ما وراء السد: السياسات المصرية بين محور التطبيع القديم ومحور الاستلاب الجديد

حاتم الجوهرى
2021 / 4 / 15

رغم أن دونالد ترامب قد سقط في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وتوقف ظاهريا مشروع "صفقة القرن"، وتراجع مؤقتا الوجه المتطرف لـ"المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية الكامنة، إلا أن تكتيك "تفجير التناقضات" الذي استخدمه ترامب، قبل أن يرحل في مستودع "الهوية االعربي" وبين دوله، ما تزال آثاره باقية تطارد الذات العربية في قضاياها المصيرية التي تهدد أمنها القومي بشدة.

ميلاد "محور الاستلاب الجديد"
فقد خلقت "صفقة القرن" وتكتيك "تفجير التناقضات" تيارا عربيا جديدا في السياسية العربية، تمثله الإمارات وولي العهد السعودي، وهو التيار الذي تبني خطاب "الاستلاب للصهيونية" على مستوى الدول، بعد التمهيد النخبوي له ثقافيا وإعلاميا من جانب تيار ما في المؤسسات المصرية مع: يوسف زيدان ، ومراد وهبة، وغيرهما، قبل أن تحسم مصر قرارها في عام 2019م، وتعود إلى مرجعية حل الدولتين والقرارات الأممية ذات الصلة.
لحظة ميلاد "محور الاستلاب الجديد" لم تكن كما يظن البعض مع "الاتفاقيات الإبراهيمية" قرب نهاية عام 2020م، إنما بدأت قبلها عام 2019م مع القرار المصري بالتخلي عن خطاب "الاستلاب للصهيونية" والعودة لحل الدولتين، وظهرت آثاره الخفية في عز جائحة كورونا، وبشكل ضمني غير معلن في حينه عندما وجه ترامب "محور الاستلاب الجديد" لقطع الدعم المالي عن مصر.

الحصار المالي على مصر
في ظل جائحة كورونا
وهو ما دفع الإدارة السياسية المصرية لتبني حزمة سياسات مالية ضاغطة لتعويض العجز المالي، شملت "قانون التصالح" وما شابهه من إجراءات، ولم تعلن مصر ساعتها عن السبب المباشر لها، غير أن المتابعين لمتغيرات الأحداث بدقة استطاعوا تحديد الدافع المستجد والمحرك لتلك الإجراءات المالية.

تفجير أمريكا للتناقض
بين "محور التطبيع القديم" و"محور الاستلاب الجديد"
ليصبح عندنا "تناقض" واضح نجح دونالد ترامب في تفجيره في المشهد العربي، على طرف من التناقض يوجد "محور التطبيع القديم" الذي يشمل مصر والأردن، مصر التي ورطها السادات في مسار التطبيع بعد حرب أكتوبر العظيمة، والأردن تورطت تحت الضغوط أيضا بعد ضرب العراق في التسعينيات، وهذا المحور يقوم على فلسفة واضحة مضمونها: علاقات دبلوماسية وتجارية، مع تحفظ ومقاطعة شعبية.
وفي الطرف المقابل من "التناقض" تشكل "محور الاستلاب الجديد" مؤخرا، وعلى رأسه تقف الإمارات والسعودية مع ولي العهد محمد بن سلمان، خرج المحور للعلن مع الاتفاقيات الإبراهيمية نهاية عام 2020م، ويقوم على فكرة الاعتراف بالرواية الصهيونية في الصراع، من خلال "الاتفاقيات الإبراهيمية" والمشترك الديني، مع الخضوع للرواية الصهيونية تماما سياسيا وشعبيا، أي فلسفته تقوم على الخضوع الشامل للرواية الصهيونية سياسيا وثقافيا، وفرضها والترويج لها شعبيا.

السردية الأميركية الثالثة
بعد "التطبيع" و"الشرق الأوسط الكبير"
ومن زاوية أوسع وفق مفاهيم "المستودعات الفكرية لرسم السيناريوهات" و"وحدات الأبحاث الفكرية" (think tank)، ما يحدث هو السردية الكبرى الجديدة للتوجهات الأمريكية للتعامل مع المنطقة العربية، لأن الغرب دائما ما يعمل وفق "سردية كبرى" غير معلنة، وإن روج في الهامش والمستويات الثقافية والأكاديمية لأفكار عن "نهاية السرديات الكبرى"، والتعدد الثقافي في سياق "ما بعد الحداثة".
فمرحلة فرض التطبيع وتمرير "وجود" دولة ":إسرائيل وتطبيعها كانت مع السادات بمحدودية وعيه الاستراتيجي وانسلاخه عن محددات "الأمن القومي" العربي، وحصدت "إسرائيل" ثمار "مرحلة التطبيع القديمة" التي تمثلت في فك العزلة الدولية، وبين دول العالم الثالث، فنجحت في اختراق أفريقيا وآسيا، وطبعت وجودها في المؤسسات الأممية، وانتهت بالنسبة اهداف "مرحلة التطبيع ومحورها".
وفي التسعينيات تجاوز الغرب مشروع التطبيع مع ضرب العراق، وفرض مشروع أوسلو، وظهرت فكرة "النخبة السوبر" عن قيادة "إسرائيل" اقتصاديا للمنطقة العربية، تحت اسم "الشرق الأوسط الجديد"، لكن السردية الغربية/ الأميريكية الجديدة لم تنل رضاء الصهيونيين المتشددين أنفسهم، وانهارت السردية مع اغتيال إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل، الذي كان الشريك السياسي الصهيوني في سردية "الشرق الوسط" الذي تقوده "إسرائيل"، بوصفها "نخبة سوبر" بين "قطعان متخلفة من العرب".
وشيئا فشيئا أدرك اليمين الأمريكي بخلفياته الثقافية ذات "الأثر الجرماني" المتطرف القديم، الممتزج كثيرا بالتطرف الصهيوني/ الديني ورواياته القادمة من العهد القديم، أدرك أهداف الصهاينة وما يريدونه من سيادة ثقافية ودينية مباشرة على العرب، ليخرج دونالد ترامب في حملته الانتخابية الأولى بمشروع صفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، ويتصاعد معه عنصر التطرف العنصري الكامن بقوة في تناقضات "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية.
وتظهر عندنا سردية "الهيمنة الإبراهيمية" و"محور الاستلاب الجديد" لفرض الرواية الصهيونية/ الدينية على العرب، بعد سردية "التطبيع" الأولى مع السادات، وسردية "الشرق الأوسط" الذي تقوده "إسرائيل" بوصفها "نخبة سوبر" في التسعينيات.

نهاية دور "الدولة حارسة التناقضات"
وبراءة ثورة 25 يناير من دمها
والخطير للغاية في السردية الكبرى الثالثة الجديدة التي تستخدمها "المسألة الأوربية" معنا في تمثلها الأمريكي؛ هو الصراع المباشر والمرير بين "محور الاستلاب الجديد" وبين "محور التطبيع القديم"، حيث لا يدرك بعض المتابعين للمشهد أن "الدولة حارسة التناقضات" التي أسس لها السادات وترسخت مع مبارك بعد ضرب العراق في التسعينيات انتهي دورها بالنسبة للسردية الأمريكية تماما، وأن التخلي عن مصر التي توقفت عند دور "الدولة حارسة التناقضات" كان قادما لا محالة مع "السد الأثيوبي" أو مع غيره، ولا حجة للتذرع بثورة 25 يناير العظيمة في هذا الصدد.
المهم والذي هو شديد الخطورة ويجب تسليط الأضواء عليه، ووضعه تحت منظور "الأمن القومي" المصري بشدة وانتباه عاليين، هو أن السردية الأمريكية الجديدة تعتمد على تفكيك الدور المصري وتجاوزه، كممثل لـ"محور التطبيع القديم" ومرحلته، عبر توظيف "محور الاستلاب الجديد"، وهذه هي أبرع حيل السردية الأمريكية الجديدة -حتى في عهد بايدن- تجاه الذات العربية، ومشروع استعادتها الذي ظهر مع الثورات العربية، التي هددت بزوال "المسألة الأوربية" والمتلازمات والعقد الثقافية التي صاحبتها، ولا أدل هنا من موافقة بايدن مؤخرا على صفقة الأسلحة والطائرات التي كان ترامب قد وافق عليها للإمارات بعدما كان قد أبدى اعتراضه عليها.
حقيقة الأمر جلل، حقيقة الوضع بالنسبة للأمن القومي العربي والمصري تحديدا تعدى كافة الخطوط الحمراء، ويستحق وقفة من الجماعة المصرية عن بكرة أبيها للالتفات إلى أن ما يحدث هو مصير أمة بأكملها.

المحور الجديد يستهدف مصر والأردن مباشرة
وللتدليل على خطورة الأمر بالنسبة لمصر وأمنها القومي في المرحلة الحالية عموما وفي موضوع سد النهضة خصوصا، ودور "محور الاستلاب الجديد" الذي تتزعمه الإمارات والسعودية ولي العهد، يجب استدعاء موقفين في مصر والأردن.. لهما دلالة خطيرة للغاية.
الموقف الأول هو تدخل الإمارات في ملف "السد الأثيوبي"، ومحاولتها شق الموقف المصري- السوداني المشترك ضد التعنت الأثيوبي، عبر عرض وساطتها بين أثيوبيا والسودان منفردتين دون مصر، في محاولة لتخفيف الضغوط على أثيوبيا، وتمرير آلية "التعويضات المالية" لها كتمهيد لتسليع المياه وضرب الأمن القومي المصري في مقتل، ووضع مصر تحت السيطرة والنفوذ الغربي/ الصهيوني المباشر.
والموقف الثاني شديد الدلالة والخطورة كان تجاه الإردن بصفتها الدولة الثانية في "محور التطبيع القديم"، وتمثل في محاولة قلب نظام الحكم في الأردن التي جرت في بداية شهر أبريل الحالي، وتحدثت العديد من المصادر عن دور "إسرائيلي" ما في هذه المؤامرة بسبب موقف الأردن المعارص لـ "صفقة القرن" ومرحلة "الاستلاب" الجديدة التي تلت "التطبيع" القديم، بالإضافة للحديث عن دور خليجي مباشر في إشارة للإمارات والسعودية.

ناقوس الخطر يقرع أجراسه بشدة
إن ناقوس الخطر يدق أجراس الجماعة المصرية ككل؛ وليس الإدارة السياسية الحالية للبلاد فقط، نحن جميعا في موقف وجودي حرج للغاية، وبين مفترق طرق يستلزم من الجميع البحث في سبل الخروج من المأزق التاريخي الحالي.
على الإدارة السياسية الحالية للبلاد أن تراجع كل سياساتها العامة التي تتعلق بمجال "الأمن القومي" تحديدا، وتعيد صف وتنظيم علاقاتها الخارجية وفق محددات هذا الأمن القومي الحقيقية، ومدى علاقتها بـ"مستودع الهوية" المصري بمكوناتها العربية الشاملة، وكافة طبقاته الرافدة والداعمة المتنوعة.
مصر في حاجة لسردية كبرى جديدة، تتجاوز كافة الاستقطابات الداخلية وتواجه التحديات الخارجية، سردية ثقافية مركزية تتجاوز استقطابات القرن الماضي رد الفعل لـ"المسألة الأوربية" وتمثلاتها المادية الليبرالية والماركسية على السواء، يجب أن يوجد حل لبنية "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي نتاج القرن الماضي بقلبها العسكري، وضبط الدور الوظيفي لمؤسسة الجيش، وضبط التوصيفات الوظيفية لمؤسسات الدولة.
ويجب على الإدارة السياسية الحالية التحلي بالقوة النفسية الكافية لتجاوز استقطابات وعداوات الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو، والعمل من أجل التنمية المصرية المستقلة وتعظيم الموارد الذاتية، في مواجهة الضغوط الخارجية وفرضياتها.

الجمهورية الجديدة
وسردية "الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي"
هناك سردية كبرى مركزية تكاد تكون وحيدة، تصلح لمواجهة كافة تحديات الأمن القومي المصري والعربي الراهنة، وهي التصالح مع مشروع الثورات العربية، وإبعاد من ينادون بـ"القطيعة والصدام" معها، واعتماد الثورات العربية وثورة 25 يناير كـ"إضافة ناعمة ومصدر قوة للأمن القومي" المصري.
هذه السردية ستتطلب ببساطة؛ وجود "القوة النفسية" لتجاوز عداوات الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو، وستتطلب "القوة القيمية" للتخلي عن مميزات "الدمج والتسكين" المركزية التي تمنح لمنتسبي المؤسسة العسكرية، وستقوم على فلسفة "الثورة القيمية" و"الفرز الطبيعي" لأفضل عناصر المجتمع المصري، وتَشكلْ "كتلة جامعة" تؤمن بطيعتها بالدفاع عن "مستودع هوية" هذا الوطن.
عبر هذه السردية عن "الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي" المصري، يمكن ضبط كافة سياسات الأمن القومي المصري لتواجه التحديات والتناقضات الجديدة التي تفجرت بشدة، وأعتقد أنه على من طرحوا شعار الجمهورية الجديدة للبلاد، أن يعوا بأهمية التصالح مع مشروع الثورات العربية، وما يحمله من قوة ناعمة هائلة للذات العربية والمصرية، قادرة على حل معظم المشكلات الراهنة التي تواجه الأمن القومي المصري والعربي.
فلا جمهورية جديدة دون تجاوز للاستقطابات الداخلية، وتجاوز الدور التاريخي للقلب العسكري في دولة "ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال نتاج القرن الماضي، وتفعيل "الفرز الطبيعي" لا "الفرز حسب الولاء".
ولابد من العمل وتفعيل كافة قدرات الشعب المصري لاستعادة "القيم المشتركة" المؤسسة والرافعة لـ"الشخصية المصرية" والعربية، في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد لذلك.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا