عن البداوة والحضارة

سعود سالم
2021 / 4 / 13

أركيولوجيا العدم
٣٥ - عن البدو والحضر


كانت الآلهة عشتار آلهة بالغة الجمال والذكاء كما سبق القول وعرفت بجرأتها وخيالها الواسع، فحسب الكتابات السومرية أرادت عشتار أن تدخل الحضارة والمدنية إلى أوروك، وكان من يملك النواميس الإلهية لفنون الحضارة هو الإله انكي، إله الحكمة والمعرفة الذي كان يعرف ما تنطوي عليه قلوب الآلهة، فأرادت عشتار زيارة انكي لأخذ النواميس. وما أن عرف الإله انكي بقدوم الآلهة عشتار حتى أمر باستقبالها بكل ترحاب، وتجهيز مأدبة فخمة على شرفها تزخر بكل ما لذ وطاب من أكل وشراب، إلا أنه كان قد قرر بينه وبين نفسه عدم إعطائها النواميس، أو على الأقل ليس بهذه البساطة. وعندما جلس الاثنان على المائدة أخذ الإله انكي مفتونا بجمال عشتار يسرف في الشراب والكرم حتى نسي حذره، وهو في حالة سكر شديد فأعطاها ما أرادت، وعندما أفاق الإله انكي في صباح اليوم التالي ذهل لاكتشاف ما حدث، فأمر بعمل كل شيء لاسترداد النواميس ولكن بدون جدوى، وبذلك أصبحت أوروك من أعظم المدن وأشدها تقدما.
وفقا للأساطير أيضا تزوجت عشتار الإله تموز الذي قتل بعد ذلك بفترة وجيزة في ظروف غامضة، فحزنت عليه حتى بلغت حدا أبت تحت رزئه إلا النزول إلى عالم الموتى لترى تموز هناك وتحاول إعادته إلى الحياة. فاستاءت الأحوال على الأرض وتوقفت النباتات عن النمو وانقطع النسل، فأرسلت الآلهة أمرا إلى ملوك العالم السفلي بإخلاء سبيل عشتار. عادت عشتار إلى الأرض ومعها عادت الحياة لتموز. وكانت هذه القصة محورا أساسيا في الدين البابلي لفترة طويلة تحت صور وروايات متعددة.
وفي رواية أخرى من هذم الوايات، تقدم الراعي "تموز" طالبا الزواج من عشتار عن طريق شقيقها أوتو الذي حاول اقناع عشتار بالموافقة على هذا الزواج، ولكن كان لعشتار رأي مختلف فقد كانت مغرمة بشخص آخر، بفلاح يدعى "انكي-امدو"، فأسرف الشقيق في وصف محاسن تموز ومزاياه المتعددة، بدون أن يكشف هويته الحقيقية حتى يثير لديها غريزة حب الإستطلاع ويجعلها تخمن من هو هذا الزوج الموعود، وحزرت في نهاية المطاف، ولكن هذا لم يثنها عن عزمها. وجاءها تموز بنفسه ووعدها بتقديم كل ما تتمناه، وبعد جهد جهيد وافقت عشتار وغضت النظر عن الفلاح الذي التقى بتموز بعد ذلك وكاد هذا أن يهجم على الأول، إلا أن الفلاح كان مؤدبا وعرف كيف يهدئ من روعه فتراجع تموز، وبعد أخذ ورد تصالحا ودعا تموز الفلاح لحضور الزفاف وقبل الرجل الدعوة متشرفا. وأخيرا تزوج العاشقان ليعيشا في "بيت الحياة". القصة تبدو عادية ومملة، سوى أن تموز الراعي العنيف وإنكي آمدو الفلاح المؤدب، تذكرنا بطريقة ما بقصة قابيل الفلاح المزارع الذي رفض الله قربانه وهابيل الراعي الذي فضله الرب وأكل خروفه. وهو الصراع الرمزي بين ثقافة الرعي والتنقل والترحال والثقافة الزراعية المستقرة، الصراع بين البداوة والحضارة.
وبعد ذلك بفترة قررت عشتار لأسباب غامضة ومجهولة، زيارة العالم السفلي، الذي يسكن فيه الأموات وهو عالم منفصل عن عالم الأحياء، وذو قوانين خاصة به وتحكمه أخت عشتار الكبرى الآلهة ارشكيجال والتي لا تحب اختها كما يبدو.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار