة آلاف بالمقارنة مع تظاهرات أسبانيا؟؟؟ أم هل كانت هتافات المتظاهرين ولافتاتهم لا تعبر عن موقف الشارع السوري؟؟ أم أنه " أحرج" من ذكر أن المتظاهرين حاولوا اقتحام سفارة العدوان وطالبوا بطرد سفير حكومة الإرهاب الدولي في واشنطن؟؟؟
أسئلة نتركها للقائمين على وسائل إعلام"نا".
نحن نعلم كم شكا الشارع الأوروبي (ليس الشارع فحسب بل بعض المسؤولين الأوروبيين) من ضعف موقف الشارع العربي في الاحتجاج على التهديدات الأمريكية بالحرب على العراق، حتى ظن الكثيرون قبل القمة العربية في شرم الشيخ أن هناك شبه إجماع عربي ليس على صعيد الأنظمة العربية بل على صعيد الشارع العربي بالترحيب بهذه الحرب، ولاسيما انه وعلى مدى اشهر عديدة سبقت الحرب استضافت القنوات التلفزيونية العربية المعولمة وشقيقاتها من الصحف الصفراء"نخب" من المثقفين والكتاب العرب الذين كانوا يدعون العرب ليل نهار للترحيب بهذه الحرب باعتبارها تحمل للعرب المن والسلوى والديمقراطية والحرية.
نحن نفهم موقف الفضائيات العربية المعولمة عندما ترفض تغطية أي حراك شعبي في سورية مناهض للحرب. فلو كان الموقف الرسمي السوري مع هذه الحرب لكانت هذه الفضائيات سارعت لنقل أي احتجاج شعبي على هذه الحرب مهما كان صغيراً. ولكن أن يكون الأمر غير ذلك في سوريا فإنه يطيب لها أن تمارس التعتيم الكامل على الموضوع . ولكن أن يعزف الإعلام السوري على الوتر نفسه فهذا الغباء بعينه مهما كانت المبررات والدوافع.
قد يعترض أحداً ويقول: إن وسائل الإعلام السوري تقوم بتغطية حية ومباشرة لكل التظاهرات التي تدعو لها الدولة. فلم هذا الاحتجاج منا على وسائل الإعلام السورية؟؟؟!!
في هذه المسألة تحديداً (الحرب على العراق) لم تكن وسائل الإعلام بحاجة إلى تغطية تظاهرة دعت إليها الدولة للتعبير عن الموقف الرسمي. فقد كان خطاب رئيس الجمهورية في القمة كاف وواف للتعبير عن ذلك. كان المطلوب نقل موقف الشارع خارج الإطار الرسمي لأن هناك هامشاً ليس قليلاً بين الموقف الرسمي المحكوم باعتبارات دبلوماسية وبروتوكولات وبين الموقف الشعبي الذي لا تحكمه أية دبلوماسية وبروتوكولات وهو ما كان يطالب به الشارع العالمي الشارع العربي.

مشهد-1-
في برنامج للجزيرة كان الحديث بين مقدمة البرنامج والضيف يدور حول التظاهرات التي دعت إليها الحركة العالمية المناهضة للعولمة والحرب على العراق في 15 شباط. عددت مقدمة البرنامج الدول العربية التي خرجت فيها الجماهير العربية إلى الشوارع احتجاجاً على التهديدات الأمريكية بالحرب فذكرت مصر والمغرب ..الخ ولكنها لم تذكر سورية (علماً إن تظاهرة دعت إليها الدولة في 15 شباط انطلقت من محطة الحجاز الساعة العاشرة صباحاً وقدرت الوكالة السورية للأنباء عدد المتظاهرين بنصف مليون وقد نقلتها وسائل الإعلام السورية بشكل مباشر .كما أن تظاهرة خرجت في اليوم نفسه في دمشق الساعة السادسة مساءً بدعوة من لجنة التنسيق الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية قدر عددها ببضعة آلاف .لم تذكر عنها الوكالة السورية للأنباء أي شيء).... اتصل احد المواطنين السوريين بقناة الجزيرة وقدم احتجاجاً على عدم ذكر سوريا لمشاركتها بالتظاهرات. فكان رد مقدمة البرنامج: إن من خرج في سورية كان الدولة ونحن لا نتحدث عن التظاهرات التي تقيمها الدول. وعندما ذكر لها إن تظاهرة في دمشق تمت مساءً من قبل مواطنين وليس من قبل الدولة أنهت المكالمة.

مشهد-2-
علق احد المتظاهرين وهو يرى التغطية التلفزيونية التي يقوم بها التلفزيون السوري للتظاهرات التي انطلقت في العالم ضد السفارات الأمريكية وتجاهل التظاهرة في دمشق في اليوم نفسه. قائلاً: ليتنا ذهبنا نحن السوريون وتظاهرنا في فرنسا ضد السفارة الأمريكية فمن المؤكد أن التلفزيون السوري كان سيقوم بتغطيتها بالكامل كما يفعل مع التظاهرات العالمية.........

البديل

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين