الاتهامات و تزوير الحقائق في خدمة النظم الديكتاتورية

محمد رضا عباس
2021 / 4 / 13

بمناسبة مرور الذكرى السنوية لسقوط نظام حزب البعث في العراق , خرجت كتابات من بعض العراقيين والعرب , تترحم وتمجد النظام الساقط وتعدد إنجازات خارقة له غير موجودة , ومنها ان العراق في زمن النظام السابق كان " قبلة للعلم بكافة جوانبه " , وكان العراق مصدر " الاشعاع الفكري والابتكارات العلمية", وانه طور ماكنته العسكرية حتى أصبح من الدول التي يحسب لها ألف حساب. بينما ان من حق أنصار النظام السابق والمستفيدين منه الكتابة بما يريدون , الا ان الحقائق على الارض لا تطابق موصفات الماضي الأليم.
حزب البعث ترك العراق ولم تكن مدينة منه تضاهي لندن وباريس , او حتى مدينة توازي في عمرانها وتقدمها بعض مدن الجوار العراقي. لقد ترك حزب البعث العراق والخراب شمل الأرض والعباد. وكان هدف من جاء بحزب البعث وتوصيله الى السلطة هو تخريب ماضي وحاضر ومستقبل العراق. النظام حول العراق من دولة فائض مالي بقدر 65 مليار دولار الى دولة مدينة بمبلغ 120 مليار دولار. سقط نظام حزب البعث ,والعراق تغمره المشاكل الى اذنيه: شحة في دور السكن , نقص في المياه الصالح للشرب, فقدان الادوية حتى البسيطة من المستشفيات العراقية , وأكثر من نصف العراق لم تصله الطاقة الكهربائية. حزب البعث خرج من العراق ومساحة العراق اقل من مساحته قبل عام 1968 وهو عام الذي تسلم السلطة في العراق. وهل ننسى فقر المواطن العراقي في زمنه , حتى وصل دخله السنوي اقل من دخل فلاح يعمل في احدى القرى الهندية. فعلى أي شيء يتباكى عليه المتباكين. والأخطر من ذلك تزويق النظام السابق للشباب العراق (بسبب نوم الاعلام العراقي) , حتى أصبحنا لا يمر يوما بدون بوست من على التليفون يحمل صور من " الأيام الجميلة", ومنها امرأة ما بين الجاموس تشوي الخبز, وصوبة علاء الدين التي قتلت الكثير من العراقيين , وسيارات باص الخشب وهي محشوة بالركاب ومع صوت مطرب ينوح على حاضر العراق.
أجمعت جميع الدراسات الرصينة على ان فترة حكم حزب البعث في العراق كانت اقسى الفترات المظلمة , حيث قتل واعتقل فيها المثقف والاديب وأصحاب الفكر , ولم ينج منهم الا من اللصق على فمه شريط لاصق. فكيف يكون العراق منارة للعلم والابداعات وأصحاب الابداع يخافون على جلودهم من الموت المحقق؟ وأين هذه الابداعات التي يدعي بها أصحابها؟ العراق كان يستورد ابرة الخياطة ومازال يستوردها. كان العراق يستورد كل شيء وما زال يستورد كل شيء تحت سلطة الفساد والمحاصصة. كان الفساد الإداري والمالي في أحسن عافيته تحت حكم حزب البعث , وما نراه الان من فساد ما هو الا امتداد لذلك الفساد.
ان حبل الكذب قصير , ولا يحق الا الحق , وان تشويه الحقائق لا يخدم أحد , وسوف لن يبقى الى الابد , وفي الأخير يكتشف الكاذب , ولكن سوف لن يكون بدون كلفة. الكلفة هي تجهيل المواطن العراقي , وربما انحداره الى طريق يعارض التوجهات الديمقراطية في البلد. نعم , أقول التوجهات الديمقراطية في البلد وانا اعلم جيدا , انها ليست بأحسن حال , ولكن الامل معقود على الجيل الجديد.
الحديث يجرنا أيضا الى اكذوبة أخرى لا تقل عن اكذوبة ازدهار العلم تحت قيادة حزب البعث , وهي ان إيران حولت سنة العراقيين الى لطم ونوح وبكاء , حيث تبدأ كل سنة هجرية جديدة بمراسيم عاشوراء , ثم اربعينية الامام الحسين , ليتبعها مناسبات لطم عديدة على بقية أئمة اهل البيت ومسيرات من الكاظمية الى كربلاء والى النجف وسامراء خلال العام. هذا الاتهام فيه ثقوب كثيرة تزيد على عدد ثقوب الجبنة السويسرية. ان قائلها لم يقرا كتاب واحد عن هذه الطقوس وعن تاريخها وأصلها. وكل ما أستطيع قوله هو من يريد الالمام أكثر في هذا الموضوع هو قراءة كتاب " تراجيديا كربلاء" للمؤلف إبراهيم الحيدري ليعرف ان مراسيم الاحزان في العراق هي ليس من صنع إيران وانما كانت موجودة في عهد الإمبراطورية العثمانية. كما وما زالت املك نسخة من مجلة " الجغرافية القومية" الامريكية الشهيرة (National Geography) تعود الى عام 1920 وفيها يسرد كاتب المقال مراسيم عاشوراء والمشي نحو كربلاء في الأربعين على الاقدام. ثم ان ممارسة العزاء باستشهاد أئمة اهل البيت لم يسبب بتخلف البلاد عن الركب الحضاري , وخير دليل على ذلك ان دول عربية وإسلامية لا تمارس طقوس الحزن ولكنها ما زالت متخلفة ثقافيا واقتصاديا.
ولكن الافظع من ذلك كله , يأتي كاتب ويقول ان إيران اشغلت العراقيين بالبكاء واللطم , فيما انها انشغلت ببناء ترسانتها العسكرية وتطور علومها وابتكاراتها. هل سرقت إيران اختراعات وابتكارات العراق مثلا؟ هل اختطفت إيران علماء العراق؟ وإذا استطاعت إيران بناء قوتها العسكرية والعلمية , فما ذنبها ان لم يتحرك الاخرون؟ اعتقد ان هناك عقدة عند العرب يجب تجاوزها وهو وضع اللوم على تخلفهم على الاخرين. لقد ذكر لي أحدهم , وهو يصدق بما يقول , ان الولايات المتحدة الامريكية لم تصل الى هذا التقدم الحضاري لولا سيطرتها على نفط العراق. بالحقيقة الولايات المتحدة لا تشتري من العراق أكثر من 500 ألف برميل نفط في اليوم في أحسن الاحوال وهي كمية لا تمثل حتى 2% من حاجة البلد. نعم هدف نشر ثقافة تشويه الحقائق يراد منه تجهيل الشعوب والقبول بالسيء, الديكتاتورية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا