وداعاً مشاريع حركات الإسلام السياسي المتخلَّفة والغيبية

حسن خليل غريب
2021 / 4 / 17

مدخل في تهافت الأيديولوجيات الإمبراطورية الوضعية
في كتابنا (تهافت الأصوليات الإمبراطورية)، المنشور في العام 2009، وبعد أن توصلنا في محاكمات أيديولوجية، وأثبتنا في محاكمات واقعية، أن كل إيديولوجيا تحمل عامل التوسع الأممي السياسي والعسكري تحمل عوامل الانقراض في ذاتها. وغير ذلك، لم يأت تاريخ التطور المعرفي عند سكان الكرة الأرضية بأفضل من أفكار (جمهورية أفلاطون) التي تدعو إلى قيام مجتمع عالمي تحكمه القيم الإنسانية العليا، وبأفضل من النظرية الشيوعية التي أسس لها كارل ماركس، والتي بشَّر فيها بسيادة المرحلة الشيوعية التي يصل فيها الإنسان إلى قناعة بأنه (من كل إنسان أن يعطي ما يستطيع القيام به، وعلى كل إنسان أن يأخذ ما يحتاج إليه).
إضافة إلى كل ذلك، لم يقدِّم التاريخ منذ بدايته أن يعطي مثالاً لأيديولوجيا شبيهة بأيديولوجيا الرأسمالية الأميركية الأكثر انحيازاً للطبقات الغنية، ببناء (قرن أميركي جديد) يحكم العالم بواسطة أكثر الوسائل العسكرية تقدماً. وكذلك لم يشهد التاريخ، ولن يشهد، أهم من تجربة الاتحاد السوفياتي الذي عمل طوال عشرات السنين من أجل بناء أنموذج سياسي يحكم العالم بأكثر الأيديولوجيات انحيازاً للطبقة العاملة، مدعوماً بقوة عسكرية هائلة.
كنا قد توصلنا في كتابنا المذكور إلى نتائج أثبتت انهيار الأيديولوجيات الإمبراطوريات الوضعية، التي تعمل على التوسع على حساب حق الشعوب في تقرير مصيرها. بدأت مراحل انهيارها في بنية الاتحاد السوفياتي في العام 1990، على أيدي مشروع غورباتشوف الإصلاحي. وفي بنية المشروع الأميركي في العام 2011 على أيدي المقاومة الوطنية العراقية.
وماذا عن مشاريع حركات الإسلام السياسي؟
في الفصل الرابع من الكتاب المذكور، خصصنا الفصل الرابع منه لأيديولوجيا حركات الإسلام السياسي: (مشروع الإخوان المسلمين) السنية، و(مشروع حركة ولاية الفقيه) الشيعية. وفيه أثبتنا تهافت أيديولوجيا كل منهما، وأثبتنا من ناحية نظرية تهافت مشروعيهما الأيديولوجيين. وكنا ننتظر لهما التهافت ذاته في الميدان العملي، إلى أن جاءت تجربة ما أصبح يُعرف بـ(ثورات الربيع العربي) لتؤكد صحة النتائج التي توصلنا إليها.
وكما قلنا في كتابنا المذكور: (وداعاً لمشاريع التوسع الإمبراطوري الوضعية)، نكرر القول، في هذه الدراسة: (وداعاً لمشاريع التوسع الإمبراطوري الدينية المتخلِّفة والغيبية).
ولو كان من قبيل التكرار أن نذكِّر بما قمنا بالبرهان عليه في مقالات ودراسات سابقة، سنحدد العوامل والتجارب الميدانية التي مهَّدت لتهافت المشاريع الدينية الغيبية. تلك المشاريع التي تشهد الآن فصل نزاعها الأخير.
مشروع الشرق الأوسط الجديد، قائم على مبدأ تفتيت منطقة الشرق الأوسط إلى دويلات طائفية. وإذا ما نجح المشروع في تعميمها، كما رسمت طريقه الرأسمالية الأميركية، سوف تشهد المنطقة كلها حروباً طائفية لن تنتهي. وفي مثل تلك الحالة المفترض وجودها، وبينما تتفرَّغ تلك الدويلات لحروب بينية تكفيرية متواصلة، ستتفرغ الرأسمالية العالمية والصهيونية أيضاً من أجل نهب الثروات واستعباد المجتمعات.
نعيد التأكيد أن (الربيع العربي) كان مؤامرة مخططاً لها عن سابق تصور وتصميم. آخذة بعين الاعتبار نقمة الجماهير الشعبية ضد الأنظمة الديكتاتورية. واستخدمتها فتيلاً لإشعال الحرائق كمقدمة لتمرير مشروعها. لقد وضعت القوى الرأسمالية والصهيونية مخططها لتفتيت الوطن العربي، وقد لحظت فيها دوراً بارزاً لحركات الإسلام السياسي، لأن عقائدها قائمة على إسقاط الأنظمة العلمانية مهما كانت اتجاهاتها لمصلحة إقامة أنظمة دينية. ويمثِّل تلك الحركات تياران، وهما: الحركات السنية بقيادة النظام التركي، والحركات الشيعية بقيادة النظام الإيراني. وكان من أهم الأدوار التي قامت بها حركات الإسلام السياسي، هو أنها مستغلَّة حاجة الجماهير الشعبية للحرية السياسية والعدالة الاجتماعية التي صادرتها أنظمة القمع والديكتاتورية، فقد مهَّدت لانطلاقة الانتفاضات الشعبية، ومعظمها من حواضنها الشعبية، بالنزول إلى الشوارع. وباستثناء قسم من الجماهير الغاضبة غير المرتبطة بحركات الإسلام السياسي فقد كانت الأكثرية الساحقة من تلك الجماهير الثائرة تلتزم بأوامر تلك الحركات، ونزلت إلى الشوارع بتوجيه وقيادة ورعاية من كوادرها. وكان ذلك واضحاً في كل من تونس وليبيا وسورية، وأكثر وضوحاً في مصر.
تمهيد مكثَّف للأدوار الإقليمية في الخطة الاستراتيجية المرسومة لمشروع الشرق الأوسط الجديد:
ولأننا قمنا بتفصيلات كثيرة في ما قمنا بالكتابة عنه سابقاً، سنولي اهتمامنا بالكتابة في هذا المقال عن العوامل التي أدَّت إلى بداية انهيار المشروعين الدينيين الغيبيين معاً.
بداية، بعد أن تفجَّرت الألغام في مسارات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، أخذت فصول تنفيذه تواجه الفشل واحداً تلو الآخر. وهذا الواقع دفع بأميركا والصهيونية، أصحاب المخطط الرئيسيين، إلى اتخاذ خطوات تراجعية متلاحقة. ولأن مراحل التنفيذ السابقة كادت أن تودي بالصداقات الاستراتيجة مع عدد من الأنظمة العربية الرسمية، شعر أصحاب المشروع أنهم لم يربحوا المعركة في أية جولة من الجولات، ولكنهم بدأوا يخسرون أصدقاءهم من تلك الأنظمة.

1-دور النظام التركي: بدايات ومآلات:
كانت استراتيجة مشروع الشرق الأوسط الجديد قد خصَّصت حصة للنظام التركي في أربع دول عربية، وهي: تونس، ليبيا، مصر، وسورية. وبالفعل استطاع حزب النهضة في تونس من الاستيلاء على النظام، ابتداء من الحصول على الأكثرية في مجلس النواب بعد الانتخابات التي أجريت بعد سقوط نظام بن علي. كما استلم الإخوان المسلمون في مصر سدة الحكم بعد الانتخابات النيابية التي أجريت بعد سقوط نظام حسني مبارك. وفي ليبيا، استولت ميليشيات الإخوان المسلمين السلطة في كل من بنغازي، وطرابلس وتم تشكيل حكومة انتقالية برئاسة السراج مدعومة من دول التحالف الغربي، ومحكومة بأوامر الميليشيات التكفيرية. وأما في سورية، فقد وضعت تركيا كل ثقلها بتشكيلات ميليشياوية للإخوان المسلمين في سورية، مدعومة بالميليشيات المستوردة من الخارج، كجبهة النصرة وغيرها، وقد عجزت عن إسقاط نظام الأسد، بسبب التدخل الروسي.

لماذا بدأت خطوات التراجع؟ وكيف؟
المشروع التركي ينتقل من الاستفادة من مشروع بالجملة إلى مشروع بالتقسيط:
وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من تشكيك البعض بدوريهما في إحباط مشروع الشرق الأوسط الجديد، لسبب أنهما نظامان صديقان لأميركا، فقد لعب النظامان السعودي والمصري الدور الأكثر تأثيراً.
ولأن هناك عداءَ تاريخياً وأيديولوجياً بين الإخوان المسلمين وكل من النظامين السعودي والمصري، فقد وضع النظامان كل ثقلهما المالي والعسكري من أجل إسقاط أنظمة الإخوان المسلمين التي تم تشكيلها في الأقطار الثلاثة، تونس ومصر، وليبيا. ولأن التدخل الروسي كان كفيلاً بعرقلة المشروع، ومنع إسقاط النظام بيد الإخوان المسلمين. فإن النظامان السعودي والمصري استطاعا إسقاطه في كل من تونس ومصر، وهما لا يزالان مستمران على طريق إسقاطه في ليبيا، التي أصبح على حافة السقوط في فترة ليست بعيدة.
وإن الذي يتابع وضع النظام التركي في هذه المرحلة، يرى أن النظام يتخبَّط هنا وهناك، خاصة أنه أصبح محاصراً من كل الجهات. وقد خسر كل أوراقه، وبها خسر مشروعه الذي كان يعمل على تنفيذه بالجملة، كسلة متكاملة، وراح يتفتِّش، في هذه المرحلة بعد إحكام الحصار عليه بالتعاون بين أكثر من قوة عربية ودولية، عن حصة صغيرة في هذه الساحة العربية أو تلك. ولذلك نستطيع القول: (وداعاً للطرف الأول من طرفي المشروع الديني المتخلف عن عصره ألفاً وأربعماية سنة). هذا النظام الضائع كلياً بين عصرنته بثوب ديني إسلامي، وبين علمنته على الطريقة الغربية.
2-المشروع الإيراني، ينتقل من عصره الذهبي إلى حالة من التقهقر السريع:
لا بُدَّ من التذكير أن إدارة جورج بوش الإبن عقدت تحالفاً مع النظام الإيراني قبل القيام باحتلال العراق لحيازته على حاضنة ممن تمت تسميتهم معارضة عراقية مهاجرة إلى إيران من جهة، ولأنه يشكل حاجة لوجستية جغرافية لقربه من العراق من جهة أخرى. وبالفعل نفَّذ النظام المذكور موجبات بنود الاتفاقية، وقد أكَّد القيام بدوره كاملاً من خلال تصريحات أكثر من مسؤول فيه بالقول: (لولا طهران لما استطاعت أميركا من احتلال كابول وبغداد).
لقد حصل النظام الإيراني على جوائز كثيرة لقاء تنفيذ التزامات اتفاقه مع أميركا (الشيطان الأكبر)، ومن أهمها جائزتين استراتيجيتين، وهما:
-بعد احتلال العراق في العام 2003، وحتى العام 2011: نتيجة لإمساكه بقرار الكثيرين من رجال الدين الشيعة، استطاع أن يبني حاضنة شعبية بلغ تعدادها عشرات الآلاف من المضلل بهم، لا بل بمئات الآلاف. وكان هؤلاء قد احتفوا بالاحتلال الأميركي، ربما لأنهم وجدوا في دخول النظام الإيراني قيادة شيعية سياسية، ترفع شعار (حماية الطائفة الشيعية).
-بعد العام 2011، وحتى العام 2019: ونتيجة لاتفاق آخر بين النظام الإيراني وأميركا (الشيطان الأكبر) لزَّمته إدارة أوباما احتلال العراق لملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب قوات الاحتلال الأميركي. وكانت فرصته الذهبية.
وفي تلك المرحلة، جنَّد النظام حواضنه الشعبية في عشرات الميليشيات التي وجد فيها مئات الآلاف منهم مصدر رزق لهم. وبهم وبقوتهم الضاربة استولى رؤساء الميليشيات على كل مفاصل السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وتتالت فصول النهب والفساد، وانهالت مزاريب الذهب، لبناً وعسلاً على النظام الإيراني ورؤوساء الميليشيات التي حولَّت العملية السياسية إلى أداة بيد الولي الفقيه الحاكم في طهران.
شكَّلت تلك المرحلة، الفرصة الذهبية للنظام الإيراني ولم يتأخر في قطاف حصادها، بل أخذ يعزو سببها إلى (نُصرة إلهية). وراح يعزِّز قوته في سورية، ويزيد من إمكانياته في لبنان، وهو ما أصبح يُعرف بـ(الهلال الشيعي) الذي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. ومن أجل محاصرة دول الخليج العربي، استكمل العمل من أجل الاستيلاء على القسم العربي في آسيا فقد وجد في اليمن أرضاً خصبة له، فدخل إليها من بوابة الحوثيين. كل هذا يُضاف إلى اختراقه الصف الفلسطيني عبر حركة حماس، التنظيم الذي تختبئ تحت مظلة اسمه حركة الجهاد الإسلامي.
تلك الإنجازات التي قام بتحقيقها خلال عشر سنوات، دفعت به إلى الاستسلام إلى أحلام نجاحه في إعادة أحلامه الإمبراطورية الفارسية، التي عاصمتها بغداد. وهذا ما راحت تؤكده تصريحات أكبر المسؤولين المتربعين على عرش نظام (ولاية الفقيه).
وبدلاً من أن يبدأ بتعميم العدل، فإن النظام الذي يزعم أنه ينوب بالحكم عن (الإمام المهدي المنتظر) الذي (سيملأ الأرض عدلاً، بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً)، فقد عمَّ الظلم والجور أينما حلَّ وارتحل. وبمراجعة للوضع في العراق المحكوم بقيادة المرشد الأعلى، مثلاً، نجد أن الظلم والجور فيه قد بلغ درجة من السوء، بما يفوق ما تمارسه كل أنواع الأنظمة الديكتاتورية في العالم. وهلمَّ جراً.
هذا وكان الشيعة فيه ممن لم توفره أساليب الظلم والتعسف، يتم هذا على الرغم من أن قطاعات واسعة من بينهم خُدعوا بأنهم سيحضون بحياة هادئة وسعيدة تحت خيمة نظام يحكم باسمهم ويزعم أنه ما دخل العراق إلاَّ لكي يحرر الشيعة فيه من ظلم الأنظمة الوضعية، وفي المقدمة منها النظام الوطني السابق الذي بنى دولة حضارية بكل معنى الكلمة.
-منذ العام 2019، حتى هذه اللحظة: بدأت أقنعة الخداع التي ارتداها نظام (ولاية الفقيه) تتكشَّف وتتساقط تباعاً أمام أنظار المخدوعين من (شيعة جنوب العراق)، إذ وجدوا أنفسهم عبيداً وخدماً في بلاط (الولي الفقيه) الإيراني. لا يجدون سبلاً للعيش الكريم، عندما فقدوا حقهم بالعلم والعمل والأمن والخدمات، واكتشفوا أن دورهم المرسوم لهم ينحصر في مهمة القتال نيابة عن الحرس الثوري الإيراني، وبأوامر إيرانية، ولمصالح الطبقة الحاكمة في إيران.
عندما بلغ السيل الزبى عند جماهير الشعب، انطلقت أول ثورة شبابية في بغداد، واستجاب جنوب العراق لأصدائها وخاصة في البصرة والناصرية والنجف وكربلاء، منذ تشرين الأول من العام 2019. وهي لا تزال مستمرة حتى الآن، وتتصاعد على الرغم من كل أنواع القتل التي تعرَّض لها الشباب والشابات، والذين سقط منهم الشهداء والشهيدات وقد فاقت أعدادهم المئات. وفاقت أعداد المعتقلين والمعطوبين عشرات الآلاف.
لم يعد سرَّاً أن من كان يقوم بكل تلك الجرائم هم عشرات الميليشيات من الحشد الشعبي، الذي كان عبارة عن صناعة إيرانية، يقوم نظام (ولاية الفقيه) باستخدامها في تعميم وسائل الظلم والجور بأبشع الطرق وحشية وانتقاماً. وإذا كان هذا الواقع مما يستهلك عشرات التقارير والدراسات للإحاطة بتفاصيل وقائعه، فإننا نعتبر أن الثورة ستبقى مستمرة، ليس من قبيل التمني، بل لأنها أثبتت ذلك بالوقائع الملموسة.
حتى ولو كانت الثورة محافظة على سلميتها، فإنها بالمصطلح الثوري وباكتسابها لشروط الاستمرار فإنها دقَّت المسمار الأساسي في نعش وجود النظام الإيراني في العراق. وهي دلالة لا شك فيها، أنها ستجفِّف وسائل الدعم المالي والبشري للنظام الإيراني، كما ستجفف البيئة الشعبية الحاضنة له على أرض العراق. واللوجستي الجغرافي الذي يربط طهران بدمشق وبيروت.
فإذا جفَّت السرقات من ثروات العراق، وإذا انقطعت وسائل التواصل مع ما يزعم نظام (ولاية الفقيه) أنه أصبح عمقاً للإمبراطورية الفارسية، يعني ذلك قطع وسائل الإمداد الإيراني لهذا العمق مما يؤدي إلى أضعافه تدريجياً حتى بلوغ درجة الصفر.
العوامل التي وضعت مشروع النظام الإيراني على حافة الانهيار:
خلافاً لما قبل مرحلة تشرين الأول من العام 2019، يواجه النظام الإيراني اليوم متغيرين استراتيجيين، واللذين إذا ما استمرا سوف يهدمان مشروعه الغيبي، وهما:
-الأول: موقف أنظمة الخليج العربي، التي إذا ما أصرَّت على الجالسين إلى طاولة المفاوضات في فيينا بالوصول إلى نتائج تستجيب لموجبات أمنها القومي، خاصة إزالة أسباب اختراقه بواسطة الوجود الإيراني في العراق. والتي لن يطمئن بالها على سلامة ذلك الأمن بأقل من إخراج ذلك النظام من العراق بالعمل على حلِّ المبليشيات المسلَّحة التابعة له. وهذا يعني تجريده من العمق الجغرافي المجاور للخليج العربي من جهة، وتجفيف مصادر العائدات المالية الهائلة بسرقة ثروات العراق، وهي الوحيدة التي تمده بأسباب بقاء مشروعه الغيبي حياً.
-والثاني: انطلاقة ثورة الشباب السلمية، خاصة في المحافظات الجنوبية من العراق، بدأت تعمل بشكل جدي على تجفيف مساحة الحاضنة الشعبية للنظام، خاصة أن تلك الحاضنة، باستثناء من يستفيد من الرواتب الهزيلة التي يقبضونها، أخذت تنهار بشكل سريع. ولا شك بأن تلك الحاضنة هي التي ساعدت النظام بشكل أساسي بالإمساك بقوة باحتلال العراق.
وفي النتيجة دخل النظام الإيراني نفق التراجع السريع، تحت ضغط عربي – دولي من جهة، وضغط شعبي عراقي من جهة أخرى. ولن يصمد المشروع الإيراني الغيبي طويلاً حتى نرى نهاية كارثية له حتى في داخل إيران، حيث تلعب فيه المعارضة الإيرانية في خارج إيران دوراً مؤثراً، وهو مدعوم وإن بوسائل وأهداف أخرى بتيار إصلاحي له ثقله الوازن في الداخل الإيراني.
في النتائج:
إن وقائع الأوضاع الراهنة بالنسبة للمشروعين الدينيين السياسيين، تؤكد أن المشروعين يواجهان انسداداً تاريخياً لن تقوم لهما قائمة بعده في المستقبل القريب. وإن فشل تنفيذهما أصبحت حقيقة ثابتة على الرغم من المكابرة والغرور التي أصيبا بهما.
وإنه بعد أن أثبتنا تهافتهما الأيديولوجي في كتابنا (تهافت الأوليات الإمبراطورية)، وبعد أن أثبتنا في هذا المقال تهافت مشروعيهما التنفيذيين، خلال عشر من السنوات، يمكننا القول: وداعاً للمشاريع الدينية السياسية.
ولأن العلاقات بين الدول يجب أن تقوم على القواعد المتكافئة، وخاصة بين دول الجوار الجغرافي، وبعد ارتكابهما خيانة مبدأ حسن الجوار الجغرافي من جهة، والتنكر لمبدأ التعاون بين الدول الإسلامية من جهة أخرى، يترتب على النظامين الإيراني والتركي معاً العودة إلى رشدهما، والإقلاع عن مشروعين سياسيين دينيين، يتصفان بالتخلف والغيبية، أن يبدآ بالإعداد لما يلي:
1-الإعداد لنظام أمني إقليمي – عربي، قوامه الاعتراف بترابط الأمن القومي لكل دول الإقليم، على أن يكون قائماً على قاعدة حسن الجوار، وحق شعوب المنطقة بتقرير مصيرها، بين الشعب العربي، والشعبين الإيراني والتركي.
2-مواجهة كل الأخطار المحدقة بالإقليم خاصة أخطار المشاريع الاستعمارية والصهيونية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا