مسألة تشكيل مقولات جديدة في المنطق الدياليكتيكي

مالك ابوعليا
2021 / 4 / 13

كاتب المقالة: الماركسي السوفييتي يفغيني بيتروفيتش سيتكوفسكي*

ترجمة مالك أبوعليا

غالباً ما تؤدي عملية تشكيل مفاهيم علمية جديدة مشروطة بالتقدم العلمي والتكنولوجي الى قيام بعض المؤلفين في مجال الفلسفة على الفور بطرح المفاهيم التي تشكلت في العلوم الخاصة-مثل الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا.
انهم يمنحونها، دون مُبرر، مكانة المفاهيم الفلسفية العامة، أو النظرة الى العالم، أو بعبارة أُخرى، يجعلونها جُزءاً من مقولات المنطق الدياليكتيكي. يُجبر هذا الوضع الفلاسفة على مُناقشة مسألة ماهية المقولة الفلسفية وكيف تختلف عن المفاهيم بالمعنى المُعتاد، وعن المفاهيم في العلوم الخاصة، لا سيما تلك التي تمتلك معنىً منهجياً رئيسياً في حدود مجالاتها الخاصة. يجب أن يكون هناك حد لتدفق المفاهيم العلمية الجديدة الى داخل الفلسفة(1)، هذا يعني بالضرورة أنه يجب تعريف مفهوم (المقولة) بشكلٍ أفضل.
تختلف مقولات المنطق الدياليكتيكي عن المفاهيم العلمية الأُخرى بحكم الخصائص التالية: تعمل المقولة المنطقية بمثابة انعكاس وتعبير عن قوانين العالم المادي الموضوعي والفكر الانساني الشاملة. وهنا تكمن عالمية المقولات المنطقية في المقام الأول. في المقام الثاني، تكمن عالمية المقولات-وهو جانب لا يتم ايلاء اهتمام كافٍ له دائماً- في حقيقة أنها تشتمل على عناصر شاملة لكل تفكير، وبدونها، لا يُمكن للفكر بالمعنى الدقيق للكلمة، أن يوجد.
لاحظَ هيغل بحق أن الانسان دائماً ما يستخدم مقولات المنطق بشكلٍ غريزي(2) في أي عملية تفكير تجريبية. انه يستخدمها عن غير وعي، حارماً اياها من مغزاها الفلسفي الخاص، ويختزلها من أجل أن تخدم أغراضه في الحياة اليومية(3). لا يستخدم المرء المقولات المنطقية في حياته اليومية بشكلٍ غير واعٍ وحسب، ولكنه أيضاً يمتلك فهماً صحيحياً لمعناها. "لماذا"، "ما السبب"، "بالصدفة"، "غير متعمّد" وما شابه، كل هذه ان لم تكن مقولات منطقية بالمعنى الفلسفي الصرف، فهي، على أية حال، بدايات غريزية لمثل هذه المقولات بقدر ما تُساعد المعرفة الانسانية (الفكر) في تنظيم تدفّق الانطباعات القادمة من العالم المادي الخارجي. بالاضافة الى ذلك، من الواضح أن هذه الأشكال ذاتها من الاتصال نابعة من العالم المادي الموضوعي والعلاقة الكامنة بين الأشياء التي تُظهر نفسها للأطفال ويتعلمها الكبار. قد يطرح المرء السؤال التالي: ما الذي يبدأ الطفل في استيعابه أولاً- تنوّع الأشياء من حوله؟ أم الأفكار والتعبيرات عن قوانين الترابط بين تلك الأشياء المُحيطة به؟ بالطبع، انه يستوعب كليهما في آنٍ واحد، ولكن فان المفاهيم هي التي تلعب الدور الحاسم في هذه الوحدة. يبدأ استيعاب المعرفة عن العالم المُحيط من خلالها (من خلال المفاهيم) في المقام الأول، والطفل الذي يتأخر في نموه الفكري في هذا الجانب فانه حتماً سيتخلّف عقلياً.
من المُهم مُلاحظة أسباب ظهور النظريات القبلية حول أصل المقولات، على سبيل المثال، في تعاليم كانط. في مقالاتٍ كتبها لـ. أبراميان(4) و فلاديمير سيرجيفيتش شفيريف(5)، تم اجراء مُحاولة بطريقةٍ ما لاستخلاص النواة العقلانية لتعاليم كانط حول المقولات. هذه النواة العقلانية موجودة بالفعل. الى حدٍ ما، يستخدم الشخص في حياته اليومية بالفعل المقولات قبلياً، ولكن بالطبع، ليس بمعنى أن لديها أصلاً خارج التجربة: يستخدم الناس المقولات عفوياً، أو كما قال لينين، بديهياً.
نشأ هذا التفكير البديهي من النشاط العملي الانساني: " ان فاعلية الانسان العملية كان عليها أن تقود الوعي البشري الى أن يُكرر مليارات المرات شتّى الصور المنطقية، لكي تستطيع هذه الصور أن تكتسب معنى بديهيات. لاحظ هذا جيداً"(6).
نشأت تعاليم كانط حول الأصل غير التجريبي للمقولات المنطقية التي تُصاحب التجربة، والتي أيضاً "تُشكّل جُغرافيا الذكاء الانساني"، لأن كانط لم يتخذ منهجاً تاريخياً لدراسة التطور الفكري للانسان. هناك تطوّر عمَلي تجريبي صرف لأدوات المفكر المقولاتي، في التطور الذهني للجنس الانساني. في التطور الذهني للانسان الفردي-الطفل- تظهر هذه الأدوات في شكلٍ يبدو جاهزاً، ويبدأ تطوره الذهني من الأغراض العملية. من المفهوم أن المقولات لا يضعها الله في روح الطفل مُسبقاً، وهي لا تُمثّل أي "جغرافية للذكاء" في رأسه، ولكنه يكتسبها من الناس في بيئته. اعتبر هيغل، الذي التزم أيضاً بوجهة نظر قَبلية، ولكن بمعنىً مُختلفٍ عن كانط، اعتبر المقولات، بمثابة تعريفات ميتافيزيقية والتي قدمها الله للطبيعة والانسان(7).
يقوم لينين، في المقطَع المُستشهد من كتابه أعلاه، ببحث المقولات في سياق قُدرات الأفكار الانسانية، مما يعكس بشكلٍ أكبر أكثر قوانين العالم المادي عموميةً، والتي تضم أهم العناصر البدائية للتفكير الانساني، ويرفض اضفاء الطابع الصوفي عليها وكأنها "تعريفات ميتافيزيقية من الله".
كما نعلم، هناك 12 مقولة منطقية أعدّها كانط. "فَرَزَ" كانط هذه المقولات الـ12 من 12 افتراض Proposition مُقابل لها، والتي شارك هيغل أيضاً في تحليلها في القسم الخاص بالمفاهيم في كتابه (المنطق). لكن كانط لم يكن يحصر نفسه على تلك المقولات الـ12. كما أنه صنّفَ مع المقولات القبلية، مقولاتٍ من التصور الحسي مثل المكان والزمان، والطبيعة المقولية التي أكدها الكانطيون الجُدد لاحقاً. علاوةً على ذلك، يُضيف كانط في مُلحقٍ خاص لنظريته في المقولات، "المفاهيم الانعكاسية" التالية: التطابق والاختلاف، الاتفاق والتناقض، الداخلي والخارجي، المادة والشكل(8). لم يجد كانط مكاناً لهذه المفاهيم في جدول مقولاته العام، لأنه لم يجد لها افتراضات تتوافق مع هذه المفاهيم الانعكاسية المتعددة، على الرغم من أنه كان هناك افتراضات ايجابية وسلبية من بين الافتراضات التي اقترحها. ومن بين المقولات، هناك الواقع والنفي، والتي تحتوي أيضاً على نوعٍ من التناقض الدياليكتيكي.
يكشف نظام مقولات كانط عن تأثير منهج التصنيف البسيط. على الرغم من أن كانط يتحدث عن "استنتاج مفاهيم عقلانية صرف"(9)، اتهمه هيغل بحق بأنه يُصنف المقولات ويقارنها فقط. انه لا يستنتجها، أي أنه لا يستنتج مقولة من مقولة أُخرى على أساس اي مبدأ مُحدد. انه لا يُظهِر الحاجة الى ترتيب مقولات المنطق وتطويرها.
أولاً، لا يجب افتراض حق مفهوم مُعيّن في الوجود داخل نظام من المقولات الفلسفية (المنطقية)، بل يجب اثباته، وثانياً، يجب اثبات هذا الحق ليس بشكلٍ عام، اي ليس مُجرّد اعلان أن هذه مقولة منطقية، هذا غير كافٍ. من الضروري أن يتم توضيح الحاجة الى مثل هذا المفهوم المُعطى وليس غيره على وجه التحديد، فيما يتعلّق بمكانه وعلاقته بمنظومة مُعينة من المقولات، اي تحديد مكانه الذي يُمكن أن يُلاحظ غيابه فيه ومُلاحظة كيفية ضرورة كونه رابط مُحدد في تطوير المقولات المنطقية.
يوجد شيء مثل سلّم المقولات المنطقية.
لو كانت هناك درجة مفقودة بشكلٍ واضحٍ في هذا السلم، فان على المرء أن يجد مفهوماً يُمكن أن يُصبح بمثابة تلك الدرجة، وهذا ما أسماه هيغل بخضوع المقولات أو تراتبيتها. يقول هيغل: "اذا كان التفكير قادراً على اثبات أي شيءٍ مهما كان، اذا كان على المنطق أن يُطالب بتقديم البراهين، واذا كان عليه أن يُعلمنا كيفية الاثبات، فيجب أن يكون، قبل كُل شيء، قادراً بشكلٍ واضح على اثبات أن له مُحتوىً خاصاً به حاضراً فيه وحده، يجب أن يكون قادراً على اظهار الحاجة الى هذا المُحتوى"(10). هذه المُلاحظة الصحيحة تماماً تعني أن المسألة المطروحة في المنطق الدياليكتيكي ليست مُجرّد مسألة أنه يجب اعلان مفهوم مُعيّن ليكون مقولةً من الفلسفة العامة. من الضروري أن يكون لدينا براهين على الحاجة الى مفهومٍ مُعين في الشبكة الكُلية للمفاهيم المنطقية. يجب استنتاج المفهوم من تلك المفاهيم التي سبقته ويجب استيعابه على أنه ضروري لتطور المفاهيم اللاحقة. هذا هو المعيار الثالث للشمولية المنطقية والحالة المقولية لمفاهيم المنطق الدياليكتيكي. من المستحيل اعتبار مفهوم لم يتم اشتقاق وضعه الفلسفي العام من الضرورات الكُلية لمنطق تطور المقولات، بأنه مقولة فلسفية عامة.
بالاضافة الى ذلك، فان هذا الافتراض العام له أيضاً تدرجاته وتنويعاته، ويحتاج الى صقل. لم يُلائم هيغل مع منطقه 12 مفهوماً، بل أكثر من 100 مفهوم، بما في ذلك بعض المفاهيم من مجال الرياضيات (المتغيرات الشاملة والمُكثفة)، ومن مجال الميكانيكيا (الجذب والتنافر) وقائمة كاملة من المفاهيم الأُخرى غير الفلسفية على ما يبدو، والتي، مع ذلك، يُسميها المقولات المنطقية.
يمتلك هيغل تقسيماً فرعياً خاصاً به للمقولات: انه يُميّز بين مقولات العلوم الطبيعية العقلانية ومقولات العقل التأملي. انه يُطلِقُ على كلاهما مقولات المنطق، ولكنه يؤكد، من خلال هذا التقسيم، على عدم التساوي بينها. النقطة المُهمة هي أن هيغل- كما يتبع مما سبق ذكره أعلاه-يستنتج مقولاته ويشتق احداهما من الأُخرى. يتحقق ذلك من خلال الكشف عن المُحتوى الداخلي لكل مقولة. وبذلك، يكشف في مُحتوى كل مقولة عن حُزمة كاملة من المقولات المُساعدة أو الفرعية الأُخرى. يؤدي تطوير هذه المقولات الفرعية الى اكتشاف مقولات فرعية جديدة، وما الى ذلك.
في التحليل النهائي، يؤدي تحليل مُحتوى هذه السلسلة الكاملة من المقولات الفرعية الى اكتشاف مقولات مبدأية مُختلفة، كنقيضةٍ للأولى كامنة فيها (أي اكتشاف مقولة جديدة نقيضة للمقولة الأولى ولكنها نابعة من هذه الأخيرة). وهكذا ينتقل منطق هيغل من مقولة الى أُخرى، وبهدف تسهيل حركة المفاهيم المقولية، يستخدم هيغل، عدداً من المفاهيم المُستعارة من العلوم الخاصة، مثل تلك المذكورة أعلاه. عادةً ما يُسميها ليس فقط مقولات منطقية بل مقولات الفهم categories of understanding. يُميّز أرسطو وفرفوريوس Porphyry (وهو باحث في المنطق الأرسطي) بين المقولات praedicamenta والمقولات الفرعية praedicabilia (وهي المفاهيم الثانوية أو المُشتقة من المقولات والتي تعمل على كشف مُحتوى هذه الأخيرة). يُمكننا أن نُطلِقَ على ما أسماه هيغل بمقولات الفهم، مُستخدمين مصطلحات أرسطو وفرفوريوس، بـ(praedicabilia).
من حيث موضوعنا الرئيسي- مسألة تشكيل مقولات جديدة في المنطق الدياليكتيكي- يُمكن للمرء أن يقترح تعبيراً أكثر تفصيلاً للترتيب الهرمي للمفاهيم الموجودة في المنطق الدياليكتيكي: المقولات، والمقولات الفرعية والمفاهيم التكاملية integrative concepts(11)، أي مفاهيم العلوم الخاصة. يجعل هذا التقسيم الفرعي من المُمكن فهم الطريقة التي يُمكن بها استدخال مقولات جديدة في علم الفلسفة والمنطق الدياليكتيكي.
يجب مُلاحظة أن الوقت قد حان لتفسير النهج الهيغيلي لمسألة المقولات الجديدة في المنطق، بطريقةٍ أكثر صحةٍ من ذي قبل. لقد لجأنا الى هيغل، وسوف نلجأ اليه عند الضرورة طالما أننا لا نمتلك كتابنا الماركسي المادي حول المنطق الدياليكتيكي.
عادةً ما يُدان هيغل على أساس أن منطقه الدياليكتيكي مُغلق، أي على أساس أنه لم يعترف باستحداث مفاهيم جديدة في المنطق. ولكن، وانطلاقاً من مُلاحظات انجلز(12)، فان ذلك الطابع المُغلق لا يتعلق بالمنطق والدياليكتيك خاصته، بقدر ما يتعلّق بنظام فلسفة هيغل المثالية. بالطبع، يرتبط المنطق الهيغيلي ارتباطاً وثيقاً بمثاليته الفلسفية، وهو أساس نظامه، في حين يعتبر هيغل جميع الأجزاء الأُخرى من النظام كمنطق تطبيقي فقط. لكن النقطة المُهمة هي أن منطق هيغل هو منطق دياليكتيكي، والدياليكتيك بطبيعته يستبعد فكرة الاكتمال النهائي. هذا تناقض بين نظام هيغل الفلسفي المثالي والدياليكتيك، لأن الدياليكتيك يُمكن أن يتطور باتساق فقط على أساس المادية الفلسفية وعلى أساس التعاليم الماركسية المُتعلقة بالحقيقة المُطلقة والنسبية. وهذا هو السبب في أنه في تلك الأماكن التي يهتم فيها هيغل على وجه التحديد بمسائل الدياليكتيك، في كتابه (المنطق)، "نجد أقل ما يُمكن من المثالية، وأكثر ما يُمكن من المادية"(13)، كما يقول لينين.
في كتابه (فلسفة الطبيعة)، يتحدث هيغل تحديداً عن التغيرات في جهاز الفكر المقولي: "ان جميع نقاط التحول المُهمة في كُلٍ من العلوم وتاريخ العالم تنبع من حقيقة أن على الروح، في سعيها لادراك ذاتها والتغلّب عليها وأن تُصبح سيدة ذاتها، أن تُغيّر مقولاتها، وبالتالي، أن تدرك ذاتها بشكلٍ أكثر صدقاً وعُمقاً وأن تُحقق وحدةً أكبر مع نفسها"(14). يُشير هيغل الى حقيقة أن الفلسفة تقوم على مادة "أعدتها الفيزياء على أساس التجربة". لكن مفاهيم "الفهم" التي اكتسبتها الفلسفة من الفيزياء تُتَرجَم الى لغة الفلسفة بقدر ما أن مفاهيم "الفهم" التي تُوفرها الفيزياء لا تُلبي في حد ذاتها احتياجات الفلسفة(15). في مقدمة الطبعة الثانية من (فلسفة المنطق) يقول هيغل، أنه أثناء اعدا الطبعة الثانية، فقد راجع النسخة الأولى سبع مرات، على الرغم من أنه كان ينبغي بالفعل اعادة صياغتها ليس سبعة مرات، بل 77 مرة(16). كَتَبَ مُحرر الطبعة الأولى لـ(فلسفة الطبيعة) ليوبولد هينينغ Leopold von Henning موجهاً مُلاحظاته الى اولئك الذين اتهموا منطق هيغل بالاكتمال النهائي: "يقوم هؤلاء الأشخاص، من أجل أن يُريحوا بالهم، بالانطلاق من حقيقة هذا التنقيح الجديد الذي تم اجراؤه لهذا العمل، كيف تتماشى تلك الأمور التي تسير مع اكتمال العلم، الذي ألهم المخاوف، مع أنه لا يستبعد بأي شكلٍ من الأشكال الانجازات والنجاحات الجديدة"(17).
بالطبع، يوجد هناك عوامل من التتويج والاكتمال في المنطق الدياليكتيكي، ولكن ليس بمعنى أنه قد تم الوصول به الى نتيجة مُطلقة مرة واحدة والى الأبد وبأنه لا شيء يُمكن تغييره فيه أو الاضافة اليه، ولكن بالمعنى العقلاني، أن المنطق الدياليكتيكي كعلم هو كُلٌ منهجيٌ ومترابط، وهو نوع من نظام تكون البداية فيه غير متطورة، والنتيجة هي البداية المتطورة، بالمعنى الذي يقول به هيغل أن الفكرة الدياليكتيكية هي "دائرية داخل نفسها"(18).
وهكذا، في حين أنه عند هيغل المثالي-على الرغم من الاكتمال المُطلَق لنظامه الفلسفي "للمعرفة المُطلقة"- يتغيّر الجهاز المقولي لعلم المنطق (تكفي مُقارنة منطق هيغل "الأكبر" و"الأصغر" لمعرفة كيف أن المقولات تمت اعادة صياغتها في الأقسام المتعددة من هذه الأنواع)، وفي حين أنه ليست فقط الأفكار والمواد الفلسفية هي التي تندمج في منطق هيغل المثالي (يكفي أن نرى كيف يدمج هيغل، على الرغم من موقفه المُتشكك تجاه (ريضنة الفكر-من الرياضيات)، أطول أقسام التحليل الرياضي في منطقه)، فان هذا صحيح ألف مرة فيما يتعلق بالمنطق الماركسي والمادي الدياليكتيكي. يتغيّر الجهاز المقولي للعلم، مع التطور العلمي. يتعلق الأمر بادراج أحدث المُكتشفات والمسائل والمفاهيم الخاصة بالعلوم الخاصة في تطوره، لا سيما في الحالات التي تحتوي فيه تلك المفاهيم معنىً دياليكتيكياً.
وتجدر الاشارة الى أنه في الآونة الأخيرة تجتذب مسألة ادخال مقولات جديدة في الدياليكتيك المادي اهتماماً أكبر من جانب الفلاسفة السوفييت. وهكذا، فان مجموعة مقالات (المسائل المُعاصرة للدياليكتيك المادي) Current Problems of Materialist Dialectics التي نُشِرَت عام 1971، تحتوي على قسمٍ خاص: (مقولات جديدة في الدياليكتيك) والذي يسرد سلسلة كاملة من المفاهيم العلمية، والتي تستحق-من وجهة نظر مؤلفي المجموعة،-أ ن تكون مقولاتٍ دياليكتيكية: نسبية الحركة، الحالة كحركة ثابتة، العناصر والبُنية، التماثل وعدم التماثل، الاحتمالية، اللانهاية الحقيقية، النظام، الوظيفة، التشابه المُختلف Isomorphism، الخ(19).
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يجب تضمين كل هذه المفاهيم في نظام المنطق الدياليكتيكية هل يُمكنها أن تصل الى مكانة المقولات المنطقية الأصيلة فيه؟
برأينا يُمكن الاجابة على هذا السؤال باختصار على النحو التالي: بالتأكيد يجب أن يكون لها مكان في المنطق، ويجب أن يتم بحثها فيه. ولكن اعتماداً على الصفة المتعلقة بالمعايير الثلاثة للمفاهيم الحقيقية التي تحدثنا عنها سابقاً، وان كانت مقولات منطقية أو مقولات فرعية أو مفاهيم تكاملية، أو مفاهيم للعلوم الخاصة. دعونا نأخذ على سبيل المثال مفهوم التشابه المُختلف (وهي خاصية تطابق بُنية مجموعات العناصر، بغض النظر عن طبيعة هذه العناصر). هل يُمكن للمرء أن يؤكد أن لهذه المقولة نفس المكانة في المنطق مثل مفهوم السببية والصدفة والقانون وما شابه؟ بالطبع لا. ان هذا مفهوم لعلمٍ خاص منتشر بشكلٍ رئيسي في الرياضيات وفي بعض العلوم الأُخرى. يُمكننا أن نُطلِقَ اسم المقولة على هذا المفهوم، ولكنه ليس مقولةً فلسفيةً عالمية، وليس مقولةً من المنطق الدياليكتيكي. فلنتحدث عن مفهومٍ آخر مُشابه- مفهوم البُنية (ومفهوم العُنصر، المُرتبط به). يؤكد بعض المؤلفين أن هذا المفهوم هو نقطة الانطلاق من أجل "بناء منظومة مقولات" المادية الدياليكتيكية(20). في رأينا سيكون من غير الصحيح رفع مفهوم البُنية الى مرتبة مقولة فلسفية عالمية، فما بالك بناء دياليكتيك مادي عليه.
من الجيد هنا أن نستذكر هيغل، الذي أشار الى أن "هذا بشكلٍ عام هو منهيجة الانعكاس المُجرّد للفهم: انه ينتقي تعسفياً، المقولات الفردية التي لها أهمية فقط في مراحل مُعينة من تطوّر الفكرة، ومن ثم يُطبقها بطريقة تجعل المرء يرد كل شيء يُعالجه، لها"(21).
في مجموعة المقالات المُشار اليها مُسبقاً، والتي تم تخصيصها بالكامل لتحليل مفاهيم البُنية والعنصر، اذا تجاهل المرء هذا الظرف،وتجاهل التأكيد على أن المفاهيم المُعطاة يجب أن تكون على أساس الدياليكتيك الماركسي، فاننا سنجد في رأينا، ملاحظات أكثر صحةً في هذا الصدد. على سبيل المثال، نقرأ في مقالة كتبها ف. سسفيديرسكي V. I. Sviderskii أن الطابع "العلمي العالمي" لمختلف المقولات لا يُقدّم دليلاً على طبيعتها الفلسفية: "تكمن أهمية المفاهيم العلمية العامة ليس في حقيقة أنه يُمكن اعتبارها فلسفية، بل في حقيقة أنها يجب أن تكون بمثابة المادة التي يُمكن على أساسها صياغة التعميمات الدياليكتيكية العالمية"(22). هذه صياغة صحيحة للمسألة، لكن النقطة الأساسية هي أن المؤلف يطبق هذا التصريح فقط على مفهومي التناظر واللاتناظر symmetry and asymmetry، في حين أنه برأينا يجب تطبيقه على كل تلك "المقولات الجديدة" التي يتم الحديث عنها في مجموعة المقالات المذكورة (العنصر، البُنية، النظام الخ، انظر الصفحتين 10 و12)(23).
يجب التأكيد على أن الفلاسفة الماركسيين قد وظفوا، وسيستمرون في توظيف مثل هذه المفاهيم في العلوم الخاصة. لكن لو أردنا أن نكون دقيقين وأن لا نُبالغ، وأن لا نستبدل مقولات الدياليكتيك بتلك الخاصة بالعلوم الخاصة، فلا ينبغي لنا ان نستخدم مفاهيم العلوم الخاصة هذه ونقول عنها أنها مقولات للدياليكتيك(24).
تُعتَبَر مفاهيم التسلسل الهرمي والتشابه المُختلف والبُنية مقولات في العلوم الخاصة. ويجب بالتأكيد استخدامها في المُعالجة العميقة للمفاهيم العالمية المنطقية بوصفها مقولات فرعية أو مفاهيم مفيدة ذات مغزىً من العلوم الخاصة، والتي بدون مساعدتها لا يُمكن لأي علمٍ مهما كان، بما في ذلك الفلسفة، القيام به اليوم. ان ادراج مفاهيم جديدة في دائرة المقولات الفلسفية يكون مُبرراً فقط عندما يَثبُت أنها: 1- انعكاساً شاملاً لقوانين العالم المادي والفكر الانسانية، 2-الأسس الأولية للقضايا والاستنتاجات والافتراضات والأفكار الانسانية بشكلٍ عام، 3- ضرورية للغاية في منظومة المقولات المنطقية. لقد تحدثنا عن هذا أعلاه. المهمة ليست بأي حالٍ من الأحوال التقاط مفاهيم جديدة من تيار العلم الحديث الجارف وادخالها في المنطق الدياليكتيكي والنظرة الى العالم دون الاعتماد على تاريخ الفلسفة. تتمثل المهمة الأكثر صعوبةً والأكثر أهميةً في نفس الوقت في توظيف الخبرة الكاملة لتطور العلوم المُعاصرة، من أجل اغناء وتقديم تفسير أعمق للمفاهيم والمقولات الموجودة بالفعل، مع تصحيح التفسير السابق، وخاصةً الهيغيلي، للمفاهيم المنطقية. هذا بالطبع، لا يُلغي امكانية استدخال مفاهيم جديدة في علم الفلسفة اذا كانت تُلبي متطلبات العالمية المتأصلة في المفاهيم الفلسفية الحقيقية.
يجب على المرء دائماً أن يضع في اعتباره وجهة نظر لينين القائلة بأنه يجب على الفلاسفة "الانتباه الى المسائل التي تطرحها الثورة الحالية في مجال العلوم الطبيعية"(25). ان المسائل التي تحدث عنها لينين، في معظم الحالات، تجد تجسيداً لها في تلك المفاهيم العلمية الجديدة التي نوقِشَت سابقاً. يجب ان يتم تفسير هذه المفاهيم بطريقة مادية ودياليكتيكية. يجب اثراء نظريتنا الماركسية اللينينية بالبيانات المُستجدة في العلوم الطبيعية. يجب خوض صراع ضد كُلٍ من الدوغما اللاعلمية والمبالغة في تعميم المفاهيم التي نشأت للتو وانتشرت في العلوم الخاصة. من الضروري بشكلٍ خاص مُعارضة الرفض الشكي والعَدَمي للمفاهيم الفلسفية القديمة التي تأسست صحتها على الخبرة الفلسفية الطويلة وتم تدعيمها علمياً، واستبدالها ببساطة بالمفاهيم الفيزيائية والكيميائية الخ. ولكن يجب على مفاهيم هذه العلوم أن تخضع الى التحليل والتقييم الفلسفي في سياق التحليل الماركسي الدياليكتيكي.

* يفغيني بيتروفيتش سيتكوفسكي 1900-1989 عالم وفيلسوف سوفييتي ودكتور في الفلسفة مُتخصص في تاريخ الفلسفة والمنطق الدياليكتيكي.
شارك في ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917. عَمِلَ سيتكوفيسكي في النقابات العمالية والتنظيمات الحزبية منذ عام 1921. عَمِلَ في قسم الدعاية في اللجنة المركزية للحزب عام 1933. حَصَلَ عام 1935على لقب الأستاذ الفخري. عَمِلَ سيتكوفيسكي في مجلة (تحت راية الماركسية). عَمِلَ عام 1942 سياسياً في الجبهة بصفته عقيداً في الجبهة الغربية. كان مطلعاً على اللغات اليونانية واللاتينية والفرنسية والألمانية. منذ عام 1953 عَمِلَ سيتكوفسكي في مجلة Voprosy filosofii، وكان رئيس القسم النظري لمجلة السلام والاشتراكية. ومنذ عام 1962 حتى عام 1989 استاذاً في قسم الفلسفة في أكاديمية العلوم الاجتماعية. ألّف بالمشاركة كتاب (المادية الجدلية) وهو كتاب تعليمي، وهو المحرر التنفيذي لـ(موسوعة العلوم الفلسفية) لهيغل في 3 مجلدات، وعضو في هيئة تحرير (الموسوعة الفلسفية) وهو مُحرر مُجلدات علم المنطق الثلاثة لهيغل، ومؤلف مقدمات الطبعة الروسية لأعمال ماركس وكانط وفويرباخ وهلفيتيوس وروبينيت. وكما انه مؤلف العديد من الأعمال العلمية، منها: (الاشتراكية-شعار المساواة والنضال ضد المساواتية) 1933، (حول السمات الرئيسية للمنهج الدياليكتيكي الماركسي) 1939، (مقولا الدياليكتيك الماركسي) 1941، (الأصول الفلسفية للمادية الدياليكتيكية: هيغل وفويرياخ) 1941، (مبادئ المنظومة العلمية لمقولات المنطق الدياليكتيكي) 1964، (مهمة تطوير وخلق سياق منظومي لمقولات المنطق الدياليكتيكي الماركسي) 1971.
قام الاستاذ سيتكوفسكي بتدريب عدد كبير جداً من المتخصصين في تاريخ الفلسفة ونظرية المعرفة والمنطق الدياليكتيكي والفلسفة الاجتماعية.
كان خبيراً عميقاً في فلسفة هيغل وساهم كذلك في تطوير أسس المنطق الدياليكتيكي وتنظيم مقولات الدياليكتيك وتطويرها.
حصل على وسام الشارة الحمراء ووسام الحرب الوطنية الدرجة الأولى ووسام الدرجة الثانية ووسام الشجاعة، وعالم شرف في جمهورية روسيا الاشتراكية السوفييتية.

1- See S. P. Trapeznikov, Obshchestvennye nauki - moguchii ideinyi potentsial kommunizma, MOSCOW1, 974, pp. 47-48.
2- Hegel, Soch Vol. I, p. 20
3- Hegel, op. cit., Vol. V, p. 10
4- Voprosy filosofii, 1972, no. 10
5- Voprosy filosofii, 1974, no. 4.
6- الدفاتر الفلسفية، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص192
7- See "G. W. F. Gegel ," Entsiklopediia filosofskikh nauk, Moscow, 1974, Vol. I, p. 215
8- See Kant, Soch Vol. 3, pp. 316- 18
9- Ibid., p. 181
10- Hegel, Soch Vol. I, p. 68
11- تمت استعارة هذا التعبير من زيد أورودشيف Zaid Melikovich Orudzhev انظر (Dialektika kak sistema, MOSCOW1,9 74, p. 343) مع اختلاف أن اورودشيف يتحدث عن المناهج التكاملية، بينما هنا المسألة مُتعلقة بالمفاهيم التكاملية، أي المناهج والمفاهيم التي يتم توظيفها في العديد من العلوم الخاصة، بينما تظل، بشكلٍ عام، مفاهيماً من العلوم الخاصة.
12- See Marx and Engels, Soch Vol. 2 1, pp. 277- 78
حاولت البحث عن المصدر العربي لملاحظات انجلز هذه، ولكنني لم أستطع أن أعرف عن أيها يقصد الكاتب-(المُترجم).
13- الدفاتر الفلسفية، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص230.
14- Hegel, Soch Vol, 11, p. 16
15- Ibid
16- See Hegel, op. cit., Vol. V, p. 18
17- Ibid., pp. 695-96
18- Hegel, op. cit., Vol. X, p. 441
19- See Sovremennye problemy materialisticheskoi dialektiki, Moscow, 1974, pp. 12 and 178
20- Ibid., p. 178
21- "G. W. F. Gegel ," Entsiklopediia filosofskikh nauk, Vol. I, p. 291
22- Sovremennye problemy materialisticheskoi dialektiki, p. 17
23- في الصفحة 122 من مجموعوة المقالات المذكورة، يرى المرء أنه ذُكِرَ بشكلٍ صحيح، أن استخدام مُصطلح "البُنية"" يُقدّم لنا فقط عرضاً، لدياليكتيك مقولات الجُزء والكُل، والبسيط والمعقد، وما الى ذلك، بُمصطلحاتٍ جديدة، والمألوفة لنا تماماً". برأينا، التصحيح الوحيد المطلوب هنا هو اعطاء هذا التصريح شرحاً أوسع مما يفعل المؤلف.
أُشيرَ في الصفحة 167 من نفس الكتاب الى أنه: "تاريخياً، جائت مقولتي المُحتوى والشكل قبل مقولتي العُنصر والبُنية، تم فرز هذه الأخيرة كنتيجة لتمايزهما". ما معنى عبارة "تم فرز هذين الأخيرة كنتيجة لتمايزهما"،، وهل انفرزتا، أو انفصلتا بالفعل عن بعضهما؟ أليسَ الأمر بالأحرى أنهما لم تتمايزا وأنهما ظلّا مفاهيم مُساعدة (أو تكاملية) للعلم الخاص، وأنه تم استخدامهما في المنطق لتسهيل تحليل المفاهيم الفلسفية العالمية الحقيقية؟ لم يكن هذا واحضاً. على أية حال، تدور هناك شكوك كثيرة حول هذه المسألة وهي قابلة للمناقشة، ولكن فانه حتى أو أن هذه المفاهيم لم تنفرز فانها ستظل أفكاراً مُثمرة تماماً وتمتلك مُحتوىً عميقاً. لكن لا معنىً من رفعها الى مرتبة المقولات المنطقية للفلسفة المادية الدياليكتيكية.
24- نود أن نؤكد هنا أننا لا نتحدث بأي حالٍ من الأحوال ضد المنهج المنظومي-البنيوي كأحد عناصر المنهجية العلمية. من الضروري التمييز بين هذا المنهج وبين البنيوية باعتبارها تياراً في الفكر البرجوازي الذي لا يحتوي فقط على مُقاربة مُختلفة قيد البحث، ولكن أيضاً أشكالاً ايديولوجية تؤدي الى المثالية والميتافيزيقيا. في الوقت نفسه، تجدر الاشارة الى أن الأهمية المُتزايدة للمقاربة المنظومية والتي أثبتت فعاليتها في علوم مثل الأحياء واللغويات والسيبيرنيتيك وعلم النفس وغيرها، قد أدت الى بروز أوهام، خاصةً بين المفكرين البرجوازيين والكُتّاب التحريفيين بأن هذه المُقاربة نظرة جديدة الى العالم وتُحدد جوهر العلم المُعاصر. وعلى هذا الأساس يتم الاستنتاج أنه من المُممكن استبدال الدياليكتيك المادي بالمنهج المنظومي البُنيوي، وأنه من الضروري جعل الدياليكتيك بنيوياً Structrulize، وبالتالي تحويله الى تنويعة من التحليل البُنيوي. على الماركسيين أن يُبينوا خطأ هذه الآراء، وهم يفعلون هذا بالفعل.
25- V. I. Lenin, Poln. sobr. soch., Vol. 45, p. 29

ترجمة لمقالة:
the Problem of the Formation of New categories in dialectical Logic, E. P. Sitkovskii, Soviet studies in Philosophy. 15:2, 94-106, 1976

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي