ميشال فوكو (1926 – 1984)

غازي الصوراني
2021 / 4 / 13


13/4/2021

فيلسوف فرنسي، "يعتبر أحد أكبر الأسماء في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، من تيار ما بعد البنيوية، وضع بصمته بقوة على الكثير من فروع الفكر المعاصر والعلوم الإنسانية، من النقد الأدبي إلى التحليل اللغوي، ومن علم التاريخ الاجتماعي وتاريخ الثقافة (الغربية الحديثة، والحداثة ونقدها) إلى علم النفس وغيرها"([1]).
"اكتسب ميشال فوكو شهرته من خلال كتابه الكلمات والأشياء (1966) الذي يدافع فيه عن الموقف البنيوي، وهو أن الإنسان بناء اجتماعي، والحقيقة هي بُنى بشكل أساسي، ومثله مثل البنيويين الفرنسيين الآخرين، انتقد فوكو النظريات التي تؤيد مفهوم الإنسان أنه فرد ذو استقلالية بدلاً من إعطاء الأسبقية لمفاهيم الشروط البنيوية، فكان فوكو بهذا الكتاب "الكلمات والأشياء" من بين أهم المفكرين والفلاسفة الذين سعوا لتقويض الفلسفة الوجودية التي عبرَّ عنها جان بول سارتر، فقد "أعلن ميشيل فوكو في كتابه الشهير “الكلمات والأشياء” موت الإنسان أيضا وليس فقط الله. وكان يقصد بذلك أن الصورة المثالية التي شكّلناها عن الإنسان سقطت بسقوط الإنسان نفسه وممارساته البشعة من خلال الاستعمار، والنازية، والفاشية، والستالينية. وبالتالي فلا ينبغي ان نغتر بالانسان كثيرا"([2]).
وما يميز تحليلات فوكو "الأركيولوجية" أن هدفه كان عملياً (سياسياً) على الرغم من الشكل العلمي الذي كان لكتابه، فكان هدفه فضح البنى السلطوية، وأن يبين كيف أن ما يبدو عقلياً يعمل في الواقع كقمع خفي غالباً ما يكون في شكل تأديب وغرس عقيدي. وكان قلب فوكو مع المهمشين في المجتمع، مثل "المجانين" أو "اللواطيين" أو نزلاء السجون. وكان بنقده المذهب الغربي العقلي التقليدي منحازاً إلى صف الفلاسفة التفكيكيين، ومثل دريدا، دافع فوكو عمن عرفوا بأنهم "الآخرون"، لكن التزام فوكو السياسي كان على درجة من القوة، وكان عداؤه للتبرير الفلسفي على درجة من الاتساق المنطقي بحيث وجد هناك توتر واضح بين ريبيته الفلسفية والتزامه العملي"([3]).
أخذ فوكو عن هوبز وديكارت وكانط، فجمع بينهم، وكانت له نظرية تكنوقراطية تطبيق عدة مناهج، أما الإنسان الذي يصفه فوكو فهو الإنسان العاجز عن مواجهة السلطة الاجتماعية بهدف استرجاع حريته"([4]).
"يعتبر فوكو من أهم مؤرخي الفكر، من حيث أنه وضع منهجية جديدة لتتبع نشأة الأفكار بما فيها الفلسفة، وقد استعمل مقولة "أبستيميا" لأول مرة في كتابه "تاريخ الجنون" ويعني بها بنية فكر في فترة زمانية معينة، حيث ترتبط الأفكار ببعضها، بالرغم من اختلافها الظاهري كارتباط نشأة القول الطبي حول الجنون في عصر النهضة بالفكر الاقتصادي السياسي والفكر الفلسفي"([5]).
لقد عُرِفَ فوكو بدراساته الناقدة والدقيقة لمجموعة من المؤسسات الاجتماعية، منها على وجه الخصوص: المصحات النفسية، المشافي، السجون، وكذلك أعماله فيما يخص تاريخ الجنسانية، وقد لقيت دراساته وأعماله في مجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة، إضافة إلى أفكاره عن "الخطاب" وعلاقته بتاريخ الفكر الغربي، لقي كل ذلك صدى واسعاً في ساحات الفكر والنقاش.
في أواخر السبعينات، انحسر النشاط السياسي في فرنسا، وبعد خيبة الأمل تجاه الكفاح اليساري، وقام عدد من الشباب الماويين بالتخلي عن معتقداتهم ليصبحوا ما يسمى "المتفلسفون الجدد"، وغالباً ما ذكروا بأن فوكو يمثل مرشداً أساسياً لهم، في إطار مفهوم "ما بعد الحداثة"، فقد كان فوكو " يمثل التيار الناقد بشدة للحداثة والعقلانية الغربية، كان يعتقد بان مشروع الحداثة قد فشل بعد أن جرب نفسه طيلة مئتي سنة، وأنه لم يؤد إلى تحرير الإنسان كما كان متوقعاً، وإنما إلى استعباد الإنسان وتقييده بأصفاد جديدة غير مرئية غالباً. وهكذا راح يصب جام غضبه على التنوير والحداثة والعقلانية التي أدت إلى مجتمعات المراقبة المعممة، وراح ينفي صفة الكونية، بل وحتى الإنسانية عن حضارة الغرب، ولم يكن مخطئاً كل الخطأ"([6]).
ويرى فوكو أن مشروع الحداثة كان يرتكز أساساً على فكرة التقدم والتحقيق المطرد له في المجالات كافة، يتبعه الكثير من الدارسين، ولكن سرعان ما خابت آمالهم، فقد تكشف التقدم عن سراب، أو شيء يشبه السراب، بل وانقلب إلى عكسه، وتبين أن مطبات الحياة لا تقل خطورة عما كان عليه الحال قبل الحداثة، بل إن مجتمعات ما قبل الحداثة أفضل من مجتمعات الحداثة بحسب رأي فوكو وتياره، وراحوا يدعون للقطيعة مع الحداثة ومع التنوير الذي ادى إليها. ولذلك اخترعوا مصطلحات من نوع: ما بعد الحداثة، وما بعد التنوير، ما بعد التاريخ.. فهم يرديون أن يخرجوا من الحداثة كلياً إلى ما بعدها"([7]).
فوكو في إيران :
في عام 1978، وبينما بلغت التظاهرات ضد الشاه في إيران أوجها، عمل ميشيل فوكو مراسلاً صحافياً خاصاً لجريدتي: (كورير ديلا سيرا (و(لونوفل أوبزرفاتور).
التقى بقادة وبسياسيين وناشطين في التظاهرات التي قادتها المعارضة ضد نظام الشاه، كما التقى بالخميني في ضواحي باريس، وكتب سلسلة من المقالات عن الثورة.
قدم فوكو من خلال مقالاته رؤية لما سماه "الروحانية السياسية مؤكداً حماسه للثورة الإيرانية، وبدا وكأنه يدعم اتجاهها الإسلامي، وفي حين اعتقد كثيرون أن اليسار العلماني سوف يزيح التيار الإسلامي بعد سقوط الشاه، أطلق هو تهكماً واضحاً من أصحاب تلك النظرة، ورأى في الحركة الإسلامية، بل وفي الإسلام، برميل بارود سيغير ميزان القوى في المنطقة.
الفلسفة لدى فوكو:
يقول السيد ولد أباه: "إن فوكو لم يهتم إلا إهتماماً محدوداً بتحليل أفكار الفلاسفة والتعليق عليها، فلم يكن "كهايدغر" الذي نهج سبيل المساءلة الفلسفية، واستذكار الإرث الأنطولوجي واستنطاق المنظومات الميتافيزيقية، ولا هو "دولوز" أو "هابرماس" اللذين اشتغلا في اعمالهما بتقديم الفلاسفة والتعليق على أفكارهم وشرحها، انطلاقاً من اهتماماتهما واشكالاتهما الخاصة.
إن هذا الموقف يُعَبِّر عن أكثر من مجرد اهمال أو تجاهل، ولا يمكن تفسيره إلا من خلال استعراض منزلة الفلسفة لدى فوكو، ومقاربته لاستراتيجية التأويل الفلسفي لديه"([8]).
إن الفلسفة بالنسبة اليه –كما يقول السيد ولد اباه-  "لم تعد نشاطاً نظرياً موسوعياً يضبط المعاني النهائية والغائية للوجود والممارسة البشرية، بل أصبحت استراتيجية تشخيص وتفكيك ونقد، تنشأ وتنمو على هامش مجالات بحث، وميادين تحليل، ظلت إلى عهد قريب، بمنأى عن الاستكناه الفلسفي".
يقول فوكو: "لقد مرت تلك الحقبة الكبرى من الفلسفة المعاصرة، حقبة سارتر وميرلو بونتي، حيث كان على نص فلسفي، أو نص نظري ما، أن يعطيك في النهاية، معنى الحياة والموت ومعنى الحياة الجنسية، ويقول لك هل الله موجود أم لا، وما تكونه الحرية، وما ينبغي عمله في الحياة السياسية، وكيف تتصرف مع الآخرين، الخ، وهكذا فالنظرية والنشاط الفلسفي يظهران عند فوكو "في ميادين مختلفة تبدو وكأنها منفصلة عن بعضها بعضاً. إن إشكالها هو يصوغه فوكو في السؤال الآتي: "ما هو الشيء الخالد وسط هذا العالم الذي يفني فيه كل شيء، ومن نحن المحكوم علينا بالموت، بالنسبة لذلك الشيء الذي لا يفني؟""([9]).
أما الفلسفة بالمعنى الجديد الذي يعطيه لها فوكو، "فهي استراتيجية "تشخيصية" (حسب الدلالة النيتشوية)، تتفحص الحاضر وتكشف عن مسار تكوينه، وبذلك تقترن بالتاريخ: وذلك ما يؤكده فوكو بقوله:
"يبدو لي أن الفلسفة لم تكف، خلال القرن التاسع عشر، عن الاقتراب من السؤال التالي: ما الذي يجري حالياً، نحن الذين لعلنا لا شيء غير ما يجري حالياً، لا أقل ولا أكثر؟ ويوضح فوكو أكثر هذا الدور الجديد المناط بالفلسفة "كتشخيص للحاضر" بقوله: "إذا ما كان ثمة، على وجه الاحتمال، نشاط فلسفي مستقل اليوم، ووجدت فلسفة لا تكون مجرد نوع من النشاط النظري الداخلي للرياضيات أو اللسانيات أو الاثنولوجيا أو الاقتصاد السياسي، إذا كان ثمة فلسفة مستقلة، متحررة من كل هذه الميادين، أمكننا تعريفها على النحو التالي: بأنها نشاط تشخيصي، بمعنى أنه حينما يشخص المرء الحاضر معناه أن يقول ما هو الحاضر، أن يقول فيم يختلف حاضرنا، اختلافاً جذرياً عن كل ما عداه، أي عن ماضينا، ولربما كانت هذه هي المهمة الموكولة للفلسفة الآن".
والواقع، "ان ممارسة الفلسفة لدى فوكو، ليست ذات طابع احادي، بل تتخذ اشكالاً وأدواراً متعددة، ففوكو، هو كما يقول بلانشو "إنسان دائب السير"، يسلك منعرجات شتى، وهكذا نلاحظ أن ممارسة الفلسفة لدى فوكو، ممارسة مزدوجة: فمن جهة يرفض فوكو بشدة فكرة تاريخ عام للفلسفة، يتم البحث عن موقع داخله، بل على عكس ذلك يبين فوكو أن التقليد الفلسفي ليس موحداً، بل يطبعه التعدد والاختلاف – إن هدف فوكو هو مساءلة هذه "الخطاطات العامة" في تاريخ الفلسفة، وتشتيت أنساقها وفتحها على أسئلة جديدة"([10]).
وفي هذا السياق، يرى السيد ولد أباه، أن فوكو لم ينكر أبداً صلاته المتعددة والقوية بفلسفة نيتشه، الذي خصص له نصين من أهم نصوصه المشهورة، بل اعتبر أعماله كلها تتبع خيطاً موجهاً رسمته جينالوجيا نيتشه.
يقول في آخر حديث أجري معه وقد نشر بعد وفاته: إن مصيره الفلسفي، كان محدداً بقراءة هايدغر، لكنه يعترف أن نيتشه قد استأثر في الاخير باهتمامه، ويضيف مؤكداً: "أنا ببساطة نيتشوي أحاول بقدر الامكان أن أرى بخصوص عدد من النقاط – بمساعدة نصوص نيتشه- ولكن مع ذلك مع أطروحات مضادة لنيتشه (وإن كانت مع ذلك نيتشوية) ماذا يمكن أن نعمل في هذا المجال أو ذاك. لا أبحث عن أي شيء آخر، ولكني أبحث عن هذا بحق"، فليس نيتشه بالنسبة لفوكو مجرد فيلسوف معاصر، يحتل محطة بارزة في تاريخ الفلسفة، ولا هو صاحب منهج جديد في التأويل أثر تاثيراً حاسماً في صياغة أسئلة الفلسفة ورهاناتها وإعادة بنائها، إن نيتشه هو إلى جانب "فرويد" و"ماركس" أحد ثلاثة قلبوا جذرياً نظام التأويل ذاته في الفكر الغربي"([11]).
إن نيتشه بالنسبة لفوكو "هو من أيقظنا من "سباتنا الجدلي والانتربولوجي"، وليست مقولات "المأساوي" و"مطرقة الفلسفة" و"الانسان الأعلى" و"العودة الابدية" سوى أصوات جديدة للتحليل تعوض الانساق الميتافيزيقية الأكثر عراقة، وبالتالي فإن إنشاء تاريخ للجسد، في مقابل فينمونولوجيا العقل، وإرساء جينالوجيا أخلاقية للمعارف والانساق العقلية، ذلك مشروع فوكو الذي يستمده من نيتشه، ويتجلى ذلك، في استجابة فوكو للائحة المواضيع التي اقترح نيتشه التأريخ لها وهي: الحب، الشهوة، والوعي، والشفقة، والقساوة، وتاريخ مقارن للعقوبة، وتاريخ مقارن للعقوبات، إنها مواضيع فوكو ذاتها، أخيراً، إن الإشكالات التي يطرحها فوكو غريبة عن واقعنا (العربي) ومشاغلنا –كما يقول بحق السيد ولد أباه- وهي اشكاليات مندرجة في سياق حوار غربي لا موقع لنا فيه ولسنا طرفاً من أطرافه"([12]).
وعلى الرغم من ذلك يظل الاختيار الأمثل، هو "أن نتعلم كيف نفكر مثل فوكو، ذلك أن الفلسفة لديه هي قبل كي شيء نهج في النظر واستراتيجية تأويل وتساؤل مفتوح .. فليس همها بناء الحقائق أو الكشف عنها، وإنما رصد الاشكالات وصياغتها، ومن هنا تبدو دلالة وفعالية الخطاب التاريخي كنموذج مركزي في نهج فوكو"([13]).
كان تأثير الفيلسوف ميشال فوكو على القرن العشرين كبيراً أيضاً، فقد استطاع تجديد الفلسفة عن طريق تطعيمها بالعلوم الإنسانية كعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد… إلخ. وقال إن الفيلسوف لا ينبغي أن يتفلسف بشكل مجرد بعيداً عن الوقائع المحسوسة والعلوم التطبيقية كما يفعل بعضهم، ولهذا السبب–يقول هاشم صالح- فإن فوكو درس أهم المؤلفات التاريخية في عصره وأهم النظريات العلمية قبل أن يبلور فلسفته، كما قام بتحريات ميدانية على أرض الواقع لكي يدعم متانة نظرياته الفلسفية، وعلى هذا النحو زار المصحات العقلية كثيراً قبل أن يؤلف كتابه الشهير: "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي". وأثبت أن الجنون ظاهرة اجتماعية بقدر ما هو ظاهرة نفسية وربما أكثر، بمعنى أن المجتمع هو الذي يصيب الفرد بالجنون وليس فقط اختلاله العقلي، ولهذا السبب فإن الفيلسوف الكبير–كما يقول د.هاشم صالح- دعا إلى تغيير المصحات العقلية في فرنسا وعموم أوروبا لأنها تزيد من هلع المجانين، بل وتصيب حتى الإنسان الصحيح بالجنون إذا ما أدخل إليها، وقد ساهمت ابحاث فوكو في إصلاح نظام المصحات العقلية وكذلك نظام السجون في فرنسا، وأثبت فوكو أن الفلسفة يمكن أن تقدم خدمات عملية للمجتمع، وليست عبارة عن ثرثرات مجانية في برج عاجي"([14]).
أما المفكر الراحل صادق العظم، في اجابته على سؤال: هل لأعمال فوكو أية قيمة معرفية أو علمية في نظرك إذن؟ يقول: "إن قراءة أعماله مسألة مهمة لكل من يتابع تطورات الفكر الأوروبي الحاضر وتأثيراته في الخارج ، في سنة 1983 قدمت مجلة "مواقف" فوكو إلى القارئ العربي مطولاً وباعتباره صاحب ثورة حقيقية في الفكر الحديث.
إن كتبه مليئة بالأفكار واللمعات والحدوس وغنية بالتحديات الفكرية والإيحاءات الفلسفية كما أنها مفيدة جداً في دفع الاتجاهات العدمية والعبثية والذاتوية (المسيطرة منذ مدة غير قصيرة على نخبة الانتليجنسيا البرجوازية في أوروبا) المعادية للمعرفة والعلم والتنوير والموضوعية إلى نتائجها المنطقية القصوى، بحيث نكتشف تناقضاتها الداخلية، وتظهر نقاط ضعفها المضمرة وتتضح نزعتها إلى الارتداد على نفسها وتدمير نفسها بنفسها.
بالتالي، تميل كتابات فوكو بقوه – كما يضيف د.العظم- إلى الشطط الخطابي والنثر الدرامي شبه الأدبي دون أن تعطينا نصاً ادبياً جدياً، كما تشكو مؤلفاته، من ضعف كبير على صعيد التماسك المنطقي، ومن الغموض والالتباس على صعيد المعاني، ومن النقص الفادح في الدقة والتدقيق بالنسبة للوقائع والبيانات والشواهد التي يحتج بها محاولاً إثبات طروحاته بواسطتها وإقناع القارئ عبر إبرازها واستخدامها ، لذا كثيراً ما تتحول أعماله إلى خليط (أو صحن سَلَطة) من التاريخ والتأريخ والملاحظة والفلسفة، وعلم النفس والابستمولوجيا والنظرية الاجتماعية والفكر السياسي والتشريعي والقانوني إلخ دون أن تنجح في تجاوز هذا التنوع إلى تركيب أعلى يوحدها، ويعطيها معناها المتميز ويحولها، بالتالي، إلى إسهام جديد وحقيقي في الفكر الفلسفي الأوروبي المعاصر.
لكن الأخطر من ذلك كله –كما يستطرد د. العظم- "هو مسألة التعامل مع مؤلفات وأطروحات مفكر يَدَّعي صادقاً أنه يهدم الصدق، ويَدَّعي موضوعياً أنه يهدم الموضوعية، ويدعي علمياً أنه يهدم العلم، كيف -إذن- نتعامل مع أعمال مفكر يقول لك فعلياً وبجدية كاملة أنه إذا كانت الأرض كروية أم مسطحة، مسألة تتوقف على العصر الذي نعيش فيه، وعلى نوع الخطاب أو الإشكال النظري السائد، وعلى طبيعة الإبستيمة المسيطرة في حينه؟ هل نعتبره "فوضوي البتسمولوجي" يلعب لعبة الموضوعية والصدق والحقيقة والعلم كي يهدمها كلها من الداخل، على طريقة فايارابند؟ أو ربما هو يلعب لعبة الخطاب واللغة والإبستيمة والأركيولوجيا، كي يضع حداً لكل خطاب ولكل لغة ولكل ابستيمة ولكل أركيولوجيا بتعريتها من الداخل وتدميرها من قلب معاقلها، بحيث نقف مجدداً أمام اللاشيء أو العدم، أو بحيث نرفع شعار "نهاية كل شيء" مرة واحدة، بما في ذلك نهاية إرادة القوة نفسها ونهاية عدمية العدمية ذاتها! لا غرابة أن وَصَفَ فوكو أعماله بقوله إنها "أوهام" و"تخييلات"، ولا عجب إن هو شبهها بتلك الأشياء التي تحدث دوياً أثناء تدميرها لنفسها كالمفرقعات (وهي بالفعل مجرد مفرقعات) والألغام وزجاجات مولوتوف الحارقة. على عكس اسارتر، لا أجد عند فوكو إلا عبثية الخفة وعدمية الاستهتار"([15]).
من مؤلفات فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (1961)، ولادة العيادة (1963)، أركيولوجيا المعرفة (1969) إرادة المعرفة (1976)، تاريخ الجنس (1984)، ونشر في عام 1966 كتابه (الكلمات والأشياء) والذي لقي بالرغم من كبره وصعوبته شعبية واسعة، لكونه ضد الفلسفة الوجودية التي جسدها سارتر.
توفي فوكو نتيجة مرض الإيدز في باريس بتاريخ 25 حزيران/يونيو 1984.
قالوا عنه([16]):
-     "إن عالم الكلمات والأشياء هو ذلك العالم الذي كان سيعيش فيه الإنسان فيما لو حرم من إمكانيات الدفاع،والانسان الذي يصفه فوكو هو الإنسان العاجز عن مواجهة السلطة الاجتماعية بهدف استرجاع حريته.. والحق أن العنصر الذي يفتقد إليه هذا الكتاب هو على وجه التعيين الانسان. الإنسان بعناصره الذاتية واللاعقلانية غير القابلة للاختزال، وبقدرته على أن يعي عقلياً الضغوط التي تمارس عليه، بما فيها قدرته على أن يغير هذه الضغوط، حتى على مستوى المؤسسات الاجتماعية – الثقافية". (جيرار ماندل)
-     " إن ما نجده في الكلمات والأشياء ليس أركيولوجيا للعلوم الإنسانية، بل جيولوجيا : سلسلة من طبقات متعاقبة تؤلف "أرضنا"، وكل طبقة من هذه الطبقات تحدد شروط إمكانية نمط معين من الفكر انتصر في حقبة معينة من الزمن. ولكن فوكو لا يقول لنا ما هو أهم : لا كيف يبنى الفكر بدءاً من تلك الشروط، ولا كيف ينتقل البشر من فكر إلى آخر، وقد كان هذا يقتضيه أن يدخل الممارسة، أي التاريخ، والحال ان هذا تحديداً ما يرفضه. صحيح أن منظوره يبقى تاريخياً. فهو يميز بين عصور، بين ما قبل وما بعد. لكنه يستعيض عن السينما بالفانوس السحري، وعن الحركة بتعاقب من سكونات" (جان بول سارتر).
-     "إن البنية عند فوكو كلية غريبة عن الإنسان، أو هي على حد تعبير سارتر، "الشيء بدوننا"، ويبدو لي ان فوكو يَرُدْ، أكثر من أي مفكر سواه، علوم الإنسان إلى علوم صنائع الإنسان، بل إنه يدرس هذه الصنائع المتبلورة في بنى، وكأنها ليست من صنع أحد. إن هذه التنحية للإنسان هي، في خاتمة المطاف، حجر الزاوية في تصور فوكو" (روجيه غارودي).
 
 


([1]) سامى خشبة – مفكرون من عصرنا – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة - 2008– ص 606 - 607
([2])  هاشم صالح – القيم إلى أين؟ .. محاورات القرن الواحد والعشرين – موقع: الأوان – 8 ديسمبر 2013.
([3]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 957
([4]) إعداد روني إيلي – موسوعة أعلام الفلسفة – الجزء الثاني – ص168
([5]) رضا الزواري – قراءة في نشأة الفلسفة - المكتبة التقدمية- ديسمبر 1989– ص62.
([6]) هاشم صالح –من الحداثة إلى العولمة .. رحلة في الفكر الغربي– المجلة العربية - الطبعة الأولى – 2010م - ص 228
([7]) المرجع نفسه - ص 229
([8]) السيد ولد أباه – التاريخ والحقيقة لدى ميشال فوكو – دار المنتخب العربي – الطبعة الأولى – 1994 – ص 81
([9]) المرجع نفسه – ص 81
([10]) المرجع نفسه - ص 83
([11]) المرجع نفسه - ص 69
([12]) المرجع نفسه - ص 74
([13]) المرجع نفسه - ص 15
([14]) هاشم صالح – بصمات الفلسفة الفرنسية على القرن العشرين – الانترنت – 8 ديسمبر 2013.
([15]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 524-526
([16])  جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أيار (مايو) 1987.– ص 469-470

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول