موقفنا من الاستقلال.

عزالدين بوغانمي
2021 / 4 / 14

في حوار مع أحد الأصدقاء بمناسبة ذكرى 20 مارس، لاحظت بعض الغموض والتّلعثم والانسياق في ما روِّجته بعض القوى اليسارية العدمية في السّابق. وما تُروّجه قوى الإسلام السياسي من أفكار معادية للوطنية التونسية منذ 2011. فرأيت أهميّة التّذكير ببعض الحقائق حول هذا الموضوع، وتصويب الخلل الفكري في علاقة بالاستقلال.

الاستقلال في آواخر الخمسينات بداية الستينات كان محل خلاف وصراع دموي بين مؤيّدي الاستقلال على اعتبار اتفاقية غُرّة جوان 1955" خطوة إلى الأمام"، وبين الرافضين لتلك الاتفاقية على اعتبارها "خطوة إلى الوراء، وضرب لمحتوى الاستقلال". ولقد استمرّ موقف الطّرفين ثابتًا حتى بعد 20 مارس 1956، وتوارثت الأجيال اللاحقة هذا الخلاف إلى يوم الناس هذا. واستغلّت القوى الدينية المتطرّفة هذا الخلاف، واستثمرت فيه إلى أقصى الحدود بهدف الهجوم على الدولة.
فهل كان للمشككين في الاستقلال آنذاك مبرراتهم؟ وهل كانوا على حقّ؟

الجواب حسب رأيي، نعم.
أولا، لأنّ تونس استقلت، في ظلّ تمسك فرنسا بالجزائر، بل في مقابل تفرغ عسكر فرنيا للاستفراد بالجزائر. والواقع أن لا معنى لاستقلال تونس في ظل استمرار الوجود الفرنسي على حدودها. ولقد كان هنالك رأي مطروح في مكتب المغرب العربي منذ تأسيسه بالقاهرة، يؤكّد على وحدة المسارات والاستقلال الشامل.

وثانيًا، لأنّ الاستقلال تمّ توقيعه في باريس يوم 20 مارس 1956، والحال أن القواعد العسكرية الفرنسية ظلّت متواجدة في بنزرت وفي رمادة لسنوات بعد ذلك التاريخ. وهنالك عدة أمور أخرى في علاقة بالإدارة والأمن وبسط السيادة على الحدود، تعكسُ جمبعها هشاشة الاستقلال، وتُبرّر التّشكيك الذي بلغ الحديث عن "صفقة" بين الحبيب بورقيبة والإدارة الاستعمارية.
فهل مازال هنالك ما يُسوّغُ التّشكيك في الاستقلال بعد الستينات؟

في رأيي، لا. لأنّ هنالك أحداث كبرى جرت بعد 20 مارس 1956، استكملت الاستقلال. إذ كانت معركة رمادة عام 1958 لإنهاء التواجد العسكري في الجنوب. ثم كانت معركة الجلاء في بنزرت عام 1961. وكان هنالك استقلال الجزائر عام 1962. وأخيرا جاء قرار الدولة بالجلاء الزراعي يوم 12 ماي من عام 1964 ...

كل هذه الأحداث الكبرى، أحدثت تصحيحًا لِلمضمون الوطني للاستقلال. ولم يعد بالإمكان التشكيك فيه. وما عاد هنالك ما يُبرّر الاختلاف حوله. وإنما الخلاف متواصل إلى اليوم حول الهيمنة الاستعمارية. وموضوع الهيمنة هذا موضوع طويل، ولا تكاد توجد دولة واحدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية غير مهيمن عليها من القوى العظمى. فحتى أروبا تم تقسيمها بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية. بحيث بات جزؤها الشرقي تحت الوصاية السّوفياتية ضمن حلف فرسوفبا. وجزؤها الغربي تحت الوصاية الأمريكية من خلال مشروع مارشال، وضمن الحلف الأطلسي.
بمعنى أن هيمنة الامبريالية العالمية على بلدان الجنوب بصفة عامة، لا تعني أن تونس ليست مستقلّة. فحتى من الناحية الرمزية انتهى الاستقلال الى جزء من العقيدة الوطنية التونسية، وقيمة من قيم وجود الشعب والدولة. وعدم الاعتراف به هو ضرب من التّيه والفوضى العقلية.

ثالثا، ومن وجهة النظر التاريخية، الاستقلال ليس نظام الحكم. ولا هو من صنع بورقيبة لوحده، أو من صنع جيل الحركة الوطنية الذي أمضى الاتفاقية، وشكّل الطبقة الحاكمة بعد 1956. بل علينا أن نفهم أنّ الاستقلال جاء ثمرة كفاح أجيال على امتداد خمسة وسبعين عاما. فالمحتلّ الفرنسي لم يهنأ في تونس. ولم تستقر له الأوضاع. ولم يتمّ الاعتراف به على الإطلاق. ولقد استطاع السيطرة على أجدادنا باستخدام البطش والقتل والترويع لأنه لم يحظ بالولاء أبدا.
بدأت معركة الاستقلال بالمقاومة المسلحة للغزو في الشمال والوطن القبلي والساحل سنة 1881. وبدأت بثورة العروش التي قادها علي بن خليفة النفّاتي في نفس الفترة، والتي امتدت مساحة معاركها من القصرين والقيروان إلى قابس مرورا بمعركة صفاقس. واستمرّت معركة الاستقلال في ثورة تالة والقصرين سنة 1905. ثم ثورة 1915 بتطاوين. وبعد ذلك أحداث 9 أفريل 1938 التاريخية. وتلتها ثورة المرازيق سنة 1944، وصولا إلى ثورة 18 جانفي 1952 وانطلاق الكفاح المسلّح الذي أجبر الفرنسيين على الجلوس من جديد الى طاولة المفاوضات، والتسليم بالاستقلال. وفي هذه المسيرة الطويلة، هنالك آلاف الأبطال، وآلاف الشهداء الذين سقطوا في معارك المقاومة المحلية المتفرّقة هنا وهناك.
بحيث كل هذه المعارك الطاحنة وهذه الدماء والتّضحيات، كان الاستقلال ثمرتها الأخيرة. ولا يمكن بأيّة حال من الأحوال أن نظلّ في حالة تنكُّر وإنكار لكلّ هذه الملاحم المعمّدة بدماء أسلافنا، بناءً على مواقف ايديولوجية تافهة موجودة في كتب أجنبية، لا علاقة لها بتاريخ تونس.

من هذا المنطلق، يجب أن ننتبه جيّدا إلى التّشكيك في الاستقلال الصادر عن قوى معادية للدّولة الحديثة، وحاملة للواء الخلافة، وتسعى لضرب الأساس الذي بُنيت عليه الدولة، ألا وهو الحركة الوطنية والاستقلال. ولا يجوز للقوى الوطنية أن تتورّط في هذا الخيار، لتجد نفسها في خندق واحد مع القوى الظلامية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية