نقض وحدة الوجود الشخصية لدى كمال الحيدري

هيبت بافي حلبجة
2021 / 4 / 18

لعل أشد ما يعجبني لدى العرفانيين ، سيما لدى المحققين والجهابذة والشريحة الأولى منهم ، والمرجع الديني السيد كمال الحيدري منهم ، هو إتقاد ذهنهم وقدح ذهنيتهم في إكتشاف تلك التناقضات الرهيبة والمغالطات المقيتة والسخافات البغيضة في المعتقد السكوني الجامد وفي أصوله وفي فقهه وفي تلك المحاولات البائسة لتصحيح وتجميل أخطاء صاحب النص الإلهي عند تفسيره أو تأويله ليقعوا ، هم بدورهم ، في أحابيل منطق الإعتقاد بضرورة وجود ماهو ميتافيزيقي روحاني بحت يحتاج إلى تصور كلي شامل ، تصور يصدق ، حسب رؤيتهم ، مفهوم الإله الخالي من التناقض والوجود والإنسان الكامل والنبي . فبعد أن تأكدوا من الإشكاليات في إله خالق ، في إله يملك نار جهنم وكأنه جلاد ، حسب تعبيرهم ، في إله لايعرف سوى الإنتقام ، في إله يملك جنة وكأنها خمارة أبدية ، وقعوا في أفخاخ قاتلة ، في موضوع وحدة الوجود ، وفي موضوع المثال المنفصل ، في موضوع الإنسان الكامل ، في موضوع الإمامة والعصمة ، وفي موضوعات أخرى عديدة .
وقبل الولوج في مبنبات المقدمات ، أود أن أشير إلى أمرين ، الأول هو إلتزامنا بالتصور نفسه وليس بالأدلة حول هذا التصور ، فموضوع هذه الأدلة هو خارج نطاق بحثنا في هذه الحلقة ، لإننا نطعن في التصور نفسه وليس في تلك الأدلة المفترضة . الأمر الثاني قد أضطر إلى نوع من التكرار والمقارنة للضرورة وبقصد المزيد من الإيضاح لإن هذا التصور دقيق في مفرداته ، عميق في دلالاته .
المقدمة الأولى : في خصوصية موضوع الوجود الإلهي ، يؤكد سماحة السيد كمال الحيدري إن ثمت ثلاثة تصورات ، التصور الأول إنه موجود وجثماني على صورة وهيئة الإنسان ، يشبه الإنسان ، ويشبهه الإنسان ، هو غير وله غير وغيره له غير، فالوجود لايتمركز حول الوجود الإلهي من حيث هو ماهية ، إنما هو يتمركز حول الوجود الإنساني من حيث هو أساس الوجود ، فصورته هي مبحث الوجود والماهية . التصور الثاني إنه موجود ومشخص ، هو غير وله غير وغيره له غير ، لكن ليس على صورة الإنسان ، له صورة خاصة به وماهية خاصة به ، فالوجود لايتمركز حول الوجود الإنساني ولا حول ماهيته ، إنما يتمركز حول الوجود الإلهي وحول ماهيته . التصور الثالث وهو موضوع وحدة الوجود ، الوجود واحد وواجب الوجود واحد بالضرورة ، والممكنات هي من ذلك الوجود ، ونحن من ذلك الوجود ، وبما إن الموضوع يخصنا فيترجم هذا على صعيد المستوى الإنساني ، من عرف نفسه عرف ربه ، أعظم الحكمة معرفة الإنسان لنفسه ، أعلمهم بربه أعرفهم به ، عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه ، عجبت لمن ينشد ضالته وقد أضل نفسه فلايطلبها .
المقدمة الثانية : بعيداٌ عن مسألة الحلول والإتحاد ، حيث الحلول هو حلول الإله في الأشياء ، والإتحاد هو إتحاد الأشياء في الإله ، يؤكد سماحة السيد كمال الحيدري إن وحدة الوجود يعني إنه متشخص دون أن يكون له غير ، فلايوجد قباله غير ، وإذا وجد له تشخص خارجي فهل له صورة ، قد يكون الجواب بنعم ولا شرط ألا يجتمع النقيضان . وهنا يتقدم الحيدري بثلاثة تفاسير ويضيف إليها تفسيره الخاص به :
التفسير الأول : ينطلق هذا التفسير من موضوع الكل ومحتوى الأجزاء ، فالكل له أسم ، وأسماء للأجزاء ، فهذا الذي هو أمامنا ، نسميه بأسمه العام ، هذه هي الشجرة ، هذه هي الغرفة ، هذا هو الإنسان ، ونسمي الأجزاء بأسمائها ، هذه هي الأغصان ، هذه هي الأوراق ، هذه هي الجدران هذه هي النوافذ . فالوجود هو الإله والإله هو الوجود ، والوجود هو مجموع هذه الأشياء ، الشجرة ، الغرفة ، الجبل ، الوادي ، النهر ، والإله هو مجموع هذه الأشياء . هذا يعني إن لايوجد إله مشخص ، إله يدق الباب ، إله يحتسي القهوة ، إله له وجوده الخاص به والمخصوص له ، أي لايوجد إله له مصداق في الخارج ، إنما هذا الكون ، هذا الوجود ، هذه الأشياء هي الإله ( سبينوزا ) . أي وبتعبير تماثلي لاتستطيع أن تقول هذا هو الإله كما تقول هذه هي الشجرة ، فالإله لايضيف عدداٌ على الأشياء وعلى الكائنات ، فلاشخصانية ولاتشخيص له في ذاته .
التفسير الثاني : ينطلق هذا التفسير من زاوية كيفية النظر إلى الوجود ، فمن زاوية يكون هو الوجود المخصص ، ومن زاوية يكون هو إلإله ، ولافرق بين الأثنين ، وأصحاب هذا التفسير يضربون مثالين لتوضيح أسسه ، فإذا نظرت إلى البحر فهذه هي مياهه ، وإذا نظرت إلى البحر فهذه هي أمواجه ، فمياه البحر هي عين أمواجه ، كما إن أمواجه هي عين مياهه . وإذا نظرت إلى الجليد فهو صلب له أسم ، وإذا نظرت إلى البخار فهو غاز له أسم ، وإذا نظرت إلى الماء فهو سائل له أسم ، وإذا نظرت إلى المكونات الأصلية فهي واحدة في تلك الحالات الثلاثة .
التفسير الثالث : ينطلق هذا التفسير من مفهوم التجلي ، الذي هو أساس وحدة الوجود لدى محي الدين ابن العربي ، والتجلي هو تمظهر شيء في شيء آخر ، في أشياء أخرى ، دون أن يفقد ذاتيته الأصيلة ، فكما إن هنالك ماء وثلج وبخار وهي تجليات ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين ، فإن الأشياء هي تجليات الحق تعالى . وكما إن لذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين مظاهر متعددة فإن للحق تعالى تجليات متعددة ، وهكذا لايوجد خلق ولاتوجد معلولات . و يستند في ذلك إلى الأعراف 143 : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى للجبل جعله دكاٌ وخر موسى صعقاٌ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين .
التفسير الرابع : ينطلق سماحة السيد كمال الحيدري من فكرة إن الحق تعالى موجود ، موجود وجوداٌ فعلياٌ ، والحيدري موجود ، موجود وجوداٌ فعلياٌ ، وكذلك الشمس والقمر والجبل والوادي والنهر والمطر وأنت وأنا والأنبياء والرسل وكل شيء موجود ، موجود وجوداٌ فعلياٌ . ولكي يتضح المغزى الأصيل من هذا التفسير من الضروري أن نذكر الأمور التالية :
الأمر الأول : في موضوع الأنا ، حيث هي الهوية الشخصية للإنسان ، فأنت أنت منذ ولادتك ، حنى العمر كله ، حتى البرزخ ، حتى أبد الآبدين ، ومهما جرى لك أو له ، بترت أوصاله ، فقد بعض منها ، فهو هو ، أي إن الأنا يصاحب الشخص منذ ولادته ، وربما منذ الأزل ، إلى لانهاية في الوجود ، فالأنا هي الحقيقة الكامنة خلف الأعضاء . فزيد هو زيد ، ولانقول هذه العين زيد ، إنما نقول هذه العين هي لزيد ، وكذلك الأرجل والقلب والرأس ، وهكذا أنت واحد وأنت كثير ، واحد في حقيقتك وكثير في أعضائك أي حينما نتحدث عنك نقول هذا أنت ، وحينما نتحدث عن أعضائك نقول هذا رأسك وهذه يدك وهذا جسمك .
الأمر الثاني : في موضوع الواحد والكثرة ، زيد يقول هو تحدث إلى نفسه ، والمحادثة لاتكون إلا مابين متحدث ومتحدث إليه ، وزيد يقول إنه يلوم ويعاتب نفسه ، والعتاب لايكون إلا مابين معاتب ومعاتب عليه ، وزيد يقول إنه جرح نفسه ، والجرح لايكون إلا مابين جارح ومجروح ، وهكذا يكون زيد واحد وكثير ، فهو واحد يعاتب نفسه ويتحدث إلى نفسه ويجرح نفسه فهو كثير.
الأمر الثالث : في موضوع الواحد والكثرة ، فحتى أعضاء زيد تغاير بعضها للبعض ، يقول زيد هذه يدي اليمنى وهذه يدي اليسرى ، فاليد اليسرى هي غير اليد اليمنى ، ويقول هذا رجلي الأيسر وهذا رجلي الأيمن ، فالرجل الأيسر هو غير الرجل الأيمن ، وهكذا تكون أعضاء جسم زيد مغايرة بعضها للبعض ، فالجانب الأيسر هو غير الجانب الأيمن ، وهكذا يكون زيد واحد وكثير .
الأمر الرابع : في موضوع لاتناهي الوجود الإلهي ، يؤكد الحيدري إنه لامتناه ضرورة وحتمية ، أي إنه مابين قوسين الوجود كله ، ولكي يصدق هذا الفرض ينبغي ألا ينتهك وجودنا ووجود الأشياء حرمة لاتناهي وجوده ، إلا إن الإشكال هو إنه موجود ونحن موجودون والأشياء موجودة ، وهو لامتناه ووجودنا حقيقي ووجود الأشياء حقيقي ، أبنا يكتمل لاتناهيه ، أبالأشياء يكتمل لاتناهيه ، يقول الحيدري لا ليس الموضوع على هذه الشاكلة ، فهو لامتناه في ذاته ووجودنا كجزء من الكل يحفظ لاتناهيه ، أي هو لامتناه رغم إن وجود الأشياء حقيقي ، فزيد هو زيد وأعضاؤه هي أعضاؤه .
الأمر الخامس : في موضوع معيار الوحدة والإنفصام ، في معيار الوحدة واللاوحدة ، يقول السيد الحيدري إن الإتصال هو الشرط الوحيد للوحدة ، فإذا مسكت صفحة ورقية ، فهي ورقة واحدة لإنها متصلة ، وهي ، من هذه الزاوية ، وحدة الوجود ، وإذا مزقتها إلى قسمين ، تعطلت الوحدة السابقة ، وأصبح لدينا ورقتين منفصلتين عندها لانستطيع الحديث عن وحدة الوجود ، إنما هي أنتقلت إلى وحدتين منفصمتين ، كل واحدة منها تتمتع بوحدة الوجود الخاصة بها . وإذا مزقت هاتين الورقتين إلى أربعة أقسام ، تعطل الإتصال فيما بينها ، فإنتفت وحدة الوجود في كل ورقة سابقة ، وغدونا إزاء أربعة أوراق كل منها تتمتع بالوحدة الخاصة بها .
الأمر السادس : في مضوع الكل والجزء ، فالكل لاينفي الجزء ، والجزء لايضيف شيئاٌ إلى الكل ، فإذا تحدثنا عن زيد ، فإنه لاينفي وجود يده ولاوجود قلبه ولاوجود أي عضو من أعضائه ، كما إن أي عضو من أعضائه لايضيف شيئاٌ إليه .
الأمر السابع : في موضوع البينونة ، أي البينونة مابين الحق تعالى ومابين الأشياء ، يؤكد الحيدري إن مابين الخالق والمخلوق بائن ، لكن ماهو نوع هذه البينونة ، فيردف هي على نمطين ، نمط البينونة الصفاتية ، ونمط البينونة العزلية ، والنمط الثاني هو أساس المشاكل لإنه يفترض العزلة مابينهما ، مابين الموجودات ، وهذا يفترض وجود وجود أول ، وجود ثان ، وجود ثالث ، وجود بقدر الموجودات ، وهذا مايرفضه الحيدري الذي يؤكد إن البينونة هي صفاتية ، والصفة ليست عين الموصوف لكنها جزء منه ، فكتاب فلسفتنا ، مثلاٌ ، هو وحدة الوجود لكن إذا كان لونه ، لون جلده ، أحمراٌ ، فالون صفة للكتاب ، لاينفصل عنه وهو جزء منه ، فالصفة لاتنفصل عن الوجود وهي جزء منه ، ولاتخلق وجوداٌ منفصلاٌ خاصاٌ بها . وهذا مايفضي بنا إلى مفهوم العدد في الوجود ، فإذا كانت البينونة بينونة عزلية فإن الموجودات تنضاف بعضها على البعض في وجودها ، وجود أول ، وجود ثان ، وجود ثالث ... أما إذا كانت البينونة بينونة صفة فإن ذلك لايخلق وجوداٌ جديداٌ ، أي لايخلق وجوداٌ عددياٌ .
المقدمة الثالثة : في موضوع الإله والإنسان ، فيؤكد الحيدري إن الإله هو الكل وإن الإنسان هو جزء من الأجزاء ، هو شيء من الأشياء ، ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ، البقرة 115 . أي إن الله كائن في الوجود كله ، أو بتعبير أدق إن الله هو الوجود فلاوجود خارج الإله كما لا إله خارج الوجود . الله نور السموات والأرض ، النور الآية 35 . وفي حديث رواه البخاري ، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . أي إنه جزء من الإله ، فالمخلوقات هي غيره وهي جزء منه .
المقدمة الرابعة : يقول الحيدري إذا ما أدركنا وحدة الوجود بهذا التصور والتفسير فسوف تنحل كافة الإشكالات العالقة نذكر منها . الإشكال الأول سوف تنحل مسألة الاتناهي لإن الإله هو اللاتناهي وقد ملأ الوجود وإن كافة الأشياء ليست إلا هي من ضمن هذا التناهي . الإشكال الثاني العلم الإلهي ، هكذا يكون العلم الإلهي علم شمولي كامل ، فهو يعلم بكل شيء كما تعلم أنت بكل مايجري ويعتمل ويجيش في أعضائك . الإشكال الثالث القدرة الإلهية ، فهي قدرة مطلقة تامة ، فكما يرضخ جسمك لإرادتك ، مجرد الإرادة ، فإن الوجود يرضخ لإرادة الإله ، وهكذا تكون إرادتك هي تحقق وتحقيق المراد ، كن فيكون . الإشكال الرابع : وهو يتعلق بموضوع إن الله منتقم جبار وإنه قد خلق جهنم للعذاب ، يؤكد الحيدري إن الإله رحيم بالمطلق ، هو الرحمة نفسها ، وكما إن الإنسان لايعاقب لايعذب ولايقطع يده إذا أخطأت فإن الإله لايعاقب أجزاءه ، فهي محكومة بقانون ، رحمتي وسعت كل شيء .
المقدمة الخامسة : في موضوع المرتبة والدرجة الشرفية ، إذا كان الوجود بهذا الشكل فكأننا إزاء موجودات تتمتع بنفس درجة الشرف وبنفس المرتبة ، فهل يتساوى قدر نبي إله الكون مع فرعون ، وهل يكون سيدنا موسى بنفس المرتبة الشرفية مع نمرود ، هل تتماثل الدرجة الشرفية مابين سيدنا إبراهيم والإبليس ، يؤكد الحيدري إن هذا لايستقيم أبداٌ ، فلكل موجود مرتبته الشرفية الخاصة به رغم تساوق الوجود في ذاته ، ويؤكد إن هذا الإختلاف هو عين الإختلاف مابين خلايا جسمك ، فكما إن خلايا دماغك أشرف وأعلى رتبة من خلايا أرجلك !!، فإن الموجودات تتفارق كذلك .
المقدمة السادسة : في موضوع عالم المثال المنفصل ، سنكتفي هنا بالإشارة على ماهو عالم المثال المنفصل ، لإن سماحة السيد كمال الحيدري أرتبك وأرتكب جملة من المغالطات عند الحديث عن الدلائل عليه . فماهو مضمون عالم المثال المنفصل ، فمن جهة هو عالم مجرد عن المادة والجسمية ، ولاحجم له ولايشغل حيزاٌ ، ولايخضع للتغيير والحركة ، ولاينتقل من القوة إلى الفعل ، فهو موجود بالفعل أساساٌ ، وهو جوهري كي نتفادى عالم المثال المتصل ، وله آثار المادة كي نتفادى الوجود العقلي المحض . ومن جهة ثانية إن الحقائق الغيبية التي يخبرنا بها الأنبياء والرسل والأولياء هي تنتمي إلى عالم المثال المنفصل ، ولقد أستغرب أحد الفقهاء إن كيف تصدقون علماء الفلك والبيولوجيا ولاتصدقون الأنبياء والرسل والأولياء . ومن جهة ثالثة إن صاحب الإشراق في الإلهيات الشفاء يؤكد إن عالم المثال هو منفصل ، أما صدر المتألهين قيؤكد إن عالم المثال قد يكون منفصلاٌ وقد يكون متصلاٌ ، وينطلق الحيدري من هذه الفكرة الأخيرة . ومن جهة رابعة إنه ينطلق من جسمانية الحدوث وروحانية البقاء ، وهذا هو المبنى الأصلي لفكرة الحيدري في أسس الدلائل على عالم المثال المنفصل . ومن جهة خامسة إنه يحتج على الخيال بالتذكر ، فإنت حينما تتذكر ، آنما تتذكر صديقاٌ لك لم تره منذ أربعين عاماٌ ، أو طعماٌ منذ سنوات ، أو شيئاٌ غاب عنك منذ فترة ، فإنت لا تتذكره بجسمانيته ، لإن جسمه ، مادته ، شكله قد تغيرت ، إنما تتذكر حقيقته الأصيلة ، حقيقته التي كانت ومازالت وسوف ، تلك الحقيقة لاتتغير ولاتتبدل وهي الصورة المجردة لذلك الموجود ، لذلك الشيء . وأنت حينما أدركت تلك الصورة المجردة ، فهل أدركتها حيث هي لم تكن من قبل ، لم تكن من قبلك ، أم إنك حينما حصلت عليها فهي كانت موجودة قبلك وقبل الآخرين ومنذ الأزل ، يؤكد الحيدري إنك إنما تصل إلى المجرد لإنه موجود قبل ذلك ، قبل أن يتحقق في الوجود الواقعي لديك . ومن جهة سادسة وهذا العالم ، عالم المثال المنفصل ، الذي وصات إليه هو : ليس عند ربك لاصباح ولامساء ولاحركة ولاتغير ، لن تجد لسنة ربك تبديلاٌ . هو لايتحقق من القوة إلى الفعل ، إنما هو ، كل شيء ، أنت وأنا والحيدري ، والأنبياء والرسل ، والنجوم والغيوم ، والحركة والقوانين ، والبارد والساخن ، كل شيء موجود بالفعل في عالم المثال المنفصل ، موجود منذ الأزل ، منذ وجود إله الكون ، الكل بما فيه الإله موجود ، موجود هناك منذ المنذ ، والكل سيبقى هناك ، كلنا والإله والضياء والأشجار والوديان ، سنبقى إلى أبد الآبدين ، أي كنا وسنبقى ، وعالم المثال المنفصل هو عالمنا الفعلي . ومن جهة سابعة ينبغي أن ندرك ماهو موجود بالفعل وماهو يتحقق من القوة إلى الفعل ، فكلنا والإله موجودون بالفعل قي عالم المثال المنفصل منذ ، وإلى ، نقطة إنتهى . لكن كيف تتحقق الأشياء في الواقع الحالي ، الواقع البشري ، فإنها تنتقل من القوة إلى الفعل ، كيف ذلك ، إنك لو تعلم علم اليقين المطلق حل مليون مسألة رياضية فيه موجودة لديك بالفعل في عالمك ، لكنك تحتاج إلى وقت كي تتحول تلك الحلول إلى مادة مكتوبة فهي إنتقلت من عالمك بالقوة إلى الفعل ، أي إن تحقق الأشياء في التجربة الحسية بحاجة إلى ، وهذا الإحتياج موجود لدينا هنا إما في عالم المثال المنفصل فنحن موجودن بالفعل منذ المنذ . ومن جهة ثامنة وهكذا فإن إفلاطون وأرسطو وأنت وهو ، ومن ولد قبل مليارات السنين ، ومن سيولد بعد بليارات السنين ، كلنا موجودن في عالم المثال المنفصل ، وهكذا لقد رأى الرسول أمته كاملة هناك في سفره ومعراجه ، وهكذا كنت نبياٌ وآدم مابين الروح والجسد ، وهذه تدخل في موضوعة المقدمة الثامنة ، وإلا كيف ستفسر الأمور !! .
المقدمة السابعة : في موضوع نظرية الشؤون ، النظرة التشؤنية ، يقبل الحيدري بنظرية الشؤون ولايقبل بنظرية الظلال ، وحسب هذه الأخيرة فإن الموجودات ليست إلا ظلالاٌ ، فأنت وأنا والملائكة وألأنبياء لسنا إلا ظلالاٌ ، والظل أمر عدمي ، ويؤكد الحيدري إن الأنبياء والرسل والأولياء ، وأنت وهو ، موجودون حقيقة ، لذلك يذهب إلى نظرية الشؤؤن ، وأهم مافيها ، هو إن العقل والحس والنوم والقعود والسماع والأكل هي شأن من شؤونك ، وكذلك الموجودات بالنسبة إلى إلإله ، فلا نحن الله ، ولا الله نحن ، ولاعقلك أنت ، ولاأنت عقلك ، أنت أنت ، وعقلك شأن من شؤونك ، والله الله ، والموجودات شأن من شؤونه . وهكذا تكون بين الإله وبيننا بينونة ، لكنها بينونة صفة وليست بينونة عزلة ، وبينك وبين عقلك بينونة لكنها بينونة صفة وليست بينونة عزلة .
المقدمة الثامنة : في موضوع الإنسان الكامل ، إن الإنسان الكامل متحقق في نبي الإله ، فمن جهة ، إنما أنا بشر مثلكم ، ومن جهة ، أول ماخلق نور نبيكم ، لقد كنت نبياٌ وآدم مابين الروح والجسد . ولايمكن أن يصدق ذلك إلا إذا أحتوت حضرة الإنسان الكامل كافة الحضرات والمراتب والقوانين الكونية الكلية ، حضرة العقل الأول ، حضرة عالم المثال ، حضرة عالم الشهادة والحس . هنا لابد أن ندرك أمرين : الأمر الأول إن العقل الأول ، وعالم المثال ، وعالم المادة ، هي من شؤون الإنسان الكامل ، وهي تتحقق بالإنتقال من القوة إلى الفعل ، حسب حالة التدرج . الأمر الثاني إن مرتبة العقل الأول ، والمثال ، والمادة ، ليست حالة حسابية تجميعية لدى الإنسان الكامل ، فلا الإنسان الكامل هو العقل الأول ولا عالم المثال ولاعالم المادة والحس ، ولاالعقل الأول هو الإنسان الكامل ، وكذلك عالم المثال وعالم الشهادة والحس ، إنما الإنسان الكامل هو الإنسان الكامل ، والعقل الأول هو العقل الأول ، وكذلك عالم المثل وعالم المادة . الأمر الثالث إن علم الإنسان الأول هو العلم اللدني ، العلم الذي يعلم علمه ، لكن ماحجبه إلا عالم المادة والحس والشهادة وهو عالم متزاحم وسلبي وممانع ، أي إن العلم موجود لكن العلم بالعلم محجوب وينتقل من القوة إلى الفعل . الأمر الرابع إن للإنسان الكامل حقيقته الأصيلة والأصلية ، وله حقيقة العقل الأول من زاوية ، وله حقيقة عالم المثال من زاوية أخرى ، وله حقيقة عالم المادة من زاوية ثالثة ، شرط عدم جمعها حسابياٌ ، وإذا ذهبت أية حقيقة من هذه الحقائق ، أو ذهبت كل هذه الحقائق ، وكذلك قوانين الكون الكلية ، فسوف تبقى حقيقته الأصلية والأصلية إلى الأبد ، أول ماخلق نور نبيكم .
والآن هل تصمد هذه الإطروحات أمام النقد .
أولاٌ : في موضوع البينونة ، يؤكد الحيدري ، على لسان أمير المؤمنين في نهج البلاغة ، إن البينونة على نوعين ، بينونة صفة ، وبينونة عزلة ، ويختار بينونة الصفة لإن بينونة العزلة هي التي تعزل مابين قوسين مابين الإله ومابين الإنسان ، في حين إن بينونة الصفة هي التي توحد مابينهما . لكن توحد فيما بينهما على أساس إن إلإنسان والأشياء هي من صفات الإله . وإذا ماصدقت هذه الفرضية ، وهي خاطئة بالمطلق ، سيكون الحال هو كالآتي ، وجود إلهي كامل شامل مطلق كلي لامتناهي أزلي أبدي من جانب ، ومن جانب آخر صفات لهذا الوجود ، أنت وأنا والشجرة والغيوم والأنبياء، والسؤال الجوهري هو ماهي العلاقة مابين هذه الصفات ، أي بينك وبيني ، بينك وبين الجبل ، وبين الجبل والنهر ، والشمس والقمر ، والأرض والمجرة ، والشيء والشيء ، أي مابين اللون الأسود والطول ، مابين الجميل والعذب ، مابين الأحمق والعريض ، مابين اللون الأحمر والصادق . من الواضح إن طالما نحن لسنا إلا صفات فلايمكن ، بل ومن المستحيل ، أن تتواجد علاقة حقيقية إنطولوجية مابيننا ، فلاعلاقة مابينك ومابيني ، ولاعلاقة مابين الشجرة والنهر ، ومابين الثلج والنهر . وإذا غابت هذه العلاقة أصبحنا أمام واحد ، كائن واحد ، شيء واحد ، ولم نعد أمام وحدة الوجود .
ثانياٌ : في موضوع النظرة التشؤنية ، تلك النظرة التي تتاردف مع البينونة كبينونة صفة وتتساوق معها ، أي كما في نفس موضوع البينونة ، نحن من صفات الإله ، ونحن من شؤونه . وهذه الرؤية مرفوضة للآتي : النقطة الأولى إن ذلك يفضي إلى إن نبي الإله هو من شؤون الإله ويجسد حالة من تلك الحالات ، كما يكون سيدنا إبراهيم كذلك ، وسيدنا المسيح وسيدنا عيسو ، كما يكون فرعون من شؤونه ، وحالة من حالاته ، وكذلك هتلر وموسوليني ، ونيرون ، وكذلك الزنى ، والقتل والبطش وأكل مال اليتامى ، وكل الموبقات والجرائم ، كما إن الإبليس يجسد حالة من حالاته . وبهذا تنهار المنظومة الفكرية كلياٌ ، وينهار المعتقد من أسسه . النقطة الثانية إن المرتبة الشرفية التي أشار إليها سماحة السيد الحيدري ، مابين النبي وفرعون مثلاٌ ، لم تعد لها أية مصداقية طالما إن كلنا نمثل حالة تشأنية وطالما إن هذه الحالة لابد إن ترتبط بالإرادة ، بإرادة الإله التي بدونها نتحدث عن الفوضى واللانظام وحالة العماء المطلق . النقطة الثالثة إذا صدقت رؤية التشؤنية ، فهذا يعني إن لا أنت أنت ، ولاأنا أنا ، ولاهو هو من الناحية الإنطولوجية . فالشأن وكذلك الصفة ، ليستا من الخصائص اللازمة ضرورة للوجود بإعترافه هو ، فأنت ظل ، وأنا ظل ، وهو ظل ، وهو مايمقته ويرفضه سماحة السيد كمال الحيدري . النقطة الرابعة إذا كنت لا أنت أنت ، ولا هو هو ، فإن لا الإله إلهاٌ ، لإنه الوجود برمته يتحول إلى وجود عددي واحد ، فلماذا يكون هو إلهاٌ ، إلهاٌ لمن ، إلهاٌ لأي سبب ، إلهاٌ لصفاته !! إلهاٌ لشؤونه!! فهو واحد موجود هناك وليبقى هناك إلى الأبد ، وربما سينتحر يوماٌ من الملل ، من الضجر ، من الواحدية الأبدية المقرفة .
ثالثاٌ : في موضوع وحدة الوجود الشخصية ، يؤكد الحيدري ( إن الإله موجود حقيقة ، وإنني موجود حقيقة ) وإن الأنبياء موجودون حقيقة ، والشمس والنهر والشجر ، وكل شيء ، وإذا ماصدقت هذه الفرضية فنحن إزاء فرضين ، الفرض الأول إما إننا موجودون مع الوجود الأصيل منذ المنذ ، أي كلنا موجودون في هذا الوجود أصالة وبداءة ، الفرض الثاني إما إننا مما طرأ لاحقاٌ على هذا الوجود ، أو في هذا الوجود . في الفرض الأول مهما كان وضعنا فطالما نحن موجودن حقيقة وطالما نحن موجودن بوجود الوجود الأصيل والأصلي ، فإننا لسنا صفة من الصفات ، ولاشأناٌ من الشؤون ، فأنت أنت ، وهو هو ، والنهر نهر ، والريح ريح ، والإله إله . وفي الفرض الثاني نكون إزاء حالة وجودية لاشأن بها بمفهوم الإله ، لإن الطروء يعني التغير والتحول والتجدد ، ويعني أي شيء سوى الثبات والمطلق والكلي والأزلي وما شابه ذلك .
رابعاٌ : في موضوع عالم المثال المنفصل ، نود ان نسجل الملاحظات التالية ، الملاحظة الأولى إذا كان ينطلق من مفهوم الحركة الجوهرية التصاعدية ليدلل على وجود عالم المثال المنفصل من خلال وجود عالم المثال المتصل ، عالم الحس والشهادة ، فلماذا أستخدم مفردة المنفصل ، الإنفصال عن ماذا ، الإنفصال لماذا ، أليس ذلك ، في صلب حيثياته ، دليل على وجود بينونة من نوع ما هي عزلية وليست صفاتية ، هي تباعدية حقيقة وليست شأنية متصلة أو حالية . الملاحظة الثانية حسب الأصل التحليلي إن الأشياء وكافة الموجودات هي متحققة في عالم المثال المنفصل بالفعل أصالة وتاصيلاٌ وأولاٌ ، ثم تتحقق تلك الأشياء تدريجياٌ في عالم المثال المتصل ، عالم المادة والتجربة البشرية ، من القوة إلى الفعل ، لكنه يعتمد على قاعدة تطيح بهذا الأساس وهي : جسمانية الحدوث أولاٌ ثم روحانية البقاء . الملاحظة الثالثة إذا كنا ، كلنا ، موجودون بالفعل في عالم المثال المنفصل ، ثم يتحقق وجودنا في عالم المثال المتصل ، ثم نعود إلى عالم المثال المنفصل أو كنا ونبقى ، فما هو السبب الضرورة لحدوث هذا التحقق !! ولماذا يخلق أصلاٌ عالم المثال المتصل !! . نكتفي بهذا ونبدي الملاحظة التالية : في الحقيقة إن السيد الحيدري مضطر إضطرار الضرورة إلى تفادي أكبر قدر من التناقضات ، لذلك ، مثلاٌ ، يقول بجسمانية الحدوث وروحانية البقاء ، وينكر الطبيعة المادية له لكن يحافظ على مايسميه : له آثار مادية ، وينكر طبيعته العقلية الصرفة لإنه لايستطيع تجاوز تلك آثاره المادية !! ويضطر إن يقول إن الإله : رحمتي وسعت كل شيء ، تناسقاٌ مع وحدة الوجود الشخصية ، رغم إن بعض النصوص الإلهية تؤكد العكس ، مثال ، ماجرى مع سيدنا الخضر وموسى عليهما السلام ، وقصة تلك القرية التي يأمر الإله أغنياءها بالفسق كي يجد حجة لإبادتها ، وآيات أخرى صريحة وواضحة في هذا المجال لاتحتاج إلى تأويل أو تفسير !! .
خامساٌ : في موضوع الإنسان الكامل ، حيث إن نبي الإله له علم الحضرات والمراتب وهي كلها دونه بمافيها العقل الأولي . وهنا نعترض على ذلك بالتالي : النقطة الأولى إذا كان الإنسان كاملاٌ فهل يكتمل كماله وهو صفة من الصفات وهو شأن من الشؤون . النقطة الثانية إذا كان الإنسان كاملاٌ فأين تلك الخصائص التي تأكد درجة كماله ، وإذا وجدت تلك الخصائص ، أفلا يطيح ذلك بكمال الإله ، أي إذا كان كماله حقيقي فإن كمال الإله لن يعد بعد كمالاٌ ، وإذا كان كماله غير حقيقي فسوف تنهار كافة الإطروحات التي تقدم بها السيد الحيدري . النقطة الثالثة إذا وجد الإنسان الكامل فإنه لن يكتمل كماله إلا إذا كان وجوده حقيقي وخاص به ، وجود يخصه وحده دون سواه ، حينها تنهار كافة أسس وحدة الوجود الشخصية لىسماحة السيد كمال الحيدري . النقطة الرابع إن الواقع الفعلي الذي عاشها نبي الإله لايصادق على صحة هذه الإطروحة ، فلقد بقي حتى السن الأربعين وهو على معتقد آخر ولايدري شيئاٌ عن حقيقة معتقده اللاحق ، بل إنه ماكان يدري بالذي يجري له ، إنما هي السيدة خديجة وأبن عمها ورقة بن نوفل اللذان قالا له : إنك نبي هذه الأمة . كما إنه ماكان يدري إن المرأة اليهودية قد دست السم في اللحم ، فأكل منه ومات صاحبه به . كما إنه شك شكاٌ حقيقياٌ في حادثة السيدة عائشة وهجرها لمدة أكثر من شهر وأستشار علي بن أبي طالب في قضية طلاقها ، وهكذا فإن الإنسان الكامل الذي ، كان من المفروض أن يكون كاملاٌ من الأزل إلى الأبد ، ماكان كاملاٌ معرفياٌ في لحظة وقوع هذه الأحداث . وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة بعد المائة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول