بين لوحتين

راتب شعبو
2021 / 4 / 13

بمحض الصدفة وقعت عيني في مبنى عام في بلدة فرنسية صغيرة على لوحة معلقة على الجدار كتب عليها باستنكار: "هل في بلدتنا أشخاص يجوعون، أفي جوارنا من يحتاج إلى الطعام!". هي العين نفسها التي وقعت قبل ذلك بقليل على لوحة سورية تشمل صور هياكل عظمية يكسوها جلد رقيق لضحايا الجوع في مضايا والزبداني، فاغري الأفواه والعيون دهشة مما لم تكن تتخيله من تخلي العالم.
في اللوحة الفرنسية، وهي نموذج عن لوحات أوربية مشابهة، دعوة من جمعيات مدنية للتضامن والتطوع لدعم الأسر الفرنسية الفقيرة التي يلفظها "النظام الرأسمالي" إلى الهامش، وكذلك لدعم الأسر غير الفرنسية التي لجأت من هوامش العالم المنكوب والمحتضر إلى هامش النظام الغربي. وفي اللوحة السورية دعوة إلى الانصياع: "الجوع أو الركوع". بين اللوحتين مسافة واسعة غير أنها قابلة للانكماش تحت ضغط صراع اللوحتين.
بين جهد أهلي متواصل وأخلاقي وتطوعي لترميم لاأخلاقيات النظام الرأسمالي، كنظام يقوم على التنافس والاحتكار والغلبة، وبين جهد سلطات أمر واقع تجعل من انعدام الأخلاق سلاحاً للتركيع، يكمن فارق يحتاج تجاوزه إلى تحول نوعي، ولكن التحول النوعي قد يكون نكوصياً أيضاً.
اللوحة السورية، كمثال بارز عن اللوحات المشابهة من اليمن إلى أفغانستان وفلسطين والعراق وليبيا ..الخ، التي ما انفكت تصدم العالم بتفاصيلها الكبرى، من موت مهشم تحت الركام إلى موت سليم بالغازات السامة إلى جثث على الشواطئ وفي البحار إلى موت بالتعذيب وبالبرد وبالجوع ..الخ، إلى ما هو أقل من الموت أو أكثر، من خطف وسجن وتشرد واغتصاب وخوف وإهانة وذل ومرض، هذه اللوحة بما تعرضه من تفاصيل كافية لكي تجلل بالعار جيلاً كاملاً، ليست نتاجاً سورياً محضاً بلا شك، بل هي نتاج عالمي وعلى صورة العالم.
اللوحة السورية الفظيعة هذه بدأت منذ حين تغزو اللوحة الفرنسية والأوروبية وتفرض ألوانها شيئاً فشيئاً. والأهم أن البلد البعيد جداً والقريب جداً المسمى أميريكا راح يستلهم من اللوحة السورية ويصوغ المزاج الأميريكي العام على هديها.
لا يمكن أن لا يلفت النظر التزامن بين مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي تعرضه اللوحة السورية، وبين مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي تشهده الجدالات السياسية في أوروبا وأميريكا، هذا الانحطاط الذي تزداد شعبيته باطراد. مع الجبهة الوطنية في فرنسا وفوزها الكاسح في الدورة الأولى من الانتخابات الإقليمية بخطاب عنصري وانعزالي، ما يشير إلى انحراف يميني حاد في المزاج العام، ومع صعود شعبية الخطاب العنصري المتهافت الذي يمثله دونالد ترامب المرشح الأول وبفارق كبير عن منافسيه حتى الآن عن الحزب الجمهوري في السباق الرئاسي الأميركي، يتضح أن معايير اللوحة السورية تجد منافذ لها إلى السلطة في هذه البلدان.
بات رهاب الحالة السورية من القوة بما يكفي لتبرير صعود فاشي في البلدان نفسها التي تعرض اللوحة المناقضة. المنطق السياسي الذي يتشكل بتسارع لافت في البلدان الأوروبية اليوم يقوم على نوع من الحجر الصحي على النزاعات البعيدة، وتحصين الذات بالمزيد من الحماية ووسائل الوقاية، وترك المحجورين لأمراضهم، وحرقهم من الجو إذا أمكن للمزيد من الضمان. الأمان بأي وسيلة كانت بات مركب الطامحين السياسيين في البلدان الغربية بسبب الرهاب السوري.
على هذا النحو، لا يميل السياسيون في الغرب إلى كبح لا أخلاقيات سلطات الأمر الواقع في سوريا كما يمكن أن ينتظر العاقل، بل يميلون إلى ممارسات لا أخلاقية تجاه المنكوبين، تعزز ممارسة جلاديهم المحليين. تمييز محلي عنيف يقوم على معايير الولاء والطائفة، يغذي تمييزاً عالمياً على شكل صعود موجة عنصرية ضد الأجانب. يقول هذا إن متانة الثقافة الديموقراطية الغربية الناجمة عن تحولها إلى تقليد ووعي شعبي، تتشقق اليوم تحت ثقل الخوف من الفظاعات التي تعرضها صراعات فاقدة لأي معيار أخلاقي مهما يكن.
يناير/كانون الثاني 2016

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية