القديسة العاهرة

سعود سالم
2021 / 4 / 10

أركيولوجيا العدم
٣٤ - القديسة والعاهرة

أنا الأولى وأنا الآخرة
انا القديسة وأنا العاهرة
أنا الزوجة وأنا العشيقة
أنا الأم وأنا الإبنة
أنا العاقر وكثير هم أبنائي
أنا في عرس مهيب
ولم أتخذ زوجا
أنا القابلة ولم أنجب أحدا
وأنا سلوة أتعاب حملي
أنا العروس وأنا العريس
وزوجي من أنجبني
أنا أم أبي وأخت زوجي
وهو من نسلي

عِشتار كانت ذات جمال باهر لم يشهد له مثيل وقد عشقها كل من وقع نظره عليها، من أوزيريس إلى الراعي البسيط الذي يراقب غنمه، ذلك أن البشر أهل الأرض وقعوا في شباك جمالها الباهر بدورهم حيث كانت عشتار تدور بين عالم البشر، بحثاً عن الحب حتى وصلت إلى الملوك والأمراء، فكانت تأخذ كل ما يملكون، وتعدهم بالزواج حتى إذا ما أخذت أعز ما يملكون تركتهم وهم يبكونها ليلاً ونهاراً، وهذا يذكرنا بطبيعة الحال بالمرأة التوراتية التي سبقت حواء " ليليث"، والتي كانت تغوي الرجال الذين يموتون من أجلها.
وتحكي الأسطورة بأن عشتار التقت ذات يوم راعي أغنام فذهلهُ جمالها، وأغوتهُ عيونها، فقام بذبح شاة لها لكي تبقى معه لأطول زمن ممكن، فبقيت معه فترة وجيزة ثم رحلت، وفي اليوم التالي ذبح لها خروفا آخر، وفي اليوم الثالث فعل نفس الشيء، وهكذا حتى لم يبق لدى الراعي شيء يقدمه لعشتار، فلما أرادت مغادرته سألها البقاء معه ولكنها رفضت وقالت : أنه لا يملك شيء يغريها بالبقاء معه، فقام الراعي بسرقة شاة من أحد الرعاة وأخذ يبحث عن عشتار ليقدم لها ما سرق، ومن يومها أصبح الراعي ذئباً يسرق شياه الرعاة على أمل أن تعود عشتار لتجلس معه.
وتسرد أسطورة سومريّة أخرى لنا كيف أن الإلهة انانا أنقذت ذات يوم شجيرة تنبت على ضفة نهر الفرات إلى مدينة أوروك وزرعتها في "بستانها المقدّس" على أمل أن تنمو تلك الشجيرة وتصير شجرة سامقة الأغصان فتصنع من خشبها عرشاً وسريراً لها. وعندما كبرت الشجرة وحان وقت قطع أغصانها اكتشفت أن أفعى قد اتخذت من أسفلها مخبأ، وأن طيراً بنى في أعلاها عُشّاً، وأن عفريتة استقرت في وسط جذعها، فاستنجدت اينانا بأخيها أوتو إله الشمس الذي أسند المهمة إلى البطل المشهور جلجامش، فجاء هذا متسلِّحاً بدرع سميك وفأس ثقيلة، واستطاع أن يقتل الأفعى، وعند ذاك فرّ الطير وهربت العفريتة إلى الخرائب المهجورة، فقطع جلجامش أغصان الشجرة وحملها هدية إلى اينانا لتصنع منها عرشاً وسريراً.
يبدو أن الحضارة السومرية (٣٥٠٠٢٠٠٠ ق.م) والتي أخترعت الكتابة، كانت في بدايتها، حول نهر دجلة حضارة ذات طابع يرد الحياة إلى الطبيعة الأنثوية، إنانا كانت آلهة الخصب والزرع والثمار والأرض، ثم جاءت حضارة الفرات التي قلبت الموازين، ونقلت رموز الخصوبة من الأرض إلى السماء، وتحولت إنانا آلهة الخصب تدريجيا إلى آلهة ذكورية، وأصبح رمزها الزهرة نجمة الصباح والمساء، وتكون الثالوث السماوي الشمس والقمر والزهرة كرموز ذكورية، وإن كانت محمولة من قبل عشتار في البداية وتحولت فيما بعد إلى الأب والإبن والروح القدس. وفي نهاية الأمر تم تذكيرهذه الرموز نهائيا بإستبدال عشتار بزوجها تموز الذي أصبح هو إله الخصب والزرع. ولم تعد الأرض هي السبب الرئيسي في الإنجاب والخصوبة والزراعة، بل سيصبح عنصر الماء هو السبب المباشر في خصوبة الأرض ووفرة المحاصيل، أي المطرالنازل من السماء، والذي اعتبره السومريون بمثابة السائل الذكوري -المنيء- والذي تتحكم فيه الكواكب، فالمطر هو منيء السماء، وتخيلوا أن الإله إنكي، إله الماء والخلق هو الذي يملأ نهري دجلة والفرات بمنيئه لإخصاب الأرض.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار