ضرورة تشر الثقافة القانونية في العراق

محمد رضا عباس
2021 / 4 / 15

هناك علاقة طردية بين احترام المجتمع للقوانين الحكومية والنمو الاقتصادي , حيث ان التقدم الحضاري والاقتصادي الذي تشهده الدول الصناعية لم يكن بهذه الوتيرة المتصاعدة لولا وجود مجتمع يحترم قوانين بلاده. ارجوا ان لا يفهم القارئ ان جميع أبناء المجتمعات المتقدمة صناعيا ملائكة يمشون على الأرض. لا , فهناك الصالح وهناك الطالح منهم. ولكن الشيء المهم الذي يسير الحياة هناك هو تفعيل القوانين من قبل السلطة التنفيذية. السائق على الطريق العام يتمنى ان يسوق سيارته فوق السرعة المسموح بها , ولكن لا يستطع تحقيق امنيته لإنه يعرف جيدا ان هناك شرطي مرور يراقب سرعته , وغرامات مالية كبيرة على من يخالف القانون. وكذلك بائع المخدرات يعرف جيدا ان القاء القبض عليه من قبل الجهات المختصة سوف تكلف مستقبله ومستقبل عائلته. القوانين تطبق على جميع مكونات المجتمع سواء كان رب عمل , طبيب , محامي , سياسي , مزارع او عامل , رجل او امرأة , رجل دين او أفندي.
في العراق أصبحنا نسمع ونقرأ عن الفساد الإداري والمالي تقريبا كل يوم , ولكن لم يعط الاعلام موضوع فساد المواطن وخرقه قوانين الدولة نفس المساحة , الا ما ندر. ان عدم احترام وتطبيق القوانين والأنظمة من قبل المواطن يضيف جهد أكبر على عاتق الدولة: زيادة اعداد القوات الأمنية , ازدحام المحاكم , بناء سجون إضافية , صرف أموال إضافية على تجهيزات السجون ,وخسارة للاقتصاد الوطني. كما وان انتشار ظاهرة الخروقات القانونية من قبل المواطن يقلل من هيبة الدولة ويجعلها عرضة لأهداف اعدائها.
في العراق هناك انفلات أمنى وعدم احترام القانون على جميع الصعد من قبل مواطنين عاديين وغير عاديين ويجب إيقافه ومحاسبة منفذيه , لإنه لن يكون هناك مستقبل للعراق وللعملية السياسية. بكلام اخر , هذه الخروقات القانونية هي التي ستمهد رجوع الديكتاتورية الى البلاد , وهي التي تزيد من المشاكل الاقتصادية التي يمر بها العراق. لا يمكن لمستثمر الدخول الى العراق وهناك مجاميع مسلحة خارجة على القانون ولا تستطع الدولة من ايقافها , ولا يمكن لمثقف العيش في العراق وهو يخاف من الكومة او الدكه العشائرية , ولا يمكن لطبيب او أستاذ جامعي أداء واجبه وهو يخاف من مراجعه او طلابه , ولا يمكن ان يستقر العراق سياسيا وامنيا والسلاح الخفيف والمتوسط أصبح بيد الأطفال والصبيان.
يجب نشر التوعية القانونية بين المواطنين , يجب ان بعلم المواطن ان وراء كل مخالفة قانونية عقاب , ويجب أيضا يعرف عقوبتها القانونية للأسباب التالية:
1. ان التحدث عن الجريمة وبصورة متكررة على وسائل الاعلام العراقية يعتبر درسا للمواطن عن تأثيرات الجريمة الاجتماعية والاقتصادية. التحدث عن جريمة المتاجرة بالمخدرات يعتبر درسا للمستمع عن تأثير المخدرات على المتعاطين لها , اداءه في البيت والمدرسة والعمل , تأثيراتها السالبة على المجتمع , على العائلة وسمعتها , وأخيرا التعرف على طرق محاربتها.
2. ان التحدث عن الجريمة وبصورة متكررة على وسائل الاعلام تعتبر طريقة تحذير للمواطن العراقي عن وجود مثل هذه الجرائم واحتمالية ان يكون هو الضحية التالية. ان حادثة دخول امرأتين الى احدى الدور السكنية بحجة " التعب" والاعتداء على صاحبة البيت وسرقة أموالها , هو درس بليغ لربات البيوت وتحذيرهن من هكذا جرائم.
3. ان التحدث عن الجريمة وتأثيرها الاجتماعي على المواطن يشجع المواطنين على التعاون مع الأجهزة الأمنية والقاء القبض على المشتبه بهم.
4. التحدث عن الجريمة وعقابها القانوني يعزز من هيبة القوى الأمنية , المحاكم , والدولة العراقية. ان ملاحقة المجرمين وايداعهم السجن يرسل رسائل اطمئنان لبقية أبناء الوطن ان هناك قوات امنية ساهرة على فرض الامن , وان هناك قوانين عقابية لكل من يخالف القانون والنظام العام.
5. ان التحدث عن الجريمة والعقاب سيكون درسا يمنع من تسول له نفسه من الاخرين لمخالفة القانون. كما وان طرح الجريمة للمناقشة من ناحية تأثيرها على المجتمع , على عائلة الجاني والمجني عليه , تأثيرها المستقبلي على الجاني يمثل درسا رادعا , ويصبح من ان يريد مخالفة القانون التفكير عشرة مرات قبل القيام به.
ان كثرة الجرائم التي تقع في العراق ووحشيتها تفرض على الاعلام الوطني الشريف بالمشاركة الفعالة من اجل محاربتها والقضاء عليها , واحد وسائل أدوات المحاربة هو اخراج برنامج اسبوعي يتعامل مع " الجريمة والعقاب". البرنامج يحتاج الى سرد قصة الجريمة بشكل مهني محترف , قرار الحكم على الجريمة , واستضافة اهل الخبرة بالتحدث عن الجريمة وتأثيرها على عائلة الجاني والمجني عليه , تأثيرها على مستقبل الجاني , سمعة عائلة الجاني , وتأثيرها على المجتمع , وطرق محاربتها.
جميع الدول المتقدمة لديها أكثر من برنامج لمحاربة الجريمة , يتحدث فيها خبراء امنيون ومحامين وحكام ومختصين. في بعض الأوقات تنقل حلقات هذه البرامج الى صفوف المدارس والاعدادية والكليات. لا ادعي ان بسبب هذه البرامج انتهت الجريمة في الدول المتقدمة صناعيا , ولكن أستطع ان اجزم ان المواطن اصبح يعرف العقوبة القانونية , يحترم القوانين بما يستطع , ويحترم وجود رجل الامن (الشرطي) وهو بتجول في شوارع المدينة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية