اقتصاديات البيتكوين والدولار والذهب

محمود يوسف بكير
2021 / 4 / 8

مدخرتنا هي أهم سند لنا في الحياة عندما نتقدم في العمر ونحتاج إلى مساعدة الآخرين لنا فلا نجدهم لأن لهم مشاغلهم وإن وجدناهم فإنهم لن يتحملوننا طويلا ولذلك نؤكد دائما عن أهمية الادخار في مجالات مختلقة حفاظا على شقاء عمرنا وحتى لا نمد يدنا لأحد. لذلك وجدت أنه قد يكون من المفيد أن نكتب بشكل مختصر قدر الإمكان عن أهم الأوعية الادخارية المهيمنة في هذه الأوقات الصعبة التي تلجأ فيها الحكومات والبنوك المركزية إلى سياسات نقدية غير تقليدية للتعامل مع مشكلات العجز الكبير في ميزانيتها وارتفاع مديونيتها. ولن نكرر هنا ما سبق أن كتبناه في هذه المشاكل، ولكننا سوف نركز بشكل أساسي على كيفية حماية مدخرتنا مع التركيز على حديث الساعة وهو العملات المشفرة. وفي هذا فأن الصعود الكبير لقيمة العملة المشفرة الرئيسية والمعروفة بالبيتكوين مؤخرا جعل الكثير من الشركات والمدخرين والمستثمرين يفكرون في الاستثمار بها كمخزن للقيمة بالأساس وهي الوظيفة التي تقوم بها عادة العملات الورقية وعلى رأسها الدولار ‏بالإضافة إلى الذهب والعقارات وبورصات الأوراق المالية. الآن سعر الوحدة صعد إلى مستوى 61,000 دولار ولكنه عاد وهبط إلى حوالي 57,000 دولار وينبغي هنا عدم الخلط بين البيتكوين الاصلية ويرمز لها بال BTC ‏وبين المنتج الجديد الذي ‏تولد عنها منذ حوالي خمس سنوات ويعرف بالبيتكوين كاش ويرمز له بال BCH . ‏حيث انهما عملتين مختلفتين تماما. علما بأن هناك عملات مشفرة أخرى، وفي هذا المقال سوف نركز على البيتكوين الاصلية والتي خرجت إلى الوجود في سنة 2009 وأتذكر أن قيمتها كانت أقل من واحد على الألف من الدولار أي صفر تقريبا ومن استثمر فيها دولارا واحدا ‏وقتها تكون قيمة استثماره الآن حوالي 57,000 دولار أما من استثمر 100 دولار فإن قيمة استثماره تصل الآن إلى 5.7 مليون دولار. ‏ولكن رحلة البيتكوين معنا والتي لازلت أتابعها بنوع من الحسرة والذهول شهدت تقلبات عنيفة لن أخوض فيها هنا ولكن المحصلة الحالية والتي نقيسها بمعادلة رياضية بسيطة على مدار الأنثى عشر عاما الماضية كانت إيجابية جدا كما ترون. ‏أما الحسرة فقد كانت بسبب أنها عرضت علينا عند خروجها إلى النور وكنت وقتها أدير محفظة للأسهم في بورصة نيويورك لحساب آخرين ولكن المعلومات التي وصلتنا عن هذا النوع الجديد من العملات الرقمية المشفرة لم ‏تكون مشجعة حيث لم يتوقع أحد منا أن تنجح هذه الفكرة، وحتى عندما بدأ سعر البيتكوين في الارتفاع كنا ننتظر هبوطها على أنفها بسرعة ولم ننتبه أبدا إلى حقيقة أن فكرة العملات الرقمية التي تعمل بعيدا عن السلطات النقدية والحكومات كانت نوعا من رد الفعل لما حدث في الأزمة المالية العالمية سنة 2008 ‏بسبب أزمة الرهونات العقارية في أمريكا والتي كتبت عنها كثيرا وقتها وبينت كيف يمكن للحكومات والبنوك المركزية من خلال تحكمها في السياسة النقدية ‏أن تنحاز للأغنياء على حساب الفقراء دون أن تدرك هذا. ‏وحتى عندما تجاوز سعر البيتكوين 300 دولار في النصف الثاني من عام 2013 ظللنا نتوقع أن تنهار هذه العملة في أي وقت. والسبب في شكنا فيها كمحللين يرجع إلى عدم وجود أي أصول مادية ورائها يمكن أن نقوم بمتابعتها وتحليلها ماليا وفنيا كما نفعل مع الأوراق المالية بالإضافة الى عدم خضوعها لأي رقابة وهو ما أغرى الكثير من القراصنة والمحتالين باستخدامها كوسيلة لغسيل الأموال القذرة. وفي هذا فإن أحد الجامعات التي كانت تربطني بها صلة ‏أكاديمية تعرضت لعملية قرصنة إلكترونية أدت إلى وقف السيرفر المركزي بها ومن ثم شلل كل الملفات والسجلات الإلكترونية الخاصة بالطلاب لمدة ثلاثة ايام كاملة حاول خلالها كل المهندسين والفنيين بالجامعة حل المشكلة دون جدوى ‏وهو ما سبب حالة من الهلع لنا جميعا. وفي النهاية تم تحويل الفدية النقدية المطلوبة بالبيتكوين للقراصنة وفقا للتعليمات التي وردت منهم في إيميل مجهول المصدر وعلى الفور بدأ السيرفر في العمل من جديد.

مزايا وعيوب البيتكوين ومقارنتها بالدولار والذهب
‏أما عن المزايا فمن أهمها ما يلي:
١، ‏أنها بعيدة عن تدخلات البنوك المركزية والحكومات التي تتلاعب بقيمة العملات الورقية في وقت الأزمات النقدية والمالية كيفما تشاء، ومن أمثلة هذا التوسع النقدي الكبير الحاصل الآن في كل دول العالم تقريبا لاستعادة النمو الاقتصادي الذي تضرر بشدة من جراء إجراءات الغلق العشوائي لكل قطاعات ‏الأعمال بعد اندلاع أزمة الكورونا في خلال العام المنصرم. هذا التوسع النقدي سوف يعقبه لا محالة نوبات تضخم كما ذكرنا من قبل، وأول مضار التضخم هو انخفاض القوة الشرائية للعملات وهبوط القيمة الحقيقية لمدخرات الناس و شقى عمرهم. ولذلك ننصح دائما بأهمية تنويع مدخراتنا بين الأصول العقارية والاستثمار في صناديق السلع والأوراق المالية بالإضافة إلى الذهب بالطبع لأن كل هذه الأصول ترتفع قيمتها مع التضخم.
‏كما أن البنوك المركزية تستطيع أن تؤثر في قيمة العملات الإلزامية ‏بطرق أخرى مثل تغيير ما نسميه بسعر إعادة الشراء الذي تطبقه البنوك المركزية على البنوك التجارية أو وفع نسبة الاحتياطي وهو ما يدفع الأخيرة إلى تخفيض أسعار الفائدة على أموال المودعين. وهناك طرق أخرى عديدة لتخفيض قيمة العائد على المدخرات بالعملات الورقية ولذلك فإنه من أهم مزايا النقود المشفرة هي أنها بمنأى عن كل هذا ولذلك يرى فيها البعض أنها نقود المستقبل وأنها مخزن جيد للقيمة، ولكننا لا نؤيد هذا لأسباب كثيرة كما سوف نوضح حالا.
٢، ‏من المزايا الأخرى أن الشركات التي استثمرت في البيتكوين تمكنت من تعظيم أرباحها وزيادة العائد على حقوق المساهمين لديها بينما ضاعت هذه الفرصة على الشركات التي لم تفعل هذا.
٣، ‏لا يمكن التوسع في إصدار البيتكوين يشكل مبالغ فيه كما يحدث مع النقود الإلزامية وذلك لان مجموع المعروض منها لا يمكن أن يتجاوز 21 مليون وحدة والمتداول حاليا يصل إلى حوالي 18.7 مليون وحدة بقيمة أجمالية تصل إلى واحد تريليون دولار تقريبا. علما بأن الوحدة تقسم إلى وحدات أصغر تبدأ بواحد على ألف. أي أنه لا يلزم شراء وحدة كاملة. Subunits

عيوب البيتكوين وهي كثيرة ومن أهمها ما يلي:

١، ‏صحيح أنها مخزن جيد ومتزايد للقيمة، ولكنها أصبحت هدفا للحكومات حيث أنها خارج سيطرتها ولا يفرض عليها أي نوع من الضرائب مثل كل الضرائب التي تفرض على الأرباح عند تحقيق مكاسب رأسمالية. وعملية الاستهداف هذه مخاطرة كبيرة في حد ذاتها.
وفي هذا ‏فإننا نتوقع أن تتجه الكثير من الحكومات إلى إصدار العملات الرقمية الخاصة بها وفرضها علينا باعتبار أن كل الصفقات التي تتم بالعملات الرقمية تسجل بشكل تلقائي في سجلات إليكترونية تبين بشكل تفصيلي كل انواع الصفقات التي نقوم بها وأطرافها وهو ما يمكن الحكومات من معرفة كل ما نقوم به من أوجه صرف عكس الحال مع العملات الورقية التي لا يمكن تتبع كيفية التصرف فيها. ولكننا نرى أن إصدار العملات المشفرة الحكومية لن يوقف المجرمين أو حتى غير المجرمين ‏عن الاستثمار في البيتكوين إذا ما رغبوا في هذا.
٢، ‏بالنسبة لرأينا الشخصي في مسألة أن البيتكوين مخزن جيد القيمة فقد تعلمنا في الاقتصاد أن أي مخزن حقيقي للقيمة لابد أن يكون وراه أصول ملموسة تدعمه، فالدولار مثلا وراه الاقتصاد الأمريكي العملاق ولذلك تستثمر كل دول العالم في السندات الأمريكية، كما أن الدولار هو المكون الأساسي في الاحتياطي الرأسمالي لكل دول العالم. وكذلك ‏الذهب الذي يأخذ قوته من كونه معدنا نفيسا يرغب كل الناس في اقتنائه والاحتفاظ به وحتى لو تقلبت قيمته من وقت لآخر فسوف يظل معدنا نفيسا مطلوب للزينة والصناعات الدقيقة وفي حالة ارتفاع مستمر، كما يمكن تركه كنوع من الادخار الجيد لأولادنا وأحفادنا. ‏اما البيتكوين فإنها لا تتمتع بأي غطاء ومن ثم فإنها أداة للمضاربة فقط.
٣، ‏تتعرض البيتكوين لمضاربات عنيفة وهو ما يجعلها في حالة عدم استقرار دائم وكثير من الاقتصاديين يعتبرونها أكبر فقاعة مالية موجودة حاليا وأنها عرضة للانفجار في أي وقت، ولكن وكما ذكرت من قبل فإننا نقول هذا منذ أكثر من 10 سنوات لم يحدث خلاها هذا الانفجار العظيم! ولكنها بالفعل تتقلب بعنف ‏مقارنة بالذهب والدولار.
٤، ‏عملية شراء وبيع البيتكوين صعبة ومعقدة للمستثمر العادي وكذلك عملية حفظها في محفظة رقمية مشفرة ولو أن أحدا نسي جزءا من الشفرة فإنه لن يستطيع استرجاع استثماره أبدا ولن يجد من يتحدث معه. كما أن التعامل في البيتكوين يحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة وهذه تستهلك كميات هائلة من الكهرباء خاصة ‏فيما يسمى بعمليات التنجيم وهي عمليات يقوم بها نوع من المحترفين يبحثون خلالها ليلا نهار عن أي أخطاء في ليدجر البلوك تشين الخاص بالبيتكوين للحصول على وحدات مجانية من العملة، ومن ثم فإن الاستثمار في البيتكوين مكلف و ضار جدا بالبيئة.
٥، ‏من الحقائق الهامة أيضا والتي لا ينتبه إليها الكثير من المستثمرين في البيتكوين هي أنها لا تدر أي عائد منتظم مثل الاستثمار في الأسهم حيث يتم سداد توزيعات نقدية أو منح أسهم مجانية للمستثمرين فيها وكذلك السندات التي تحمل كوبونات فوائد تدفع بانتظام لحملة السندات وأيضا الاستثمار في ‏العقارات او المحافظ الاستثمارية يدر عوائد منتظمة. أما البيتكوين فإن الربح الوحيد المنتظر منها هو أن ترتفع أسعارها نتيجة المضاربات عليها وهي تشبه في هذا ما تقوم به صناديق التحوط في الغرب.
٦، ‏البيتكوين ليست مثل الدولار القابل للتداول والتحويل في أي مكان في العالم ويمكن عقد أي صفقة أو شراء أي شيء به بسهولة مطلقة بينما البيتكوين لا يمكن استخدامها لسداد الضرائب أو فواتير الكهرباء والمياه والرسوم البلدية وأقساط التأمين ومستلزمات الحياة الأخرى مثل الأكل والشرب.
‏وأخيرا فإن البيتكوين لا تصلح كأداة نقدية أو مالية للتعامل مع مشكلات الكساد الاقتصادي والتي نتعامل معها عادة من خلال سياسات التيسير الكمي التي تتطلب مرونة عالية في المعروض النقدي لأن المتاح منها محدود ولا يمكن تجاوزه كما أسلفنا. والخلاصة أن البيتكوين وسيلة لتحقيق أرباح ضخمة للمضاربين الباحثين عن الأرباح السريعة ولديهم القدرة على الصبر وتحمل الخسائر الضخمة ولذلك فأنها أفضل من الذهب والدولار لهؤلاء، وعلى سبيل المثال فإن إليون ماسك صاحب شركة تسلا للسيارات الكهربائية وإكس سبيس وهو أغنى رجل في العالم حاليا قام مؤخرا باستثمار 1.5 بليون دولار في البيتكوين وأعلن أنه سيسمح ببيع سيارته بالبيتكوين. والفكرة أن من لديهم القدرة على المخاطرة لا ينبغي أن يترددون في أخذها، أما من لا طاقة لهم بهذا فعليهم بتنويع مدخراتهم ما بين صناديق الاستثمار الخاصة بالأوراق المالية والسلع والعقارات والذهب كل بحسب قدرته، ولكن الحذر واجب من حصر المدخرات في العملات الورقية وحدها.

‏‏‏محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني