بيير بورديو (1930- 2002)

غازي الصوراني
2021 / 4 / 14

پيير بورديو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر، بل إن فكره أحدث تأثيرا بالغا في العلوم الإنسانية والاجتماعية منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين.
"يعد "بيير بورديو" عالم الاجتماع الفرنسي الشهير "أحد أبرز الأعلام الفكرية في القرن العشرين، حيث يحتل مكانة مميزة في حقل الدراسات الإنسانية، شهد علم الاجتماع على يديه إبداعا علميا رائعا، وتجديدا فكريا حقيقيا في المصطلحات والمضامين والدور والأهداف، فقد أحدث الرجل في تحليله للظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية تغييرا في حقل الدراسات الثقافية والأبحاث الاجتماعية النقدية وفي مفهوم علم الاجتماع نفسه"([1]). 
"يمثل "بيير بورديو"" الرمز الأهم في مجال علم الاجتماع في العقود الأخيرة ، فلقد طرح ما يمكن أن نطلق عليه المشروع الفكري الأكثر شمولاً ورونقا منذ "تالكوت بارسونز" لقد قدم بإتقان نظرياته الاجتماعية المتميزة على مدار حياته الحافلة المليئة بالأحداث ، وعكست هذه النظريات التزامه الدائم نحو العلم ، وبناء المؤسسات الفكرية، وتحقيق العدل الاجتماعي، وقد امتلك اتجاهاً سوسيولوجياً وأكاديمياً لا نظير له ، وحسب تعبير"ريمون آرون" R. Aron كان بورديو استثناء لقوانين انتقال رأس المال الثقافي التي صاغها في كتاباته المبكرة، فمن نشأته كابن وحفيد لمزارعين في منطقة هامشية في فرنسا، إلى متربع على قمة الهرم الثقافي الفرنسي باعتباره واحداً من أهم علماء الاجتماع في العالم"([2]).
"يذكر «جون سكوت» في كتابه «خمسون عالمًا اجتماعيًا أساسيًا» أن «بيار بورديو» من أبرز ثلاثة مفكرين فرنسيين الذين بلغت أعمالهم منزلة مركزية في الفكر الغربي الحديث بجانب «إميل دوركهايم»، و«ميشيل فوكو»"([3]).
"كان بورديو هو عالم الاجتماع الأكثر بروزاً وشهرة على مستوى العالم، فنظرا لكونه منتجاً للعديد من الأعمال الكلاسيكية الرصينة، أصبح مرجعاً ضرورياً في العديد من التخصصات كالتربية والثقافة وعلم اجتماع المعرفة، وحاز كذلك على مكانة أكاديمية متميزة في الأنثروبولوجيا الثقافية نتيجة دراساته حول مجتمع القبائل أثناء حرب التحرير الجزائرية وما بعدها، وقد زاد نجمه سطوعاً أثناء تسعينات القرن الماضي عندما أصبح مشاركاً بقوة في الصراع السياسي ومعارضاً عنيداً لليبرالية الجديدة المتطرفة التي سيطرت على الخطاب السياسي في القارة الأوربية.
والحقيقة أن تأثير بورديو لا يرجع فقط إلى إبداعاته المتميزة والمدهشة ، وإنما أيضاً لأن أعماله تمثل مرجعاً مستمراً ومقبولاً لدى طائفة كبيرة من المفكرين، ومع أن أعماله الأولى تدخل في إطار الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع إلا أنه وسع مشروعه الفكري ليتضمن الفلسفة وعلم النفس والنقد الثقافي ودراسات النوع gender وعلم اللغة والاقتصاد، كما أنه انشغل خلال العقدين الأخيرين من حياته بالمجال السياسي، واشتهر بتقديم جملة من المفاهيم السـوسيولوجية الهامة التي حازت مشروعية علمية واسعة"([4]).
"ساهم كتابه «الورثة» الذي أعده مع «جان كلود باسرون» في تشكيل الوعي الطلابي النقدي خلال ثورة مايو/أيار 1968. فلم يكن بورديو عالم اجتماع فقط ولكنه مفكر سياسي أيضًا.
عُين مدير دراسات في الكلية العلمية للدراسات العليا عام 1964، وتولى منصب كرسي علم الاجتماع في كوليج دو فرانس عام 1981، وأسس مركزًا بحثيًا له عدة مشروعات كان آخرها مشروعه عن سياسة الإسكان العام في فرنسا، ووجد أثناء بحثه أنه لن يفهم سياسات الإسكان فهمًا جيدًا إلا بتشريح الدولة كمفهوم وبنية وحقل إداري وبيروقراطي، فانبثق من هذا البحث عمله الضخم عن الدولة([5]).
في هذا الجانب، نشير إلى أن إسهامات جرامشي، تمثل واحدًا من الأصول الفلسفية لبيير بورديو، حيث جسَّد مفهوم "المثقف العضوي" الذي صكَّه جرامشي، كما ينتسب بورديو إلى أولئك الأكاديميين الذين لا يفصلون بين الالتزام الفكري والالتزام السياسي؛ أولئك الذين لا يتحملون خمول المثقفين وبروجهم العاجية. وكان الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس (1929- ) محقًّا عندما رثاه قائلاً: "مع اختفاء بورديو، اختفى أحد آخر كبار السوسيولوجيين في القرن العشرين، والذي لم يكن يأبه بتخوم التخصصات وحدود المجالات وقد كان بطبيعة الحال إثنولوجيا منذ أبحاثه الأولى بصدد اصطدام المجتمع القروي الجزائري بالعقلية الرأسمالية، غير أن إنتاجه الذي تدفق دون كلل يتموضع تحت شارة السوسيولوجيا تمامًا، كما ينتسب إلى الفلسفة والاقتصاد والعلوم الاجتماعية أو تحليل اللغة وجميع المجالات التي دشن فيها آفاق جديدة ومنظورات واعدة. ما يفتنني عند بيير بورديو هي أريحية ذكائه وسخائه واستعداده الدائم لخوض المعارك الاجتماعية. وما يفتنني - وسيظل كذلك - قدرته على التحليل العميق كباحث وكأكاديمي والتي لا تمنعه من أن يتحول فجأة إلى مثقف إنساني من طراز فريد، بحيث لا يرضى بأن يكون شاهدًا على الحدث، بل فاعلاً فيه"([6]).
بدأ نجمه يبزغ بين الأخصائيين انطلاقًا من الستينات وازدادت شهرته في آخر حياته بالتزامه العلني إلى جانب "المغلوبين"، وازدادت شهرته في آخر حياته بخروجه في مظاهرات ووقوفه مع فئات المُحتجِّين والمُضربين. اهتم بتناول أنماط السيطرة الاجتماعية بواسطة تحليل مادي للإنتاجات الثقافية يَكفُل إبراز آليات إعادة الإنتاج المتعلقة بالبنيات الاجتماعية، وذلك بواسطة علم اجتماعي كلي يستنفر كل العتاد المنهجي المتراكم في مختلف مجالات المعرفة عبر التخصصات المتعددة للكشف عن البنيات الخفية التي تُحدِّد أنماط الفاعلية على نحو ضروري، مِمّا جعل نُقّاده ينعتون اجتماعياته بالحتمانية، على الرغم من أنه ظل، عبر كتاباته وتدخلاته، يدفع عن تحليلاته مثل ذلك النعت.
نظرية الممارسة لـ بيير بورديو وظاهرة الهيمنة الاجتماعية:
يذهب بيير بورديو إلى أن السوسيولوجيا علم لا يختزل البحث فيه عن سلطة واحدة، فالسلطة سلط وكل واحدة مرتبطة ﺑﺎلفضاء الذي تمارس فيه، فأن تَطْرَح السوسيولوجيا سؤال كينونتها رهين البحث عن هذه الأشكال للسُّلط يعني أن تدرس هذه الأشكال منزلة في فضائها الاجتماعي، بمعنى دراسة الشروط الاجتماعية لإمكانية ممارسة السلطة المؤدية إلى الهيمنة، فرؤية بيير بورديو للسلطة المؤدية إلى الهيمنة الاجتماعية ليست مختزلة في العنف فقط، بل لها شروط وآليات ينبغي الكشف عنها وتحليل مشروعيتها.
الهيمنة لدى بيير بورديو غالبا ما تكون خفية وغير مرئية، لذا وجب تعرية أسس شرعيتها وتجريح آلياﺗﻬا حتى يسقط قناعها القدسي ونعي الحتمية التي تسودنا، فهي عبارة عن نظام من العلاقات المتشابكة تؤدي في نهاية المطاف منها إلى تشكيل نسيج كثيف وسميك يخترق كل الأجهزة والمؤسسات وأيضا الأفعال والعلاقات من دون أن تسكن واحدا منها، فهي مثل الزئبق متحركة لا تقف لها على وقفة قط، هذا الذي دفع بيير بورديو إلى استحداث مفاهيم تمكنه من الوقوف على آليات الهيمنة الاجتماعية الظاهر والباطن.
إن أطروحته المستمرة تقوم على أن الطبقة المهيمنة لا تبسط هيمنتها بشكل مكشوف: فهي لا تفرض هيمنتها في اﻟﻤﺠتمع من خلال مؤامرة تحوكها، فهي لا تجبر المهيمن عليهم على الإذعان لإرادﺗﻬا، بل إن الذي يحصل هو أن الطبقة المهيمنة في اﻟﻤﺠتمع هي، من الناحية الإحصائية، المستفيدة من السلطة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والرمزية، السلطة متجسدة في رأس المال الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي، والرمزي، والمتداخلة في سائر مؤسسات اﻟﻤﺠتمع وممارساته، والتي تتم إعادة إنتاجها من قبل هذه المؤسسات والممارسات نفسها.
فالهيمنة الاجتماعية هي ميل الأفراد إلى الاعتقاد ﺑﺄن اﻟﻤﺠتمع مكون من طبقات وأن ثمة عددا من الأفراد يقعون في أعلى الهرم الاجتماعي إذ يستحقون مواقعهم ويفرضون هيمنتهم وسيطرﺗﻬم على الأفراد الذين يقعون في أدنى الهرم الاجتماعي بوصفهم خاضعين لهم، فاﻟﻤﺠتمعات الأكثر تعقيدا هي اﻟﻤﺠتمعات التي تتميز ﺑﺎلجماعات الهرمية، والتي تكشف عن وجود نوعان منها: الجماعة المهيمنة، وهي الجماعة التي تحضى ﺑﺄفضل الفرص في التعليم، والصحة، والثروة، والمنزلة. والجماعة المذعنة التي تؤشر لها حالات المرض، والفقر، والبطالة والجهل.
إن نظرية الهيمنة الاجتماعية يمكن وصفها كإطار نظري يجمع ويوحد مجموعة من الأطر النفسية المختلفة، فهي تعبر عن مضامين اجتماعية من خلال ﺗﺄكيدها على أهمية المنزلة الاجتماعية للفرد، كما أنها تستعين بالنظريات التي درست التعصبية والتسلطية والتمييز ، فضلا عن ذلك فإنها تناولت نظريات التعلم والتنشئة الاجتماعية من خلال تأكيدها على أن خلفية الفرد الثقافية والاجتماعية لها دور بالغ في صياغة توجهه نحو الهيمنة الاجتماعية أو قبولها أو رفضها.
المفاهيم الأساسية لفهم الهيمنة الاجتماعية :
"انتقد بورديو تغاضي الماركسية عن العوامل غير الاقتصادية، إذ أن الفاعلين المسيطرين، في نظره، بإمكانهم فرض منتجاتهم الثقافية (مثلا ذوقهم الفني) أو الرمزية (مثلا طريقة جلوسهم أو ضحكهم وما إلى ذلك)، فللعنف الرمزي (أي قدرة المسيطرين على حجب تعسف هذه المنتجات الرمزية وبالتالي، على إظهارها على أنها شرعية) دور أساسي في فكر بيير بورديو"([7]).
فيما يلي تحليل وموقف بورديو من المفاهيم الرئيسية الثلاثة: الحقل والهابيتوس ورأس المال:
أولا: الحقل:
لقد استخدم بيير بورديو مفهوم الحقل كأداة تفسيرية وسيطة تربط مقاربة الممارسة الاجتماعية بفهم البناء الكلي للمجتمع، وتتيح له فهم العلاقات والتفاعلات التي تتم في الحياة الاجتماعية، فقد قسم الفضاء الاجتماعي إلى حقول، وهذه الأخيرة تختلف فيما بينها، وكل منها له قانونه الخاص المختلف عن غيره من الحقول الموجودة في الفضاء الاجتماعي، فالصراع بين الفاعلين داخل الحقل السياسي يختلف عن الصراع بين الفاعلين في الحقل الديني مثلا، كما أن المناصب والمراكز داخل كل حقل تحتاج إلى رأس مال مختلف، والآبيتوس الخاص ﺑﺎلفاعلين المتصارعين على هذه المناصب أو المراكز مختلف كذلك، ومن ثم فإن النظرية البنائية العامة لن تقود إلى تفسير الظاهرة الاجتماعية داخل هذه الحقول للاختلافات السابقة بعكس نظرية الممارسة.
فبنية الحقل هي حالة صراع القوى بين الفاعلين أو بين المؤسسات الداخلة في الصراع أو، إذا شئنا، توزيع رأس المال النوعي الذي تراكم أثناء الصراعات السابقة والذي يوجه الاستراتيجيات اللاحقة.
هذه البنية، التي هي أساس الاستراتيجيات التي تعمل على تغييرها، هي نفسها دائما موضع صراع، فاحتكار سلطة معينة هي سمة الحقل المعني أي، ﺑﺎختصار، الاحتفاظ ببنية توزيع رأس المال النوعي أو هدمها، هو التحدي الذي يسم الصراعات التي تحدث في الحقل.
فالحقل ﺑﻬذا المعنى ميدان الصراع للتحكم في الموارد وتحقيق المصالح، صراع بين القادم الجديد الذي يحاول اختراق حدود الحقل لحيازة مركز أو منصب داخله، والفاعل المتمركز داخل الحقل الذي يحاول الدفاع عن احتكاره للمركز، ويحاول أن يبقي نفسه خارج دائرة المنافسة، وعليه فلا يمكن فهم بنية الحقل إلا من خلال الكشف عن حالة علاقات القوة بين الفاعلين في المؤسسات التي يضمها هذا الحقل في لحظة ﺗﺎريخية محددة.. فالفاعلين أصحاب المكانات المختلفة يتواجهون داخل الحقل في كفاح مستمر، ولكل منهم أهدافه الخاصة؛ البعض يكافح للحفاظ على علاقات القوة المرضية ﺑﺎلنسبة إليه، والبعض الآخر يكافح من أجل تغيير هذه العلاقات.
مما سبق، يمكن القول أن الحقل هو فضاء للصراع، والهدف من هذا الصراع هو الهيمنة على هذا الحقل. فالفاعلين داخل الحقل يسعون للوصول إلى مركز ومكانة في تراتبية هذا الحقل، والعلاقات التي تحدث داخله من علاقات الصراع والتحالفات هي من أجل السيطرة والهيمنة على هذا الحقل، وما يحدد الهيمنة والسيطرة على حقل معين، هو الرصيد الذي تم تعبئته الفاعلون في هذا الحقل، ونقصد ﺑﺎلرصيد رأس المال النوعي لهذا الحقل.
 
ﺛﺎنيا: الهابيتوس Habitus :
"الهابتوس من المفاهيم الأساسية في العمل النظري عند بورديو، ويتحدد باعتباره نسق الاستعدادات الدائمة والقابلة للنقل التي يكتسبها الفاعل الاجتماعي من خلال وجوده في حقل اجتماعي بالعالم الاجتماعي حيث يعيش.
ويترجم هذا المصطلح في العربية بلفظ التطبُّع أو السجيّة أو السَّمْت، ولعل اللفظ الأخير أقرب لأداء المعنى المطلوب، من حيث أنه يدل أصلًا على الهيئة أو الْحال.
ويلعب هذا المفهوم دورا مركزيا في عمل بورديو النظري، إلى جانب مفهومي الحقل والعنف الرمزي، فالفاعل الاجتماعي يكتسب، بشكل غير واع، مجموعة من الاستعدادات من خلال انغماسه في محيطه الاجتماعي تمكِّنه من أن يُكيِّف عمله مع ضرورات المعيش اليومي (مثلا، يُطوِّر الفلاح عادات ذهنية وسلوكية معينة يُطبِّقها على كل المشكلات التي يواجهها في وسطه). ويختلف الهابتوس باختلاف الحقول التي يكون الفاعل الاجتماعي طرفا فيها وباختلاف الموقع الذي يحتله في مجاله الخاص"([8]).
فالآبيتوس هو نسق الاستعدادات التي ينشأ عليها الفرد ويكتسبها، وهي تتعلق ﺑﺄربع مستويات: العرفاني، والخلقي، والجمالي وهيئة الجسد. وعلى العموم فالآبيتوس كنسق من الاستعدادات يعمل وفق آليات داخلية معقدة تكون حدود النسق وتشكله، في استقلالية عن محيطه، وتظهر إلى العلن في ممارسات تعبر عن الهوية الاجتماعية لصاحبها وانتمائه. ويعرف بيير بورديو الآبيتوس كالآتي: أنساق من الاستعدادات المستدامة والقابلة للنقل، إنها بنى مبنْيَنة، قابلة، مسبقا، للاشتغال بوصفها بنى مبنْيَنة، أي ﺑﺎعتبارها مبادئ مولدة ومنظمة لممارسات وتمثلات يمكن لها، موضوعيا أن تتأقلم مع هدفها، من دون افتراض رؤية واعية للغايات والتحكم الصريح في العمليات الضرورية من أجل بلوغها.
الآبيتوس يعتبره البعض خطأ أنه الأعمال الروتينية المحددة في الحياة اليومية، أو أنه مرادف لتعبير "التنشئة الاجتماعية"، ولكنه في الواقع جزء من نظرية بيير بورديو حول الممارسة الاجتماعية. ويعني التعبير بوضوح عن الميولات والاستعدادات داخل الحقل الاجتماعي، فهو نوع من التعبير عن الاستثمار (قد يكون لا شعوريا) لأولئك الموجودين داخل الحقل الاجتماعي في نقاط القوة المتضمنة فيه. والآبيتوس نوع من القواعد للأفعال –علم نحو الأفعال- يؤدي غرض التمييز بين الطبقة المهيمنة وأخرى المهيمن عليها في الحقل الاجتماعي.
إذن فالآبيتوس هو نظام من الخطط الواعية وغير الواعية في التفكير والإدراك والاستعدادات، والذي يسمح له ﺑﺎلتفاعل داخل الحقل الذي ينتمي إليه. وكلما كان آبيتوس الفاعلين له القدرة على التكيف مع التفاعلات داخل الحقل الخاص به، كلما كنا في إمكان هذا الفاعل الارتقاء في تراتبية ذلك الحقل.
 
ثالثاً: رأس المال بين ماركس وبورديو:
في منهجيته السوسيولوجيه –كما يقول د.جميل حمداوي- "يتبنى بيير بورديو، في أبحاثه السوسيولوجية، المقاربة الماركسية ذات الأساس الجدلي، على أساس أن التنافس والصراع وظيفتان أساسيتان للمجتمع. ومن ثم، يرتبط بورديو بالمقاربة الصراعية التي تستند إلى التحليلات الماركسية. لكن هذا الصراع والتنافس يتشكلان، قبل كل شيء، في مختلف الحقول والفضاءات المجتمعية الفرعية الأصلية، قبل أن يتحددا على صعيد المجتمع الماكروسوسيولوجي. ومن ثم، تتميز هذه الحقول بوجود تفاوت طبقي واجتماعي خاص، ووجود مسيطرين ومسيطرين عليهم. وبتعبير آخر، إذا كان المجتمع - حسب المقاربة الماركسية- قائما على صراع الطبقات الاجتماعية، فإن هذا الصراع- حسب بيير بورديو- يتشكل أولا ضمن حقول وفضاءات مجتمعية فرعية، قبل أن يتحول إلى ظاهرة اجتماعية عامة"([9]).
"يمثل مفهوم رأس المال مفهوماً مركزياً آخر في المشروع النظري لبرديو ، والمفهوم مستمد أساساً – كما هو معروف – من علم الاقتصاد الكلاسيكي ، ويعني الثروة المتراكمة ، ويستخدم في النظرية الماركسية للإشارة إلى العلاقة بين مالكي وسائل الانتاج وبائعي قوة العمل .
أما بورديو فقد وسع فكرة رأس المال المطروحة في علم الاقتصاد وفي النظرية الماركسية ، بحيث أصبح يتضمن رأس المال النقدي وغير النقدي ، كما يشتمل على الصور المادية الملموسة أو الصور اللامادية (غير الملموسة) "([10]).
"إن استخدام بورديو لمفهوم رأس المال لا يقتصر فقط على البعد الاقتصادي "الكلاسيكي" وإنما يتجاوز ذلك الى أبعاد أخرى متنوعة فهناك عدة صور لرأس المال، مثل رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي ، وتعكس تلك الرؤية لرأس المال تفسيرا متعدد الأبعاد للظواهر الاجتماعية ، فهو يرى أن العالم الاجتماعي يمكن ادراكه كفضاء متعدد الأبعاد يتشكل واقعياً من خلال الهيمنة على الأشكال المتنوعة لرأس المال، إن رأس المال الاقتصادي يرتبط مباشرة بالثروة ، أما الأشكال الأخرى لرأس المال فتمثل صورة من صور القوة في المجتمع.
وعلى الرغم من أن هذه الأشكال من رأس المال تعد أقل وضوحاً من رأس المال الاقتصادي ، إلا انها تشترك معه في العديد من السمات ، فهي تمثل قيمة لحامليها، وتتصف بالتراكمية ، ويمكن – وهذا هو الأهم – أن تستثمر بحيث يمكن أن تنتج منافع أو مزايا أخرى.ويرى بورديو أن الصور غير الاقتصادية لرأس المال تلفت الانتباه الى أشكال أخرى خفية من إعادة انتاج التفاوت الاجتماعي([11]).
بورديو والموقف من الصراع الطبقي:
" كيف يقع الصراع الطبقي؟ وأيهما أشد وقعا وتأثيرا على الفرد والمجتمع: الصراع الطبقي المادي؟ أم الصراع الطبقي الرمزي؟
يبدو الصراع الطبقي –كما يقول د. أكرم حجازي- "واضحا للعيان إذا ما انطلقنا من الرأسمال الاقتصادي. فمن خلال عملية إحصائية يمكن ملاحظة التدرج الطبقي اعتمادا على المهنة أو الدخل أو حتى المكانة الاجتماعية أو السلم القيمي الذي لا ينفصل كثيرا عن السلم الطبقي التقليدي. وهكذا، يمكن معاينة الصراع باعتباره صراعا حادا ومكشوفا، بما أن العامل الاقتصادي، هو الذي يرسي هنا حجر الأساس في التفاضل الاجتماعي، بحيث يمكن ملاحظة، وبحدود فاصلة، مختلف الطبقات الاجتماعية من الأكثر غنى حتى الأشد حرمانا، ولكن ثمة رأسمال آخر يكشف عن صراع أعمق وأشد رسوخا، ومن الملفت للانتباه أنه يُشَرِّع التمايز حتى داخل الطبقة الواحدة، دون أن يثير حساسية هنا أو هناك.
هذا الرأسمال يسميه بورديو بـ "الرأسمال الرمزي " وهو ذاته " الرأسمال الثقافي " التعسفي، الكائن مقابل الرأسمال الاقتصادي. هذا الرأسمال بمختلف مكوناته هو الذي يكشف عن هابيتوس أي طبقة ويجعل الصراع الاجتماعي الطبقي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية، وعلى هذا الأساس يتنوع رأس المال بحيث نجد"([12]):
•       برجوازية صغيرة متوسطة ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي كمتوسطي التجار والأطباء والمهندسين…إلخ
•       وبرجوازية مثلها ذات رأسمال اقتصادي عال ورأسمال ثقافي محدود كصغار أرباب العمل.
•       رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية ذات نفوذ أصلا.
•       رأسمال مكتسب كالرأسمال المدرسي والموروث.
•       رأسمال الجسد كالجمال، الجاذبية…إلخ
هكذا يبدو الرأسمال بأنواعه طاقة جبارة مستخدمة وتتيح بناء المدى الاجتماعي وتشكيله وإعادة إنتاجه من جديد"([13]).
رأس المال النوعي أو الخاص :
إذا كان رأس المال، بمعنى الرأس مال الاقتصادي، كامتلاك ثروات مادية أو مالية، عنصرا مهما في التكوين الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعية، إلى حد أنه يضع ﺑﺎلقوة الأغنياء مقابل الفقراء، فإن غيره من أنواع رأس المال تلعب دورا مهما أيضا في الديناميكية الاجتماعية، وضداً عن رؤية اقتصادية مفرطة، يطرح بيير بورديو لهذه الأنواع الأخرى من رأس المال التحليل الماركسي الذي يؤسس الروابط الاجتماعية، والنزاعات الناتجة عنها.
إن استخدام بيير بورديو لمفهوم رأس المال لا يقتصر فقط على البعد الاقتصادي الكلاسيكي وإنما يتجاوز ذلك إلى أبعاد أخرى تنوعت فهنا كعدة صور لرأس المال مثل رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي، وتعكس تلك الرؤية لرأس المال تفسيرا متعدد الأبعاد للظواهر الاجتماعية، فهو يرى أن العالم الاجتماعي يمكن إدراكه كفضاء متعدد الأبعاد يتشكل واقعيا من خلال الهيمنة على الأشكال المتنوعة لرأس المال، إن رأس المال الاقتصادي يرتبط مباشرة ﺑﺎلثروة، أما الأشكال الأخرى لرأس المال فتمثل صورة منظور القوة في اﻟﻤﺠتمع.
كما يشير بيير بورديو، ووفقا لأبحاثه الإمبريقية فإن هذا الرأس المال النوعي هو عبارة عن السلطات الاجتماعية الأساسية، فيمكن أن يصبح نَشِطاً، وفعالا، مثل الأوراق الرابحة في لعبة ورق، في المنافسة من أجل الهيمنة التي يعد هذا العالم الاجتماعي موضعا لها، وهكذا يتوزع الفاعلون في الفضاء الاجتماعي الكلي، في البعد الأول، طبقا للحجم الكلي لرأس المال النوعي الذي يملكونه، أما في البعد الثاني يتوزع الفاعلون طبقا لبنية رأس مالهم النوعي، أي طبقا للوزن النسبي لمختلف أنواع رأس المال؛ الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي، والرمزي.
يذهب بيير بورديو إلى أن رأس المال النوعي هو كل طاقة يمتلكها الفرد ويعتمد عليها في التميز والمنافسة، وفي سياق توصيفه للأنواع المختلفة من رأس المال، يذكر أن هناك أربعة أنواع من رأس المال هي([14]):
رأس المال الثقافي :
يُعَبِّر مفهوم رأس المال الثقافي عن مجموعة من الرموز والمهارات والقدرات الثقافية واللغوية والمعاني التي تمثل الثقافة السائدة ، والتي اختيرت لكونها جديرة بإعادة انتاجها ، واستمرارها ونقلها خلال العملية التربوية، ويركز هذا المفهوم على أشكال المعرفة الثقافية والاستعدادات التي تعبر عن رموز داخلية مستدمجة تعمل على إعداد الفرد للتفاعل بإيجابية مع مواقف التنافس وتفسير العلاقات والاحداث الثقافية.
ويقرر بورديو "أن رأس المال الثقافي يتشكل من خلال الإلمام والاعتياد على الثقافة السائدة في المجتمع وخاصة القدرة على فهم واستخدام لغة راقية educated language ويؤكد على أن امتلاك رأس المال الثقافي يختلف باختلاف الطبقات ، ولهذا، فإن النظام التعليمي يدعم امتلاك هذا النمط من رأس المال، وهذا يجعل من الصعوبة بمكان على معظم أفراد الطبقة الدنيا النجــــــاح في هذا النظـام"([15]).
ويوجد رأس المال الثقافي في أشكال متنوعة، حيث يشمل الميول والنزعات الراسخة والعادات المكتسبة من عمليات التنشئة الاجتماعية، وفي أشكال موضوعية مثل الكتب والأعمال الفنية والأدبية، والشهادات العلمية، وفي مجموعة من الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف، وارتياد المسارح ، وحضور الندوات، ومن ثم ينتج رأس المال الثقافي ويوزع ويستهلك في مجال خاص به، وهو مجال الثقافة، وهو مجال فكري متخصص له منطقة الخاص وعملياته المميزة، وله مؤسساته الخاصة، مثل النظم التعليمية، والجمعيات العلمية، والدوريات، وله هويته وأيديولوجيته في التبعية والاستقلال عن المجالات الاجتماعية الأخرى كالاقتصاد والسياسة.
ويذهب بورديو "إلى أن رأس المال الثقافي ينقسم الى قسمين ، الأول رأس المال الثقافي المكتسب على أساس المؤهل التعليمي ، وعدد سنوات الدراسة، والثاني رأس المال المورث من وضع العائلة وعلاقاتها بالمجالات الثقافية المختلفة"([16])، ويتشكل رأس المال الثقافي المورث من خلال منح العائلات لأبنائها مجموعة من أنماط الحياة المتميزة، وشبكة من العلاقات الاجتماعية القوية، والتي تصبح شكلاً من التميز تستفيد منه الأجيال التالية.
أما رأس المال الثقافي المكتسب، فيتوقف اكتسابه على بعض العوامل مثل الفترة الزمنية، طبيعة المجتمع ، والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد، بالاضافة الى القدرات الذاتية، والسمات الجسدية للفرد ، وثمة ترابط بين رأس المال الثقافي المُوَرَّث والمكتسب، حيث يمكن للفرد أن يطور رأس المال الثقافي المورث من خلال قدراته العضوية .
يتضح مما سبق أن رأس المال الثقافي لدى بورديو يعبر عن القدرات والمهارات العقلية والجسدية، وكل أشكال المعرفة والخبرات التي يتحصل عليها الفرد إما نتيجة انتسابه لعائلة أو جماعة معينة أو نتيجة لمؤهلاته الذاتية وتنميتها وتطويرها"([17]).
رأس المال الاجتماعي:
يعني رأس المال الاجتماعي– بصورة عامة - أن العلاقات التي يكونها الأفراد تمثل مصدراً قوياً للحصول على منافع وأرباح، ولذلك فإن هذا النمط من رأس المال يتشكل من العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الأفراد والأسر والجماعات ، بحيث تتيح هذه العلاقات الفرصة للوصول الى فوائد أو موارد قيمة
يُعَرِّف بورديو رأس المال الاجتماعي "بأنه كم الموارد الواقعية أو المحتملة التي يتم الحصول عليها من خلال امتلاك شبكة من العلاقات الدائمة المرتكزة على الفهم والوعي المتبادل ، وذلك في إطار الانطواء تحت لواء جماعة معينة ، فالانتماء لجماعة ما يمنح كل عضو من أعضائها سنداً من الثقة والأمان الجماعي، ويعتمد حجم رأس المال الاجتماعي الذي يتحصل عليه فاعل معين على حجم شبكة العلاقات التي يمكنه إدارتها بكفاءة ، ويعتمد كذلك على كم رؤوس الأموال الأخرى كرأس المال الثقافي والرمزي والاقتصادي التي يمتلكها الفاعلون الآخرون المشاركون في شبكة العلاقات"([18]).
"والواقع أن "بورديو" قد صاغ مفهوم رأس المال الاجتماعي كجزء من المشروع النظري الذي قدمه وهو نظرية الممارسة، فهذا النمط من رأس المال يرتبط بقوة بمختلف الحقول الاجتماعية التي تمثل بدورها مجالات الممارسة الاجتماعية للفاعلين، ولذلك لا يمكن فهم مصطلح رأس المال الاجتماعي لدى بورديو بصورة منعزلة عن مشروعه النظري العام"([19]).
أسهمت رؤية برديو لرأس المال الاجتماعي –كما يقول حسني إبراهيم عبد العظيم- "في إثارة العديد من الأفكار والأطروحات حوله ، وأصبح آداة منهجية يستخدمها الباحثون في مختلف العلوم الاجتماعية، وبات علماء الاجتماع يستخدمون هذا المصطلح بصورة نمطية للإشارة الى قدرة الفاعلين على الحصول على منافع بموجب عضويتهم في الشبكات الاجتماعية أو أية كيانات اجتماعية أخرى، ويستخدم علماء السياسة المفهوم بطريقة مغايرة _ وإن كانت تتفق بشكل عام مع تصور برديو _ إذ أنهم يعتبرون رأس المال الاجتماعي سمة للمجتمعات والأمم وليس للأفراد فقط، بمعنى أن رأس المال الاجتماعي يشير الى السمات الموجودة في التنظيم الاجتماعي كالثقة والمعيارية ، والترابط ، والتي تيسر الفعل الاجتماعي وتنظمه ، مما يسهم في رفع كفاءة البناء الاجتماعي.
وأخيراً يمكن القول أن رؤية بورديو تقدم فهماً أفضل لفوائد شبكة العلاقات والاتصالات بمالكي رأس المال الاجتماعي في الحصول على فوائد مهمة في مواقع اجتماعية متنوعة خاصة عملية التوظيف"([20]).
رأس المال الرمزي:
"يقصد برأس المال الرمزي الموارد المتاحة للفرد نتيجة امتلاكه سمات محددة كالشرف والهيبة والسمعة الطيبة والسيرة الحسنة والتي يتم إدراكها وتقييمها من جانب أفراد المجتمع، ويرى بورديو أن رأس المال الرمزي هو مثل أي ملكية أو أي نوع من رأس المال - طبيعي ، اقتصادي، ثقافي ، اجتماعي - يكون مدركاً من جانب فاعلين اجتماعيين تسمح لهم مقولات إدراكهم بمعرفتها والإقرار بها ، ومنحها قيمة (مثال الشرف في مجتمعات البحر المتوسط هو صيغة نمطية من رأس المال الرمزي ، لاتوجد الا عبر السمعة أي التمثيل الذي يقوم به الآخرون في حالة اشتراكهم في مجموعة معتقدات خاصة تجعلهم يدركون ويقيمون خصائص معينة، وأنواعاً من السلوك إذا كانت شريفة أو مخلة بالشرف)" ([21]).
هذا، و"يدخل رأس المال الرمزي مختلف الحقول والمجالات ومختلف أشكال السلطة والهيمنة وفي مختلف أشكال العلاقات الاجتماعية ، فكل علاقة اجتماعية هي علاقة سلطة _ بشكل ما _ تتضمن رأس المال الرمزي، فخاصية الشرف – التي ذكرناها منذ قليل – تحمل معاني أخلاقية محددة ، بحيث أن من يملك خصائص الشرف – كالقيم والمعتقدات والتصرفات – يعد شريفاً ، ومن لا يملكها لا يعد كذلك ، ويكون الشخص الشريف موضع احترام وثقة وتقدير تبعاً لما يملكه من رأس مال رمزي ، ومن ثم يرتبط رأس المال الرمزي بأهمية الموقع الذي يشغله الفرد في الفضاء الاجتماعي من جهة ، وبالقيمة التي يضفيها الناس عليه من جهة أخرى، وتتعلق هذه القيمة بأنظمة استعدادات الأشخاص وتصوراتهم المتوافقة مع البنى الموضوعية القائمة.
ويرتكز رأس المال الرمزي على الذيوع والانتشار والاستحسان إنه يرتبط بالهيبة والسمعة والشرف، التي تلاقي تقديراً من الآخرين، إن رأس المال الرمزي يمكن اعتباره رأس مال من الشرف والهيبة ويتطلب تراكم هذا الشكل من رأس المال جهداً متواصلاً من أجل الحفاظ على العلاقات التي تؤدي الى الاستثمار المادي والرمزي له.
لقد طور بورديو مفهوم رأس المال الرمزي باعتباره يمثل شكلاً خاصاً من رأس المال يتجاوز من خلاله المفهوم الماركسي لرأس المال ، ففي حين ركزت الماركسية على أهمية العوامل الاقتصادية باعتبارها محددات للممارسات الاجتماعية ، حاول بورديو إبراز البعد الرمزي في فهم إدراك السلوك الإنساني ، وخاصة في دراساته في شمال إفريقيا ، حيث يكون البعد الرمزي أكثر أهمية ، ويؤكد بورديو أنه لا يوجد شئ يخلو من رمزي"([22]).
بورديو ونظريته عن الدولة:
"ينتقد بورديو التاريخ الإجمالي للدولة كما قدمه دوركهايم وماكس فيبر وماركس. فتوصيف الدولة من ماركس إلى غرامشي حتى ألتوسير وما بعدهم لا يرى الدولة سوى جهاز قسر وإكراه لمصلحة المسيطرين، ولم يطرحوا سؤال الميكنيزمات التي أنتجت هذه الدولة. فنجد غرامشي يركز على الهيمنة، ويؤكد ألتوسير على أجهزة الدولة الأيديولوجية، ولا يبقى فوكو من الدولة سوى سلطتها الانضباطية، كما أن الماركسية فشلت –كما يقول بورديو- في تفسير الفاعلية الرمزية الطوعية للدولة، فلا تمتلك هذه المقاربات النقدية وسائل الفهم الكامل لمفاعيل الأيديولوجية، وقامت بتغييب مسألة تصنيع هذا الشيء الذي يسمى الدولة، واعتبرته منتجًا بديهيًا دون مساءلة كيفية نشوءه"([23]).
تعريف الدولة: عن أية دولة يتحدث بورديو؟
يحاول بورديو في هذا العمل –كما تقول زينب البقري- "وضع أنثربولوجيا تاريخية للدولة، وتاريخ بنيوي لولادتها، وكيف أصبح الناس يخولون للدولة سلطة إصدار الأمر النهائي في الحرب والسلام، والقضاء، وبناء المعمار وإلخ. ويميز بين دولة بوصفها طبيعة خالقة ودولة بوصفها طبيعة مخلوقة، ويقول إنّ رؤية الدولة بوصفها جمعًا من الأشخاص المنظمين الذين ينتدبون الدولة ويفوضونها؛ أي الرؤية الديمقراطية، خاطئة.
كما يعيد بورديو قراءة ماكس فيبر ويوازن بين العوامل الاقتصادية المادية والعوامل الثقافية الرمزية في نشوء الدولة، فأعاد تعريف «ماكس فيبر» للدولة باحتكارها المشروع لممارسة العنف المادي، مضيفًا إليه احتكار الدولة لكل من العنف المادي والعنف الرمزي، فالعنف الرمزي هو شرط تملك ممارسة العنف المادي.
يستدعي بورديو فكر دوركهايم بقوة في حديثه عن الدولة، رغم أن دوركهايم نفسه لم يتحدث مباشرة عن الدولة، إلا أن مقولته بأن الدولة ترسخ بنى معرفية متماثلة لدى جملة الفاعلين الخاضعين لتشريعاتها، جملة مركزية في طرح بورديو عن الدولة، وينطلق كذلك من منهاجية دوركهايم في كتابه الأشكال البدائية للحياة الدينية؛ أي الرجوع إلى البدائي والعناصر الأولى لفهم البنى الاجتماعية، واستعان بتعريف دوركهايم للدين، لفهم الدولة باعتبارها وهمًا ومتخيلاً جماعيًا"([24]).
بورديو، "يرى الدولة اختراعًا تاريخيًا، وأذهاننا كذلك اختراعات دولة، فحسبما يذكر موريس هالفاكس في الأطر الاجتماعية للذاكرة أن في قلب ذاكرتنا تتمركز الدولة؛ الأعياد الوطنية، التقويم الشمسي والقمري أو التقويم الديني، فنحن موصومون ببنى الزمانية الاجتماعية التي صاغتها الدولة، يختلف الأشخاص ولكن لا يختلف الإطار الزمني المحدد الموحد من قبل الدولة والمرتبط بها خاصة التقويمات الرسمية. فالقالب الزمني الموحد هو أحد أسس الوجود الاجتماعي.
فالتقويمات ما قبل الدولة لم تكن متماثلة كالتقويمات الحالية، فقد ترسخت الدولة من خلال ضبط الاستخدام الاجتماعي للزمن، والإحصاء والتعداد وغيرها من العوامل جعلت من الدولة ذلك الوهم ذا الأساس المكين، وهذا الحيز الموجود لاعتقادنا الراسخ بوجوده، وهم مصدق عليه اجتماعيًا، لاهوتي لأننا نعتقد به، فالدولة هي أحد مبادئ النظام العام، وليست الجيش والشرطة كما يوحي تعريف فيبر المركزي([25]).
آليات نشوء الدولة:
"ترتكز آليات نشوء الدولة -بحسب بورديو – في الحقل الإداري والحقل البيروقراطي وقوة القانون واللغة الرسمية والنظام المدرسي، وبدور فاعلين كالفقهاء القانونيين والموظفين العموميين. لذلك نجده يُعرف الدولة بأنها قطاع حقل السلطة أو السلطان الذي يمكن أن نسميه «حقل إداري» أو «حقل الوظيفة العمومية».
ثمة منطق نوعي خاص بالدولة، وخاص بتشغيل الحقل البيروقراطي، ففي الحقل البيروقراطي يتجسد الانتقال من الدولة الورقية إلى الدولة العيانية، يناقش بورديو تحول الدولة الفرنسية من الدولة الورقية إلى الدولة العيانية في درسه الأخير، ويذكر أن الدولة والبرلمان مؤسستان تم اختراعهما بصورة متزامنة في السياق الفرنسي، بوصفهما حيزًا قانونيًا. ويؤكد قوة القانون في ترسيخ وإعادة إنتاج الدولة"([26]).
نجد –كما تضيف زينب البقري- "في طرح بورديو عن الدولة تفكيكًا لمكونات الحقل البيروقراطي بصورة شديدة التفصيل والعبقرية، فالدولة مجموع هذه المخترعات البيروقراطية كاللجنة والتقرير والأختام الملكية وإلخ. فاللجنة على سبيل المثال تعد اختراعًا خاصًا، اختراعًا قوامه وضع الناس معًا، بحيث يفعلون أشياء ما كانوا يفعلونها لو لم يكونوا منظمين بهذه الصورة، ووظيفة اللجنة هي إنتاج رؤية رسمية تفرض نفسها كالرؤية المشروعة؛ أن تجعل الرؤية الرسمية مقبولة. فيؤكد بورديو أن السحرية البيروقراطية التي فعلت فعلها خلال قرون مضت لا تزال تواصل سحرها اليوم، ولكننا ننسى تلقائيًا وجود مثل هذا الضرب من التقنية"([27]).
يؤكد بورديو أهمية الرسمي والعمومي في إعادة إنتاج الدولة، ودور مسرحة وتمثيل الرسمي ومشهدية الاحترام للحقائق العمومية في ترسيخ سلطتها، ويستعرض بورديو في مسار حديثه عن الدولة معضلة العلوم الاجتماعية ويؤمن بعدم الفصل بينها، ويعرف عالم الاجتماع بأنه شخص يتصدى للتاريخ المقارن لدراسة حالة خاصة من حالات الحاضر، فعالم الاجتماع بالنسبة له هو مؤرخ يتخذ من الحاضر موضوعًا، ويرى أنه ليس ثمة فصل بين التاريخ وعلم الاجتماع، وأن التضاد بينهما هو مصطنع تاريخي؛ أي تركب تاريخيًا ويمكن تفكيكه تاريخيًا. ويتفق مع دوركهايم بأن اللاوعي هو التاريخ، ووظيفة عالم الاجتماع تحليل هذا اللاوعي الاجتماعي لتحرير المجتمع من قيود الهيمنة، ويشير إلى أن مهنة المؤرخ وعالم الاجتماع تقتضي أن يمتلك ذهنًا فلسفيًا ومقدرة على التجريد والنفاذ إلى المستوى الإبستمولوجي، فتاريخ الدولة هو حفر في لاوعي كل فرد منا، كما أنه ليس ثمة أصعب تثويرًا من البنى العقلية، لذا الثورات غالبًا ما تفشل في صنع إنسان اقتصادي جديد أو إنسان بيروقراطي جديد، وأخطر ما في الدولة أنها إجماع ممنوح لهيئة تتولى تعريف المصلحة العامة وتحديدها، ومن مفارقاتها أن المحتكرين للمصلحة العامة هم أيضًا محتكرو الوصول إلى الأملاك والأرزاق العمومي"([28]).
أهم أعماله:
أنتج بيير بورديو أكثر من 30 كتابًا ومئات من المقالات والدراسات التي ترجمت إلى العديد من اللغات في العالم (من بينها اللغة العربية) والتي جعلته يتبوأ مكانة بارزة بين الأسماء البارزة في علم الاجتماع والفكر النقدي منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي حتى بداية القرن الحادي والعشرين.
-       اجتماعيات الجزائر (1958).
-       الورثة. الطلبة والثقافة (1964).
-       إعادة الإنتاج. أصول نظرية في نظام التعليم (1970).
-       التمييز-التميز. النقد الاجتماعي لِحُكم الذوق (1979).
-       الحس العملي (1980).
-       ما معنى أن تتكلم. اقتصاد التبادلات اللغوية (1982).
-       مسائل في علم الاجتماع (1984).
-       الإنسان الأكاديمي (1984).
-       الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدغر (1988).
-       بؤس العالم مع آخرين (1993).
-       تأملات باسكالية (1997).
-       السيطرة الذكورية (1998).
-       البنيات الاجتماعية للاقتصاد (2000).
-       علم العلم والانعكاسية (2001).
-       تدخلات. العلم الاجتماعي والعمل السياسي (2002).
 


([1]) صبحي درويش – عالم الاجتماع والمفكر الفرنسي بيير بورديو – موقع: شفاف الشرق الأوسط – 18 نيسان 2008.
([2]) حسني إبراهيم عبد العظيم – بيير بورديو .. الفلاح الفرنسي الفصيح – الحوار المتمدن – العدد: 3503 – 1/10/2011.
([3]) زينب البقري – مدخل إلى بورديو ونظريته عن الدولة – موقع: إضاءات – 19/7/2017
([4]) حسني إبراهيم عبد العظيم – مرجع سبق ذكره  - بيير بورديو .. الفلاح الفرنسي الفصيح.
([5]) زينب البقري –  مرجع سبق ذكره - مدخل إلى بورديو ونظريته عن الدولة
([6]) محمد حسن عبد الحافظ – مسألة الثقافة الشعبية بين أنطونيو جرامشي وبيير بورديو – الحوار المتمدن – 31/5/2010.
([7]) موقع ويكيبيديا – الانترنت .
([8]) موقع ويكيبيديا – الانترنت.
([9]) جميل حمداوي – المفاهيم السوسيولوجية عند بيير بورديو -  موقع: الألوكة الثقافية – 7/3/2015.
([10])حسني إبراهيم عبد العظيم – مرجع سبق ذكره - بيير بورديو .. الفلاح الفرنسي الفصيح .
([11]) المرجع نفسه.
([12]) أكرم حجازي – سوسيولوجيا بيير بورديو –  مجلة علوم إنسانية – العدد 20 – الانترنت.
([13]) المرجع نفسه
([14]) محمد سنينة و هشام معيري - سوسيولوجيا الهيمنة.. قراءة في فكر بيير بورديو  - مكتبة علم الاجتماع –   2 فبراير 2020
([15])حسني إبراهيم عبد العظيم – مرجع سبق ذكره - بيير بورديو .. الفلاح الفرنسي الفصيح .
([16]) المرجع نفسه.
([17]) المرجع نفسه.
([18]) المرجع نفسه.
([19]) حسني إبراهيم عبد العظيم – في نظرية رأس المال الاجتماعي 3 – الحوار المتمدن – 2/11/ 2013.
([20]) حسني إبراهيم عبد العظيم – مرجع سبق ذكره - بيير بورديو .. الفلاح الفرنسي الفصيح .
([21]) المرجع نفسه .
([22]) المرجع نفسه.
([23]) زينب البقري –  مرجع سبق ذكره - مدخل إلى بورديو ونظريته عن الدولة .
([24])المرجع نفسه.
([25]) المرجع نفسه.
([26])المرجع نفسه.
([27])المرجع نفسه.
([28])المرجع نفسه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول