السطو على ضمير المتدينين

راتب شعبو
2021 / 4 / 16

جاء الإسلام بثورة دينية فعلية تتمثل في جعل العلاقة بين العبد وربه علاقة مباشرة دون أي توسط كهنوتي. وهذا جعل "سلطة" علماء الدين على دين الناس سلطة أدبية أو تعليمية غير ملزمة، لأن الأصل في النهاية هو لفهم الفرد وترك المسافة بين الفرد والله حرة من أي توسط. هذه الثورة التي جاء بها الإسلام تنسف، في الواقع، أساس أي سلطة دينية. كل ما جرى لاحقاً من التفاف على هذه الحقيقة بتأويلات شتى إنما هو تأسيس لسلطة دينية كانت تزداد سطوتها مع تراجع المكانة السياسية والحضارية للمسلمين. وراحت تحتل هذه السلطة مجالاً متزايداً وتستولي على موارد وتعزز وجودها في المجتمع حتى باتت مع الزمن حاجة بديهية وفي منأى عن السؤال.
ما يهمنا هنا، ليس السلطة الدينية بصفتها سلطة تنافس السلطة الدنيوية على مجالها الخاص، بل السلطة الدينية بصفتها سلطة أخلاقية خارج الفرد تشكل حاجزاً يصد تطوره الأخلاقي وينخر ذاتيته. هذا هو الجانب الذي ينبغي التأكيد عليه وكشفه ومواجهته لتخليص المجتمع المسلم (أقصد مجتمع المسلمين) من هذا العائق، الذي هو في الحقيقة ومن حيث يغفل الكثيرون، منبع أساسي من منابع ظاهرة الإرهاب "الإسلامية".
لا يستوعب المتدين كيف يمكن لغير المتدين أن يقدم على فعل الخير، كأن يساعد محتاجاً مثلاً. ولا يستوعب المتدين ما الذي يمنع غير المتدين من أن يسرق مثلاً. إذا كان غير المتدين لا يطمع في ثواب من الله، أو لا يخاف من عقاب إلهي، ما الذي يدفعه إذن إلى فعل الخير والامتناع عن الشر؟ هذا منطق المتدين الذي إذا أراد أن يمتدح شخصاً، يقول "إنه يخاف الله". يضمر هذا القول المكرور أن الخوف من الله هو دافع الخير في الإنسان، وكأن الإنسان لا يسلك مسلك الخير إلا "خوفاً". هذا القول يجرد الإنسان من "خيريته" الخالصة، هناك إذن سلطة خارجية خيّرة يسعى المتدين إلى إرضائها بفعل الخير، وإلى الالتزام بتعالميها تقرباً منها وخوفاً من عقابها.
لا ضير في ذلك، ولا يشكل هذا خروجاً على التطور الطبيعي للفرد، ذلك أن الفرد يعمل بصورة عفوية على استبطان هذه السلطة الخارجية والالتزام بتعاليمها التي هي تعاليم عامة خيّرة تتوافق عليها الديانات وتتمثل في تنويعات متشابهة من الوصايا المعروفة. بهذا المعنى يكون الفرد المتدين قد أدخل الله إلى قلبه وقد "انطوى فيه العالم الأكبر". وبهذا المعنى يتطابق الخير المطلق "الله" مع ضمير الفرد، الضمير الذي لا يمكن للمرء أن يهرب منه، تماماً كما لا يمكن للمرء أن يهرب من "الله" الذي يرى ولا يُرى، والذي "يعلم ما في الصدور"، فتتحول قيم الخير المطلق، كما يفهمها الفرد وكما هي أقرب إلى العفوية والحس السليم، إلى ناظم لسلوك الفرد، أي إلى أخلاق متأصلة في الفرد.
لا تبدأ المشكلة مع ادعاء البعض (علماء دين) معرفة ما يُرضي وما لا يُرضي الله الذي اصطفى محمداً رسولاً أخيراً له لبني البشر. بل تبدأ المشكلة مع حيازة هذا "البعض" على قبول وتسليم جمهور المتدينين بأنهم يعرفون "ما يرضي الله". فيظهر بالتالي تجسيد دنيوي (أشخاص) ذي مصالح وأهواء، عداك عن المحدودية الفكرية، لما يعتبره الفرد المتدين خيراً مطلقاً. من هنا تنشأ السلطة الدينية التي تضع نفسها فوق كل السلطات بما في ذلك ضمير الفرد وحسه السليم. والعلاقة التي تنشأ بين كل سلطة دينية وجمهورها، هي تكرار لعلاقة الفرد المفترضة بربه والتي تقوم على التسليم والرضى. بذلك تتحول "السلطة الدينية" إلى إله دنيوي ولكنه مشبع بما تحمله الدنيوية من انحيازات ومحدودية. هذا ينطوي على تخلي الفرد عن هداه الذاتي "ضميره" لصالح السلطة الدينية "الدنيوية". هنا تحدث حركة معاكسة تماماً لحركة الاستبطان السابقة التي جاء بها الإسلام والتي شكلت في الواقع ثورته الدينية، وأعطته لا محدوديته في الأقوام (عالميته وإنسانيته) وفي الزمن (خاتم الأنبياء).
في الاستبطان يُدخل المتدين الله إلى قلبه، ويجعله هداه، ويطابق بينه وبين ضميره، أما في الحركة المعاكسة التي يمكن أن نسميها الاستخراج أو الاستظهار، فإن المتدين يسلّم أمره لغيره "من البشر" في أخص شؤونه وأكثرها عمقاً وذاتية، أقصد شؤون الضمير. في حركة الاستخراج يتحول المتدين إلى شخص منقوص الكيانية، يصبح شخصاً لا مسؤولاً عن ذاته، ذلك أنه بات يرى في السلطة الدينية "الدنيوية" أو في سلطة العلماء "البشر" بديلاً عن سلطته الذاتية على نفسه، وفي رضاها عنه، بديلاً عن رضاه الذاتي عن نفسه. انتهى الأمر بأن جرى تجريد الإسلام من تميزه الجوهري، على يد من أحاله إلى واسطة لسلطة.
صحيح أن هذا التحول خلق مجتمعاً "ملتزماً" يستطيع "رجل الدين" أن يدفع به إلى التمسك بتعاليم الدين، لكنه يجعل من الأفراد رهائن حقيقيين "للعلماء" الذين يمكن أن يوجهوا الفرد إلى ارتكاب أي فعل إجرامي على أنه يحقق "رضى الله". ولن يكون في مقدور الشخص الذي توارث تسليم أمر علاقته بالله إلى "علماء"، أن يعود إلى استفتاء حسه السليم وفطرته التي جرى سحقهما في الواقع تحت وطأة سلطة خارجية ارتضاها الفرد بديلاً عن سلطته الذاتية على نفسه والمتمثلة في إرادته وضميره وفطرته السليمة وذكائه الشخصي.
إذا كان الله في الإسلام قد حرر الفرد وأوكل أمره لذاته بعد تبليغ الرسالة، فإن "رجال الدين" سرعان ما استولوا على حرية الفرد وادّعوا ولاية، مزورة، عليه. وجردوه من إيمانه بالله لكي يملؤوه إيماناً بهم في واقع الأمر. أو لكي يجعلوا إيمانه بالله يمر عبرهم ومن موشور فهمهم.
عبر هذه الآلية من "الاستخراج" يمكن أن يتحول الأفراد إلى "انتحاريين" يقتلون عشرات الأبرياء إيماناً منهم (بواسطة سلطتهم الدينية) أنهم "استشهاديون" وأن في هذا رضى لله. ويمكن أن يقبلوا أيضاً الإقدام على أفعال ما كان ليقبل بها حسهم الفطري، أو ليرضاها ضميرهم الخاص لولا أنه جرى اقتلاعه، عبر هذه الآلية، وإيكال وظيفته إلى "علماء" لا يكفون عن توجيه المتدينين في أدق شؤونهم وأمورهم العائلية والشخصية، ويصدرون في "تعاليمهم" عن مصالح سياسية أو عن قصور عقلي أو عن مجرد رغبة في الإثارة. وكأن المتدينين "غير العلماء" قاصرون عن تقدير شؤون حياتهم، وفي حاجة دائمة إلى من "يفتي" لهم في كل شيء، إباحة أو تحريماً وما إلى هذا.
لا يقتصر استثمار هذه الآلية على الإسلاميين الجهاديين، السلطات السياسية "العلمانية" المستبدة تستثمر هذه الآلية أيضاً، من خلال سيطرتها على ما تستطيع من "العلماء"، ومحاولة التحكم بالمتدينين من خلالهم.
عدا عن الأثر السلبي المذكور لهذه الآلية المُقحمة على الإسلام، فإنها تشكل اعتداء على الميزة الأساسية فيه، الميزة التي تجعله ديناً لكل الناس عبر الزمن.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية