المملكة الأردنية..وسيناريو الإتحاد والترقي

احمد البهائي
2021 / 4 / 10

المملكة الاردنية،ومنذ انطلاق ثورات الربيع العربي ، ساحتها ومسرحها السياسي ملتهب ومشتعل يوميا بالمشاهد والمواقف لكثير من الحركات ، بعضها صادق يطالب بدورا من اجل الاصلاح السياسي ، بهدف ان يشترك الجميع في العرض على خشبة مسرح الحياة السياسية الاردنية بدون تميز او تفضيل لدورا ما على الاخر، حتى تجاوبت السلطة السياسية الحاكمة لهذ المطلب باعلان حزمة من التعديلات الدستورية باتجاه إصلاح دستوري ، والتى على اثرها انقسم الشارع الاردني الى ثلاث ، الاول ، رحب بها واعتبرها كافية ، بينما يراها البعض ليست كافية ولا ترقى لمطالب الشعب ، والثالثة ، انتقدتها جملة وتفصيلا مقررين ان ما يحتاجه الشعب هو دستور جديد ينقلهم من الحكم المطلق الى الحكم الدستوري بحكم الشعب وملك يملك ولا يحكم ورئيس وزراء منتخب من الشعب تاتي به صناديق الاقتراع .
هكذا ، ما أشبه اليوم بالامس وكأن بعض صفحات التاريخ تعاد مشاهدها ، فمنها تعاد حروف وكلمات وتشخيصا ، ومنها ما يعاد ليقارب الحدث ، في السنوات الاخيرة هناك احداث سوف تدخل مجلد التاريخ واخص بالذكر هنا ما يطلق عليه ثورات الربيع العربي ، فهى ثورات قامت بأيدي شعوب ابنائها ، والتي فاجأت العالم بأثره ، وهذا ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ، فبنجاح بعضها ، واخفاق بعضها لعوامل خارجية ، انتهى الفصل الاول بكل مشاهده الخمس ، ليبدأ عرض الفصل الثاني ليس بثورات او انتفاضات كما يظن البعض ، بل بمواقف وحركات نتيجة تدخل ايادي قوى خارجية تحاول استغلال ما حدث من اخطاء في سيناريو ثورات الفصل الاول .
بقية الدول العربية الاخرى اغلبها ملكية او في شكل إمارات ، الحكم فيها مطلق فمع الحراك الذي تشهده المنطقة خرج من يطالب فيها بالملكية الدستورية على غرار دول الغرب كهولندا وبلجيكا واسبانيا وغيرها ، ولكن كما قلنا ما أشبه اليوم بالامس ، فعلينا ألا ننسى كيف ظهرت جمعية( الاتحاد والترقي )ابان سنوات الحكم العثماني وانتماؤها السياسي ونوعية الدعم التى كانت تتلقاه من القوى الخارجية في ذلك الوقت ودعوتها الى الحكم الدستوري النيابي على اساس اسلامي في بادئ الامر، وكيف اشتد نفوذها وقوتها وقت حكم السلطان عبد الحميد حتى اصبحت هي الحاكم الفعلي والمتحكم في مقدرات الدولة ودورها الاساسي في اسقاط الدولة العثمانية وتقسيمها، وهذا ما يحاولون عمله الان باعادتها واستنساخها مرة اخرى ، فنحن هنا ليس بصدد شرح او استعراض تاريخي ولكن نقوم بربط حدث تاريخي كان له من اثر وفعل على تغيير امة ومحاولين ان نتلمس بعض خيوط الحدث واخذ العبر من تكرارها وخاصة بما تمر به دولنا من تغيرات قد تكون لها اثارمستقبلية على الخريطة العربية والسياسية باكملها .
في الاردن هناك قوى سياسية تنادي" بالحرية -العدالة-المساواة-الاخوة" ، وقوى اخرى تستغل الموقف والحدث مطالبة بإعادة كتابة الدستور لتكون الاردن ملكية دستورية ، الجميع يعلم حجم الضغوط التي تمارس والصفقات التي ترسم ، فالاصلاح هو المبتغى والمراد ولكن لابد ان يكون على اسس صحيحة لبناء ديمقراطية حقيقية بعيدة عن نوايا وايادي خارجية تحاول ان تدمر المنطقة كلها .
فالصهيونية قريبة وعلى بعد امتار من ابواب الاردن ، تحاول العبث باستقرار وبمقدرات ومكتسبات تلك المملكة ، فهى لا تمل ولاترقد من اجل تحقيق ذلك ، فصفحات التاريخ خير دليل وبرهان على ذلك فهم اول من دعوا الى تأسيس حزب تركيا الفتاة ، وحزب العربية الفتاة ، بهدف تنفيذ المخطط الصهيوني بشطر السلطنة التركية وقتها الى قومية تركية واخرى عربية ، وهذا ما يحاولون فعله الان بإنشاء جماعات وحركات لجعل الاردن ارض صالحة وخصبة للتطبيع الكامل مع اسرائيل اي الخضوع للامر ، ومن ثم القبول بفكرة الوطن البديل وشطر المملكة الى جزئين بعدها يصبح بناء الدولة متنازع عليه بين السياسة القديمة والسياسة الاسلامية والسياسة الغربية اي فى النهاية ممارسة السلطة باسلوب بعيد عن مبادئ الدستور الاردني .
ان الاصلاحات الدستورية التي قامت بها المملكة ، ما هي الا بداية لعملية سياسية اصلاحية شاملة ولن تكون نقطة النهاية في ظل هذا الحراك المتواصل الجيد ، الاردنيون مازالوا متمسكين وغير رافضين للنظام الملكي ولكنهم راغبين في المزيد من التعديلات والاصلاحات التي توافق المملكة ويتفق معها دون التدخلات الخارجية ، فيجب على كل الاطراف الاستفادة من هذا الموقف سواء رأس الدولة او القوى السياسية فى المملكة ، ومن هنا يجب التفرقة بين حركات تنادي بمزيد من الحريات في اطار الملكية ووحدة الشعب والارض، ونمو الامن الاجتماعي والاسراع من وتيرة الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومحاربة الفاسدين من خلال اعطاء مساحة اكبر للمؤسسات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني والدعوة الى الاصلاح الحقيقي لنهوض بالمملكة والحفاظ على مكوناتها الاساسية (الشعب والملك ووحدة التراب) ، وحركات وجماعات سبق ذكرها اعلاه تدعوا الى زعزعة الامن والاستقرار ، وضرب مكونات المملكة ومفاصلها بوضع شرخ في نسيجها الجغرافي والديمغرافي والايديولوجي الذي تمتاز به المملكة الاردنية .
فهناك تغيرات حدثت في المملكة ومنها التعديلات الدستورية التى فاجأت الكثيرين وما كان احد من المتابعين والمحللين ان يتوقع حدوثها قبل هبوب رياح الربيع العربي المحملة بثورات اتت على انظمة حكم شمولية قمعية دكتاتورية في عالمنا العربي ، الاردنيون في حراك سياسي متجدد يوم بعد يوم طالبين ومتطلعين من خلاله الى المزيد من التغيير الى الافضل نحو الديمقراطية برضا كل الاطراف ، فالانتخابات النيابية والتعديلات الدستورية تمثل خطوة فى الطريق الصحيح ، طريق الاصلاح والديمقراطية كما علمنا التاريخ يبدأ بخطوة تليها خطوة ثم خطوات ، فالديمقراطية تولد وتنمو وتدخل في طور الكمال اذا أعطي الوقت الكافي لها ولكل مرحلة فيها ، الديمقراطية التى نحلم بها ونصبوا لها والتي سبقتنا بدأت دورتها الحريرية بمراحل من التطور يختلف فيها شكلها تماما عن الطور الذي يسبقه ولذلك نستطيع ان نطلق عليها ديمقراطيات في شكل الاكثر تقدما من التحول وهذا ما نرجوه ونتطلع اليه .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية