في اشكالية الثورة

حسام تيمور
2021 / 4 / 16

لا توجد استراتيجيات محددة او حتى خطوة اولى نحو النجاح، يكذب مهرجوا التنمية الذاتية، و كذلك تجار الدين و الحداثة و اليسار و اليمين و ما بينهما ..
نحن كما يقول العروي، مازلنا في عصر ما قبل الثورة الكوبيرنيكية، اي عندما انطلق العقل الاوروبي فعليا نحو احداث القطيعة المعرفية التي اسست لذلك التحول في النظرية المعرفية، و بالمعنى الايبيستيمي نقول التحول، و ليس التطور، و هو جوهر "التاريخانية"، او اساسها العلمي، نكاية في "دياليكتيك ماركس"، و هو ما شكل ازعاجا للمعبد اليساري العربي، الشيوعي و الاممي و حتى الليبرالي المتسامح مع البغاء الاودلوجي و عبادة بعض الزعماء، من باب التكتيك الثوري و مراكمة النقاط ..
و بمفكريه و مثقفيه، يستثمر هذا المعبد في "الماركسية"، كاصل معرفي جامد، تراثي متحجر، قابل للتطوير بالمعنى الايديولوجي و حتى التاريخي، و ليس التحويل بالمعنى النظري المعرفي/العلمي !
و هم هؤلاء، الذي يعيشون و يعتاشون حول بقايا صنم ل "زعيم" ثوري هناك او مخفر كبير على هيئة تنين بتسعة عشر راسا، كأنها رؤوس الشياطين !
في ازمة المثقفين العرب يسائل العروي هذا النسق، و هو ربما يدخل في سجال ايبيستيمولوجي غير معلن، مع الفيلسوف السوري "الطيب التيزيني" .. عضو حزب البعث، و الفيلسوف الثوري، بالمعنى المعرفي عموما و السياسي ضمنا و مضمونا !

"يلزم المثقف العربي جيل او جيلان، لانجاز الثورة الثقافية، بينما يلزم هذه الثورة حقبة باكملها لكي تصير امتدادا ثقافيا داخل نفس الانساق الاجتماعية" ؟!
يعادل الجيل الواحد قرنا زمنيا/ في ادبيات التأريخ، بينما الحقبة هنا، معادل لفناء الحضارة او احد مراحل دورتها نحو الاندثار، بالمفهوم الخلدوني ..
هل كانت النهضة الأوروبية بهذا المعنى، نتاجا لتطور مادي تاريخي في البنيات و الانماط، ام انها كانت بالضرورة مرتبطة تاريخيا، بالتحول في نظرية المعرفة، او الثورة العلمية المعرفية ؟!
تعني "الثورة الكوبرنيكية" الجزم بكون ان الشمس ثابث، و الارض متحرك، يدور حول الشمس، و بمعنى ان الادراك الوجودي هنا، واهم من اساسه، او ليس "اودلوجة"، تستوهم أن الارض ثابث، و ما يحيط بها متحرك ؟!
هنا بالذات، مازال الفكر اليساري الثوري العربي، رهين هذا المدخل النظري، و منذ بداياته و تاريخ انتصاراته الواهمة و بداية تحطم مفرزاته على صخرة الجمود و اليأس و البؤس، وصولا الى مرحلة التشظي و البغاء كتفاعل منطقي، ذاتي و موضوعي مع ما أسماه "الطيب تيزيني" في آخر كتاباته، بمرحلة او "نطاق الاستباحة الشاملة" !
التقويم الايديولوجي حسب العروي يسائل نقطة الانطلاق، او هذا المدخل النظري، و امتداده الايديولوجي الذي يسائل بدوره عناصر هذا الاستقطاب القائم، بمعنى الفرز الايديولوجي و تحديد مكامن التناقض و التوافق و اللامعنى و اللاجدوى احيانا !!
هل يكون هذا الاستقطاب محيلا الى "اللا-استمرار" في التاريخ، ام انه غير دقيق منذ بدايته اي من اساسه، من حيث ادوات المقاربة معرفيا و منهجيا ؟!
سؤال ربما طرحه العروي مطلع سبعينات القرن الماضي، و ناقشه كذلك "الطيب تيزيني" مطولا، في رد معلن مباشر، و اخرى مضمنة في كتابات منفصلة، لكن الجواب ربما لم يظهر الا في سياق "الازمة الثورية"، او ساعة الصفر، بمفهوم التاريخ، و مواعيد التاريخ !
يحكي طيب تيزيني، في احدى زياراته للمغرب، بعيد احداث سوريا بثلاث سنوات، باكيا .. و في جزء من مداخلته يتحدث عن نظرية "افساد الدولة" و جعل المجتمع، مطبعا بشكل او بآخر مع فساد هذه الدولة، و ذلك عموما، بحمله على ارتكاب تلك "الخطيئة" التي تجعله مدينا للدولة و سلطة الدولة، او حتى نقيضها السياسي و الايديولوجي، و حيث تتوحش النظرية الاغريقية هنا، و تتغول، اكثر من بطش السلطة قائلة، "لا يمكنك السباحة في نفس النهر مرتين" !
تعرض الفيلسوف العملاق، "ذ.تيزيني" للاعتقال بداية احداث سوريا، و ذلك في سياق مظاهرة ودية، شارك فيها حصرا كما يقال، اعضاء و نخب الحزب الحاكم، مطالبة بالافراج عن معتقلين، من نفس الانتماء، حيث كان الجميع يطالب الدولة بفض "الثورة" و سلوك مسلك العقل و التعقل، و قطع الطريق عن المؤامرة الكونية على هذا الاساس !
لكن ربما، كان لأجهزة الدولة راي آخر، ربما هو ضد راي الحزب و سوريا، و نظام البعث، و قد يكون نفس تفعيل المخطط، او المؤامرة الكونية، حيث تم تعنيف الفيلسوف، رغم قربه من دوائر القرار و الحكم، و رغم اشهاره لتلك الهوية التي هي بمثابة "كارت ابيض" في منظومة البعث و الزعيم الالاه و المقربين منه ..
لكن الجواب كان "كلاما نابيا" على شكل الاحتجاج من جهة و هوية المحتج و وضعه الاعتباري من جهة اخرى، من منظور نفس السلطة و الاجهزة !
و حيث يعيش و يعتاش "المفكر" و "المثقف" على عبادة "زعيم" يسجد بدوره لاسياده هناك في الشرق او الغرب، متوهما انه بالغ أعالي المقاومة و الممانعة، و قمم الشموخ و الصمود، يستحيل بزوغ شيء اسمه "ثورة كوبيرنيكية"، او حتى ثورة بالمفهوم القديم، اي شمس الحرية او طلع البدر، التي ستطلع على عبدة الاصنام، من المراوحين للاسرة و مراحيض الزعماء و القادة يمينا و يسارا !!

و حيث يحكي البعض من باب الكوميديا السوداء، عن فروع تنين البعث الامنية، التسعة عشر، و فرع فلسطين، حيث يسلخ الجلد عن اللحم دون المساس بصحة المعتقل، و عن فرع المخابرات الجوية، حيث كل شيء يبدوا كل شيء و كانه رحلة ربيعية في منتزه دمشقي انيق، باغصانه و عصافيره ..، و حيث تستعمل هذه الاخيرة كوسيلة لانتزاع اعترافات مكتوبة، و ذلك بوضعها حية في فم المعتقل، مع اغلاقه بلاصق بلاستيكي، و تركه امام مجزرة دموية، يقوم بها عصفور صغير، داخل فمه الذي تكلم اكثر من اللزوم !
عليه نفهم قول المظفر، عن هؤلاء الثوريين من شيعة البعث و الممانعة و المقاومة، انه يزنى بهم اكثر من عاهرة الحانة، و يرضون طبعا !!

و هنا طبعا، في الختام، يستحيل على المثقف العربي انجاز تلك الثورة الكوبيرنيكية، لان اساسها النظري، او التحول الذي اسست له في نظرية المعرفة و القطيعة في التاريخ و تاريخ العلوم و الحضارة، هو الانتقال من الذات الى الموضوع، أو فصل الذات عن الموضوع، و حيث كان المستفيد الاول و الحصري و الوحيد من نفي الميتافيزيقا و تعظيم الطبيعة و الوجود المادي الملموس، في عالمنا العربي، هو ضباط المخابرات الجوية، و الفرقة الرابعة، التي تعمل تحت الارض، و تخاطب اليسار و اليمين، لا الاه هنا و لا ماركس هناك، هذا هو الاله، و في ايام البعث السوداء الاخيرة، طبق نفس البند على ضباط وسائط الدفاع الجوي السورية، الذين اجتهدوا قليلا في صد العدوان الصهيوني و اسقطوا طائرة ايليوشن الروسية بالخطأ، حيث تم وضعهم فورا في اكياس و اقتيادهم الى مكان مجهول !!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية