لم تكن أم الدنيا ..كانت فجر الضمير .

محمد حسين يونس
2021 / 4 / 14

مصر لم تكن في يوم ما أم الدنيا .. و لا قد الدنيا .. حقا كانت أول دولة (متوحدة) في تاريخ البشرية .. و لكنها كانت تحكم بديكتاتورية فظيعة .. و تسود فيها أفكار دينية متعددة .. تعطي للكهان سلطات .. تجعلهم يطمعون دائما في العرش أو السيطرة علي الجالس علي كرسي العرش .. يحركونه في تحقيق مصالحهم .و تأبيد نفوذهم .حدث هذا مع كهنة (رع ) .. في الدولة القديمة .. و مع كهنة (أمون ) في الدولة الحديثة .. و مع كهان الزمن المعاصر .
أفة مصرأنها منذ خمسة أو سته الأف سنة كانت يتحكم في شعبها العسكر و الكهان.. يحكمونه بطغيان شرقي لا يسمح بالتطورات الطبيعية التي تتم للكائنات البشرية منذ ملايين السنين .
عندما نتكلم عن البشر فسنرجع إلي زمن يقترب من ال2 مليون سنة عندما إنتصب القرد الإنساني(الهومو إريكتوس ) و كبرت رأسة و عقلة .. و بدأ يعي ما حولة .. ثم إستغرق تطوره رحلة طويلة لالاف السنين .. حتي أصبح إنسان النياندرتال منذ 400إلي 350 الف سنة .. قادرا علي النزوح لاوروبا و اسيا ..
و إستمر التطور لنصل إلي جدنا.. الإنسان الحديث الهومو سابين منذ 100 الف سنة ..او لذى تجول في الشرق الأوسط و أوروبا و تزاوج مع النياندرتال منذ 50إلي 60 الف سنة ليكون السلالات التي نعرفها للبشر الأن .
حضارة الإنسان كما نعرفها .. بدأت في التكوين منذ 35 الف سنة .. بمعرفته للنار .. و سكناة الكهوف .. و إشتغالة بالصيد ..و ما يتبع هذه المهنة .. من إرتباط طوطمي بالموجودات .و الروحانيات
أما عندما نتحدث عن المصريين .. فسنعود الي الألف الرابعة أو الخامسة .قبل ميلاد المسيح ..أى أن أجدادنا لم يكونوا ألأوائل .. بين البشر .. و لا تجمعاتهم سبقت التجمعات في أفريقيا السوداء أو أسيا و أوروبا ., و قد يكون هنود أمريكا أسبق منهم في تكوين مجتمعات بشرية .. أو حتي سكان أستراليا الأصليين .
بمعني أن شعب ( كيمت ) مصر فيما قبل التاريخ تكون من مجاميع .. مهاجرة .. من الشرق و الجنوب .. و الغرب .. لها ثقافتها .. و إسلوب حياتها .. و علاقاتها المستقرة .. منذ الاف السنين .
و شهد وادى النيل صراعات ضارية بينهم .. إنتهت بقطرين كبيرين في الشمال و الجنوب .. و حدهما الملك (نارمر ) أو مينا في بلد واحد ( كميت ) .. عاصمته منف عام 3200 ق.م .
ملوك كميت لالف سنة أى حتي نهاية الأسرة السادسة من ( 3200– 2150 ق.م ).. كانوا يعتبرون أنفسهم نسل خاص .. يتميز بانه من سلالة الأرباب و الألهة مباشرة ( إبن حورس أو رع ) .. و أنهم أنصاف ألهة .. سيعيشون بجوار أجدادهم في السماء بعد وفاتهم .. لذلك سخروا إمكانيات شعب بالكامل .. في بناء أهرامات تحفظ فيها جثثهم .و تماثيل و هدايا جنائزية .. يستخدمونها في حياتهم التالية.
أهرامات ملوك (كيميت ) القدماء و فنونها خصوصا في الأسرة الرابعة .. من (2600 ق.م حتي 2500 ق.م ) كانت بكل المقاييس معجزات.. خصوصا في دراسات توجيهها الفلكية و إسلوب بناءها الذى يحير حتي المعاصرين ..
و لكن غير ذلك .. ماذا قدمت مصر لتقدم ( البشر ).. في الغالب حتي ذلك الزمن ..كان لاشيء .. حتي نظام الحكم المبني علي الطغيان الشرقي إنهار و ترك مصر لفوضي إستمرت من( 2200 إلي 2040 ق.م )عندما أعيد توحيدها مع الأسرة 12 و حتي غزو الهكسوس 1750 ق.م .
بمعني أرضنا لم تشهد ولادة الإنسان و تطور عقلة ..لم تكن أصل الحضارة .. لم تنمو علي ارضها قدرات البشر التي إستغرقت 400 الف سنة لتتميز .. و إزدهرت في أماكن أخرى من العالم لالاف السنين .. لم يذكر فيها إسم كيميت.. أو وادى نهر النيل ..
و لم ندخل مرحلة العصر الحجرى القديم أو المتوسط أو الحديث إلا متأخرا وفي مناطق خارج الوادى قبل عصر الجفاف .. منذ 10000 سنة ق.م فقط . أى بعد حوالي 40000 سنة من قدرة الهوموسابين علي صناعة أدوات حجرية .. و إشعال النار .
و بذلك أكرر نحن لسنا أم الدنيا .. و لا حتي خالتها . و لا أصل الحضارة .
و مع ذلك .. و بتواضع .. العارفين .. لحجم إنجازات المصريين نستطيع القول بأن اختراع الكتابة كان في مصر وسومر (بالعراق). تقريبا بين 3400 - 3200 ق.م.
وأن كيميت تاريخيا كانت متواجدة مع بداية التاريخ المكتوب .. ففي 11 سبتمبر 2021 سيوافق أول أيام السنة المصرية القديمة أول ( توت ) 6263...
لقد وحد النهر و التجارة و تبادل المنافع أهلها و أكسبهم لغة مشتركة جعلت من جماعات متنافرة متصارعة أمة قبل 6263 سنة
النهر يتحرك من الجنوب للشمال .. و في نفس الوقت تهب الرياح من الشمال للجنوب فسهل هذا حركة البشر و البضائع و الأفكار ذهابا مع التيار و عودة بفرد شراع المركب و تسليمة للرياح
جماعات الكيمتيون المتفرقة تعارفوا و إختلطوا بسبب سهولة الحركة فوق سطح النهر ( علي الرغم من وجود حيوانات خطرة تسبح بجوارهم مثل التمساح .. و سيد قشطة )..
وتماسكوا في مواجهة فيضان النهر و تدميره للقرى و النجوع ..و زاد من أواصر وحدتهم.. تكوينهم لمجتمعات زراعية مستقرة علمتهم كيف يتكاتفون في مواجهة الخطر.. و كيف يوقرون أرباب الخصب و التجدد .. لتصبح أربابا للشعب .. بعيدا عن أرباب الحكام الشمسية التي تدور حول كائنات بالسماء .
ملوك كيميت .. القدماء ..كان بإستطاعتهم السيطرة علي الإقليم .. من الشلالات إلي البحر الأخضر الكبير بدون (شرطة أو جيش أو مخابرات زمننا هذا ) .. وفي نفس الوقت تسيير الحملات العسكرية إذا إستلزم الأمر لردع الأعداء علي الحدود ..
وفي كيميت كان هناك نظام تحصيل ضرائب بإنتظام .. وكان بإمكان الوزير حشد الناس لترويض النهر و الدغل .. و تمهيد الطرق و بناء المعابر و الجسور و المساكن .. و المعابد و القصور كما لو كانوا يعيشون اليوم بيننا.

الإختلاف بين ملوك الأمس و حكام اليوم .. رغم تجميع كل منهما .. جميع السلطات بين يدية .. يأتي في صالح القدماء ...حيث قام نظام الحكم القديم علي أربعة دعائم
الأولي :(ماعت ) نتريت العدالة و الإستقامة ..
و الثانية: (تحوت ) نيتر الحكمة و الثبات و الإنتظام و مبدع اللغة و مراقب الميزان ..
و الثالثة: (أوزيريس ) نيتر الخصب و التجدد ..و الأمل ..
و الرابعة: (أمحتوب ) نيتر الطب و الهندسة و العلم و الفن.. لفهم هذا قد يفيد أن نقرأ ما كتبة ديورانت المجلد الأول صفحة 91
((و كان الملك و أعيان الأقاليم يستعينون بالكتبة للمحافظةعلي النظام و سلطان القانون في الدولة .. و تصور بعض اللوحات القديمة الكتبه و هم يقومون بعملية الإحصاء و يحسبون ما دخل الخزانة من ضريبة الدخل .. و يستعينون بالمقاييس النيلية التي تسجل إرتفاع ماء النهر لمعرفة ما سيكون علية موسم الحصاد فيقدرون منه إيراد الحكومة في العام التالي و يخصصون لكل مصلحة من المصالح ما سيكون لها من نصيب في هذا الإيراد)).
بمعني خطة و موازنة مبنية علي تقديرات عادلة .. من 6000 سنة
((و كان عليهم فوق ذلك أن يشرفوا علي شئون الصناعة و التجارة و لقد أفلحوا من بداية التاريخ تقريبا في وضع نظام إقتصادى تشرف الدولة علية)).
.. هذه هي دولة كيميت .. التي يتصور البعض أنها خرابة و يريد بناء علي نصائح صندوق النقد و البنك الدولي بناءها من جديد بعد 6000 سنة
فلنكمل
((و كانت القوانين المدنية و الجنائية غاية في الرقي كما كانت قوانين الملكية و الميراث في ايام الأسرة الخامسة قوانين مفصلة بدقة و كان الناس جميعا متساوين مساواة تامة امام القانون )).
بمعني أن إعادة إنشاء الدولة .. يستحسن أن يبدأ بدراسة ما كنا علية ..من الاف السنين.. ونشر العدل و الإستقامة .
((لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاما و كانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ و كان الوزير علي رأس الإدارة كلها يشغل منصب رئيس الوزراء و قاضي القضاة و رئيس بيت المال و كان الملجأ الأخير للمتقاضيين لا يعلو علية في هذا إلا الملك نفسة .. وترى الوزير في نقش علي قبر يخرج من بيته في الصباح الباكر ليستمع إلي مظالم الفقراء و يصغي إلي ما يقوله الناس لا يميز فيها بين الحقير و العظيم))
فلنختم هذه الإقتباسات بجزء من خطاب الملك لوزير معين حديثا
((إجعل عينيك علي مكتب الوزير و راقب كل ما يحدث فيه و إعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد ، ليست الوزارة حلوة بل هي مرة و إعلم أنها ليست إظهار الإحترام الشخصي للأمراء و المستشارين و ليست وسيلة لإتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا أنظر إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلي فإحرص علي أن يجرى القانون مجراه في كل شيء و أن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده ..و أن يعطي حقة , إعلم أن المحاباة بغيضة إلي الإله فأنظر لمن تعرفه نظرتك لمن لا تعرفه و إلي المقربين من الملك نظرتك إلي البعيدين عن بيته .. أنظر إن الامير الذى يفعل هذا سيبقي في هذا المكان و ليكن ما يخافة الناس من الأمير أنه يعدل في حكمة)).
و هكذا ..
مصر لم تكن الأولي في سكن البشر .. و لم يتم التطور الطويل لهم علي أرضها ..و لم تكون إمبراطوريات ..و اسعة ( إلا لفترة صغيرة من الأسرة الثامنة عشر حتي الأسرة العشرين ) و كانت تحافظ علي حدودها .. من البدو .. ..
و لكنها كانت دولة ينعم أهلها بالعدل و الإستقامة ..و التخطيط .. و نقل الخبرة و إستيعاب الأخر .. و تعدد الديانات التي تعيش متجاورة في أمان .
فلنقرا لفراس السواح ما كتبه في موسوعة تاريخ الأديان الكتاب الثاني صفحة 34 عن ما قدمته الاوزيريسية ( دين الشعب ) للبشر
1- ربط الاخلاق بالدين و صلة المصرى الفرد بالأخلاق .( لاول مرة )
2- القيامة الفردية أو الصغرى .( القيام بعد الموت لكل الأفراد و ليست للملوك فقط )
3- الثواب و العقاب الأخروى .( من خلال محكمة أوزيريس و ميزان عدالة ماعت )
4- تصورات مادية واضحة عن جنة الأخرة ..( حقول الأليسيان و كيف يعيش فيها المطهرون )
و هذه العناصر جمبعها سوف تشكل جزءا لا يتجزأ من عقائد الديانات المشرقية منذ الألف الأول قبل الميلاد . ))
أو كما ذكر هنرى برستيد في كتاب من ترجمة سليم حسن .. لقد شهدت الأرض المصرية منذ بداية التاريخ (( فجر الضمير )) .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول