الصمود كمنهج في الحياة

عبد الرحمان النوضة
2021 / 4 / 17

مُــحْــتَــوَى الــمَــقَــالَــة
1 ) مَنْبَع الصُّمُود (من خلال شهادة شخصية) 4
2 ) الصُّمُود تحت التعذيب 7
3 ) لَا مُـبَـرِّرَ لِـعَـدَمِ الـصُّـمُـود 14
4 ) لَا حِيلَة، وَلَا حَلَّ غَير الصُّمُود 17
5 ) تَــرْبِــيَــة الصُّـمُـود 19
6 ) خَـــطُّ الـصُّــمُــــود 22

[ هذه الوثيقة الحالية (حول قَضِيَة الصُّمُود) هي في الأصل مُقْـتَطَـفَة من كتاب يحمل عنوان: كَـيْـفْ (في فُنُون النضال السياسي الثوري) . وقد كتب رحمان النوضة هذا الكتاب أثناء اعتقاله داخل السّجن المركزي بمدينة القُنَيْطِرَة بالمغرب، في فبراير 1981، حينما كان محكوما عليه بالسجن المُؤبّد. ويُوجد في هذا الكتاب صَدَى، أو بعض الرُّدُود، على بعض الصّراعات النظرية والسياسية التي كانت تَجْرِي آنذاك داخل السجن المركزي، وخارجه، فيما بين بعض المعتقلين السياسيين الذين أُعْتُـقِلُوا في إطار "تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب". وقد رَاجَعَ وَحَسَّـنَ الكاتب هُنا الصِّيغَة اللُّغَـوِيَة لِهذا المُـقـتـطـف، في سنة 2012 ].

النضال السياسي الثوري هو مُكَوِّن مِن بين مُكَوِّنَات الصراع الطبقي. وهذا الصراع الطبقي هو حرب طبقية طاحنة. والحرب أنواع: حَامِيَّة وباردة، قانونية وغير قانونية، مُباشرة وغير مباشرة، نظامية وغير نظامية. وتكون هذه الحرب تارةً وَاضحة، وتارةً أخرى تكون غامضة، أو خفيّة. والأشخاص الذين يخافون الموت في الحرب الطبقية يَنهزمون أو يموتون، والذين يَتَجَرَّؤُون، ويَصْمُدُون، وَيُبَادِرُون، وَلَا يخشون الموت، يعيشون، وقد ينتصرون(1).
يُهاجم النظام السياسي، وكذلك الأحزاب الرجعية (مثل "تجمع الأحرار"، و"الحركة الشعبية"، و"حزب الاستقلال")، كل الذين يتكلمون عن «الصراع الطبقي» في المغرب. لكن «الصراع الطبقي» لا يحتاج للإثبات. لأن «الصراع الطبقي» هو الحقيقة اليومية المتواصلة للجماهير الكادحة والمهمَّشة. حيث يتجلى هذا «الصراع الطبقي» في مواقف وأفعال كل طبقة اجتماعية، وفي سُلُوك كل فئة طبقية، وفي تَصَرُّف كل قُوَّة سياسية، تُجاه خُصُومها، أو تُجاه مُنافسيها. ويتجلّى «الصراع الطبقي» أيضًا في أفعال الدولة، وفي اِنْحِيَّازِاتِهَا.
وكلّ طبقة في المُجتمع تَخُوضُ بشكل متواصل صراعات متعدّدة، ومتنوّعة، ضدّ مجموعة من الطبقات الاجتماعية، المناقضة لها. وحتى اذا كانت الدولة (ومن خلفها البرجوازية الكمبرادورية، وملاكي الأراضي الكبار)، تستطيع، في غالبية الحالات، أن تُخفي هجوماتها ضدّ طبقات الشعب، أو أن تُـغَـلِّـفَـها، أو أن تُبرّرها، بِمُـعْـتَـقَـدَات، أو بِأَنْشِطَة أَيْدِيُّولُوجِيَة، أو سياسية، أو اجتماعية مُضَلِّلَة، فإن نضالات الجماهير، مثل نضالات الطبقة العاملة، والفلاحين، والبرجوازية الصغيرة، الى آخره، هي نوع من «المُقاومة الطبقية». وتعبر عن الجانب البارز في «الصراع الطبقي» الجَارِي ضِدَّ النظام السياسي القائم، أو ضد البرجوازية الكمبرادورية، أو ضدّ ملاكي الأراضي الكبار.
فَلَا يَحتاج «النضال الثوري» لِاِعْتِرَافٍ. بل بِمُجَرَّد أن يُوجد «النضال الثوري»، يفرض فَوْرًا مَشْرُوعِـيَـتَـه. وكُلما وُجِدَت طبقات مُجتمعية، ظهرت بالتّالي المُقاومة الطبقية. فَيَظْهَرُ الصراع الطبقي، ويبرز الصُمُود الطبقي، وتبدأ سيرورة ثورية في التَـطَـوُّر داخل المُجتمع. ولا تستطيع الاجهزة الأَيْدِيُولُوجِيَة للدولة (مثل الإذاعات، وقَنَوَات التلفزات، والمدارس، والجامعات، والصُّحُـف، والخُطَب) أَنْ تُضَلِّـلَ كُـلِّيًا وَنِهَائِيًا الجماهير الشعبية. ولا تَـقدر هذه الأجهزة على إخفاء واقع الاستغلال، والاضطهاد، والقمع. كما لا تستطيع الأجهزة الأيديولوجية أن تُضَلِّـل جماهير الشعب إلى حَدِّ تَـقْـدِيـم الأعداء الطبقيّين للجماهير كأصدقاء. كما لا تستطيع الاجهزة القمعية التابعة للدولة (مثل البوليس، والمخابرات، والدرك، والجيش، وقُوّات التدخّل السّريع، والقوات المساعدة، والقُوّات الخاصّة، بمختلف أنواعها)، وكيفما كانت شراستها القمعية، أن تَرْدَعَ كُلِّيًا ونهائيا جماهير الكادحين. ولن تستطيع مَنْعَهُم كلّيًا مِن خوض النضالات المتنوّعة والمتواصلة. ومع تطور الأوضاع المُجتمعية، ستكتشف جماهير الشعب كيف تُمارس الصُّمُودَ، وكيف تُـقاوم النظام السياسي القائم، وكيف تتجرّأ على المُبادرة، وعلى الانتصار.

1 ) مَنْبَع الصُّمُود (من خلال شهادة شخصية)
وَكُلَّمَا بَحَثْنَا في نضالات الجماهير الكادحة في المغرب، وَكُلَّمَا حَلَّلْنَا كِـفَاحَات الشعوب، سواء في أوروبا، أم آسيا، أم أفريقيا، أم أمريكا الـلاتينية، تعلمنا أشياء كثيرة، وهامّة. لأن هذه النضالات تُجَسِّدُ صِداما فيما بين، من جهة أولى الطبقات الاجتماعية والقوى السياسية التَـوَّاقَة إلى الثورة، وإلى التَحَرُّر؛ ومن جهة ثانية الطبقات والقوى المحافظة، أو الرجعية، التي تريد فرض استمرار الاستغلال، والقهر، والقمع، والاضطهاد.
فَـمِن رصيد نضالات شعبنا، ومن ها السّيل الجارف، المتواصل، من عشرات التجارب الثورية، ومئات الكفاحات التحررية، للعديد من الشعوب عبر العالم، نستمد فكرنا الثوري، ونستمد الطموح، والأمل، والصمود، والجرأة على المقاومة، وعلى النضال، وعلى الانتصار.
فلم تعد اليوم، لا خسائرنا، ولا أخطائنا، ولا أخطاء غيرنا، بقادرة على تكسير عزيمتنا الثورية. لأننا نتعامل مع الأخطاء، ليس كمبررات لإعفاء أنفسنا من عَـنَاء النضال والتضحيات الجسام، ولكننا نتعامل معها كَـحَـوَافِـزَ إضافية على ضرورة التعلّم، والصُّمُود، والتَـقْوِيم، والتَـثْوِير، والتَـنْـظِـيـم، والبَلْتَرَة، والكِـفاح، بِهدف مُواصلة النضال الثوري، نحو الأمام، بعزيمة أقوى، ومعرفة أعمق، وتنظيم أصلب، وجماهير أوسع، وفعالية أكبر.
منهجنا، سواء عند النجاحات أم عند الإخـفـاقـات، هو تَـقْـيِـيـم المُمارسة الرَّاهِـنَة، وتَمْحِيص التجربة في تفاصيلها، وَتَـقْـوِيم الأساليب والمناهج، وَتَـثْـوِير المُمارسة والمفاهيم، وبناء التَـنْـظِـيم وَتَصْلِيبِه، وَبَلْتَـرَة هذا التنظيم، سواء على مستوى الفكر، أم على مستوى التركيب الطبقي، وذلك بهدف الإِتِّـعَاض مِن أخطائنا الماضية، والحرص على تلافيها في المستقبل، وبهدف الاستمرار في التجذّر، وفي الانصهار، وسط الطبقات الثورية، من عمال، وفلاحين... وكذلك بهدف الاستمرار في خوض النضال الثوري، بمناهج أكثر صِحَّةً، وَعَـقْـلَانِيَة، وَفَعَالِيَة، وَنَجَاحًا.
واليوم، وفي الوقت الذي كثرت فيه الدِعَايَة عن «المسلسل الديمقراطي» المزعوم، وعن «المغرب الجديد»، وعن «السِّلْم الإجتماعي»، تستمرّ الجماهير الشعبية الكادحة فيما تُـعانِيه مِن وَيْلَات تصعيد النَّهب، والاستغلال، والفَسَاد، والقمع، والاضطهاد، وذلك أمام أنظار أنصار «الإجماع الوطني» المزعوم. (وَيَضُمُّ هذا «الإجماع الوطني» النظام السياسي القائم، والاحزاب الرجعية، وأحزاب وطنية إصلاحية، في مجال قضية الاستيلاء على الصحراء الغربية، بِهدف إنـقاذ النظام السياسي من أزماته المُنْذِرَة بالأَخْطَار).
وإذا كان النظام السياسي يسمح للأحزاب الإصلاحية بملء جرائدها بِـ «المعارضة البناءة»، في اطار«الملكية البرلمانية» الديكتاتورية، وفي اطار سياسة «السِّلم الاجتماعي» المزعوم، فإن هذا النظام السياسي القائم يواجه مُجرّد الإضراب النقابي الدفاعي للعمال، المُطالب بِالشُّغْل، وبِالزيادة في أجور أصبحت لا تكفي حتى لملئ البُطُون الجائعة، ولا تكفي حتى لضمان عيش الأبناء، ويُوَاجِهُهَا النظام السياسي بِالطَّرد الفردي والجماعي، وبإغلاق بعض المعامل، وبالاعتـقالات، وبالحبس، وبِالتعذيب، وبِالإرهاب البوليسي.
أما تحركات جماهير الفلاحين من أجل الدفاع عن أراضيهم، ومن أجل إفشال محاولة انتزاعها مِنهم مِن طرف ملاكي الاراضي الكبار، ومِن طَرف موظفي الدولة الكبار، يُوَاجِهُهَا النظام السياسي في غالب الحالات بالحصار، وبالتطويق العسكري، وبالاعتقالات الجماعية، وبالتعذيب، وَبِـإِرْهَـاب الدولة، وبالأحكام الجائرة والقاسية، مِن حبس وغرامة مالية، وأحيانا أخرى يواجهها بالقمع الدموي.
ويَـقْمَعُ كذلك النظام السياسي نضالات التلاميذ، والطلبة، وموظفي الدولة الصغار، مثل الأساتذة، والمعلمين، والمُمرضين. وَيُواجِهُهَا هي الأخرى بالضّرب، وبالطَّرد، وبالاعتقالات، وبالحبس.
لكن الأوضاع المَـعِـيـشِـيَـة تَدْفَع الجماهير الكادحة إلى رفض الـرُّضُوخ. فَـلَا تَـيْـأس الجماهير الكادحة، بل تَصْمُد، وتبتكر الأشكال النضالية الجماعية، والأساليب الكِـفَاحِيَة الملائمة، لتهيئ نضالات أوسع، وأقوى من سابقاتها.

2 ) الصُّمُود تحت التعذيب
مَن لم يعش معاناة المناضل الثوري تحت التعذيب، قد يصعب عليه فَـهْـم قضيّة «الصُّمُود». وبعض شهادات المناضلين الثوريّين عن التعذيب، مثل الشهادة التالية، قد تُساعد على تَصَوُّر هذه المعاناة تحت التعذيب. وقد تُوضّح مَدَى الصِّرَاع بين عزيمة الصُّمُود مِن جهة أولى، ومِن جهة ثانية المُيُول للإِسْـتِـسْـلَام. ومِمَّا جاء في هذه الشّهادة، ما يلي :
« أَتذكّر أن البوليس السياسي إِخْتَـطَــفَـنِي في حديقة، في 4 ماي 1974. وأستعيد صوّر وُجودي في المعتقل السِرِّي، حينما كنت معتقلا، وكيف أن الجَـلَّادِيـن كانوا، خلال التعذيب، يَـقْـذِفُـون بِسِبَابِهِم، ويضربون بِأيديهم وبِأرجلهم، وبأطراف مِن مطاط عجلات السيارات. وفي حَيَوَانِيَة الجَلَّادِين، تتجلَّى بشاعة ووحشية أسيادهم الحاكمين، الذين يَأْمُـرُونَـهُم بِـتَـعْـذِيب النَاقِدِين والمُعَارِضِين بِأَشْـرَسِ الأَسَالِيب. وَفِي المُـعْـتَـقَـل السّري الذي سُقْتُ إليه منذ اختطافي في الشارع، تَـبْـقَى العَـيْـنَان مُغمضّتان بطرف من ثوب، واليدان مـكـبَّـلـتـان، بالإضافة إلى المنع التّام من القيام بأيّ تحرّك، أو وُقوف، أو كلام، أوهمس، أو ابتسام. وَتُعَاقَب كلّ مُخالفة بِجَلْدٍ فَوْرِي. ويستمر هذا الوضع الخطير طيلة مدّة الإقامة في المعتقل السري، والتي قد تتراوح، حسب الحالات، بين بضعة شهور وبضعة سنوات. ودام هذا الاحتجاز في حالتي 18 شهرا.
« وليس الاستنطاق البوليسي مُجرد أَسْـئِـلَة مُسالمة، ولا هو مُجرّد استنطاق خَشِن أو فَظّ، بل هو قبل كلّ شيء، عِـقَابٌ مُسْبَـق، وَتَـأْدِيب شَرِس، وإرهاب مُدَبَّر، وتعذيب سَادِي، وانـتـقام على سُلُوك «التَمَرُّد»، وعلى «المُعارضة»، وعلى الطُمُوح إلى «الثورة»، أو على الرَّغْبَة في «الجمهورية» الديموقراطية الشعبية، التي يَـتَـنَـظَّـمُ فيها الشَّعب الكَادِح في «المجالس الشعبية» من أجل تسيير مصيره بنفسه، ومن أجل تحرير نفسه بنفسه.
« وخلال التعذيب، تظلّ أسئلة الجلادين تَدُور حَول: «مَن هم رفاقك في النضال؟»، «وأين يُوجدون؟»، لكي يُقْدِمَ البوليسُ السياسي على اختطافهم بِأكبر سُرعة مُمكنة. ويحاول البوليس استغلال مُفاجأة اللّحظات الأولى مِن الاعتقال لِزَعْزَعة المناضل وَكَسر مُقاومته. «تكلم، وَإِلَّا... التعذيب حتى المَوت»! هكذا كان يُصِيح الجلادون، دون انقطاع عن الضّرب. لكن الموت لم تكن تُخِيفُـنِـي. بل كُنت مُستعدا لها، وقابلا بها إن اقتضى الحال. فَمُنذ سنة 1969، إخترتُ أن أكون مُناضلًا ثوريًّا مُحترفًا. وَيَطرح ابتزاز الجلادين باستمرار على المُناضل المُعذّب أن يَختار بين: «إمَّا أن تَخُونَ رفاقك في النضال، وأن تَسْلَم أنتَ، وَإِمَّا أن تَـمُوتَ» بِالتعذيب! لكنـني كنتُ مهيئا، فَـقَـد حَسِمْتُ اختياري قَبْل أن أَتَعَرَّضَ لِلإعتقال. إِخْتََرْتُ إِنقاد رفاقي في النضال، بدلا من إنقاد ذاتي. لأنني أَحْسَـسْـتُ أنه، وَلَوْ مَـيِّـتًـا، سأستمر كامتداد سياسي، ونضالي، في رفاقي الباقين، بل وفي عموم الشعب.
« بمثل هذا الصمود يمكن لقضية الثورة أن تَـتَـقَـدَّم. بينما القبول بِخِيَّانَة رفاقي في النضال، بهدف إِنقاذ ذَاتِي، سَيكون أيضًا خِيانة للطبقة العاملة، وللفلاحين، ولقضية النساء المقهورات، وللأطفال المحرومين، إلى آخره. وفي نفس الوقت، أُحِسُّ أن رَغبتي في البقاء على قيد الحياة، من أجل الاستمرار في النضال، وبفعالية أكبر، تبقى قائمة وحيّة. وَنَارُ آلام التعذيب تظلّ تُذكّرني وَتُـشعرني بالآلام التي تعانيها يوميا ملايين الرجال والنساء من الشعب المغربي، ومن كل شعوب العالم. وجسمي يقاوم التعذيب، ويحترق في المقاومة.
« وعند كل ضربة جديدة للجلادين، يتزلزل مجموع بدني. وَتَسْرِي الكهرباء مِن قَدَمَيَّ إلى دِمَاغِي. وأرى الابتزاز مطروحا عليّ من جديد: «إِمَّا أن تَخُون، وَإِمَّا أن تَمُوت»! وَعِنْدَ كلّ ضَربة، يَـتَـوَجَّـبُ عَلَيَّ أن أَختار مِن جَدِيد، وَبِسرعة، وأن أَحْسِمَ اختياري. وفي آلام التعذيب، أُحِسُّ بالموت وَبِسَكِـينَـتِـهَا قد بَدأت تُخَيِّمُ عليَّ لِـتَـبْـتَـلِـعَـنِـي كُلِّيًا. وَفَجْأَةً، يُصبح الصراع الطبقي واضحًا، مَلموسًا، بَسيطا، وَمُرَكَّـزًا. أَنْ تَخُون، أَو أن تَمُوت! وكل مَن اختار خِيَّانَة رفاقه، يكون قد حَكَمَ على نفسه بالموت، ولَا يَبْـقَى منه سِوَى جُثَّة مُتَحَرِّكَة.
« وَفِي خِضَمِّ نَارِ التعذيب، أُحِسُّ في أعماقي بالصِّرَاع الحَادّ، المَصِيرِي، بَين البروليتاريا والبرجوازية. فهل ينبغي أن أُدَافِعَ عَن هذا الجزء من الثورة الذي يَـتَـجَـسَّـدُ فِيَّ، وعن هذا المَوقع للبروليتاريا، أم أنه ينبغي، على عكس ذلك، أن أَتَـنَـازَلَ لِلبرجوازية، بِـهَدَف إِنْـقاذِ ذَاتِي ؟ والجواب على هذا التـناقض مطلوب باستعجال، في كلّ حِصَّة مِن حِصَصِ التعذيب، وعند كلّ ضَربة مِن بين المِئَات مِن الضَرَبَات. لأن التعذيب يَـفْـتِـكُ بِي دُون توقُّـف. أن أُعْطِيَ رفاقي في النضال لِلبُوليس الجَلَّادِين، هو بِمَثابة طَعنة مِن الخَلف في ظهر الطبقة العاملة، وَرُكُوع للبرجوازية، وَخِيَّانة لِلبروليتاريا، وكذلك لِعُموم الشعب. بَينما صُمُودِي، هو تجسيد لِلنضال ضد البرجوارية، وهو دَعْـمٌ للبروليتاريا، ومُنَاصَرَة لَه. وََيُكَرِّر المَنطق داخل دِماغي: يجب أن نَـحْمِيَ كلّ حركة ثورية، وَأَن نُدَعِّم كلّ بَذْرَة ثورية، مهما صَغُرَ شَأنها. لأن كلّ بذرة ثورية هي تَـقْـوِيَة لِلبروليتاريا، وَإِعَانَة لِلمَسِيرة الثورية. بَينما الاستخفاف بمصير الثورة، أو التفريط فيها، هو تَـغْـلِـيـب لِلبرجوازية ضِدَّ البروليتاريا.
« وَلَو أن عَيْنَايَ تظلّان مُغْمَضَّتَيْن طِوال مُدّة الاعتـقال في المُعتـقل السرّي، أَسمعُ أَحْيَانًا صَيحات معتقلين آخرين تحت التعذيب، وأَسْتَـمِـعُ لِأَنِـيـن مُناضلين آخرين، مََهْلُوكين، أو رَاقِدِين في مَمَرٌات المُعتقل السِرِّي، أو في حُجُراته. فَـأَتَـذَكَّـرُ أن نفس المُعاناة يعيشها باقي المعتقلين. فَـأُدْرِكُ أن المُعاناة مُشتركة، وأن القَـضِيَة هي ذات بُعْد سياسي، وطني، بل أُمَمِي.
«... «إِمَّا أن تَخون رِفاقك، وإما أن تموت»! لكننا نَعرف أن المُعتـقلين الذين يَنْهَارُون داخل المُعتـقل، ينهزمون، ثمّ يتعاملون مع العدو. فَـيُـصْبـحـون مَنـبوذِين من طرف رفاقهم في النضال، وَحتّى مِن طرف الجلادين. لأن الجلّادين يستمرون في الحذر من المعتقلين المُتَعاونين، وَيُدَاوِمُون إهانتهم. أما المناضلون الذين سبق لهم (قبل اعتقالهم) أن فَكَّرُوا في احتمال تعرّضهم لِلاعتقال، والذين تـهَـيَّـئُـوا لامتحان التعذيب، فإنهم يعرفون أنه لا يُوجد اختياران، ولكن اختيار واحد، هو النِضال، والصُّمُود، حتى الموت، إن اقتضى الحال.
« رُبَّـمَا أن بعض الضُّعف يُـوجد في كلّ شخص، وَرُبَّـمَا أن بعض الأخطاء قد حَدثت في حركتنا النضالية، وَرُبَّـمَا أن بعض الاختلافات السياسية قَد وَقَـعَـت مع بعض الرفاق الذين لم يُتَعَرَّضُوا آنَذَاك للاعتـقال. لكن هذه العناصر السِّلْبِيَة لَا تُـبَـرِّرُ المُـتَاجَرَة مع العَدُوّ، أثناء الاعتقال، برفاقـنا في النضال، بهدف إِنْـقَاذ ذاتـنا الأنانية. وحتى إذا كانت حركـتـنا النضالية تَـتَـضَـمَّـن فعلًا بعض الأخطاء، أو الانحرافات، فالحلّ يبقى دائمًا هو الاستمرار في النضال، وفي الصّمود. لأن أحسن طريق لتوفير امكانية تصحيح تلك الأخطاء والانحرافات الماضية، هي الحفاظ على أسرار الرفاق في النضال، سواء منهم الرفاق المعتقلين، أم الناجين مِن الاعتقال. لأن استمارارية هؤلاء الرفاق في النضال، ستؤدي بهم، إن عَاجِلًا أم آجلًا، إلى تصحيح أخطائهم، وإلى تَـثًـوِير مَناهِجِهِم.
« وتحت التعذيب، عندما يشتـدّ الضّرب والألم، وعندما كُنتُ أُحِسُّ بكلّ ضربة كَنَار حارقة تَسري بسرعة البرق في أَعْصَابِي، وعندما يحاول الجلادون بصياحهم أن يَـدْفَـعُونِي إلى التفكير في إِنْـقاذ ذاتي، كنت أستعرض في ذِهني الأسباب الأساسية التي تستوجب الثورة، وَتَسْتَـدْعِي المُتَابَرَة في النضال، وفي الصّمود. وكلما وردت في ذهني فكرة احتمال استشهادي تحت التعذيب، جابهتها بِحَالَات الآلاف من الضحايا، والشهداء، الذين سقطوا، وَمَا زَالُوا يَسْـقُـطُون، في مُجمل بُلدان العالم، وهم مُضْطَهَـدِين، مَقْـمُوعِين، مَحْرُومِين، مَخْدُوعِـين. فُـكُـنْتُ أرى بِالتالي أنني لست سِوَى حَبَّة رَمْل، أو لا شيء تَـقْـريبًا، مِن هذه الحركة النضالية الثورية الأممية العظيمة، والـلامتناهية، من أجل تحرّر البشرية. فَيَرْتَاحُ ضَميري، ويصبح العَـدُوُّ هو الذي يُـتْـعِـبُ نفسه، وَيُـنْـهِـكُ قِوَاه.
« ولم يَسْبق لِي، طِوَال حياتي، أن بَلَغْتُ مُسْتَـوَى مِن الوعي، أكثر وُضُوحًا، وَعُمْقًا، وَسِعَةً، وَبَسًاطَةً في نفس الوقت، مِن ذلك الذي أحسستُ به في أعلى درجة مِن شراسة التعذيب الأليم. فحينما كنتُ، في كلّ حِصَّة مِن حِصَص التعذيب، عَارِيًّا، مُـكَـبَّلًا، وَمُعَـلَّـقًـا، وَحِينما كنتُ أَتَـلَـقَّـى الضّرب، والكَيَّ، وَالخَـنْقَ، والكهرباء، وحينما كنت أشعر، تَحت التعذيب، بِـسَـكِـيـنَـة المَوت تَـلُـفٌُـنِـي، حِينذاك أَحْسَـسْتُ أكثر من أيّ وقت مَضى، أنه من الصَّحيح أن نَـثُور ضِدَّ الرجعيين! وَأَدْرَكْتُ شَرْعِيَةَ التَمَرُّد، والنِّضَال، والثّورة، وَفَــهِـمْـتُ أنني مُجرّد حركة صغيرة، وبسيطة، في مُحيط الكَـوْن الْلَّامُـتُـنَـاهِي.
« وكنتُ أرى البروليتاريا كسيل لا يقهر، يتـقـدّم بخطى جبارة، كبحر هائل يسير على شكل موج هَادِئ، وأكـيـد. ولم يَعُدْ دِماغي يتزلزل عن عند كلّ ضربة. ولم أَعُـدْ في حاجة إلى القيام بأيّ مجهود فِكري أو عَضَلِي. وأصبحت الضربات الأكثر عُـنْـفًا وَقُوَّةً لَا تؤلمني. وَيَـنْـتَـفِـخُ اللَّحْمُ تحت مَـفعول الضَّرب، ثمّ يَـتَـمَـزَّق، فَـيَـتَـطَـايَـرُ الدَّمُ الدَّافِـئُ على بعض الجلّادِين، ثمّ يَـسِـيـلُ ببطء. لكنني لم أَعُدْ أَصِيح. ولا أسمع شيئا. وَلَا أُحِسُّ بِشَيء. فأصبح جسمي مفصولا عن ذِهْـنِـي. اِستولى الجلادون على جسمي، واحتفظتُ بِذِهني مُستـقلًّا. يُحطِّم الجلادون جسمي، وأنا أتمسك بِذهني، وأتحكّم في فِكري. وَأُقاوم، وَأَصْمُدُ. فَحَتَّى القمع، والتعذيب، يُعلّمنا الصّمود».
[ ملاحظة: في بعض البلدان (مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وإنجلترا، الخ) جَرَّبَت الدولة خلال الاستنطاق استعمال آلة شبيهة بآلة تسجيل دَبْدَبَات كهربائية. ويدّعي البعض أن هذه الآلة تَكْشِفُ الكذب خلال الاستنطاق. وبُـنِـيَـت هذه الآلة على مبدأ قِيَّاس سُهولة جريان الكهرباء الضعيفة عبر جِلد الإنسان، حيث أن هذا الجريان للكهرباء يتغيّر عند اِنـفـعال الشخص المعني. ولا تكشف في الواقع هذه الآلة الكذب، وإنما هي آلة تُسجّل اِنفعال الشخص المُسْتَـنْـطَـق عند سماعه لِـقـضايا أو أسئلة حسّاسة، تُؤَثِّـر فيه بشكل قوي. وـيُـؤَوِّل بعض البوليس هذا الانفعال كَحُجَّة على كذب المُتَّـهَـم المعني. وهذا الاستنتاج مَشْكُوك فيه عِلْمِيًّا. وهذه التـقـنية بـقـيّـت مُجرّد مُحاولة غير مُوفّـقـة لاكتشاف القضايا التي يحرص المُسْتَنْطَقُ على إخفائها. والقضايا أو الأسئلة التي يمكن أن تُثِير المُسْتَنْطَق محدودة في طبيعتها، وفي عددها. فسؤال عام مثل «مَن هم رفاقك؟»، لا يقدر على إثارة اِنفعال خاصّ. وفي ميدان الجريمة مثلًا، عندما يُريد البوليس أن يعرفوا المكان الذي دفن فيه مجرم معيّن جثّة ضحيته، يسألونه: «هل في هذا المكان الفلاني، أم في هذا المكان الآخر»، إلى آخره. وَيُـفـترض أن المُـتَّـهَـم المُسْـتَـنْـطَـق سينفعل في داخل نفسه، عندما سيسمع المكان الحقيقي الذي أخفى فيه جثّة ضحيته (في حالة إذا كان هـذا المتّهم هو حـقًّا مُرتكب تلك الجريمة). فتسجّل الآلة هذا الانفعال. ويؤوّل البوليس هذا الانفعال كحجّة على المكان الذي أخفى فيه المُسْتَـنْـطَـقُ جثّة ضحيته. وأكدّت التجربة في هذا الميدان ما يلي: 1) لا يمكن لِقضاء موضوعي أن يَـثِـقَ في هذه الآلات. 2) يمكن للأشخاص الذين يتحكّمون في أنفسهم بدرجة هامّة أن لا ينـفـعلوا. فلا تسجّل الآلة المعنية أيّ اِنفعال لديهم. 3) يستعمل بعض المساجين في الولايات المتحدة الأمريكية طُرقًا بسيطة لتضليل الآلة المعنية خلال استنطاقهم. حيث يُحدثون انفعالا مهمّا في أنفسهم خلال كل أو بعض أسئلة الاستنطاق، أو يُحدثون آلامًا في جسدهم عند سماع أي سؤال كان... وزعم البعض أنه توجد مواد كيماوية يُـدْخِلُهَا البوليس إلى جسم المعتقل، فتجبره على الاستسلام، وعلى الخضوع للجلادين، وعلى تقديم جميع الأسرار إليهم. وهذا الزعم خاطئ، حيث لا توجد مثل هذه المواد. وبعض المواد التي جُرِّبَت على بعض المعتقلين أدّت إلى هَلَاكِهِم أو وَفَاتِهم، وليس إلى خُضُوعِهِم. والحقيقة هي أنه أن كلّ وسيلة، سواء كانت كيماوية، أم ميكيانيكية، أم كهربائية، أم مغناطيسية، أم مُخدّرة، أم نفسية، إذا حاولت أن تجبر شخصا معيّنا على التصرّف بشكل مناقض لإرادته، فإن هذه الوسيلة تؤدّي إلى تحطيم جسد أو دماغ هذا الشخص المعني، جزئيا أو كلّيا، لكنها لَا تقدر على إجباره على التصرف بشكل معاكس لإرادته... والمهم هو أنه إذا اِتّخذت الحركة الثورية الاحتياطات الـلازمة، وَكَوَّنَت كَوَادِرَهَا وأنصارها، وإذا كان المناضل المعني مُصَمِّم العزم على رفض أيّ شكل من أشكال التعامل مع العدو، ومع قواته، فَـلَن تَـقْدِرَ أية وسيلة على تكسير إرادة المناضل الثوري ].

3 ) لَا مُـبَـرِّرَ لِـعَـدَمِ الـصُّـمُـود
تحت التعذيب، غالبًا ما يكون الشخص المُعَذَّبُ (بفتح الذّال) مَيَّالًا إلى اللّجوء إلى مُناورة تُمكّنه من إِيهًام العدوّ بأنه ثَابَ، وأعطى كلّ ما عنده من أسرار عن رفاقه في النضال، لكي يُوقِـفَ الجَلَّادُون تَعذيبه، فيرتاح الشخص المُعَذَّبُ من آلامه، وينجو بحياته، دُون أن يكون قد قدّم للعدو مساعدات فعلية، وذات أهمية. فيلجأ المُسْتَنْطَقُ إلى إعطاء بعض الأسرار الجزئية لإخفاء قضايا أخرى. لكن الجلّادين يعرفون مثل هذه الحيل القديمة، وَلَا يَثِـقُون في أيّ مناضل سابق، فَـيُسَجِّـلُون على المُسْتَنْطَق بِدايةَ اعترافه، ويجهزون عليه بعنف أكبر، ووحشية أقوى، لِيَنْكَسِر وَيُـفْـرِغَ كلّ ما تَـبَـقَّـى عنده مِن أسرار. وحتى إذا انهار المعذَّب، وحتّى إذا أعطى فعلًا كلّ ما عنده مِن معلومات، يَستمرّ الجلّادون في تعذيبه، وذلك لِعدّة أسباب. والسّبب الأوّل هو أن الجَلَّادين يظنّون أن المُسْتَنْطَقَ يعرف أكثر مِمَّا أعطى. والسّبب الثاني هو أن الجَلَّادِين يَظُنُّون ذائما أن الشخص المُسْتَنْطَق الذي أعطى بعض المعلومات، يمكنه أن يُعطي معلومات أخرى إضافية. والسبب الثالث هو أن الجلّادين يعتبرون أنه، حتّى وَلَوْ كان المُسْتَنْطَـقُ لَا يتوفّر على معلومات يمكن أن يُفْشِيَهَا، فإن التعذيب يبقى «عِـقَابًا» ضروريًّا، و«انتقامًا» جائزًا، وكذلك «تربيةً» مَحْمُودَة.
وقد وُجِدَت على مرٌ السِّنِين بعض الحالات من المناضلين الذين كانوا يخافون مُسْبَـقًا مِن التعذيب، فَيُـعْطُون بعض الأسرار الجزئية، أو كثيرا من الأسرار، منذ بِداية اِسْـتِـنْـطَاقِـهِم، وقبل تَـعْـذِيبِهِم، وذلك بِهدف تَلَافي التعذيب، أو بُغْيَةَ إِيـقَاف تَعذيبهم، أو رَجَاءً في إِنْـقَاد حياتهم. لكن العدو يَـسْتَمَرَّ عَادَةً، رغم كلّ ذلك، في تعذيب هؤلاء الأشخاص المُسْتَـنْـطَـقِين حتّى تَـهْـلِـكَ أَجْسَادهم، أو إلى أن يَـمُـتُـوا بين أَيْدِي الجَلَّادين.
وبعض المناضلين لَجَأُوا إلى الانسحاب مِن المُنظّمة قبل اِنطلاق حملة الاعتـقالات، وقَطَعُوا كلّ صِلَاتِهِم السّأبقة بالنضال، وذلك بهدف تَلَافِي الاعتقال أو التعذيب. لكنهم تعرّضوا رغم ذلك لِلْاِعْتِـقَال، ولِلتعذيب، ثم حُكِمَ عليهم بِعُـقُوبَات تَتَرَاوَحُ بين 10 و 30 سنة سِجنا نَافذًا، وذلك لأن القانون البرجوازي يُوجِبُ عِـقَابًهُم على نضالهم الماضي، وَلَوْ أنهم اِنسحبوا مِن المُنظمة قبل تَعَرُّضِهِم للإعـتــقـال.
وَكَم مِن مناضل أعطى للجلّادين كلّ ما عنده مِن معلومات، ورغم ذلك تعرّض لِتغذيب شديد، ثمّ حَكَم عليه النظام السياسي بِأحكام قاسية، مثل السجن المؤبّد، أو مَا يَـتَـرَاوَحُ بين خمسة وعشرين سنة حبسًا نَافِذًا.
فما الحلّ إذن؟ ... لَا حَلَّ، وَلَا حِيلَةَ غَير الصُّمُود ! وَلَا مُبَرِّرَ لِعَدَم الصُّمُود ! نحن مُجبرون على النقد، والنضال، والمقاومة، والصُّمُود، والكفاح، والتَّضْحِيَة، والثورة، والانتصار. وَلَا تَـقْـبَـلُ عَامَّة المناضلين أَيَّة مُحاولة لتبرير الانهزام، أو لِـإِبَاحَة الرِدَّة اليمينية، أو لِـإِجَازَة التعامل مع العدو، أو لِلْاِسْـتِـخْـفَـاف بِالمُساهمة في تَسْهِيل تَـسَـلْـسُـل الاعتقالات، عن طريق إِفْـشَـاءِ بعض الأسرار عن الرفاق المُسْتَمِرِّين في النضال (سواء كان هؤلاء الرفاق أعضاءًا مَعنا في نفس التنظيم أم لَا).
ولأولائك الذين، حينما يُعتـقـلون، ثمّ يتعرّضون للتعذيب، يخونون رفاقهم في النضال، ويعطون لِلعدوّ أسرار رفاقهم، فَتُـمَـكِّـنُ هذه الأسرارُ العدوَّ مِن اعتقال رفاقهم، وَيُبَـرِّرُون إِفْشَاءَ تلك الأسرار بِحُجَّة أنهم «اِكتشفوا، بعد اعتقالهم، أن الخط السياسي، أو المشروع السياسي، الذي كانوا يناضلون من أجله، كان خاطئًا». لأولائك نقول : 1) مِن المُحتمل أن يكون الخط السياسي غير مُكتمل، ومِن المُرَجَّح أن تُوجد في هذا الخط السياسي عناصر سديدة، وأخرى ناقصة، أو غير مُلائمة، أو حَتَّى خاطئة. لكن هذا الخط السياسي لم يكن خاطئا بكامله، بل فيه عناصر صحيحة، وأخرى مبدئية. 2) حَتَّى إذا افترضنا أن الخط السياسي، أو المشروع السياسي، كان خاطئا في كثير مِن جوانبه، فإن هذه الأخطاء لا تُبرّر القفز من موقع النضال الثوري، إلى الإصطفاف بجانب العدو الطَبَـقِـي، والتَعَامُل مَع قِوَاه القَمعية. 3) كما أن الأخطاء المُفترضة في الخط السياسي لَا تُبرّر التَمَـلُّصَ مِن اِلْتِزَام كِـتْـمَان أسرار التنظيم، ومِن التَعَهُّد بِصَوْن أسرار الرفاق في النضال. 4) تَصْحِيح الأخطاء المُـفْتَرَضَة يَـتَـأَتَّـى بِتَعْمِيق وتجذير النضال الثوري، وَلَا يكون بالتَخَلِّي عن كلّ المبادئ الثورية، أو بِخِيَّانَة الرفاق في النضال. 5) إِعْطَاء أسرار الرفاق في النضال الثوري إلى العدو، يُجَسِّدُ ممارسة انهزامية، وخيانية مَوْصُوفَة. 6) بعد التضحية بالرفاق في النضال، وبعد مُـقَايَضَة أَسْرَار هؤلاء الرفاق في النضال مُـقَابِلَ الهَنَاء الشخصي، يصبح الكلام عن «مُبَرِّر خطأ الخط السياسي» مُجَرَّد مُخادعة فَاشلة.

4 ) لَا حِيلَة، وَلَا حَلَّ غَير الصُّمُود
بعدما يَنْخَرِطُ المناضل في تنظيم ثوري، وبعدما يـقـبل هذا المناضل المشاركةَ في النضال الثوري، بهدف المساهمة في تهيئ وإنجاز الثورة المُجتمعية، يَتَوَجَّبُ عليه التخلّص كلّيًا مِن الخُرَافات، ومن المِـثَـالِـيَّـات، ومِن الآراء المُسْبَـقَة. كما يَلْزَمُه أن يَستعدّ لِتَحَمُّل نصيبه مِن المسؤوليات، ومن التَضْحِيَّات، ومن التعذيب بمختلف أشكاله. وعليه أن يستعدّ حتّى لِلتضحية بِنفسه إن اقتضى الحال. لأن الصراع الطبقي (وكذلك النضال الثوري الفعلي) هو بمثابة حرب طبقية طاحنة، وطويلة الأمد. ولأن العدو الطبقي، المُكَوَّن مِن البرجوازية الكمبرادورية، ومِن مَلَّاكِي الأراضي الكبار، ومِن السلطة السياسية السّاهرة على مصالحهم، يعرفُ أن الثوريين يُريدون الإطاحة بسيطرتهم الطبقية، وأنهم يُريدون إقامة الجمهورية الشعبية، المبنية على أساس مجالس الكادحين الشعبية، كخطوة على طريق بناء الإشتراكية. ويعرف الثوريّون مِن جهتهم أن هذا العدو الطبقي يريد هو أيضًا القضاء عليهم، ويُريد تصفيتهم، ويرغب في سحق كل الثوريين الحقيقيين، بهدف إبقاء طبقات الشعب مَسُودَة، وخَاضِعَة، وغير واعية، وغير مُنَظَّمَة. كما يطمح هذا العدو الطبقي إلى إبقاء طبقات الشعب مُسْتَـغَـلَّة، ومُـنـقـسـمة، ومُبَعْثَرَة، وَعَاجزة، وَطَائِعَة. فَـكُـلَّـمَا أَسِرَ العدو الطبقي أحد المناضلين الثوريّين، يُصبح هذا المناضل الأسير مُلْزَمًا بِتَحَمُّل التعذيب، لأنه سيتعرّض بالضّرورة لِمُعاناة أشد أنواع التنكيل، والتي يُحتمل أن تُؤَدِّيَ إلى القضاء على حياته. فهل هذا الاحتمال سَيُخِيف المناضلين الثوريّين؟ إذا كان هذا المصير المُحتمل سَيُخِيف بعض المناضلين المُبْتَدِئِين، فإنه سَيَحُثُّ مُناضلين آخرين على شَدِّ العَزْم، وعلى الاستعداد للعطاء الثوري، خدمةً للشعب، وللطبقات الثورية، وَلِتَحَرُّر الإنسانية. فالقمع يُـكسّر الزُّجاج، وَيُصَلِّبُ الـفُـولَاذ. وَمِن المطروح على التنظيم الثوري أن يَـقْـتَـرِحَ على المواطنين المُؤَهَّـلِـين مُستويات، وأشكال من النضال، تَكون متنوعةً ومتعدّدة، لِـكَي تُلَاءِم مجموع المُستويات، والاستعدادات، والطاقات النضالية المُتَـفَاوِتَة، الموجودة داخل أفراد الشعب. لكن احتداد الصراع الطبقي، الذي سيزداد مع مُرُور الوقت، سواء في دَاخِل البلاد، أم في العديد من المناطق الأخرى عبر العالم، سيجعل حتى أبسط أشكال النضال الديموقراطي يتعرض إلى أشد أنواع القمع والاضطهاد (مثلما حدث في اسبانيا أيام الديكتاتور فرانكو، أو في مصر، أو في الزايير، أو التشيلي، أو البرازيل، أو بلدان أخرى مِن أمريكا اللاتينية، الخ).

5 ) تَــرْبِــيَــة الصُّـمُـود
المناضلون الثوريّون، والأُطُـر المُحْتَرِفَة، هم أساس كلّ شيء في الحركة الثورية. فإذا لم يُـكَـوِّن الحزبُ الأطر العِلْمِيَة والثورية التي يَحتاجها، فَـلَنْ تَـنْـبَـثِـقَ عَـفْـوِيًّـا هذه الأُطُر مِن عَدَم، وَلَن يَـقْـدِرَ الحِزب على إنجاز أيّ شيء.
لكي يَستعدّ المناضل لِلـصُّـمُـود ضدّ التعذيب، يُستحسن أن يُوَسِّعَ ثَـقَـافَـتَـه، وأن يُـمَـنْـهِـجَ فكره، وأن يتخلّص من الغُمُوض، ومِن التَذَبْـذُب، وأن يُـدَقِّـقَ تَوَجُّهاته، وأن يَحْسِمَ في اختياراتـه، وأن لا يدخل ميدان النضال الثوري إذا لم يكن قادرًا على تحمّل تَـبِـعَاتِه، وأن يُـهَـيِّءَ جِسمه لكي يصبح قَـوِيًّا، وَصَلْـبًا، وَصَبُورًا. كما يُطلب مِن المناضل أن يُـهَـيِّءَ نَـفسه معنويا، لِكي يَغْدُوَ قادرًا على مُواجهة كلّ أنواع المشاكل والصِّعَاب.
وَمِن المُوصَى به أن يشمل برنامج تكوين المناضلين الثوريّين، التدريبَ على الإفلات مِن محاولات التَعَرُّض للتجسُّس، ومِن مُنَاوَرَات عناصر الأجهزة القَـمْـعِـيَـة الخَاصَّة، ومِن محاولات الاعتـقال، وكذلك التَمَرُّن على مُواجهة أساليب الاستنطاق والتعذيب المعمول بها. وَيُرْجَى في المناضل الثوري أن يُـمَرِّنَ جِسمه على القيام بأعمال صّعبة ومُتعبة، وأن يتعلّم الصَّرَامَة في الالتزام بالمبادئ، والصَّلَابة في الانضباط لِلـقرارات، والعمل المُثَابِر والطّويل النفس. لأن تَعَاضُد فِـكْـر مُمَـنْهَج، وَجِسْم سَلِيم وصَلْب، في شخص مُحَدَّد، يَجعل هذا الشخص يَـتَحَمَّلُ المتاعب بسهولة أكبر بِالمُـقَارَنَة مَع شخص لَا يُـنَـمِّـي فِكره، ولَا يُـقَـوِّي جسمه. وتبـقى تربية الاستعداد للتضحية، وحتى للموت، هي الأساس في تربيّة الصّمود.
ولكي يَصْمُدَ المناضل الثوري ضد التعذيب، وضد المَصَاعِب والنَـكَسَات المُحتملة، يجب على هذا المناضل أن يُـهَـيِّـأَ نَـفـسه، وأن يُـقَـوِّيَ قُـدُرَاتِـه، من خلال التعامل مع جميع قضايا حياته اليومية، سواء كانت هَامَّة أم ثَـانَـوِيَـة، بهدف تنمية قدراتـه على الانضباط الذاتي المبدئي، حتى تصبح باستمرار مجموع ممارساته في مستوى عال من الحيوية، والانسجام، والفعالية.
والعُنصر الحَاسِم في صُّمود أيّ مناضل، ليس هو عضلات جسمه، بل هو عُمْق تَـكْـوِينـه، وَنَوْعِـيَـة معنويَّاتِـه، وصَلَابَة قناعاته المبدئية. ولو أنه يُوجد نوع مِن التَـرَابُط الجدلي بَين سَلَامة الجسم، وسَلَامَة الـعَـقْـل. وتحظى جَوْدَة الفكر السياسي الذي يحمله المناضل المعني، وكذلك طبيعته الطبـقـيـة، بِـدَوْر فَـعَّـال في تَـقْـرِير سُلُوك المناضل المعني، وَكذلك في تحديد مَـدَى احتمال نَجَاح مُبادراته. لأن العقل هو الذي يحكم السُّـلُـوك. ولأن الفكر هو الذي يأمر الجسم. ولو في أَشَـدِّ لَحَظَات التعذيب، والآلام، والمعاناة. وَلَا يَـقْـدِرُ الجسم وحده على أن يفرض على الفكر أن يتخد هذا الموقف أو ذاك.
وليس الصمود مجرد مسألة شخصية، أو ذاتية، أو إرادية. وإذا نظرنا إلى الصمود مِن زَاوِيَة السيرورة التاريخية للصراع الطبقي، سَنَحِدُ أن الصمود هو تعبير عن بُـذُور قِوَي التغيير الثوري في المُجتمع. وسنجد أن الصّمود يُجسِّد الطُمُوحَات الطبقية الثورية، التي تَسْعَى إلى إِحْدَاث تغيير ثوري في علاقات الإنتاج، وفي العلاقات السياسية القائمة في المجتمع (وفي العالم). فكلّ شخص يريد أن يعمل قَـلِيـلًا، وأن يربح كَـثِـيـرًا، لن يَـقْـدِر على بُلوغ الصّمود الثوري. وكلّ شخص تَـتَّـصِـفُ مواقفه بِالأنانية، أو بِالانتهازية، أو بِالـتَـخَاذُل، أو بِالـتَـذَبْـذُب، يَصْعُب عليه أن يَصْمُد طويلًا في مواقف ثورية حازمة. بَـلْ سُرعان ما يَسقط في الغموض، أو الارتباك، ثم الانهيار، أو الانهزام، أو حتّى التعامل مع العدو. بينما الشّخص الذي يكون مُستعدًّا للتضحية من أجل قناعاته الرَّاسِخَة، وَمِن أجل اختياراته المبدئية الثابثة، يَـعْـجِـزُ التَهْدِيد، أو الاِبْـتِـزَازُ، أو التعذيب، أو الإحساس بِـقُرب الموت، على أن يهزمه. أمَّا إذا اِنْـهَارَت المَعْـنَـوِيَّـات، أصبح الجسم هَـشًّا. وَبِـقَـدر مَا تكون المعنويات الثورية مُرتفعة وَصَلْبَة، بِـقَـدر مَا يَـغْـدُو الجسم مَــتِـيــنًـا، وقادرا على تحمّل كلّ مُعاناة أليمة.
وَلَا يَتوفّر كلّ الأفراد، وَلَا كلّ الطبقات المُجتمعية، على نفس القُدرة على الصُّمود. لأنهم يَختلـفُـون في أفكارهم، وفي مَـنَاهِجِهِم، وفي طُموحاتهم، وفي قِـيَـمِهِم. ومع تَـفَاوُت كلّ فاعل سياسي في مواقعه الطبقية في المجتمع، تَـخْتَـلِـفُ كذلك أدواره في الصراع الطبقي الدَّائِر في المجتمع. وَتَـقُـول الماركسية أن الطبقة العاملة، والتي لا تكسب سوى قُوَّةَ عملها، وليس لها ما تخسره في الثورة سوى السَّـلَاسِـلَ التي تُكَبِّلها، هي طَبَـقَة مُؤَهَّـلَة، وقادرة على الصّمود، ضِدَّ الاستغلال، والاضطهاد، والقمع، والمناورات، والنكسات. وَفي مَـجال الصّمود، تَـتَـفَـوَّقُ الطبقة العاملة على البورجوازية، وعلى البرجوازية الصغيرة، حيث تظلّ هاتان الطبقتان مُتميّزتان بِـتَـذَبْـذُبِـهِـمَـا السياسي، وبقصر نَـفَـسَـهِـمَا، وَبِـتَـغْـلِـيــبِـهِـمَا للمصلحة الأنانية على مصالحهما الطبقية العامّة.

6 ) خَـــطُّ الـصُّــمُــــود
تـعَـلَّـمْـنَـا كيف أن القمع يَدفعنا إلى «المُـقاومة»، وكيف أن التعذيب يَحُـثُّـنَـا على «الصُّمُود»، لكي نستمرّ في الكفاح حتّى النّصر. وَعَـلَّــمَـتْــنَـا مُجمل تجاربنا النضالية أن «الصُّمود» ليس مطلوبًا فقط أثـناء الاعتقال، أو عند مواجهة التعذيب، بل يَـجِـب أن يتحوّل «الصمود» إلى نَـهْـجٍ مُتَوَاصِل في الحياة، لكي يَـمْـتَـدَّ إلى جميع ميادين أعـمـالـنـا. فَالتَّـحَـلِّـي بِــمَـنْـهَـج «الصّمود» وَاجِب، لكي نستطيع مُوَاجَهَة المُـعِـيـقَـات، وَلِكي نَـتَـغَـلَّـبَ على الصُّعُـوبات، ولكي نَـتَـقَـوَّى مِن خلال التَـصَـدِّي لِلـتَـحَـدِّيَـات. و«الصمود» ضَرُورِيّ أثـنـاء كلّ عمل دَؤُوب، من أن أجل حَلِّ المشاكل. و«الصّمود» مَرْغُوب كَـسَـبِـيـل لِـمُعالجة التناقضات معالجةً ثوريةً وناجحةً. كما أن «الصمود» ضَرُوريّ لِـمُـواجهة النَـكَـسَـات أو الفَـشَلَات. و«الصمود» مَحْـبُـوب لِـنَـقْـد الحُلول المَـغْـلُـوطـة أو المُضَلِّلَة.
ويَـتَـنَـافَـى «الصمود» مع الْلَّامُـبَـالَاة، أو التَـرَاخِـي، أو المِـثَـالِـيَـة، أو الاِنْـحِـلَال، أو الاِتِّـكَـالِـيَـة، أو الاِنْـتِـظَارِيَـة، أو العَـفْـوِيَـة، أو غَيرها مِن الاِنْـحِـرَافَـات.
ويَـسْـتَـوْجِـبُ «الصمود» وَعْـيًـا حَـادًّا بِالواقع، وَبِـسَـيْـرُورَة تَـطَـوُّرِه، وَبِـقَـوَانِـيـن تَـغْـيِـيـرِه. كَـمَـأ يَتَطَلّب «الصمود» وَعْـيًا حَادًّا بِـصِـرَاع الطّـبـقـات في المُجتمع.
وَيُـوجِـبُ «الصّمود» أن يأخذ المناضل (أو الطبقة الثورية، أو الشعب) مَـصِـيـرَه بين يَـديه، وأن يَـتَـصَـرَّف كَـفَـاعِل سِيَّاسي وَاعٍ بِـواقعه المُجتمعي. وأن يُـبَـلْـوِرَ، بِـشَـكْـل مُـسْتَـقِـلّ، مَطْمَحَه، وَإِرَادَتَـه، وَخُـطَّـتَـه. فَـيَـعْـمَـلَ على إنجاحها، بِـأُسْـلُـوب عِـلْـمِـي، جَـمَـاعِـي، مُـنَـظَّـم، وَجَدَلِي، في تَـفَـاعُل وَاعٍ، مَعَ دِيـنَـامِـيَّـة الـوَاقِـع. أمَّا الْـلَّامُـبَـالَات، أو الـذَّيْـلِـيَـة، أو الـتَـبَـعِـيَـة، أو الاِسْـتِـسْـلَام لِلْـقِـوَى المُعادية، إنما تُـؤَدِّي إلى الانهزامات، وإلى مُـعَـانَـاة الـتَـبَـعِـيَّـة، والـخُـضُـوع، والاضطهاد.
فَـالـتَـحَـرُّر كِـفَـاحٌ! وَسِـرُّ النجاح هو «الصُّمود»، هو النضال المُـتَـوَاصِل، وفي المَجْـهُـود الدَّؤُوب! وَيَـسْـتَـحِـيـل تَـحْـقِـيـق أيّ شيء ذي أهمية بِـدُون هذا المجهود الواعي، والدَّؤُوب. وَمِن مظاهر الـجَـهْـل والـتَـخَـلُّـف أن يَـتَـخَـيَّـل البعض أنه بِاستـطَـاعَـتِـهِم تَحـقـيق ثورة مُجتمعية، أو تَـغْـيِـيـر المُجتمع، بِدُونِ بَذْلِ مَجهودات مُضْـنِـيَـة، وَبِدُون مُخاطرات مُرْبِـكَـة، وبدون تضحيّات مُـتَـوَالِـيَـة، وبدون مُعَانَاة أَلِـيـمَـة. فَـسَـبِـيـل النضال الثوري الطويل النفس، عبر سِـلْـسِـلَـة مِن الـنَـكَـسَات، والتضحيات الجِسام، هو وحده الـقَـادِر على الوُصُول إلى الانتصار.
وَمِن مَـنْـظُـور آخَـر، ليس «الصُّمود» هو مُجَرَّد المعرفة، أو التَـحَـدِّي، أو العِـنَـاد، أو التَـحَـجُّـر العَـقَـائِـدِي، أو الاِنْـزِوَاء المِـيـثَـالي على النفس، ولكنه اِنْـفِـتَـاح كبير على الواقع، وتعامل وَاعٍ، وَذَكِي، وَمَـرِن، وَحَذِر، وَجَدَلِي، مع هذا الواقع المُجتمعي الـمُـعَـقَّـد، والمـلِـئ بِالـتَــنَـاقُـضَات المُـتَـحَـرِّكَـة. وَلَيس «الصُّمود» لا بِالاسترخاء، وَلَا بِالتَـطَـرُّف، ولَا بِالتَـحَـجُّـر. بل «الصمود» تَحْرِير. تَـحْـرِيـر الطَّـاقَـات وليس كَـبْـتُـهَـا، أو قَـمْـعُـهَـا، لِـتَحـقـيـق الهدف المركزي لكل مرحلة، لكل فترة، لكل لحظة.
هكذا يمكن لِـطَـبَـقَـة البْرُولِـيـتَـارْيَـا، بِـتَـعَـاوُن مع طَبـقات الشعب الكادحة، أن تخلق من لَـيْـل الاستغلال والاضطهاد، شمس المُستـقـبـل الوَضَّاءَة. وهكذا يمكن لكل مناضل أن يساهم في دَعْم الـمَـدِّ الثوري، وفي بناء حزب البروليتاريا، أحد أهم أدوات تشييد هذا المستـقـبـل، بهدف انتصار الثورة المُجتمعية المُـتَـوَاصِـلَـة.

رحمان النوضة،
(وَحُرِّر في فبراير 1981، في السّجن المركزي بمدينة القُنَيْطِرَة بالمغرب).

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي