نظرة على فلسفة القرن الحادي والعشرين

غازي الصوراني
2021 / 4 / 18

حَمَلَ القرن الحادي والعشرين مجمل المذاهب الفلسفية والمعرفية والنظريات والاكتشافات العلمية، التي جرت منذ حوالي منتصف القرن العشرين ما بعد الحرب العالمية الثانية عموماً، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية نهاية القرن خصوصاً، حيث انتشرت في الغرب الرأسمالي الفلسفات النقدية والوضعية والبنيوية والتفكيكية وما يسمى بفلسفات مابعد الحداثة التي جسدت انحراف الفلسفة، على يد العديد من الفلاسفة من بين أبرزهم ريمون آرون، وليوتار، وميشيل فوكو، وجاك دريدا، إلى جانب انتشار المذاهب والأيديولوجيات السياسية والدينية اليمينية ، العنصرية، في إطار ما يسمى بـ"الليبرالية الجديدة".
ربما يكون من الملائم أن "نُذَكِّر بالاكتشافات العلمية النوعية، التي شهدتها العقود الأخيرة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية، النوعية المتدفقة، التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين، في السياسة و الاقتصاد و التطور العلمي، شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً معاصراً و رئيسياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة، في القرن الحادي و العشرين، لم يعهدها من قبل، و لم يتنبأ بمعطياتها ووتائرها المتسارعة أشد الساسة و المفكرين استشرافا أو تشاؤماً و أقربهم إلى صناع القرار، خاصة ذلك الانهيار المريع في كل من المنظومة الاشتراكية العالمية و منظومة التحرر القومي من جهة، و الانحسار أو التراجع المريع أيضاً، و لكن المؤقت للبنية الأيديولوجية أو الفكرية لقوى الاشتراكية و التحرر القومي من جهة أخرى، الأمر الذي أخل بكل توازنات القوة و المصالح وفق مفاهيم وأسس الثنائية القطبية التي سادت طوال حقبة الحرب الباردة السابقة ، ووفر معظم مقومات بروز الأحادية القطبية أو العولمة، التي اقترنت بالإمبريالية الأمريكية التي استطاعت –حتى اللحظة الراهنة- استكمال فرض هيمنتها على مقدرات هذا الكوكب ، بحكم ادعائها أنها المنتصر الوحيد، و بالتالي صاحبة الحق الرئيسي في رسم و تحديد طبيعة و مسار العلاقات الدولية في المرحلة الجديدة وفق آليات ومفاهيم الليبرالية الجديدة، وهي متغيرات لم يعد المفكر أو الفيلسوف حراً في أن يتجاهلها ويغـض الطرف عنهـا، ذلك لأن تطبيقاتـها قد أحدثت انقلابا كبيرا في أحوال الوضعية البشرية.
وإذا شئنا أن نعبر عن كل ذلك في عبارة وجيزة لقلنا بدون أدنى تردد أنا أصبحنا نعيش عصر ميلاد دلالة جديدة لمفهوم العالم ومفهوم العلاقات الدولية انطلاقاً من مصالح النظام الرأسمالي الامبريالي عموماً، والإمبريالية الأمريكية بوجه خاص.
في سياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا الأرضي بعد أن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود، بتأثير هذا التطور النوعي الهائل في مجال الاتصالات وثورة المعلومات والتكنولوجيا، وقيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة، كان لابد من تطوير وإنتاج النظم المعرفية، السياسية والاقتصادية التي تبرر وتعزز هذا النظام العالمي الأحادي في ظل حالة من القبول أو التكييف السلبي، بل والمشاركة أحيانا من البلدان الأوروبية واليابان وروسيا الاتحادية، شجعت على تطبيق شروط العولمة، إضافة الى هذا المناخ العام المهزوم أو المنكسر في بلدان العالم الثالث أو الأطراف، الذي أصبح جاهزاً للاستقبال والامتثال للمعطيات السياسية والاقتصادية، الفكرية والمادية الجديدة عبر أوضاع مأزومة لأنظمة فقدت في غالبيتها الساحقة وعيها الوطني أو كادت، وقامت بتمهيد تربة بلادها للبذور التي استنبتها النظام العالمي "الجديد" تحت عناوين تحرير التجارة العالمية، إعادة الهيكلة، والتكيف، والخصخصة،  باعتبارها أحد الركائز الضرورية اللازمة لتوليد وتفعيل آليات النظام العالمي "الجديد" أو العولمة Globalization، كظاهرة نشأت في ظروف موضوعية وذاتية –دولية وإقليمية- مواتية ، وليس كحتمية تاريخية كما يدعي أو يتذرع أصحابها أو المدافعين عنها الخاضعين لشروطها المذلة، فالعولمة ليست في حد ذاتها شكلا طارئا من أشكال التطور البشري، وإنما هي امتداد بالمعنى التاريخي والسياسي والمعرفي والاقتصادي لعملية التطور الرأسمالي التي لم تعرف التوقف عن الحركة والصراع والتوسع والنمو، المتسارع والبطيء، منذ مرحلتها الجنينية الأولى في القرن الخامس عشر، الى مرحلة نشوئها في القرن الثامن عشر، ومن ثم تطورها الى شكلها الإمبريالي في نهاية القرن التاسع عشر، هذه المرحلة التي وصل فيها النظام الرأسمالي طوره الإمبريالي المعولم الذي يسعى –استنادا الى منطق إرادة القوة المتوحشة- الى العودة بشعوب العالم الى جوهر وقواعد مرحلة النشوء الأولى للرأسمالية وآلياتها التدميرية القائمة على قواعد المنافسة الأنانية التي تضمن هيمنة الأقوى للاستيلاء على فائض القيمة المحلي في بلادنا كما في بلدان الأطراف جميعا، باسم الشعار القديم "دعه يعمل دعه يمر" كدعوة صريحة تستجيب لفكرة الهيمنة التي تشكل اليوم هدف ومحور نشاط المراكز الرأسمالية المعولمة الراهنة، ولضمان عملية التوسع الاكراهي -بالقوة العسكرية والاحتلال المباشر أو عبر أنظمة التبعية والخضوع أو كلاهما معا- ضد مقدرات شعوب العالم الفقيرة باسم الخصخصة والانفتاح والليبرالية الجديدة تحت ستار زائف من الشكل الأحادي "الديمقراطي" الليبرالي وحقوق الإنسان، هدفه الضغط على دول العالم عموما، والعالم الثالث على وجه الخصوص، للأخذ بالشروط الجديدة تحت شعار "برامج التصحيح والتكيف" التي تمثل كما يقول د.رمزي زكي "أول مشروع أممي، تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي من موقع ضعيف، بما يحقق مزيدا من إضعاف جهاز الدولة، وحرمانها من الفائض الاقتصادي، وهما الدعامتان الرئيسيتان اللتان تعتمد عليهما الليبرالية الجديدة".
فمنذ انتشار العولمة، "تدلّ معظم المؤشرات إلى تراجع حجم الحضور الفلسفي وقوته في معظم المراكز العالمية المهمة، وبخاصة في أميركا الشمالية وأوروبا والمجتمعات الآسيوية ذات النمو الاقتصادي والتقني السريع. وليس من باب المصادفة أن يتراجع حضور الفلسفة ويتضاءل نفوذها في ظل السيطرة المتسارعة لاتجاهين عالميين، متناقضين في ما بينهما ولكنهما متفقان في موقفهما السلبي من الفلسفة، وهما([1]):
1)    عودة الروح وبقوة إلى الاتجاهات المحافظة السياسية والاقتصادية والدينية.
2)    اشتداد هيمنة العقل التقني/ الأداتي على المؤسسات الاجتماعية وعلى دوائر التفكير والإنتاج العلمي والثقافي في المجتمع.
في هذا السياق، يقول البروفيسور بول كندي، " أحد كبار علماء الاستراتيجيا في الولايات المتحدة، في بحث بعنوان "توعّك في العولمة"، وهو على غرار كتاب فرويد “توعك في الحضارة”. وهو يقول بما معناه: لن أعود هنا إلى أصول العولمة ونشأتها وأسبابها، فمن المعلوم أن العلوم والتكنولوجيا والتقدم المادي غيرت أنماط إنتاجنا، وتبادلاتنا، واستهلاكاتنا. ثم جاءت الآن الثورة المعلوماتية لكي تغيّر حياتنا أكثر.
ثم يردف البروفيسور بول كندي قائلا: قادة العولمة من أرباب شركات ومستشارين مصرفيين وأغنياء كبار يقدمون لنا صورة زاهية ومتفائلة جدا عن مصير العالم في ظل هذه العولمة. ولكن الخطابات الطنانة شيء والواقع شيء آخر. فإذا ما نظرنا إلى حالة الكوكب الأرضي بملياراته الستة من البشر فماذا نجد؟ يجيب على هذا السؤال بقوله: إذا ما فكرنا بأغلبية شعوب هذا الكوكب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وجدنا أن الصراعات الدموية تنهك البشر وأن عصر العولمة لم يقدم شيئا يذكر لهؤلاء الناس، بل ووصل الأمر بالبعض إلى حد القول بأن البشرية سائرة بشكل مباشر نحو الكارثة والتدمير الذاتي"([2]).
فما حقيقة أوضاع العالم إذن؟  يجيب بول كندي: في الواقع أن ثورة الاتصالات والمعلوماتية لا تصيب إلا جزءً صغيرا من البشرية: أقصد الجزء الغني صاحب الامتيازات والإمكانيات، فملايين الأفارقة والآسيويين والعرب المسلمين والأميركيين اللاتينيين لم يروا الإنترنت في حياتهم ولا يستطيعون شراءه ولا يعرفون كيفية استخدامه. وحدهم الأوروبيون والأميركان واليابانيون وبعض الآخرين يتمتعون بذلك.
هل نعلم مثلا أنه فيما يخص منطقة الشرق الأوسط فقط شخص واحد على أربعين يستطيع أن يستخدم الإنترنت. وأما في إفريقيا السوداء فالنسبة أكبر بكثير، فقط واحد على مائة يمتلك الإنترنت!
وإذا كانت القدرة تعتمد على المعرفة فهذا يعني أن البلدان النامية (أو الفقيرة) أصبحت أقل قدرة وسلطة مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة، هكذا نلاحظ أن العولمة تؤدي إلى تعميق الهوة والشقة بين البلدان المتطورة والبلدان المتخلفة([3]).
لذلك "لا بد للفيلسوف المعاصر، في القرن 21، أن يُعَبِّر عن هذا التطور العلمي والمعرفي الهائل، من خلال فكر فلسفي قادر على التواصل المعرفي، وقادر على صياغة رؤى فلسفية مستقبلية لا تعزز تطور مسار تقدم العلوم المعاصرة فحسب، بل أيضاً تبحث وتحدد السبل والرؤى العقلانية، الكفيلة بتعزيز قيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية والاخلاق على مستوى الكوكب في حالته المعولمة الراهنة"([4]).
السؤال هنا، هل يعني انحراف الفلسفة، بالمعنى الإنساني، في نظام العولمة، التخلي عن العقل والعقلانية وفق المنظور المعرفي التقدمي؟ بالطبع لا، إرتباطاً بالتحليل الموضوعي للتحولات الاجتماعية الاقتصادية السياسية والثقافية النقيضه للاستغلال والغطرسة الرأسمالية، فعلى الرغم من كل ما حصل في إطار ظاهرة العولمة الامبريالية السائدة في الكوكب منذ أواخر القرن العشرين إلى اليوم، إلا أنه ينبغي إنقاذ البشرية من براثن الوضعية الرأسمالية المعولمة التي تمثل الصيغة المنحرفة للعقل الأوروبي عن مبادئ وقيم الحداثة والتقدم والنهوض الانساني وعن أسس ومفاهيم الحرية والعقلانية والتنوير والمواطنة والعدالة والمساواة.. إلخ التي انحرفت بعيداً عن بعدها الإنساني كما صاغه العقل الأوروبي الذي تجلى في طروحات فلسفة كانط وهيجل وفيورباخ وماركس، بحيث بات ذلك العقل بحاجة ملحه ليس للنقد والغربله فحسب، بل أيضاً بحاجة للمجابهة والنقض من أجل تغييره وتجديده لإلغاء كل مظاهر وأشكال الانحراف التي أصابته منذ كوارث الحربين العالميين، مضافاً إليهما الحروب التوسعيه الاستعمارية ضد شعوب العالم الفقيرة وصولاً إلى توحش الرأسمالية في طورها الامبريالي المعولم الراهن.
لكن الإدراك الموضوعي لهذا التوجه صوب النقد والغربله والمجابهة من أجل تغيير مسار الانحراف والتوحش الامبريالي المعولم، يفترض القراءة المعمقه للتطورات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والتكنولوجية التي تحققت في مجمل النظام الرأسمالي المعولم الراهن من جهة، ومقارنتها مع استمرار أوضاع التخلف والتبعية السائدة في العديد من بلدان آسيا وأفريقا عموماً وبلداننا العربية خصوصاً، الأمر الذي يجعل من عملية التغيير المنشودة قضية ملحة، لكنها بالتأكيد ليست قضية إرادويه بقدر ما هي حالة موضوعية تحتاج إلى مراكمة الرؤى والتصورات والمواقف المعرفيه التقدمية والديمقراطية في إطار العولمة النقيضه لعولمة الاستغلال الامبريالي الراهنة.
والسؤال الذي يطرحه المفكر الراحل سيد ياسين: هل نحن فى حاجة للفلسفة فى عصر العولمة؟ وجوابه نعم بوضوح – كما ورد في مقاله المنشور فى جريدة الأهرام عام 1996 بعنوان "الموقف الفلسفى الكونى"، أشار فيه إلى أهمية صياغة فكر فلسفى في عصر العولمة، لأن بعض إنجازات الثورة العلمية والتكنولوجية وخصوصا فى مجال الفلسفة الوراثية تثير مشكلات فلسفية عويصة أهمها: ما مدى أخلاقية وخطورة التلاعب بالجنس البشرى من خلال الإمكانية العقلية التى ستتاح فى المستقبل القريب للتحكم فى جنس المواليد وفى ذكائهم بل وفى سماتهم الجسمية، وهناك بالإضافة إلى هذه المشكلات مجموعة من الأسباب المتشابكة أسهمت فى صعود الفلسفة من جديد، لعل من أبرزها على الإطلاق التغيرات العالمية في هذا العصر، مع الآخذ بعين الاعتبار حاجتنا كعرب إلى خريطة معرفية متكاملة للفكر الفلسفي العربي الحديث و المعاصر.([5])
وهنا بالضبط تتجلى الحاجة إلى متابعة الانتاج المعرفي الفلسفي والنقدي العلماني الديمقراطي التقدمي الرافض لكل أشكال الهيمنة والاستغلال السائدة في مجتمعاتنا العربية، والتواصل معه على طريق تحقيق الأهداف الإنسانية المشتركة كما قدمها ودافع عنها فلاسفة العقلانية والتنوير والحداثة منذ ابن رشد وابن سينا والكندي مروراً بجوردانو برونو وجاليليو وديكارت وسبينوزا ومونتسكيو وروسو وفولتير وهولباخ وصولاً إلى كانط وهيجل وفيورباخ وماركس وراسل ولوكاتش وهايدجر وماركيوزه وسارتر وألتوسير وتشومسكي وفاتيمو وسلافوي جيجيك واكسيل هونيث وغيرهم، ما يعني، أن حديثي عن فلاسفة القرن الحادي والعشرين، هو إمتداد، وتواصل معرفي سياسي، مع ما سبقهم من الفلاسفة والمفكرين طوال التاريخ القديم والحديث والمعاصر، لكنه ليس امتداداً أو تواصلاً بالمعنى الكمي التوافقي، بل هو امتداد نوعي تاريخي، زاخر بالاختلافات والتعارضات من جهة، وبالتوافق والتجديد من جهة ثانية، بين الفلاسفة والمفكرين في كل المحطات التاريخية التي جسدت طموحات البشرية وصراعاتها وتناقضاتها وثوراتها وانتكاساتها منذ ثورة "سبارتاكوس" وتكريس النظام العبودي طوال أكثر من ستة قرون –قبل وبعد الميلاد- مروراً بالنظام الاقطاعي (الأوروبي والآسيوي) منذ القرن السادس الميلادي حتى القرن السادس عشر، وبزوغ عصر النهضة وولادة الرأسمالية وتطوراتها السياسية والفكرية المتنوعة سواء من موقع الدفاع عن مصالحها، أو من موقع رفضها ومقاومتها، كما جرى في كومونة باريس عام 1870 وانتكاستها السريعة، وصولاً إلى ماركس الذي وضع من خلال سِفْرَه العظيم "رأس المال" حجر الأساس للثورات الاشتراكية التي انتصرت على يد "لينين" وحزبه عبر ثورة أكتوبر الخالده عام 1917، وبداية عهد الصراع بين المعسكرين المتناقضين: الرأسمالية، والاشتراكية، الذي امتد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة الدولانية الاشتراكية العالمية برمتها، ومن ثم انبثاق نظام العولمة الامبريالي الراهن أواخر القرن العشرين، وامتداده بأساليب وصور متوحشه من الاستغلال حتى اللحظة الراهنة من القرن الحادي والعشرين، وما رافقها من انتاج معرفي لا إنساني ولا عقلاني، تحت مسميات فكرية/ فلسفية لا تتوقف عند المفاهيم والفلسفات العنصرية واللاعقلانية وتيارات "ما بعد الحداثة" فحسب، بل تتوالد في ظروف بشاعة العولمة، تيارات فلسفيه دينية، مسيحية واسلامية ويهودية، تدعو إلى تكريس الرؤى العنصرية والصراعات الطبقية والطائفية لحساب النظام الامبريالي المعولم من جهة، كما تدعو أيضاً إلى إعادة انتاج التخلف المعرفي والمجتمعي وتجدده في أوساط الشعوب الفقيرة والمضطهدة كما هو حال شعوبنا ومجتمعاتنا العربية اليوم، الأمر الذي يفرض على كل من يتطلع إلى الخلاص من مظاهر وأدوات الاستغلال والاستبداد وتحقيق مفاهيم التنويرو النهوض والتقدم والديمقرايطة والاشتراكية، إعادة قراءة تاريخ التطور البشري عموماً، وتاريخ تطور الفكر والفلسفات العقلانية الديمقراطية التقدمية خصوصاً، منذ ديموقريطس وسقراط والمعتزلة وإخوان الصفا وفرنسيس بيكون وديكارت وسبينوزا وجون لوك وهيوم ومونتسكيو وفولتير وروسو وهولباخ وبابوف وكانط وهيجل وفيورباخ وداروين وماركس وجرامشي وماركيوزه وهابرماس وتشومسكي وجورج لابيكا واكسيل هونيث، وذلك انطلاقاً من الترابط التاريخي المعرفي بين كل هؤلاء الفلاسفة والمفكرين من ناحية، وتعزيزاً وتكريساً وتجديداً لأفكارهم الفلسفيه التقدمية الديمقراطية، بما يخدم تطلعاتنا في خدمة أهداف ومصالح البشرية عموماً، والشعوب المضطهدة خصوصاً من ناحية ثانية، ليكون القرن الحادي والعشرين قرناً حاملاً لرياح التغيير الديمقراطي والنهوض الثوري بآفاقه الاشتراكية، وذلك بشرط امتلاكنا الواعي العميق لجوهر المسار الفلسفي التقدمي التاريخي المشار إليه، إلى جانب امتلاكنا بصور وعي أكثر عمقاً، للتطورات والاكتشافات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة اليوم.
في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن الاكتشافات العلمية المتلاحقة في القرن العشرين، كرست الحقيقة الموضوعية في تبلور عملية الفصل بين الفلسفة والعلوم بصورة غير مسبوقة، حيث نلاحظ سيطرة التقدم العلمي التكنولوجي بكل تفريعاته على مساحة كبرى من الوعي البشري، خاصة في ظروف العولمة الراهنة وتطوراتها واكتشافاتها العلميه النوعية المتسارعة والمتواصلة في آن معاً، بحيث ترتد أنسنة الظاهرة العلمية في إطار هيمنة الوعي التاريخي على أجواء فلسفة العلم في هذا القرن الحادي والعشرين الذي يوصف بأنه عصر توظيف وتشغيل مجمل الاكتشافات العلمية في خدمة مصالح نظام العولمة أولاً، دون أن ننكر دورها لسد حاجات علمية معرفية وملحة ومتزايدة في خدمة الشعوب المقهورة التي تتطلع بشوق للتحرر والنهوض، والخلاص من كل أشكال التخلف والتبعية والاستبداد والاستغلال الطبقي.
 


([1])  محمد شيّا – أحوال الفلسفة في العالم العربي: المعوقات والحوافز في أيامنا الحاضرة – الأوان.. عن جريدة الحياة-  8 ديسمبر 2013
([2])  هاشم صالح – القيم إلى أين؟ .. محاورات القرن الواحد والعشرين – موقع: الأوان – 8 ديسمبر 2013.
([3])  المرجع نفسه.
([4]) عبد الرازق الدواي – عن ملامح الفكر الفلسفي في مطالع القرن 21 – موقع: حكمة – 27/11/2015
([5])  د. السيد ياسين – تحديات تدريس الفلسفة في عصر العولمة – الانترنت – 28 مايو 2015.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول