ألاغنية التي قتلت بيلي هوليداي يكشفها فيلم-الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي-

علي المسعود
2021 / 4 / 14

‘The United States vs. Billie Holiday’

علي المسعود

في جميع أنحاء العالم ، وعلى مرّ الازمنة كانت هناك أعمال عدوانية وأثمان يدفعها أصحاب الراي المعارض الذين لديهم الشجاعة الكافية للوقوف على خشبة مسرح الحياة وقول ما في قلوبهم وطرح افكارهم وأرائهم ، قاموا بسجن نيلسون مانديلا ، واغتالوا مارتن لوثر كينج ، وتروتسكي- إخترق رأسه الفأس، ، أما في حالة مطربة الجاز "بيلي هوليداي" ، قاموا رجال الـ"إف بي أي" بملاحقتها لإصرارها على غناء إحدى القصائد العظيمة التي تحولت إلى أغاني القرن العشرين - فاكهة غريبة، بيلي هوليداي والتي شكلت حياتها مصدر الهام سينمائي وادبي، وصورت حياتها في فيلم بعنوان "ليدي تغني البلوز" عن كتاب للصحافي وليام دوفي نشر في العام 1957 وادت دور البطولة فيه المغنية ديانا روس ونالت عنه جائزة اوسكار . وفي الآونة الأخيرة نشر كتابان عنها، احدهما بعنوان "فيفر سان جور اون آن" (عيش مئة يوم في يوم) للكاتب فيليب بروسار يروي تفاصيل مئة يوم امضتها المغنية في جولة اوروبية انهتها في تشرين الثاني من العام 1958 قبل وفاتها بسنة واحدة، وكتاب آخر بعنوان "بيلي هوليداي، شخصية نجمة من خلال المقربين منها ". تُعتبر بيلي هوليداي واحدة من أعظم مغنيات الجاز على الإطلاق، ويتذكرها كثيرون لصوتها المعبّر بالإضافة إلى تاريخها من إدمان المخدرات والكحول، ووفاتها المبكرة عن عمر يناهز 44 عاما ،ً إذ تميزت بأنغامها وصوتها الحنون ومهارتها الارتجالية وقدرتها على الإبداع الموسيقي. وما زالت تعتبر مصدر إلهام لموسيقيي الجاز، وتتمتع بشعبية عالية بين عشاقه. ولدت ولدت بيلي هوليدي- اسمها الاصلي "إليانورا فاجان" في 7 أبريل من عام 1915 في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، بعد علاقة غير شرعية بين فنان أميركي وخادمة بعمر الـ16 عاماً. تبرأ منها والدها ولم يعترف بها، فعاشت مع والدتها التي لم تستطع تحمّل مسؤوليتها فتركتها هي الأخرى عند شقيقتها (خالة إليانورا) في مدينة بالتيمور، وبالرغم من محاولة الخالة الاعتناء بها والحرص على تعليمها، لم تكن إليانورا تحب المدرسة، وهربت منها مرات عديدة ما دفع الجهات المسؤولة لنقلها إلى مدرسة إصلاحية كاثوليكية للإشراف على توجيه وتحسين سلوكها في 5 يناير عام 1925. في سن الـ10 من عمرها تعرضت إليانورا لاعتداء جنسي من قبل أحد الأشخاص، فأرسلتها السلطات إلى والدتها التي كانت تقيم في نيويورك آنذاك وأجبروها بتربية ابنتها، ونتيجة فقر الحال الذي كان يحيق بالزنوج من جراء التعامل العنصري وعدم السماح للكثيرين منهم بالعمل ضمن مجالات العمل المتاحة ، راحت والدتها تعمل في مجال الدعارة واصطحبت ابنتها للعمل معها في ذلك المجال السيئ وهي لم تتجاوز آنذاك الـ14 من عمرها ، بعد مدة قصيرة تم القبض على والدة إليانورا ومحاكمتها وإطلاق سراح الفتاة لصغر سنها ولجهلها بما كانت تفعله. بعد ذلك قررت الفتاة العيش بمفردها والعمل بالغناء في نواد ليلية رخيصة وفي ذلك الحين، غيّرت إليانورا اسمها إلى "بيلي هوليداي" في محاولة لنسيان حياتها السابقة والمضيّ قدماً في حياة جديدة . وأخذت اسمها المستعار من الممثلة بيلي دوف التي كانت من المعجبين بها ووالدها الموسيقي كلارنس هوليداي . تفوقت بأنغامها المميزة وصوتها الحنون وقدرتها على إبداع الموسيقى من أي شيء، كل هذا جعلها مغنية جاز مشهورة جدًا في وقتها. في خمسينات القرن الماضي أصبحت بيلي معجزة موسيقية وأثارت ضجة كبيرة في عالم موسيقى الجاز، ولا تزال تُذكر بسبب نمطها الغنائي وتألقها الإبداعي وحيويتها في موسيقى الجاز، أعمالها الفنية المميزة كانت ولا تزال تحظى بشعبية كبيرة لدى عشاق الجاز، حيث كان لديها مسيرة فنية مزدهرة لسنوات طويلة حتى استسلمت للإدمان على المخدرات. قصة بيلي، في معظم أجزائها تتطابق مع قصة حياة المغنية الفرنسية الشهيرة "إديث بياف"، وخصوصاً في عملها مع والدتها ثم الغناء في النوادي الرخيصة، بالإضافة أيضاً إلى اكتشافها من قبل أحد المنتجين وتبنيه لها، فكما اكتشف "لويس ليبلي" صاحب أحد الملاهي الشهيرة في باريس، إديث بياف، كذلك حصل الأمر مع بيلي هوليداي. فعندما بلغت بيلي الـ17 من عمرها، استمع إليها المنتج "جون هاموند" وذهل بقوة صوتها وأدائها، وقال عنها آنذاك: "كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها فتاة بهذا السن، تغني وكأنها أكبر فنانات الجاز . عُرفت بيلي بصوتِها المعبر والحزين في بعض الأحيان، وقامت بتسجيلِ بعض الأغنيات مع عازف البيانو تيدي ويلسون وبعض العازفين الآخرين في عام 1935، ومن بين تلك التسجيلات «ماذا يمكن أن يفعل ضوءُ قمرٍ صغير»، «الآنسة براون لك». وفي نفس العام ظهرتْ بيلي مع دوك إلينجتون في فيلم (سيمفونية بالأسود ) ، في ذلك الوقت التقت بيلي مع ليستر يونج عازف الساكسفون وأصبحا صديقين، وكان ليستر عضواً في أوركسترا باسي لسنوات. وقد عاش ليستر مع بيلي ووالدتها سادي بعض الوقت. ومنح (يونج) هوليداي لقب "ليدي داي" في عام 1937، وهو نفس العام الذي انضمت فيه إلى فرقة باسي الموسيقية. في نفس العام، 1937، قامت هوليداي بجولةٍ فنية مع فرقة باسي ، وفي العام التالي عمِلتْ مع آرتي شاو وفرقته الموسيقية، حيث فتحت لنفسها آفاقاً فنية جديدة مع شاو وفرقته وأصبحت أول مطربة أمريكية من أصول أفريقية تعمل مع فرقةٍ بيضاء. وأدى هذا إلى اعتراض متعهدي الحفلات عليها بسببِ أصولها الأفريقية وأيضاً بسببِ أسلوبها الغنائي وأدائها الصوتي غير المألوف في ذلك الحين، كل هذا سبّب لها الإحباط ومن ثم تركَتْ الفرقة ، وعلى إثر ذلك اعتمدتْ بيلي هوليداي على نفسِها وقامت بالغناء في كافيهات نيويورك الشهيرة، وقامت خلال تلك الفترة بتطوير بعض المقوِّمات والصفاتِ الشخصية التي أصبحتْ فيما بعد ماركة مسجلة باسمها في عالم الغناء، ومن ذلك وضع زهرة الجاردينيا في شعرِها وإمالةِ رأسها للخلف عند الغناء . خلال تلك الفترة أطلقت هوليداي اثنتان من أشهر أغنياتها «فليبارك الله الطفل» و«فاكهة غريبة». ولكن شركة «كولومبيا» التي كانت تنتج لها أغانيها في ذلك الوقت، أعرضت عن أغنية «فاكهة غريبة» التي غنَّتها هوليداي عام 1939، تعرض الأغنية لموضوع الإعدام خارج القانون الّذي كان ممارسةً شائعةً في تلك الفترة، وتصوِّر كيف حوّل العنصريون البيض الأشجارَ إلى مشانق تتدلّى منها "فاكهة غريبة" ليست سوى أجساد السود المعدَمين . إذ كانت الأغنية تحمل كلمات مؤثرة وقوية عن إعدام السود العشوائي (دون محاكمة) والذي كان يتم في ولايات الجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك ، إذ اعتاد البيض إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق ذوي البشرة السمراء بأنفسهم وبمعزل عن النظام الرسمي للدولة، لذا فقد قامت بيلي هوليداي بتسجيل تلك الأغنية مع شركة (كومودور). وقد أصبحت تلك الأغنية إحدى العلاماتِ المميِّزة لبيلي هوليداي، وقد ساعد الجدلُ الذي أُثير حولها، والذي أدى إلى قيام بعض محطات الراديو بمنع إذاعتها على انتشارها الواسع الى إنتشار الاغنية . الأغنية صُنِّفَت كإحدى أغنيات القرن العشرين ، كما أنها اختيرت ضمن مائة أغنية غيَّرتْ العالم وفق مجلة (تايم أوت) البريطانية ، تبدأ الأغنية التي كتبها أبيل ميروبول تحت اسمه المستعار المهني "لويس ألان ": " الأشجار الجنوبية ، تحمل فاكهة غريبة / دماء على الأوراق ، ودماء في الجذر / أجساد سوداء تتأرجح في النسيم الجنوبي / فاكهة غريبة معلقة من أشجار الحور". كانت كلمات الأغنية صادمةً، ومعبرةً بقوة عن أدبياتِ ذلك العصر، شجاعة وحزينة في آن واحدِ، ونطقتْ ببساطة وبشكل مباشرٍ بآلام المجتمعِ الأسود الذي كان يعاني مراراتٍ عدة في ذك الحين . أما اللحنُ فجاء جنائزياً مليئاً بلحظات صمت كتلك التي تتخلل حفلات التأبين ، أو لحظات الدفن . الأغنيةُ تستحق أن تكون علامةً فارقة في تاريخ بيلي هوليداي، وفي تاريخ الأمة الأمريكية ، رغم أهمية الأغنية في تاريخ أمريكا، لم يغنها الكثير لسببين، الأول لأنها مؤلمة جدا والثاني لأن أداء بيلي هوليداي كان رائعا فلم يجرؤ الكثير عليها ا, الاقتراب منها. تم إدخال تسجيل هوليداي عام 1939 في قاعة مشاهير جرامي عام 1978 واختارته مكتبة الكونغرس لحفظه في السجل الوطني للتسجيلات في عام 2002 ، لكن في يومها ، كانت أغنية احتجاجية تعترض على إساءة معاملة السود ، غُنيت بعد عامين من رفض الكونجرس تمرير مشروع قانون كان من شأنه أن يجعل الإعدام خارج نطاق القانون جريمة فيدرالية ، لم يكن ذلك من النوع الفني الذي يمكن أن تفرضه حكومة الولايات المتحدة . أمرت هوليداي من قبل رجال المخابرات والحكومة الامريكية بالتوقف عن أداء الأغنية. لكنها رفضت على الرغم من تحذيرها (من قبل أشخاص داخل دائرتها ، وكذلك من قبل سلطات إنفاذ القانون) . وعلى الرغم من المشكلات التي كانت تعصف بحياتِها الشخصية احتفظتْ هوليداي بمكانتها كنجمة في عالم الجاز، وفي عالم الموسيقى بشكل عام .في عام 1947 ظهرت مع معشوقِها لويس أرمسترونج في فيلم «نيو أورليانز» ولعبتْ فيه دور خادمة. وللأسف فقد تسبب إدمانُها للمخدرات في تراجع مسيرتها الفنية خلال هذا العام؛ فقد قُبض عليها وأُدينت بتهمة حيازة مخدرات في عام 1947، حيث حُكم عليها بالسجن لمدة عام ويوم واحد وأودِعتْ إحدى دور إعادةِ التأهيل الفيدرالية في ألديرستون، فرجينيا الجنوبية . بعد إطلاق سراحِها في العام التالي، واجهت هوليداي تحدياً جديداً، فبسبب كونها مدانةً في جريمة لم تستطعْ الحصول على ترخيص مزاولةِ العمل في الكباريهات والنوادي الليلية. ولكنها رغم ذلك استمرت في الغناء في المسارح وقدمتْ عرضاً غنائياً في قاعة كارنيجي بيعت كل تذاكره، وكان هذا بعد إطلاق سراحِها بوقت قصير. ثم تمكنْت بعد ذلك بمساعدةٍ من جون ليفي صاحب أحد النوادي الليلية في نيويورك من الغناء في ملهى نيويورك للسود . وفي نهايةِ الأربعينات أصبح ليفي حبيبَها ومدير أعمالها، لينضم بذلك إلى قائمةِ الرجال الذين استغلوها وصعدوا على أكتافِها. في تلك الفترة تم القبضُ عليها ثانيةً بتهمة حيازة المخدرات، ولكنها لحسن الحظ بُرِّئت من التهمة . عنوان الفيلم الجديد ( الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي) مستمد الفيلم من كتاب مطاردة الصرخة: الأيام الأولى والأخيرة من الحرب على المخدرات هو كتاب للكاتب والصحفي الإنجليزي "يوهان هاري" ، نُشر الكتاب في آنٍ واحد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في يناير 2015 ، أما السيناريو كتبته الكاتبة المسرحية الحائزة على جائزة بوليتزر سوزان لوري باركس (مواليد 10 مايو 1963) وهي كاتبة مسرحية وكاتبة سيناريو وموسيقية وروائية أمريكية. فازت مسرحيتها ، بجائزة بوليتزر للدراما في عام 2002 ، كانت باركس أول امرأة أمريكية من أصل أفريقي تحصل على جائزة الدراما واخرج الفيلم المخرج "لي دانيلز". يبدأ الفيلم في عام 1957 وقبل عامين من وفاة بيلي هوليداي وفي جلسة لإجراء مقابلة مدفوعة الأجر مع صحفية تدعى "ريجنالد لورد ديفين" و (تلعب دورها ليزلي جوردان) التي تطرح أسئلة مستفزة مثل "ما هو شعورك أن تكون امرأة ملونة؟ ، مما تعيدها إلى عام 1947 بطريقة الفلاشك والفكرة السائدة لكاتبة السيناريو باركس( التي تلاعبت بالعديد من الحقائق الرئيسية). يستخدم المخرج (لي دانيلز) مقابلة عام 1957 مع الصحفية الإذاعية ريجينالد لورد ديفاين (ليزلي جوردان) ، كنقطة دخول إلى قصة المغنية السوداء ، عكست مغنية الجاز بيلي هوليداي (أندرا داي) حياتها ، ومسيرتها الموسيقية ، وإدمان المخدرات ، والعلاقات ، ومحاولات مكتب التحقيقات الفيدرالي لإسقاطها بسبب قصتها المعادية للإعدام خارج نطاق القانون . فاكهة غريبة".يتناول فيلم "الولايات المتّحدة ضد بيلي هوليداي" قصّة الحرب الّتي شنّتها وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة على أغنية "الفاكهة الغريبة"، وهو من إخراج "لي دانييلز" وبطولة "أندرا داي" ، تدور أحداث فيلم (الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي) في أربعينيات القرن الماضي، و يسلط الفيلم الضوء على استهداف مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) لبيلي من أجل منعها من أداء أغنية (ثمار غريبة) المحرضة والتي تناولت ظاهرة شنق الحركات العنصرية آنذاك للسود على الأشجار، كعقاب لهم على جرائم وهمية أو كرياضة ترفيهية. تلك الأغنية كتبها مؤلف أغان يهودي شيوعي يدعى آبيل ميروبول، والذي نشرها تحت اسم مستعار و مستلهماً إياها من صورة لرجلين أسودين مشنوقين عام 1930 بينما يرقص حولهم الرجال البيض. وعندما تقرأ بيلي كلماتها عام 1939 تقرر أن تقوم بأدائها في (كافي سوسيتي) في نيويورك التي كانت آنذاك الحانة الوحيدة المختلطة الأعراق وسرعان ما ذاعت شهرة هوليداي بالأغنية ، فصار يطالبها الجمهور بغنائها أينما ذهبت، ما أثار مخاوف مدير «أف بي آي» حينها جي ايدغار هوفر فقرر إسكاتها خوفاً من إشعال غضب السود وتمردهم على الحكومة، ودعمهم لحركة الحقوق المدنية الجديدة، التي صارت تستخدم الأغنية لتسليط الضوء على جرائم البيض ضد أبناء شعبهم ، عرفت الأغنية انتشاراً هائلًا وباتت النّشيد الرّسميّ لحركة المطالبة بحقوق السّود، ولكنّها في الآن نفسه كانت عنواناً لمأساة صاحبتها، فقد سبّبت حرباً شرسة شنّتها عليها الأجهزة الحكوميّة المركزيّة الأميركيّة، وسجنتها لعام ويوم بتهمة تعاطي المخدّرات، ولم تتوقّف الحملة عليها حتى لحظة وفاتها وهي في الـ44 من عمرها حين اعتُقلت وهي تُحتضر . توفيت"بيلي هوليداي" في 17 يوليو 1959 عن عمر يناهز 44 عامًا من مضاعفات تليف الكبد. وبينما كانت تموت في سرير في الجناح العام لمستشفى متروبوليتان في نيويورك ، بعد أن تم إبعادها من مستشفى نيكربوكر في مانهاتن لكونها من مستخدمي المخدرات المعروفين ، ماتت وهي مقيدة على سرير المرض وهي تحتضر على سرير المرض في المستشفى ، لذلك تم وضعها تحت مراقبة للشرطة خارج غرفتها في المستشفى ، وهي إهانة أخيرة بعد 20 عامًا من مراقبة السلطات لها وهوالجانب السلبي من كل هذا هو مدى الحزن والاكتئاب رواية قصة بيلي. عاشت "هوليداي" حياة صعبة منذ الطفولة المبكرة وعانت من إلادمان والعديد من دوافع التدمير الذاتي لمعظم حياتها المهنية. من المؤلم سماع معاركها المهينة مع المؤسسات العنصرية والتعصب الأعمى اليومي العادي ، ملائم تماماً لسيرة حياة المطربة الأميركية الأفريقية بيلي هوليداي (تلعب شخصيتها بإتقان الإنكليزية آندرا داي – جائزة أفضل ممثلة عن الدور من الغولدن غلوب)، التي بهرت النقاد كما الجمهور بصوتها العذب، لكنها كانت هدفاً على الدوام لدوريات مكافحة المخدرات في "الأف بي آي"، يداهمون منزلها، المسارح حيث تحيي حفلاتها ويتعمدون الإساءة إليها أمام الجمهور، فيما هي ليس عندها سوى الشتائم واتهام الشرطة بالإساءة إليها للون بشرتها وشهرتها الكاسحة، متعاونين مع مخبر ملون يدعى جيمي فليتشر (تريفانتي رودس) ، الذي دأب على تزويدهم بتفاصيل حياتها، وعندما لاحظ أن المضايقات والإهانات لا تستند إلى وقائع تدينها انقلب ضد سلطة "الأف بي آي" وحاول تجنيبها الأذى على الدوام . اعتمد الشريط الذي أخرجه أميركي من ذوي البشرة السمراء لي دانيالز على السرد العفوي بحيث تأتي كل التطورات عادية لكنها مفاجئة ويحكي قصة الضجة التي فجرتها هوليداي عندما غنت أغنية "سترينغ فروت"، وهي أغنية احتجاجية حول إعدام السود. وأمرت السلطات الحكومية هوليداي آنذاك بالتوقف عن غناء الأغنية، لكن عندما رفضت، استهدفها مكتب التحقيقات الاتحادي في إطار حملة على تعاطي المخدرات، وفقاً للفيلم .الشريط صوّر في مونتريال – كندا ، ويركز الشريط على السلوك القاسي والوحشي لمسؤول مكتب المكافحة في الخمسينات "هاري آيسلنغر" وكيف أنه حين تقاعده كمفوض للمكتب الفدرالي لمكافحة المخدرات حظي بتكريم خاص من الرئيس السابق جون كينيدي ويعرض الفيلم لقطة لتكريم الشخصية الحقيقية تأكيداً على صحة المعلومة التي يوردها. كانت إدانة هوليداي في عام 1947 ، عندما حُكم عليها بالسجن لمدة عام ويوم بتهمة حيازة المخدرات ، مجرد فصل واحد في حملة متواصلة ضد المغنية ، التي أصبحت أدائها لأغنية آبل ميروبول الغاضبة والمناهضة للإعدام خارج إطار القانون. الوعي الحقوق المدنية والنشاط . ربما كان رفض هوليداي الثابت للتوقف عن غناء تلك الأغنية هو أعظم مؤشر على روحها التي لا تقهر . قدَّمت هوليداي آخر حفلاتِها الغنائية في 25 مايو 1959 في نيويورك. وبعد ذلك بفترة قصيرة أُدخلت المستشفى بسبب مشكلاتٍ في القلب والكبد، وعلى ضوء ذلك، أرسل هاري آنسلينجر بعض عناصره ليمنعوا أقارب وأصدقاء بيلي من زيارتها داخل المشفى، بالإضافة إلى إيقاف العلاج عنها ووضعها داخل غرفة معزولة وسيئة في المشفى، ما أسفر في النهاية عن موتها . وفي السابع عشر من يوليو 1959 توفيت بيلي هوليداي ، وكانت وفاتها أحد أهم أسباب ثورة السود ضد الأنظمة العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، وتم اعتبارها رمزاً من رموز حركة الحقوق المدنية الأميركية- الأفريقية، وأسطورة لموسيقا الجاز التي أبدع فيها المغنون السود، قبل بيلي وبعدها ، شهدت جنازة بيلي هوليداي حوالي 3000 شخص حضروا لتوديع (ليدي داي)، وقد أقيمت الجنازةُ في كنيسة القديس بول الكاثوليكية في 21 يوليو 1959. وحضر الجنازة َكل مشاهير عالم الجاز بمن فيهم بيني جودمان، وجين كروبا، وتوني سكوت، وبادي روجرز، وجون هاموند . أقيمت جنازة العيد في 21 يوليو 1959 في كنيسة القديس بولس الرسول الرومانية الكاثوليكية في نيويورك. وحضر آلاف الأشخاص ، وقال القس يوجين كالندر في تأبينه لهاري قوله للمشيعين ، "لا ينبغي أن نكون هنا. هذه الشابة موهوبة من قبل خالقها بموهبة هائلة. كان ينبغي أن تعيش حتى 80 عامًا على الأقل ". كواحدة من أهم وأشهر الأصوات في عالم الجاز على مر العصور وفي عام 2000 تم وضع اسم بيلي هوليداي في صالةِ مشاهير الروك آند رول .
في فيلم "الولايات المتحدة في مواجهة بيلي هوليداي"، يقدم دانيلز أداء تمثيلياً ملهماً للممثلة "آندرا داي " التي تظهر للمرة الأولى في دور مغنية أسطورية وجدت نفسها في مواجهة مكتب التحقيقات الفيدرالي بسبب رفضها التوقف عن أداء أغنية "سترينج فروت". ويعتقد دانيلز أن الفيلم أفضل أعماله ويعترف، وتذكيراً، لقد كافح دانيلز الإدمان طوال العقود الأولى التي أمضاها في هوليوود. انتقل إلى مدينة لوس أنجليس في أوائل الثمانينيات لمتابعة كتابة السيناريو، وبحلول ذلك الوقت كان قد نجا بالفعل من سنوات من الإساءة العائلية والاضطرابات الشخصية. وأثناء ترعرعه دخل شقيقه السجن وتعرض والده ضابط الشرطة للقتل أثناء تأدية واجبه. وجرت الأمور كلها تحت تأثير الإدمان. فقد عاش الحزن وتعاطى الكحول والمخدرات في لوس أنجليس، وأسس أعمالاً تجارية وعمل في وكالات التمثيل وإدارة الممثلين. أنتج فيلم " كرةالوحش" عام 2001 الذي فازت بفضله هالي بيري بجائزة الاوسكار.وكتب دانيلز وأخرج فيلم " ظل الملاكم" ،في 2005. وأُنجِزَتْ تلك الأعمال كلها تحت تأثير الكوكايين. ثم دفعه تدخل جراحي خضع له أثناء تصوير فيلم "ثمينة" إلى الإقلاع عن المخدرات، لكنه لم يتوقف عن شرب الكحول إلا قبل أربع سنوات . ويقدم دانيلز شرحاً عن تلك المعطيات، "شعرت أنني لن أوفيَ "بيلي" حقها إلا إذا كنت صاحياً. وصمّمتُ على سرد تلك القصة من دون أن أكون سكران. أستطيع أن أفهم ما مرت به بيلي لأنني أتطلع إلى الشفاء، وجزء من الشفاء يتأتى من عدم شرب الكحول أو تعاطي المخدرات بهدف التخلص من الألم . لقد ابتعدت عن هذه الأمور. وأنا أشعر بالفخر بنفسي للمرة الأولى . تتناثر في الفيلم حكايات تتناول مؤامرات "هاري أسلينجر"، المسؤول في جهاز الاستخبارات المركزيّ الأميركيّ، على مغنّية الجاز، عبر جيمي فليتشر، الموظّف الأمنيّ الأسود الّذي جعلته عشيقها على الرّغم من كونه مسؤولاً عن سجنها، وأضافالمخرج" لي دانيلز " مخرج فيلم (الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي)، أنه كان يتطلع منذ زمن بعيد الى صنع فيلم عن مغنية البلوز الأميركية ، وعندما قرأ السيناريو الذي كتبته "سوزان لوري باركس " أيقن أن الوقت قد حان لتحقيق حلمه. واوضح دانيلز ان فيلمه يظهر اضطهاد مكتب التحقيق الفدرالي لهوليداي لأسباب سياسية ، وبذل الحكومة الأميركية كل ما في وسعها لمنعها من الغناء عن السود الذين يُعدمون من دون محاكمة ، بما في ذلك دسّ المخدرات لها وتقييدها إلى سريرها ، واعرب عن اسفه لأن دور هوليداي في حركة الحقوق المدنية قد تم التقليل من شأنه ،لكنّ فيلماً جديداً بعنوان “ذا يونايتد ستيتس فيرسز بيلي هوليداي”، يهدف إلى تغيير نظرة الجمهور للمغنّية وتسليط الضوء على دورها القيادي في الضغط من أجل الحقوق المدنية للسود، وفق ما قال مخرج الفيلم وبطلته في مقابلة مع “رويتر وقال المخرج لي دانيلز، إنه يريد تسليط الضوء على هذا الجزء غير المعروف من حياة هوليداي وإظهارها على أنها أكثر من مجرد شخصية مأسوية ،وتابع: “يجب أن تُروى قصة بيلي وكم عدد القصص الأخرى مثل قصة بيلي التي لا نعرف عنها شيئاً؟ هذا ما وجدته مزعجاً. أبلغ من العمر 61 عاماً وللتو بدأت أدرك أهمية أغنية سترينغ فروت" ، وقالت داي إنها قررت لعب الدور للمساعدة في تشكيل معالم السردية حول تاريخ السود . صنعت آندرا دي تاريخاً عندما فازت بغولدن غلوب أفضل ممثلة في فيلم درامي، لتصبح ثاني امرأة سوداء تفوز بها بعد ووبي غولدبرغ التي كُرّمت بها عن أداء دور سيلي في فيلم ستيفن سبيلبرغ (اللون الأرجواني) عام 1986. آندرا نالت الجائزة عن تجسيدها دور أسطورة موسيقى الجاز "بيلي هوليداي" في فيلم لي دانييلز، الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي، وهو أول أداء تمثيلي لها وبالتالي فإن تغلبها على ممثلات عريقات في فئة أفضل ممثلة في فيلم درامي مثل فيولا ديفيس وفرانسيس ماكدورماند وكاري ماليغان يعتبر إنجازاً هائلاً . وفي حديث معها كشفت لي أن ذلك الأداء كان أكبر الجهود التي توجب عليها بذلها في حياتها . لكن الجهد الأكبر كان إقناع دانييلز بقدرتها على أداء الدور، وهو الذي رفض في البداية مقابلتها أو حتى اختبار أدائها . وكانت تدرك أن أبرز ممثلي هوليوودي يتنافسون للعمل معه؛ استمريت في لقاء الممثلات وكنت أعلم أنني لن أصور الفيلم إذا لم أجد الممثلة المناسبة،" يقول" لي دانييلز عندما التقيت بها عبر زوم. "وكنت على وشك أن أعين ممثلتين عظيمتين، لكن حصل أن التقيت بآندرا وتماهيت مع روحها ". فضلاً عن ملامحها المشابهة لبيلي، آندرا أيضاً مغنية محترفة ، نالت ترشيحات لجوائز الغرامي عن ألبومها «تشيرز تو ذي فول» وأغنيتها «رايز أب» عام 2015، بالإضافة إلى نيلها ترشيحاً للغولدن غلوب عن أداء أغنية الفيلم «تايغريس أند تويد»، وهو ما ساعدها على تقمص شخصية بيلي وأداء أغانيها بنفسها . الغناء كان جزءاً من الأداء،" توضح المغنية " آندرا" التي تقمصت شخصة بيلي هوليداي " فأنا أفهم الشعور وما تتطرق إليه عندما تكون على المسرح وتتفاعل مع الجمهور. وكان ذلك مختلفاً بالنسبة لها عما هو بالنسبة لي، وانطلاقاً من تلك النقطة أصبح الأمر حول تقمص صوتها، وليس نبرة صوتها وحسب، بل وأيضاً السبب في أن نبرتها كذلك، والقصة التي كانت ترويها نبرتها وصوتها الغنائي". وفي حديث مع الممثل "ترفينتي
رودس" ، الذي يجسد دور فليتشر، قال إن فليتشر كان يعتقد أنه يحارب المخدرات وأنه أراد أن يثبت نفسه كموظف اسود في الاف بي آي. "يمكنني أن أقول لك إنك من أجل أن تنجح كرجل أسود، يحاول الناس أن يحرضوك ضد الأشخاص الذين هم مثلك مدعيين أنه يجب أن يكون هناك واحد فقط . بصراحة لهذا السبب ترى ذلك الاحياء، الكثير من الأولاد يقتلون بعضهم في محاولة للهروب، لأن تلك هي العقلية السائدة حول الأمر. هذا عبث بالعقول". لكن عندما أدرك فليتشر أن اسلينغر كان يجبر عشاق بيلي على دس المخدرات لها في ملابسها لكي يلفق لها تهمة تعاطيها، وأن السبب الحقيقي وراء استهدافها كان منعها من أداء أغنيته المفضلة لها وهي ثمار غريبة، تمرد عليه واعتذر لبيلي وتحول إلى مؤازرتها بدلاً من ملاحقتها. فوقعا في حب بعضهما البعض . فليتشر أدرك أن رجال السلطة لا يريدون أن يُشاهد الفن الاسود ، لأنه يبث الوعي، والوعي هو القوة والمعرفة هي القوة، وبالتالي إذا فعلت ذلك فإنك ستفقد السلطة على الناس الذين تحاول أن تحافظ على سلطتك عليهم. ولا زلنا نفعل ذلك اليوم " . سيرة بيلي المهنية لم تتحطم، فقد استمرت بالغناء على المسرح وفي تسجيل أغانيها حتى آخر أيامها. لكن دانييلز يصر على أن حملة «أف بي آي» حطمتها وعجلت من وفاتها في سن الرابعة والأربعين بسبب مرض التليف الكبدي نتيجة إفراطها في شرب الكحول . لقد حرموها من العلاج لكي يستمروا بتلفيق تهمة تعاطي المخدرات لها) يرد دانييلز "استهدافها كان عنصرياً لأنها لم تكن تتحدث عن الشيوعية أو الاشتراكية) يقول دانييلز:" كانت تسلط الضوء على جرائم عنصرية داخل الولايات المتحدة. كما أن ضابط المباحث، هاري اسلينغر، الذي يقود الحملة ضدها كان يفتخر بعنصريته وكراهيته للسود". طارد اسلينغر بيلي الى كل النوادي التي تغني فيها؛ في البداية كان يضغط على أصحاب النوادي لمنعها أداء «ثمار غريبة» لكن بيلي كانت ترفض الاستجابة لهم، فلجأ اسلينغر لاستخدام القوة، ودفع ضباط الشرطة لجرها من على المسرح عندما بدأت بالغناء. ومع ذلك استمرت بيلي بأداء الأغنية. فبحث اسلينغر عن خطة أخرى لإسكاتها إلى الأبد، ووجد ضالته عندما اكتشف أنها مدمنة على المخدرات ، لم يتمكنوا من اعتقالها بسبب الأغنية بسبب حرية التعبير وبالتالي استغلوا إدمانها على المخدرات ،وكانت وفاتها أحد أهم أسباب ثورة السود ضد الأنظمة العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، وتم اعتبارها رمزاً من رموز حركة الحقوق المدنية الأميركية- الأفريقية، وأسطورة لموسيقا الجاز التي أبدع فيها المغنون السود، قبل بيلي وبعدها . كلمات بيلي هوليوودي ما زالت مهمة حتى اليوم،" يعلق دانييلز، الذي يصر على أن استهداف الاف بي آي لبيلي كان عنصرياً، مع أن الكثير من الفنانين البيض الليبراليين كانوا عرضة لملاحقة أجهزة الأمن الأمريكية، التي كانت تلاحق كل من تشك بكونه شيوعياً، من ضمنهم مؤلف الأغنية، ميربول. وقد سميت تلك الفترة على اسم السيناتور مكارثي، الذي قام بتأسيس لجنة تحقيق اتهم فيها، دون الاستناد إلى أية أدلة، الكثير من الفنانين والأدباء الأمريكيين بالتجسس لصالح الاتحاد السوفياتي، ما أسفر عن تدمير مسيراتهم المهنية . تحدث دانيلز عن الشعر والمكياج في الفيلم على أنهما الجزء الأكثر تحديًا لأنه أراد أن يتأكد من أن يكون محددًا بفترة معينة وينصفها. كان الراحل تشارلز جريجوري روس رئيس قسم الشعر ومصمم الشعر الأسود. لقد صنع الباروكات ليس فقط التي كان يرتديها في النهار ، ولكن أيضًا من قبل رودس والرجال الآخرين في الفيلم. والشيء هو أنه بمجرد مشاهدتهم لن تلاحظ أنهم يرتدون الباروكات . في الختام : كانت أول صرخة ضد العنصرية يسمع صداها بحق"، استحقت الخلود بقدر ما ناهضت بها صاحبتها الظلم والعنف العنصري، وتحدت القائمين عليه ومنهم هاري آنسلينجلرمفوض المكتب الفيدرالي للمخدرات والعقاقير، العنصري الذي فشلت تهديداته أن توقف بيلي هوليداي عن غناء تلك الأغنية، فنصب لها فخاً، سجنت على إثره، ثم ماتت عن عمر يناهز 44 عاما، أربعة وأربعون عاماً، عمر قصير لحنجرة حميمة، أشاعت الكثير منً الحب الحقيقي والشكوى الشجية، كانت بيلي جميلة وذات صوت جميل، أطلت على جماهيرها محاربة، صلبة، رحيمة، مشرقة تعطيهم من صوتها أفضل ما فيه، أما ملامح وجهها السمح فكانت تعلوه النظرة الهائمة أثناء الغناء وكأنها تقتنص لحظة خاصة أو تبحث عن نقطة في داخلها.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا