صعود اليمين الفاشي ودعاة الترانسفير في إسرائيل

نهاد ابو غوش
2021 / 4 / 10

صنفت حركة كاخ صنفت باعتبارها حركة إرهابية في العام 1994 نظرا لتبنيها مواقف علنية عنصرية تحط من شأن البشر غير اليهود وتدعو إلى تهجير الفلسطينيين العرب من فلسطين، ووصف العرب بأنهم حيوانات متوحشة وما شابه ذلك من تعابير عنصرية ، ولا يقتصر الأمر على الأفكار بل امتد إلى مجال العمل الميداني من خلال سلسلة من المجموعات التي نفذت أعمالا إرهابية ضد الفلسطينيين والتي يتغير اسمها بين وقت وآخر مثل تنظيم (إرهاب ضد الإرهاب) و (شبيبة التلال) ومجموعات (تدفيع الثمن)، ويتداخل عملها الإرهابي العنيف مع أعمال أخرى تسمح بها الحكومة مثل إقامة بؤر استيطانية والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين. لكن الحركة تحتال على تصنيفها كإرهابية من خلال الظهور بتسميات جديدة، وآخر صيغة ظهرت بها هي حركة (عوتسماه يهوديت) أي قوة يهودية، أفكار حركة كاخ ومبادئها السياسية كانت وما تزال موجودة ونشطة في المجتمع الإسرائيلي وخاصة في أوساط المستوطنين، وهي أقرب إلى كونها تيارا في المجتمع من كونها حزبا بعضويات محددة، ولذلك يمكن أن نجدها على هامش حزب الليكود الحاكم، او في وسط حزب يمينا المتطرف، ولدى مختلف الأحزاب اليمينية، وسبق أن عرفنا تشكيلات سياسية متعددة تتبنى أفكار هذا التيار خلال عقدي الثمانينات والتسعينات ومطلع الألفية مثل حزب (هتحيا) برئاسة غيؤولا كوهين، و(موليدت) برئاسة رحبعام زئيفي.
المستوطنات قاعدة للفاشية
الجمهور الرئيسي لهذه الحركة موجود في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وخاصة المستوطنات التي يصفونها بأنها ذات طابع ايديولوجي وهي مستوطنات صغيرة ومتوسطة موجودة في قلب الضفة على احتكاك يومي مع الفلسطينيين، والحركة تتبنى مزيجا من الافكار الدينية والقومية الصهيونية المتطرفة، حيث لا يتبنون من الدين الا الجانب العنيف والاستعلائي الذي يعتبر اليهود فئة منفردة ومتميزة من البشر ( شعب الله المختار) ووظيفة الشعوب الأخرى القيام على خدمتهم، ينتشرون بشكل خاص لدى الشبيبة الذين يجري تعبئتهم وصياغة وعيهم على أن العرب يمثلون خطرا وجوديا وأن كل مشكلاتهم ومتاعبهم سوف تحل بالخلاص من العرب الذين يلوثون حياتهم ويريدون بهم الغدر وينافسونهم على الأرض والموارد التي منحها الله لهم، هذه الحركة ومنتسبوها هم دائما رصيد احتياطي لليمين الحاكم لا يظهرون في صدارة المشهد السياسي، وربما يسببون الحرج للحكومة، ولكنهم موجودون دائما عند الحاجة لدعم أية حكومة يمينية.
الذي فاز بستة مقاعد هو حزب الصهيونية الدينية وهو ائتلاف من ثلاثة حركات، حزب الاتحاد الوطني برئاسة سموتريتش، وحزب نوعام ذو التوجه الديني برئاسة آفي معوز، وحركة (عوتسماه يهوديت) المحسوبة كامتداد لحركة كاخ وتجسيد للكهانية السياسية برئاسة ايتامار بن غبير، هذا الأخير خاص الانتخابات عدة مرات وكان يحصل في كل مرة على ما بين 1-2% من الاصوات، بينما المطلوب 3.25% لاجتياز نسبة الحسم اي أكثر من 150 ألف صوت، نتنياهو انتبه إلى أن تفرق هذه القوى سيبدد أصواتها وبالتالي يخسر اليمين عدة مقاعد مضمونة، ولذلك بذل جهودا استثنائية لتشجيع هذه الأطراف على التوحد، بل وقع معهم اتفاقية لتبادل الأصوات وهذا لا يجري إلا بين الحلفاء.
من الهامش إلى مركز القرار
هذه الحركات كانت دائما على الهامش، وكانت سببا لإحراج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تحاول أن تلمع صورتها الخارجية وأن تبدو مثل الديمقراطيات الأوروبية الغربية، ولكن مع الانزياح الإسرائيلي المستمر نحو اليمين، وبروز المنحى العنصري والفاشي الذي ينسجم مع التحولات نحو نظام الأبارتهايد وخاصة بعد التنصل من حل الدولتين، وإقرار قانون القومية العنصري، أخذت هذه الأحزاب تنتقل من هامش المشهد إلى مركزه واصبحت تشارك في الحكومة، ولكنها حتى الآن ما زالت تلعب دور الرديف الداعم لليمين الحاكم الحريص على صورته الديمقراطية والعلمانية على الرغم من اعتماده على الأحزاب الدينية واليمين الفاشي.
اليمين الشعبوي في العالم يدعم بعضه بعضا وقد رأينا ما قدمه ترامب لإسرائيل، وكذلك بولسينارو البرازيل الذي يقدم دعما مفتوحا لسياسات الاحتلال، حكم نتنياهو هو النموذج الاسرايلي لليمين الشعبوي وذلك ينعكس بسياسات عنصرية وقمعية تجاه الفلسطينيين سواء ابالاراضي المحتلة عام 1967 أو مناطق عام 1948 والذين فرضت عليهم الجنسية الاسرائيلية، كما يترجم هذا اليمين عنصريته بسياسات خارجية عدوانية بدءا من الفلسطينيين مرورا بكل العرب وايران، صعود هذا اليمين يتسبب في الوقت نفسه بتاثيرات جوهرية على الدولة الاسرائيلية لجهة العسكرة، وتراجع استقلالية الجهاز القضائي، وانحسار مساحات حرية التعبير، والتعديات على الحريات المدنية، وانتشار خطاب الكراهية، والإكراه الديني، وبروز ظاهرة الزعيم الفرد نتنياهو ولا شك أن كل ذلك ينعكس سلبا على الدولة الإسرائيلية، ويمس بعناصر قوتها مثل الديمقراطية ودولة المؤسسات.
الفاشية والفلسطينيون
هذه الحركات مثل باقي الحركات الصهيونية الرئيسية تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مشكلة، ويمثلون خطرا إرهابيا ومشكلة ديمغرافية، الحركات الرئيسية تحرص على الا تخالف القانون الدولي والمعاهدات الدولية التي تحارب العنصرية وخطاب الكراهية، لكن الكهانية وحركة مثل كاخ وامتداداتها لا تعبأ بالراي العام العالمي وتجاهر بآرائها العنصرية، لذلك هذه الحركات لا تبالي بالانتخابات الفلسطينية إلا من زاويتين: الا تأتي بقوى مؤيدة للمقاومة والكفاح المسلح، وألا تجري في القدس من حيث أن غسرائيل تعتبرها عاصمة إسرائيل ولا تقبل باي شكل من اشكال ازدواجية السيادة على المدينة.
مجابهة هذه الحركات ومجابهة الاحتلال عموما تتطلب أولا إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي اعتبره نتنياهو مصلحة إستراتيجية لإسرائيل، واعتماد سياسات موحدة واستراتيجية موحدة، وأشكال نضالية متفق عليها بما في ذلك استخدام أدوات القانون الدولي المتاحة، وتفعيل سلاح المقاطعة، وإعادة بناء الموقف العربي، ليصبح الاحتلال على اثر ذلك أمرا باهظ التكاليف سواء على اقتصاد إسرائيل أو على أمنها وراحة افرادها ووحدتها الداخلية وعلى سمعتها ومناخ الاستثمار فيها، طالما أن الاحتلال مربح ومريح ولا يكلف شيئا فسوف تنتعش الأفكار والحركات العنصرية، وسوف تتراجع وتنحسر حين يصبح الاحتلال مكلفا.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول