حركة النّهضة، وخدعة -الكتلة التّاريخية-.

عزالدين بوغانمي
2021 / 4 / 14

أُتابع أخبار زيارة الرّئيس لِمصر. وفي نفس الوقت أُتابع تطوّر فكرة "الكتلة التاريخية" عند السيد نورالدين البحيري وشركائه. وكيف يتنقل بين اقتناعه ب"الحاكمية" عند المودودي، وبين الاعتقاد في صحّة نظرية "الكتلة التاريخية" عند أنطونيو غرامشي، التي تعتبر جزءّ من الفهم المادّي للتاريخ. ويبدو أنّ هذا البلعوط لا يخجل من ادّعاء تبنّي آراء الماركسية حول التُغيير، وآراء أيِمّة السُنّة والجماعة بنفس الوقت. فرياضة "ركوب العِجل" التي دأب على ممارستها، أفقدته عُذريّته الأخلاقية نهائيًا.

باختصار، زيارة الرّئيس إلى الشّقيقة مصر، أصابت التكتّل الرّجعي بقروح بالغة في المُخّ، سبّبت لهم نوعًا من الكَلَب اللّفظي والهذيان والصُّراخ.
من هؤلاء، عددٌ لا يُحصى من النّهضاويين اليائسين، ومن أنصارهم من أصحاب الدّكاكين المُعارضة المقفرة، والرّاسخين في اللّعب على الحبال، وزُوّار السّفارات الأجنبية، وبقيّة أوباش الرّجعية، من أبناء الصُّدف، وحُرّاسٍ الغُزاة، ورُعاة الكِلاب، وسُقاة أسيادهم، ومُلتقطي أرذل الفُتات، والشاربين من سطل البعير ، وذوي الأرواح الهشّة والنّظر الرّكيك واللّسان المعطوب... وحول هؤلاء طوائف شتّى من المرابيط مع البهائمِ، المملوءة عُقُولهم بشوك ورَوْث وزرازم وذباب. ويتقدّم هذه الرّهوط، ذوو الضمائر الموحشة الأشبه بقبور ملعونة ... هؤلاء جميعًا، هكذا فجأة صاروا شيوعيين دُفعة واحدة! عجبي !!!
كلّ الكناطريّة والعُملاء صاروا يتحدّثون ب"الكتلة التّاريخية"!. الجميع: "هزّ الكتلة التاريخية، حُطّ الكتلة التاريخية".
قال شنوّ؟ النهضة وحلفاؤها يمثلون كتلة الثورة والتغيير، وبقية المشهد شُعبويّة وثورة مضادّة.

أوّلا، منذ متى غَدَوْتُم تُفسّرون الظّواهر بالمفهوم الطّبقي الماركسي؟
وهل تقصدون "الكُتلة التّاريخيّة" بقيادة الذين خرّبوا البلاد وأطلقوا الرّصاص على شكري والبراهمي؟

أيُّها الأشقياء، أنتم مأجورون، ورهن استخدام من يدفع. لا أكثر ولا أقلّ. ولهذا لابدّ من توضيح معنى "الكتلة التاريخية"، ووضع الأمور في نِصابها، اعتراضًا على التحيّل اللّغوي وتشويه المفردات والمفاهيم.

"الكتلة التاريخية" بالمعنى الغرامشي ليست "حَضْبة لصوص" اتّفقوا على اقتسام السلطة والمنافع، مقابل تجويع شعبهم. بل هذا مفهوم ثقافي يشكّل ركيزة أساسية في فلسفة التّغيير الحقيقي الذي يؤمِّن الرّفاه والأمن لأغلبية السكّان. وهو ممارسة ثقافية وُلِدت ضمن سياق رفض تراكمي للثقافة الفاشية المُهيمنة. وله علاقة بمضامين مفاهيم غرامشي الأخرى: ك"المثقف العضوي"، و"المجتمع المدني"، و"الهيمنة الثقافية المضادة"، و"دور البراكسيس"...الخ

يعني "الكتلة التاريخية" مفهوم وُلد في لحظة تاريخية تميزت بصعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، وانسداد آفاق البديل الطبقي الثوري بالمصطلح الماركسي. وبهذا المعنى، لا يجوز استيراد هذا المفهوم وتسويقه بشكل سافل وبالغ القُبح، لتسويغ الانخراط في تحالفات كريهة مع أطراف متورطة في تأسيس نظام لصوصي مُندمج بالإرهاب والتهريب، وتحمل رؤية مُضادّة لفكرة الدولة الحديثة ذاتها.

بالمختصر المُفيد، الكتلة التاريخية ليس مفهوما سياسيا في الأصل. بل هو سياق ثقافي قائم على تأسيس "الهيمنة الثقافية المضادة". فغرامشي كفيلسوف ماركسي، اهتم بمفهوم ثقافي فريد في ممارسة السياسة من منطلقات تقدمية تغييرية، ألا وهو "المثقف العضوي" ودوره في تحرير وعي الأكثرية المجتمعية. ومن هنا خَلُص غرامشي إلى مفهوم "الكتلة التاريخية" الأوسع من البروليتاريا عند كارل ماركس. وعلى خلاف التّسطيح الوسخ المُتهافت هذه الأيام في تونس، إعدادًا لِقيام تكتّل إجرامي ضدّ الشعب وضد رئيس الجمهورية، فإنّ "الكتلة التاريخية" ليست تجمّع أحزاب، بل هي الأغلبية الاجتماعية، حين تصبح واعية ولها أهداف واضحة، تتعلق بالتحرر من الهيمنة السياسية والاقتصادية والفكرية للدّواعش (مُعادل الفاشية في إيطاليا بين الحربين)، وتتعلق كذلك بإقامة رابطة وطنية حقيقية قائمة على حسم الإجماع الداخلي حول مستقبل الوطن وأجياله القادمة، وحول موقعنا في هذا العالم، وفي هذا العصر. والقطع مع التطرّف والغلُوّ وثقافة العنف والوصاية.

من جهة أخرى، يميّز غرامشي بوضوح لا لَبْسَ فيه، بين المجتمع المدني المستقل عن الحكومة، والذي هو العمود الفقري للكتلة التاريخية، وبين المجتمع السياسي الذي يضم الحكومة والقوات المسلحة والشرطة والمؤسسات التشريعية والقضائية. ولقد كان حريصا على هذا التّمييز لأن مقولة الهيمنة الثقافية عنده، تعني أن الرجعية لا تهيمن على المجتمع بامتلاكها لمقدّراته وإدارته والتحكم بمؤسسات الدولة وحسب. وإنما عن طريق فرض تصوراتها وأفكارها على المجتمع، إلى الحد الذي تستدرج السكّان، عبر وسائلها الإيديولوجية والإعلامية والتربوية، لِيتبنّوا تصوّراتها وأفكارها، والتي تغدو كما لو أنها أفكار المجتمع، لا أفكار الرجعية. بحيث ينشأ جمهور معتوه مسلوب الإرادة يعتقدُ أنّ جوعه نوعٌ من التضحية والفضيلة في طريق الخلاص. وهنا بالضبط يكمن الفارق بين "مثقف السلطة" المنفصل عن هموم غالبية السكان، والذي يسترزق بترويج أكاذيب الطبقات الرجعية وضروب تلاعُبها بمشاعر الناس ومعتقداتهم. وبين "المثقف العضوي"، الحرّ المرتبط عضويا بقضايا الناس الحقيقية، وهموم الأمّة، فيعبّر عن مصالحها وآمالها، ويصوغ وعيها.

أخيرًا، الكتلة التاريخية مخاض حرج معقد التّركيب. ومسار ترسيخ ثقافة ديمقراطية تنويرية تشاركية للتغيير. وليست عنوانا ايديولوجيا مُعلّبًا، ولا مجرد إحياء لائتلافات حزبيّة ميّتة، عِمادُها الاستعمار في الخارج والكناطرية في الداخل. إنها تفكيك هيمنة ثقافة اللّصوص القائمة على ثنائية الخوف والخداع، وبناء هيمنة الثقافة المواطنية المضادة بتكويناتها الوطنية والأخلاقية. يعني إذا ولدت كتلة تاريخية ذات يوم في تونس، فستكون أولى مُهمّاتها تفكيك هذه الكتلة اليمينية الكومبرادورية المهيمنة على الدولة والمُمعنة في تحطيم مسقبل أجيال تونس القادمة.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا