الموقف من الورقة البيضاء 3/5 - قراءة في مواد وفقرات الورقة

فلاح علوان
2021 / 4 / 8

بعد أن تناولنا الأساس الاقتصادي والفلسفة السياسية للورقة البيضاء، سنتناول المواد والفقرات التي وضعها كتاب الورقة، والتي تترجم ما ذهبوا اليه وتضعه في قالب مشروع في سياق التشريع والإقرار.
لا يتمتع النص عموماً برصانة وقوة منطق، ويغلب على فقراته ومواده طابع الحشو والتكرار وقسر الجمل والتعابير، لتتواءم مع المضمون المعد مسبقاً، بحيث جاءت اللغة والصياغة كتابع وديباجة مقولبة، حسب متطلبات مخطط يبحث عن شكل نص لإخراجه، ومن ثم يجري تعميمه وإقراره. وبكلمة، كان أصحاب الورقة يعملون على إكساء شروط التكييف والتعديل الهيكلي لغة محلية مصطنعة.
ليس هذا فحسب، فالورقة بمجملها، هي نصوص قد جرت صياغتها ووضعت في BOX أو مربع وهو كلام المؤسسات المالية العالمية، مع الهوامش التي تؤكد ذلك، في حين يقتصر عمل أصحاب المشروع على شرح أو تفصيل، بل تكرار نصي في الصفحات المقابلة، وإقرار ما ورد في الصفحة المعدة على أن المشروع من صياغتهم هم.
نحن أمام ترجمة حرفية لسياسة صندوق النقد، ولكن بهيأة مشروع ورقة بيضاء، وسنضطر للأسف، الى تكرار هذه الحقيقة، ليس رغبة في التكرار، بل لكون كل ما جاء في الورقة هو تكرار وإعادة. لم نكتف بالنقد العام لسياسة الورقة البيضاء وما جاء فيها، بل قمنا بالتصدي الى المواد الأساسية من متن الورقة، وقمنا بشرح مواد المشروع وإبداء وجهة النظر بصددها. وقد جاءت مواد الورقة بالفعل، كترجمة للسياسة التي يتبناها أصحاب المشروع. وفيما يلي من الفصل المواد التي تناولناها.
في الصفحة 7 وتحت عنوان "الأهداف العامة للورقة" يرد المقطع التالي:
تهدف الورقة البيضاء الى "أعادة التوازن للاقتصاد العراقي، ووضعه على مسار يسمح للدولة بإتخاذ الخطوات المناسبة في المستقبل لتطويره الى اقتصاد ديناميكي متنوع، يخلق الفرص للمواطنين لعيش حياة كريمة، وذلك من خلال إقتراح مجموعة من الإصلاحات والسياسات الشاملة" على النحو المبين في الأقسام اللاحقة. إن تطبيق تلك الإصلاحات يتطلب إتخاذ تدابير قاسية، رغم مرارتها،لمعالجة الأزمة المالية الحادة الراهنة مما يتطلب شجاعة سياسية، وقبولاً من أبناء الشعب العراقي – وفي مقدمتهم النخب السياسية- ومشاركتهم في تنفيذ هذه الإجراءات الإقتصادية الصعبة، التي لا يمكن الإستغناء عنها، لتوفير الحيز المالي بالحد الأدنى الذي يمكن من خلاله الشروع في برنامج الإصلاح ضمن الورقة المقترحة.
إن سياسة التعديل الهيكلي لا يمكن إنجازها أو تحقيقها في أشهر أو في سنة، بل هي قد تمتد لعقود، ومعنى هذا إن أكثر من جيل من البشر سيعاني من تلك "التدابير القاسية" لعشرات السنين. وهذه التدابير القاسية يمكن أن تتضمن الحرمان من السكن ومن العمل ومن الصحة ومن الخدمات العامة ومن التعليم. إن الآثار الإجتماعية المترتبة على التعديل الهيكلي في البلدان التي طبقت برامج التعديل، تشير الى وقوع كوارث اجتماعية متواصلة، وإنحطاط حياة الملايين من البشر، وتفشي مآسي تفوق في وحشيتها ما يحصل خلال وعقب الحروب①. إن هذه الفقرة تعني رهن مصير المجتمع وجعله تحت تهديد الكوارث التي سبق وإن خَبَرتها العديد من المجتمعات المعاصرة. أما ثمن كل هذا فسيكون وكما تعد الورقة؛ "لتوفير الحيز المالي بالحد الأدنى الذي يمكن من خلاله الشروع في برنامج الإصلاح ضمن الورقة المقترحة".
في الوقت الذي يمكن الحديث عن مئات المليارات التي إختفت، ولم يتحقق أي إصلاح عبرها أو أي إنجاز، بل ليس ثمة أي خطة أو حتى فكرة في إستعادة المليارات المنهوبة، بدل القيام بتدابير قاسية قد تكلف الناس حياتهم.
ويرِد في الصفحة 9 وتحت عنوان جذور المشكلة:
"إن توسع دور الدولة في الإقتصاد تسبب بأضرار كبيرة للقطاع الخاص وتضييق المساحة المتاحة من أجل النمو" .
إن الأضرار يمكن معالجتها كمسألة جانبية في سياق عدة معالجات، او كأحدى المعالجات، بعد إثبات السبب وتقديم الوسائل الممكنة للحل، ولكن الطابع الذرائعي لهذه النقطة يتضح من كونها تُتخَذ منطلقاً لتغيير هيكل الإقتصاد بالكامل، وليس حل مشاكل وأضرار تعرض لها القطاع الخاص. إن الأهداف المعلنة للورقة البيضاء، لم تكن معالجة الأضرار في القطاع الخاص، وتخليصه من نفوذ القطاع العام. والأهم من هذا، ليس ثمة دليل على إن توسع دور الدولة، قد تسبب في تحجيم فعالية وحيوية القطاع الخاص. الحقيقة إن القطاع الخاص محدود القدرات إزاء الاجابة على مسألة التطور الإقتصادي الشامل في العراق، وهذا ما سنشير له خلال مناقشتنا الحالية.
إن السوق مفتوحة أمام القطاع الخاص، وليس ثمة قوانين تقيد عمله، ولكن السياسة التي تفرضها الدول المتنفذة في العراق، هي التي تضع السياسات التي تجعل السوق الداخلية في العراق تحت هيمنة رأسمالييها هي، وتستخدم السياسة والسلطة في العراق وسيلة لذلك. ومن جانب آخر وهو الأهم، إن القطاع الخاص وبالأحرى مستوى التصنيع والإنتاج في العراق هو تحت ضغط التطور التكنولوجي العاصف وهيمنة سلاسل التوريد على السوق العالمية. ففضلاً عن إنخفاض التكاليف النسبية بالنسبة للمنتجين العالميين، فإن السيطرة على التسويق في العالم، هي قوة جبارة تواجه الصناعات الناشئة والمتأخرة. لم تجر الإشارة الى هذا المسألة في الورقة، وهذا قصور جدي في النظرة الى المشاكل الإقتصادية الفعلية التي تواجه العراق.
وفي نفس الصفحة يرد في الورقة:
في الفترة بين 2004 و2020 إرتفعت نفقات رواتب الموظفين (400%) بالقيمة الحقيقية، وأرتفع العدد الإجمالي لموظفي القطاع العام بأكثر من ثلاثة أضعاف.
إن الفترة الممتدة بين 2004 و 2020 هي أكثر من 15 عاماً، وإن عدد سكان العراق يرتفع الى قرابة الضعف كل 20 سنة تقريباً، وهذا يعني إن من المنطقي أن يتضاعف عدد الموظفين، حتى بدون توسع نسبي في التشغيل. وعليه فإن نسبة الزيادة الفعلية في أعداد الموظفين في هذه الحالة هي اقل من النصف. وفيما يخص رواتب الموظفين، فإن الزيادات جاءت بعد رفع أسعار الوقود الأساسي الذي تسبب في رفع كل مستويات الأسعار في البلاد، بدءاً من تعرفة النقل وحتى تكاليف المشروع، مما أستدعى رفع مستويات الرواتب والأجور، وإن كان بنسب تقل، بالنسبة للكثير من الموظفين، عن نسب إرتفاع الأسعار. إن الرقم القياسي للاسعار زاد بالنسبة لبعض السلع الى خمس أضعاف في مجالات مثل النقل، الغذاء، الإتصالات. حيث بإمكان الدولة عن طريق نظام ضرائب أصولي، تأمين موارد مالية كبيرة، من الجهات التي إستفادت من إرتفاع الأسعار، بدل أن تعود للتفكير في ضغط مستويات الرواتب.
ويضيف: وفي الفترة بين 2006 -2018 إزداد متوسط مدفوعات رواتب القطاع العام بـ (134%) هذه الزيادة أكبر من الزيادة في إنتاجية العمل(12%) أو كلفة المعيشة(28% .).
وهذه النقطة هي إسهاب في الحديث من جانب واحد، عن مسألة التوظيف ومستويات الرواتب. وبالنسبة لبعض تكاليف المعيشة والانفاق على الخدمات الأساسية، إرتفعت أسعار بعض السلع الى أكثر من 10 أضعاف، مثل سعر غاز الطبخ، أسعار الخضروات، الإنفاق على الصحة والذي أصبح في أغلبه قطاع خاص. مما يعني إن الأجور الحقيقة قد تآكلت ولم تعد تغطي العديد من أساسيات الحياة، مما قاد الى زيادة نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر.
ص 12 الفقرة الاولى: "اصبحت تعني إن الوظيفة العامة القائمة على نظام تعليمي يهيء الخريجين للعمل في القطاع العام وليس في الوظائف المنتجة، هي السبيل الذي يسلكه معظم الناس للحصول على المكانة الإجتماعية والضمان المالي".
يحاول أصحاب الورقة إسقاط عيوب وقصور السياسة الحكومية على عاتق المشتغلين، وتحميلهم مسؤولية تقع ضمن إختصاص مؤسسات الدولة. حيث يقوم الناس بتقديم العمل مقابل الأجر أو الراتب، ولا يتدخل الموظف أو المنتسب في تحديد السياسة العامة للمنشأة، وبالتالي فإن من يقوم بالتشغيل وتوزيع الوظائف وتحديد المسؤليات هي الإدارة وليس المنتسب، كما إن الإدارة تستند الى التخطيط والى توجيهات الجهات الأعلى وليست لديها سياستها التشغيلية المستقلة. ومن جانب آخر إن مسألة تطوير الملاكات تقع على عاتق صاحب المشروع، اي الإدارة العامة هنا، وبالتالي فهي مسالة فنية تقع المسؤولية فيها على المستخدم وليس على الموظف. وليس من المنطقي إعتبار هذه النقطة منطلقاً لتبرير سياسات الهيكلة.
وفي الصفحة 14وبخصوص موضوع التقاعد تقول الورقة: "إن غياب التنظيم وعدم إجراء دراسات الكلفة للمزايا الممنوحة هي السبب الرئيسي لعدم الإستدامة المالية لصندوق التقاعد" .
هذه ألغاز لا معنى لها سوى التعمية على جذر الموضوع. إن التوقيفات التقاعدية هي أرصدة مالية قد تراكمت خلال عشرات السنين، وتترتب عليها الفوائد السنوية كأي رصيد مالي، وإذا احتسبنا ما يسدده الموظف ذو الدرجة المتوسطة من توقيفات تقاعدية، زائداً ما يدفع من المالية العامة، فإن المتراكم مضافاً اليه الفائدة السنوية المركبة، سيتخطى الـ 100 مليون دينار بالاسعار الجارية خلال 30 عاماً من خدمته. بحيث إن مجموع ما سيتقاضاه المتقاعد يعادل، أو يزيد قليلاً، على الفوائد المتحققة من إيداع التوقيفات في البنوك، وليس من مجموع ما جرى استقطاعه منه خلال عقود من خدمته. أي إن المنتسب أو الموظف سيبقى دائناً للصندوق حتى بعد مماته. هذا هو الشكل الواقعي للموضوع، وهو ما يجب أن يبحث وليس الإغراق في المصطلحات، أما التنظيم المالي لهذه المسألة فيقع ضمن مسؤولية مؤسسات الدولة كذلك.
وفي نفس الصفحة تضيف الورقة ؛" لدفع رواتب منتسبيها والذين تقدر أعدادهم بأكثرمن 600000 منتسب"
يلجأ كاتب المشروع الى التخمين، كيف يمكن لمخطط سياسات أن يعتمد على التخمين؟ إن هذا يعني انه لا يتوفر على إحصاءات دقيقة وحسابات يمكن استخدامها في التحليل، وهذا مخالف لأي دراسة إقتصادية أو بحث. إن أبسط بحث أومقال يتطلب ذكر الأرقام مشفوعة بالمصادر، وهذا مؤشر على عدم دقة أصحاب الورقة وسعيهم لتمريرها دون رصانة علمية.
ص 17 – تضمنت 7 فقرات، تتحدث الاولى عن:
"لقد جاءت سياسات توسيع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع على حساب الإنفاق على البنى التحتية العامة وعلى حساب بناء راس المال الثابت، وادت الى إعاقة تقدم القطاع الخاص".
هذا الكلام مخالف للحقيقة وللوقائع، حيث أن الشطر الأكبر من تاريخ التدخل الحكومي في بناء رأسمالية الدولة، كان موجهاً صوب الانفاق على تكوين رأس المال الثابت، وإن سياسة توسيع دور الدولة في الإقتصاد، ليست وليدة السلطة الحالية، بل هو التوجه العام منذ عام 1955 إي بعد إتفاق مناصفة الأرباح مع الشركات النفطية، وتحقق فوائض مالية②.
تلي الفقرة المشار اليها أعلاه عدة نقاط للشرح والتفصيل، يغلب عليها طابع الحشو والتكرار، ثم تقول الورقة في نفس الصفحة الفقرة التالية:
"هذه العوائق تضاعفت بسبب سعر الصرف غير التنافسي للدينار العراقي والذي أدى الى جعل المنتج المحلي غير قادر على التنافس".
هذه الذريعة لا أساس إقتصادي حقيقي لها. فالعديد من الدول لديها عملات ذات سعر صرف أعلى بكثير من الدينار العراقي، في حين تشكل أكثر المصدرين للعراق مثل الأردن، السعودية، ناهيك عن الإقتصاديات المتقدمة ذات العملات القوية جدا،ً مثل ألمانيا التي تتمتع بقدرة تصديرية هائلة، وتتصدر سوق إنتاج العدد والأدوات وإنتاج السيارات، كما تمتاز بإرتفاع معدلات الاجور فيها. وكذلك المملكة المتحدة وأمريكا وسويسرا وهولندا، وكلها دول تشكل صادراتها نسباً عالية من واردات العراق.
ومن جانب آخر، لم يوضح أصحاب الورقة، نوع الصادرات التي تضررت بسبب سعر الصرف، وما هي المنتجات السلعية التي يقوم العراق بتصديرها الى دول الجوار والى الخارج عموماً. ويستأنف أصحاب المشروع في الصفحة 20، الحديث عن سعر صرف عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق، دون أن يسميهم، ويمكن القول إنه يقصد إيران وتركيا اللتين تتدولان عملات ذات سعر صرف منخفض قياساً بالدولار الأمريكي. وهنا يتجاهل أصحاب الورقة العامل السياسي الحاسم الذي يجعل إيران وتركيا الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق، ودورهما في التدخل في السياسة الإقتصادية، والذي يصل حد تعمد إيقاف بعض الصناعات في العراق لإتاحة السوق العراقية أمام منتجاتهما③. ومعنى هذا إن قوة هذين الشريكين الإقتصاديين لم تأت من تدني سعر الصرف مقارنة بالدينار العراقي، فأسعار العديد من منتجاتهما توازي أوتزيد على مثيلاتها من المنتجات المحلية. أما إذا كان الحديث يدور حول الصين، فالأمر مختلف، إذ إن إنخفاض سعر صرف عملتها مقابل الدولار واليورو، هو لتسهيل سيطرتها على الأسواق العالمية، بسبب قدراتها الإنتاجية الهائلة والقاعدة التكنولوجية المتطورة لديها، بحيث تسهل قدرتها التصديرية الكبيرة جداً، تحقيق عوائد طائلة. هذه المزايا تتوفر للصين بسبب تفوقها العالمي في مجال الإنتاج والتوريد، وهذه القدرات غير متاحة لبلد مثل العراق بالطبع.
والحال؛ إن تخفيض سعر صرف العملة هو أحد متطلبات التعديل الهيكلي، وترد بوضوح في أدبيات صندوق النقد، وقد جرى تطبيقها في جميع تجارب التعديل الهيكلي في العالم، كجزء من السياسة النقدية المطلوبة لإجراء التعديل. وعليه فإن عرض المسألة وكأنها سياسة من إبتكار أصحاب مشروع الورقة، وإن تطبيقها يجري كونها تشكل حلاً لمشاكل الإقتصاد في العراق، هو كلام غير حقيقي.
أما عموم النقاط الورادة في الصفحة 17، فهي تتحدث عن مشاكل القطاع الخاص، وليس عن مشاكل الإقتصاد الكلي في البلاد، ودون البرهنة على إن الحل هو بيد القطاع الخاص، بل قبل تقديم أي دليل على تجارب ناجحة للقطاع الخاص من شأنها التأثير في مجمل الإقتصاد.
الفقرة الأخيرة جاءت للمقارنة مع العام 1979 وتراجع الانتاجية اليوم، مقارنة بنهاية عقد السبعينيات. ولكن عام 1979 يمثل الفترة الأشد والأبرز في تدخل الدولة في الإقتصاد، وهنا يقع أصحاب الورقة في تناقض بين ما يطرح هنا، والإدعاء الذي سبق طرحه، كون توسع القطاع العام هو سبب تراجع القدرات الإنتاجية، وهو الموضوع الذي جرى تناوله في أكثر من موضع من الورقة.
وفي الصفحة 19 يرد ما يلي:
وقد أدى التعقيد في السياسة الحكومية المصاحب لضعف الدولة في فرض سيادة القانون، وزيادة عسكرة المجتمع ونفوذ الجهات غير الحكومية في المؤسسات العامة، الى خلق بيئة طاردة أجبرت الشركات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة على الإستمرار في الإقتصاد غير المنظم حيث ضمت تلك الشركات أكثر من (90%) من عمالة القطاع الخاص والتي غالبيتها غير منظمة وأصبحت بشكل متزايد مصدر رزق لشرائح الفقيرة والهشة في المجتمع والتي كانت تمثل (20%) من السكان قبل هذه الأزمة؛ وتجلى ضعف هذا القطاع في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها البلاد بعد إجراءات حظر التجوال في أعقاب جائحة كورونا (كوفيد- 19).
هذا الكلام تجميع؛ إن الوضع الأمني والسياسة الحكومية والحرب الداخلية وعسكرة المجتمع، هي أوضاع سياسية ترتبط بإرادات دولية ومحلية، وعليه سيكون من النافل الحديث عنها كعوامل تتحكم بالوضع الإقتصادي، كما أنه ليس من الممكن تجاوزها أو حلها عن طريق مشروع مثل الورقة موضوع النقاش. إن إبقاء الوضع الإقتصادي في العراق على ما هو عليه أو تغيّره، هو جزء من سياسة تقسيم العمل وتقسيم السوق العالمية.
ومن جانب آخر، فإن أصحاب مشاريع القطاع الخاص، هم من يعمد الى تشغيل العمال ضمن ظروف العمالة الهشة غير المضمونة، حتى قبل أن يستشري الإضطراب والفوضى الخلاقة. إن نظرة الى أعداد العمال المسجلين في الضمان الإجتماعي، قياساً الى أعداد العمال الكلية، توضح مدى إقصاء العمال او منعهم من حقهم في الضمان، وبالتالي بقائهم كعمالة هشة وغير نظامية. إن العديد من أصحاب المعامل يهدد العامل بالطرد، إذا ما طالب بتسجيله في الضمان. ومن بين أكثر من 7 ملايين عامل في القطاع الخاص، هناك أقل من ربع مليون عامل مضمون④.
وفي خلال العقد الأخير، تزايدت أعداد العمال الآسيويين، حيث يقوم أصحاب المشاريع بتشغيل العمال الآسيويين، وبدون عقود عمل أو ضمانات، بسبب إنخفاض اجورهم. وهذا يعني إن القطاع غير المنظم يحقق معدلات أرباح فوق المتوسط بكثير للمستثمرين. وسيستمر الطلب على الأيدي العاملة القادمة من جنوب شرق آسيا، بسبب إنخفاض مستويات أجورهم، مما سيقود بالتالي الى وضع الحد الأدنى للأجر في العراق، والذي تقرر خلال عقود من التطور الإجتماعي والإقتصادي، وضغط المطالب العمالية، تحت ضغط مستوى السوق العالمي للبلدان منخفضة الأجر. وحيث أن مستوى الأسعار في العراق وبالتالي تكاليف المعيشة، تعادل أضعاف مثيلاتها في بلدان جنوب شرق آسيا، فإن الأعباء الحياتية على الطبقة العاملة ستتفاقم الى مستويات خطيرة.
ويضيف في الصفحة 20
وفي الوقت الذي مازالت فيه الجائحة في أوج ذروتها، فإن الوضع الهش لأفراد المجتمع من ذوي الدخل المحدود يفرض عليهم خيارات قاسية، فإما استئناف البحث عن عمل والمخاطرة بالتعرض للاصابة بفايروس كورونا (كوفيد 19)، أو فقدان سبل العيش من أجل الحفاظ على سلامتهم الصحية.
هذه العوائق التي واجهت تطوير القطاع الخاص تضاعفت بسبب سعر الصرف غير التنافسي للدينار العراقي، والذي أدى الى جعل المنتج الملي غير قادر على التنافس وتلبية طلبات السوق المتزايدة على المنتجات المستوردة. ومما يفاقم ذلك هو ضعف عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق مقابل الدولار الأمريكي خلال السنوات الماضية، وهو ما أسهم بشكل كبير في تراجع تنافسية البضاعة الوطنية.
هناك تقافز في محاولة تفسير أسباب البطالة والازمة الاقتصادية، بين الحديث عن الخلل الهيكلي وبصورة إنتقائية، الى إعتبار كورونا هي سبب الازمة. من غير العلمي الخلط بين خلل هيكلي يعود لعقود، ووضع طارئ تسبب به وباء قيد المعالجة، ووضعهما على مستوى واحد.
ثم يضيف " هذه العوائق التي واجهها تطوير القطاع الخاص تضاعفت بسبب سعر الصرف غير التنافسي للدينار العراقي". وهذا تكرار لموضوعة سبق طرحها في أكثر من موضع. وهنا نحن أمام ذريعة اخرى، تطرح في سياق مغاير لغرضها الفعلي، وهو تخفيض الأجر الحقيقي للعمال وبالتالي تأمين فوائض للمستثمرين.
وفي الصفحة 22 ثالثاً: الدور الريعي للدولة.
لقد أدى التوسع الريعي للدولة الى تشويه الإقتصاد والمجتمع، سيما في أداء قطاعي الكهرباء والمياه ونظام البطاقة التموينية، مما أفضى الى حالة إجتماعية غير متوازنة، حيث تقدم الدولة الخدمات بشكل مجاني أو شبه مجاني، لأن المواطنين يفترضون إن على الحكومة توفيرها بوصفها حقوقاً مكتسبة. وحيث إن هذه الخدمات تعد مجانية أو شبه مجانية بحسب معايير السوق، فقد أصبحت جودتها سيئة في أحسن الأحوال.
هذا الكلام لا يصمد أمام الوقائع؛ إن الدولة تتقاضى رسوماً واجوراً مقابل الكهرباء والماء، ومنذ تأسيس الدولة. لم تكن خدمات الكهرباء والماء مجانية يوماً، بل إن فواتير الكهرباء تصدر بانتظام، في الوقت الذي يقتصر تجهيز الكهرباء خلال أيام الذروة، على بضعة ساعات في اليوم.
وفي مجال الكهرباء يرد في الصفحة 24 و25 شرح مطول للعديد من العوامل التي تسببت، برأي أصحاب الورقة في تراجعها وسوء مستواها، ونظراً لطول المقطع سنركز على النقاط المحورية:
ولقد ظهرت هذه الحالة جلياً في قطاع الكهرباء، حيث يبدأ العجز في التوفير الخدمة من مرحلة الإنتاج، بوجود فجوة كبيرة بين " القابلية الإسمية" (الحد الأقصى لإنتاج الطاقة المستخدمة في ظل الظروف المثالية والإنتاج الفعلي)، وبين السعة الفعلية. فعلى سبيل المثال، في عام 2018 كانت "القابلية الإسمية" (30.3) جيجا واط (GW)، في حين كانت قدرة السعة الفعلية خلال العام نفسه هي (13.0) جيجا واط. وعلى الرغم من عدم نشر البيانات كاملة لعام 2019، الإ أن البيانات من وزارة الكهرباء تظهر تحسينات، حيث زادت السعة الفعلية (13.0) جيجا واط الى (14.0). إن أحد الأسباب الرئيسة لهده الفجوة يكمن في نقص إمدادات الوقود المناسبة ( الغاز في هذه الحالة)، مما يؤدي الى استبداله بانواع وقود اقل كفاءة، مثل النفط الأسود أو الخام، مما يؤدي الى تشغيل المحطات بأقل من (60%) من طاقتها إضافة الى ذلك، فقد كانت أسباب تخرى مهمة شملت سوء الصيانة وقلة توليد التبريد في درجات الحرارة العالية في العراق. كما إن ما يقارب (21%) " القابلية الإسمية" لمحطات وزارة الكهرباء لعام 2018 كانت خارج الخدمة.
من الواضح تماماً، إن أصحاب الورقة لا يستطيعون التركيز على الاسباب الفعلية لتعطيل الكهرباء طوال نحو عقدين، سبقهما تعطيل مشابه خلال سنوات الحصار. ويجري الخلط بين الأسباب والنتائج والمظاهر بصورة متعمدة، للخروج بالاستنتاج المعد مسبقاً بالطبع وهو خصخصة القطاع.
ص 31 الفقرة الاولى يرد المقطع التالي:
من المرجح أن يكون قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل 90% من وظائف القطاع الخاص، قد عانى أكثر من غيره من الإضطرابات الإقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا، وبالتالي فإن الكثير من وظائف القطاع الخاص معرضة للخطر، مما يساهم في زيادة الفقر الذي غرتفع الى أكثر من 40%، ولا زال معرضاً خطر الإرتفاع لنسبة أعلى خلال الأشهر المقبلة.
لا صلة لهذا الكلام بشرح الفقرة التي قبلها والتي تقول إن القطاع الخاص غير مؤهل لإستيعاب الأيدي العاملة. هذه فقرة تهربية تمويهية لا تشرح أي شيء. إن كتاب الورقة يريدون فرصة للتحدث عن الفقر، ليظهروا بمظهر المدافع عن الفقراء. وهنا يستغلون الأجواء التي فرضتها جائحة كورونا، للحديث عن مستويات الفقر، وكأن الفقر نتاج كورونا، أو كأن الجائحة هي سبب كتابة الورقة البيضاء، وكلا الأمرين غير حقيقي.
ص 34 خامساً: جائحة كورونا (كوفيد -19) وإنهيار عائدات النفط
يقرر أصحاب الورقة استنتاجاً جازماً بناءاً على فرضيات إنهارت بالكامل، وخاصة ما يتعلق بآفاق النمو العالمي ومستويات أسعار النفط.
يقول الإستنتاج:
لن تتمكن عائدات النفط المتوقعة لها في 20 و 21 من تغطية مدفوعات الرواتب للموظفين والنتقاعدين فقط، بغض النظر عن أية نفقات جارية اخرى.
ولكن لا يمكن بناء سياسة دائمية وبناء ستراتيجيات، بناءاً على حدث طارئ يمكن أن يتعرض للتغيير، وقد تغير بالفعل وبسرعة وتراجع تأثيره. ولا يمكن بناء سياسة إقتصادية بناءاً على توقعات غير قابلة للبرهنة، وهو ما يدل على إن الاستنتاج مرسوم مسبقاً، ومحدد كهدف أو ذريعة لتبرير سياسات مخططة أصلاً. وبالتالي فإن ما اورد كأدلة أو أسباب، هو مجرد حشو لبناء موضوع وتمريره. إن كل التوقعات التي أوردها أصحاب الورقة قد ثبت خطأها بالكامل تقريباً، وقد تجاوزت معدلات النمو وأسعار النفط، المعدلات والنسب التي وردت في التوقعات. وإذا كان إنخفاض أسعار النفط هو مبرر طرح مشروع الورقة، فإن هذا المبرر بطل الآن كلياً.
في الصفحة 38 – ترد الفقرة التالية: تتبنى الورقة البيضاء سيناريو إن متوسط سعر بيع النفط العراقي يبلغ حوالي 35 – 45 دولار أمريكي للبرميل في عام 2020، و45 -55 دولار أمريكي للبرميل في عام 2021 وإستناداً الى ذلك، فلن تتمكن عائدات النفط المتوقعة لعامي 2020 و2021 من تغطية مدفوعات الرواتب للموظفين والمتقاعدين بصورة كافية، بغض النظر عن أية نفقات جارية اخرى – وهو وضع مختلف تماماً عن الأزمة السابقة للاعوام (2014- 2016) حيث شهد الإنفاق على الرواتب نمواً بنحو (60%) بين عامي 2014 و2020 (فإرتفع من (40.2) تريليون دينار عراقي الى ما يقدر بـ (64.2) تريليون دينار عراقي)، كما وازداد الإنفاق المتكرر بشكل كبر في عامي 2019 و 2020.
من المعلوم إن جميع التنبؤات حول مستوى الأسعار والأرقام والنسب المشار اليها أعلاه، لم تطابق الوقائع التي تحققت بعد بضعة أشهر بل أسابيع من تقديم تلك التنبؤات. وحيث إن تلك التوقعات تشكل الركن الأساس الذي قامت عليه إستنتاجات أصحاب الورقة، والتي جرى على أساسها رسم السياسة الإقتصادية، فهذا يعني إن الأسس التي تقوم عليها الورقة هي غير علمية. وإذ جرى إعتماد تراجع أسعار النفط كمبرر لسياسة إقتصادية بعينها، فإن إرتفاع الأسعار يجب أن يغير من السياسات المطروحة، ولكن الحقيقة إن المخطط المطروح في الورقة، قد إستخدم تراجع الأسعار ذريعةً ليبرر مشروعه. إذن لا يمكن بناء مخطط إقتصادي على تخمين مستوى الأسعار وتذبذبها، فالأسعار يمكن أن ترتفع، وهو ما حصل، فتفرض بطلان الإستنتاجات والمخططات التي جرى رسمها وفقاً للتقديرات، وربما يحصل أن تنهار الأسعار الى درجة لا ينفع معها أي نوع من التدخلات على شاكلة الورقة البيضاء.
وفي الصفحة 41 نقرأ:
وعلى العكس من ذلك فإن تراكم الديون المضافة الى الديون السابقة غير المسددة، يؤدي الى زيادة الإنفاق في الموازنات المستقبلية، وكذلك زيادة العجز المستقبلي فيها، مما يزيد في نهاية المطاف من الدين الحكومي. وكذلك فإن تراكم ديون شركات النفط العالمية سيؤدي الى إنخفاض في الإنتاج، مما يحد من الإيرادات المستقبلية ويزيد من العجز في الموازنة.
يشير أصحاب المشروع الى تراكم ديون شركات النفط العالمية ؛ وهذا نتيجة لسياسة قامت بها الحكومة، هي سياسة خصخصة كل شيء، وخاصة القطاعات الرابحة وكذلك الاستخراجية مثل النفط. وقد كان التعاقد مع شركات النفط العالمية ضمن ما عرف بعقود التراخيص، هو ما تسبب في تخصيص نسب عالية جداً من العوائد النفطية لهذه الشركات، وتمكينها من السيطرة على الإستكشاف والإنتاج والتسويق. وهذا ما تسبب في تراكم " ديون" لشركات تنتج النفط بكميات هائلة. إن سياسة الحكومة ومجمل النظام السياسي الحالي، ترتد الى إفلاسات واسعة وتآكل الثروة العامة، ثم يصار الى تحميل المواطنين الأعباء المالية.
إن على أصحاب الورقة أن يوضحوا، إن الإقتصاد هو ليس مشروع فردي خاص تحل مشكلته عبر دراسة جدوى شركة بعينها أو ربحيتها، إنه إقتصاد سياسي. وبالتالي لا يمكن مناقشة مسألة تقع في صلب السياسة العالمية والسوق العالمية، من خلال تكرار صيغ وتعابيرعمومية بناءاً على جداول المؤسسات المالية، والاعتماد على الفرضيات والاعتقادات، وبدون تحليل الإساس الإقتصادي والسياسي لطروحات المؤسسات العالمية.
ويرد في الصفحة 42: إنخفاض سعر الدينار سيسهم في إسترجاع تنافسية الإقتصاد العراقي تجاه شركائه التجاريين"
يجري التأكيد مراراً على هذه النقطة، وقد تمت الاشارة اليها سابقاً، ونظراً للاصرار على تكرار هذه الحجة نعيد النقط الأساسية التي تثبت بطلان إدعاء أصحاب المشروع:
1- وجود عملات قوية ثابتة لدى شركاء العراق التجاريين مثل الأردن، السعودية، الكويت ، وأوروبا.
2- لا يوجد إنتاج سلعي للتصدير لكي يستفيد من تخفيض سعر صرف العملة.
3- الآثار الإجتماعية والمعيشية كبيرة جداً وضارة على الملايين.

وفي الصفحة 44 الفقرة الأخيرة : "إفتقار العراق الى نظام إدارة المعلومات المالية المتكامل" IFMIS Integrated Financial Management System الذي يربط الكترونياً بين جميع وحدات الإنفاق الحكومية. و" حساب الخزينة الموحدة" TSA Treasury Statistic Account
إن إعتماد هذه الأنظمة لا يتطلب هيكلة الإقتصاد وإجراء سياسات التعديل والتكييف، إنه نوع من إعتماد تكنولوجيا متقدمة في مجال أنظمة الحسابات. ومن جانب آخر ليس الإفتقار لها هو سبب الأزمة الإقتصادية، والمالية التي تواجه العراق. وعليه، يتعين إستخدام المنهج التحليلي العلمي في الإقتصاد، لمعرفة جذور وأبعاد الأزمة الإقتصادية، وليس تشتيت الأنظار بملاحظات جانبية.
في الصفحة 46: تسعى الورقة البيضاء الى تحقيق هدفين ستراتيجيين أساسيين الأول: هوالشروع في برنامج إصلاح فوري لوقف نزيف وعجز الموازنة". الهدف الثاني: " وضع الإقتصاد والموازنة على مسار مستدام"
لقد جرى إقرار الموازنة بتخفيض نصيب المواطنين من الموظفين والعمال، والابقاء على الإمتيازات وأوجه الإنفاق التي تستنزف المالية بإتجاه تركيزها بأيدي جهات بعينها. هذا الشكل التحكمي في تحديد أوجه الإنفاق، هو شكل من أشكال إعادة توزيع الثروة وتركيز التراكم الرأسمالي. وهناك العديد من أوجه الصرف التي تستنزف الميزانية العامة، والتي تعيد توزيع الثروة بمراكمتها في أيدي جمع من المتنفذين وصناع القرار. وهذا يعني فرض نمط جديد، أو قنونة الشكل الحالي للإستملاك والإستحواذ، وتحويله الى شكل سائد عام.
وفي الصفحة 47_ المحور الثالث : تحسين البنى التحتية الأساسية التي تسهم في نهوض قطاعات المستقبل. بهدف توفير الأرضية المناسبة لتوسيع قاعدة الإقتصاد وتنويعه وإعادة رسم مساراته الإستراتيجية بما يحقق التنافسية المطلوبة على المدى الطويل.
يهدف واضعو المشروع هنا الى تحقيق التنوع في الإقتصاد، إسمياً، ولكن الاصلاحات المستهدفة من خلال الورقة البيضاء، تقلص الى حد بعيد التنوع الممكن في الإقتصاد. فإن العديد من الصناعات ذات رأس المال الثابت المرتفع، قد عجز القطاع الخاص خلال عقود عن إنجازها، وقد جرى تحقيقها عن طريق القطاع العام. إن العديد من الصناعات الستراتيجية في العراق، والتي قامت على هذا النحو، هي ما منح الاقتصاد، وبخاصة الإنتاج الصناعي التنوع الواسع فيه والذي غطى العديد من الميادين. ومن الملاحظ إن سياسات التعديل والتكييف المطروحة في الورقة، ستسد الطريق على هذا التنوع الذي ساهم في تكوين السوق الداخلية، وفي إحلال الواردات في العراق. وكمثال على الصناعات التي إعتمدت المواد الخام المحلية وساهمت في تأمين تكامل قطاعي واسع في العراق هي، صناعة الزجاج ،صناعة الفوسفات ،صناعة البترو، الصناعات الغذائية، صناعة النسيج والجلود والألبسة، صناعة الأدوية، الصناعات الإنشائية، صناعة الأسمنت، صناعات الأسمدة.. وغيرها. هذه الصناعات يجري تحجيمها وتقليصها، بل تقويضها، وكلها تمتلك قاعدة وأساس تكنولوجي وبشري مع إمكانية تحقيق فوائض وفرص عمل وتصدير.
أما نوع الإقتصاد الذي ستسفر عنه إصلاحات الورقة، فهو الإقتصاد المحدد عن طريق سياسة صندوق النقد، والمتطابق مع سياسات التكييف الإقتصادي الخاضعة للتقسيم العالمي للعمل وللسوق العالمية. بمعنى؛ إقتصاد تابع ومرتبط بالمؤسسات المالية العالمية، بكل ما يتضمنه من بنية مرسومة ومحددة مسبقاً؛ أي يد عاملة رخيصة، سوق مفتوحة أمام الشركات العالمية، مع تسهيلات وخضوع كامل، ومستوى النمو محدد ومرسوم، وإتجاهات الصناعة والبنى الأساسية محددة بما يناسب مصالح الشركات العالمية. وبكلمة، إنه نفس ما جرى في العديد من البلدان التي نفذت سياسات التعديل الهيكلي، وقد أصاب المجتمعات هناك ما أصابها من تركز الثروة بيد مجموعة ضيقة جداً من السكان، مقابل إفقار واسع وتدهور وإنحطاط حياة الملايين.
في الصفحة 48 الفقرة الثالثة:
أولاً: ترشيد النفقات من خلال اتخاذ إجراءات فورية، واخرى على المدى المتوسط، قابلة للتطبيق في البيئة العراقية.
ثانياً: زيادة الإيرادات وتحسين التدفق النقدي، وتوفير السيولة الضرورية لتغطية النفقات.
ثالثاً: إصلاح أنظمة الإدارة المالية، لوضع الاسس اللازمة للاصلاح وتمكين المؤسسات من إدارة مالية الدولة بشكل فعال ومستدام.
وفي الصفحة 49 يشرح كتاب الورقة إجراءات ترشيد النفقات:
" تخفيض نسبة فاتورة الرواتب والاجور من الناتج المحلي الإجمالي من (25%) الى (12.5%) خلال 3 سنوات"
وهذا يعني التخفيض الى النصف تماماً. ولكن كيف سيجري تحقيق ذلك؟ هل عن طريق تخفيض الرواتب الى النصف؟ هل عن طريق تقليل أعداد الموظفين الى النصف؟ هل عن طريق تقاعدات مبكرة بالجملة؟
إن كل الإجراءات المحتملة المشار اليها، تعني ضمناً إيقاف التعيينات الجديدة، وبالتالي إزدياد أعداد العاطلين عن العمل. وحيث إن نحو نصف مليون إنسان يدخل سوق العمل سنوياً في العراق، وسيضاف اليهم أعداد من ستجري إحالتهم على التقاعد المبكر، والذين سيضطرون الى البحث عن عمل آخر، فإن مستويات البطالة سترتفع أكثر. وبما أن القطاع الخاص المحدود القدرات أصلاً لا يمكنه إستيعاب الأعداد المتزايدة من الأيدي العاملة، فإن مشكلة البطالة ستتخذ شكلاً أشد وأقسى، وستترتفع معدلات الفقر بأشكال خطيرة جداً، وستفرض أعباءاً حياتية شديدة على العديد من الفئات الإجتماعية من خارج سوق العمل.
إذ سيزداد مستوى ترك التعليم من قبل أبناء العائلات العمالية، وسيضحى بالفتيات أولاً. وستزداد الأعباء الحياتية على النساء في البيوت بسبب صعوبة تدبير المعيشة، وصعوبة الحصول على المعدات واللوازم المساعدة في العمل المنزلي. ستزداد ساعات العمل المنزلي بلا حدود، وسيتقلص معها الوقت المخصص لرعاية الاطفال وتربيتهم. هذا ما لا يلاحظه ولن يلاحظه، من يطرح ورقة، تضع نصب عينيها مسألة تأمين الربح والايرادات لفئة ضيقة جداً من الناس، على حساب خراب حياة الملايين، ومن ثم يطلق على هذه النتائج الإجتماعية والحياتية المأساوية، نمو إقتصادي ونجاح إقتصادي.
وفي نفس الصفحة: "تحصيل الإيرادات لجميع إستخدامات الكهرباء على أٍساس سعر الوقود الحقيقي في السوق العالمي"
إن أسعار أو تكاليف الكهرباء في العراق هي الأعلى من مثيلاتها في العديد من دول العالم. تستوفى اجور الكهرباء عن أقل من نصف وقت التجهيز. اي أقل من اليوم ومع ذلك يتم إستحصال اجور الكهرباء وبأسعار وحدات عالية. ويضطر المواطنون الى الإستعانة بمولدات أهلية تجهز كهرباء محدودة في الطاقة وفي الوقت ومرتفعة الثمن جداً، وهي تستنزف نسباً مرتفعة جداً من دخل المواطنين، وخاصة الشغيلة التي تعمل بأجر. وعوضاً عن تقديم رؤيا ستراتيجية علمية لحل مشكلة الكهرباء، يصار الى التفكير في العوائد.
في الصفحة 51. د. وضع وتطبيق برنامج لبيع بعض الأصول الحكومية لأجل تحسين أدائها بما يتوافق مع المصلحة العامة وتشجيع الإقتصاد الوطني وتحقيق الإستثمار الأمثل لها.
إن بيع الأصول الحكومية هو أحد أركان السياسة المنصوص عليها في برامج التعديل الهيكلي، والتي أشرنا اليها سابقاً. وحيث إن بيع الاصول الحكومية يجري بالقيمة الدفترية حسب قواعد ونظم المحاسبة في العراق، هذا إذا جرى بيعها أصلاً كأصول ولم يجر تصنيفها كخردة أو سكراب، فإن هذا بالتالي سيعني تخفيض حاد وخطير للاصول والموارد وليس توفيراً لإيرادات. وبالتالي لا يمكن تعزيز الإيرادات المالية عن طريق بيع الاصول، أي تفتيتها.
ص52الفقرة و: بناء القدرات والمهارات الفنية والإدارية لمنتسبي وزارة المالية، وللدرجات كافة، وإنشاء معهد متخصص في مجال إدارة المالية العامة للتدريب وتعزيز كافة مهارات الموظفين من الدرجات المتوسطة والعليا والمباشرة بوزارة المالية اولأ وبعدها الإنتقال لتشمل كادر القطاع العام ككل.
تتضمن الفقرة أعلاه، فكرة إن ضعف أداء وزارة المالية سببه فني وهو نقص المهارات، وهذا غير صحيح، فالمسألة تتعلق بالسياسة الاقتصادية. أما إذا كان المقصود إعداد مهارات تتوافق مع التنظيم المخطط للمالية، وتغيير الإطار العام للوظيفة، والمهارات والخبرات المكتسبة والمتوارثة خلال عقود من التنظيم المركزي والمخطط، فهذا يعني تغيير فلسفة الوظيفة والنمط السائد، وتفعيل وفرض نمط جديد متوافق مع السياسات الجديدة. بإختصار تعرض لنا الورقة فقرة تطوير مهارات، في حين إنها إعادة برمجة وتوجيه للنظام المالي ككل.
الفقرة ز: تعزيز القدرات الإقتصادية والمالية، بما يمكنها من جمع البيانات والتنبؤ بها، وإعداد تقارير عوامل الإقتصاد الكلي.
هذه الفقرة هي عموماً حشو وتكرار، فقد جرى وصف الإقتصاد من قبل أصحاب الورقة في بضعة فقرات وجمل وبدون تحليل. والآن وبعد أن تقررت وجهة الإقتصاد، حسب وصفات أصحاب الورقة وصندوق النقد، يجري التأكيد على إعداد التقارير.
وفي الصفحة 55 ثالثاً: تمكين القطاع الخاص من أخذ دوره المطلوب في الإنتاج والنمو وتحقيق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل، تفعيل صندوق دعم القطاع الخاص.
إذا كان الهدف من الورقة هو تعزيز الايرادات المالية، واذا كان السبب لطرحها هو مواجهة العجز المالي، وإذا كانت الوعود كلها تشير الى أن القطاع الخاص هو المنقذ، وهو من سيوفر فرص العمل، فما معنى تفعيل صندوق دعم القطاع الخاص؟ واذا كان القطاع الخاص أصلا عاجزاً عن تمويل نفسه، فكيف سيحقق نمو إقتصادي؟ وكيف سيساهم في القضاء على البطالة، ما دام غير قادر على تأمين الرساميل المطلوبة لمباشرته بالإنتاج؟ اليس هذا الكلام إنشاء وأماني غير موثوقة، ويقصد به بث الأمل والوعود وسط وضع إقتصادي وحياتي خانق ومعقد؟

قطاع التأمين
فقرة 8 صفحة 58 : التأمين الصحي للموظفين الحكوميين.
المستشفيات العامة هي ممتلكات عامة. وقد ورد في العديد من النصوص التشريعية إن الصحة مسؤولية الدولة تجاه الأفراد. إن الموظف مرتبط بالوظيفة الحكومية وصحته من مسؤولية الدولة كذلك. وقطاع الصحة العام هو جزء من القطاع العام، وهناك تخصيص مالي له، ولا يوجد أساس قانوني لمطالبة الموظف بدفع تكاليف التأمين الصحي.
فقرة 4 في الصفحة 59 :
الإتجاه نحو خصخصة بعض الشركات العامة بتحويلها الى شركات مساهمة مختلطة، لتحسين أدائها، بما يتوافق مع المصلحة العامة، وتشجيع الإقتصاد الوطني، مما سيقود الى زيادة عدد الشركات المدرجة في السوق المالي،وزيادة الإستثمار الوطني والأجنبي المباشر للاوراق المالية، وبالتالي زيادة واردات الدولة من إيرادات تلك الشركات.
إذا كان الهدف هو زيادة عدد الشركات المدرجة في السوق المالي، ومن ثم زيادة واردات الدولة من إيرادات تلك الشركات، لماذا لا يجري تأسيس شركات جديدة مساهمة مع القطاع الخاص وترك الشركات القائمة أصلاً؟ وإذا كان القطاع الخاص بحاجة الى صندوق دعم، وهو ما جرى ذكره والتأكيد عليه في أكثرمن موضع من الورقة، فكيف سيكون بإمكانه تحقيق الإيرادات المشار اليها للدولة؟ الا يتضمن هذا الكلام تناقضاً؟
ص 60 استقطاب المستثمرين لإقامة مجمع بتروكيمياويات.
هذا يعني هيكلة وتصفية المجمع الحالي الواقع جنوب البصرة على الخليج، والذي يرتبط بسكة حديد مباشرة ويختصر العديد من التكاليف، وبالتالي يوفر إيرادات مالية. ووفق ما تطرحه الورقة البيضاء فستجري تصفيته وبالتالي إقصاء القطاع العام من ميدان حيوي وستراتيجي، وتسليم كل هذه الإمكانيات الإنتاجية والتسويقية الى القطاع الخاص، وضياع فرصة تأمين إيرادات من المشروع.
في الصفحة 60 وفي مادة قطاعا الغاز والنفط، الفقرة الأخيرة
وضع إطار عمل لمشاركة القطاع الخاص، والسماح بإستثمار الشركات العالمية في صناعة الغاز الطبيعي في العراق، والإشراف على تنفيذ عقود جولات التراخيص الغازية.
هذه العبارة مضللة. توجد اتفاقية مع شركة شل حول الغاز وهي تمتد لـ 25 سنة⑤. وقد وضعت بشروط مجحفة. ومن جانب آخر فإن عقود التراخيص مع الشركات النفطية قد تسببت، كما ورد في الورقة، في تراكم ديون الشركات على العراق. وهذا يعني إن تسليم الغاز الى الشركات عبر عقود التراخيص، سيقود الى نفس النتيجة، أي الى ديون وأعباء مالية بدل تحقيق الإيرادات.
صفحة 61 موضوع القطاع الزراعي
4- وضع محفزات وسياسات ترويجية لجذب الإستثمار الخاص، وتشجيع الفلاحين على إستخدام تقنيات الري الحديثة.... الخ.
إن نظام الري تضعه الدولة، وهو بحاجة الى ستراتيجية شاملة لا تجيب عليها هذه النقطة. إن كل تاريخ نزاعات الفلاحين والعشائر والاقتتال كان حول مصادر المياه أو تقاسم المياه، وبالتالي لا يمكن ترك موضوعة الري للأدوار الفردية. أما نظم الري بالتنقيط والرش فهي بحاجة الى إمكانات مالية وفنية عالية، وستكون متاحة للملاكين حصراً، وسيتعذر على الفلاحين تامينها بالإمكانات الشخصية، مما سيقود الى تراجعهم الى مستوى شغيلة بالأجر لدى الميسورين أو الرأسماليين الجدد في القطاع الزراعي.
ص61 وفي فقرة القطاع الزراعي:
5- التركيز على دعم المخرجات، والتشديد على بناء الثقة مع الفلاح والتزام الحكومة بوعودها، سيما في إطلاق مستحقات الفلاحين، مقابل تخفيض نسب الدعم تدريجياً بما يقارب أسعار السوق العالمية.
هذا الكلام لا يرتقي الى درجة تنظير إقتصادي، فهو يخلط بين الإجراءات والوعود والتخطيط للتعديل الهيكلي. إن مستحقات الفلاحين هي حقوق مترتبة للمزارعين عن أقيام مبيعاتهم من المحاصيل، وليست موضوعاً للمناقشة في ورقة تهدف الى التخطيط وتغيير هيكل الإقتصاد.
الفقرة ط ص 63
السعي لتوفير خزين للنفط العراقي قرب مناطق الإستهلاك الرئيسية، مما يتيح توفير هامش للمناورة التسويقية وأفضلية لتلبية حاجة الزبائن، وذلك من خلال التأجير أو إقامة الشراكات، وكذلك الدخول بشراكات في مصافي خارجية لضمان ديمومة أسواق النفط العراقي، والدخول في مجال تصدير المنتجات النفطية، بالإضافة الى سد إحتياج السوق المحلي.
هذه مناورة لإدخال القطاع الخاص قسراً وتمليكه النفط. هناك نظام توزيع قديم ومستودعات حكومية قائمة ولها شبكات واسعة، وكانت تدير عملية التوزيع بشكل جيد حتى خلال الأزمات والحروب. إن الحجج الواردة والمتنوعة والطريقة التي تعرض بها الفقرة، غير مترابطة ولا تعكس فكرة إقتصادية متماسكة، إنها تعكس الطبيعة التبريرية للورقة بوضوح. إن التمهيد لزج القطاع الخاص، والأحرى تمليكه العوائد النفطية، تتضح في العديد من مواد الورقة، ويتجلى في هذا المقطع، الطابع المغرض والملتوي والمموه للخصخصة، حيث لم يجد أصحاب الورقة، أي مبرر واقعي لدور ممكن للقطاع الخاص المحلي في قطاع النفط.
الفقرة أ صفحة 64 قطاع الغاز
1- تأسيس شركة غاز وطنية، تشرع بقانون يتيح لها تاسيس شركات مشاركة تعمل بإتجاه الإنتاج والمعالجة، وكذلك التجميع والنقل.
هذه الفقرة تتضمن قيام الدولة بتأمين إطار عام لتمكين القطاع الخاص من السيطرة على الغاز، عبر الشراكة. ويتضح هذا الهدف المضمر حين ننتقل الى النقطة د التي تقول:
د. السماح بإستثمار الشركات العالمية في صناعة الغاز الطبيعي في العراق.
وهنا يتضح بجلاء الغرض من تضمين الفقرة أعلاه عبارة الشراكة مع القطاع الخاص، حيث ستكون إتاحة الغاز أمام الشركات مباشرة.
وفي الفقرة هـ من نفس الصفحة هـ. الإشراف على تنفيذ عقود جولات التراخيص الغازية، وبناء مجمعات غاز متكاملة ضمن بعض الحقول (أرطاوي، ميسان، والناصرية).
نفس مضمون الفقرة أ وتأتي تأكيداً لها. وهي العودة الى عقود التراخيص وترسيخها في مجال الغاز، بعد تمكينها من السيطرة على قطاع النفط وزيادة الأعباء المالية على الدولة، ثم التسبب في هدر المليارات وفقدان الآف فرص العمل.
ص 65 توفير البيئة الملائمة لتحقيق زيادة فعلية في مساهمة القطاع الخاص في النشاط الإقتصادي.
تمويل مشاريع القطاع الخاص من خلال إنشاء صندوق مدعوم من الجهات الحكومية والمصارف الخاصة، وتخصيص جزء من المنح الخارجية.
تناقض مع منطوق الورقة كلياً، والتي تدعي إن الدافع لكتابتها هو وجود الازمة المالي،. وإن الهدف الرئيسي هو توفير الإيرادات. وهنا يتضح من خلال الإصرار على تأسيس صندوق دعم القطاع الخاص، إن الغرض من تأمين الإيرادات، هو لمصلحة القطاع الخاص وليس للدولة والمالية العامة عموماً. بما في ذلك تفتيت الملكية العامة وتسليمها الى القطاع الخاص.
في الصفحة 65 وتحت عنوان ثالثاً : القطاع الخاص، ترد الفقرة التالية:
تقوية سياسات حماية للمنتج والمستهلك من خلال السيطرة على المنافذ، ووضع سياسات ديناميكية للتعرفة على الإستيرادات، وإجراءات التقييس والسيطرة والنوعية.
هذا يعني زيادة الضرائب، وبالتالي زيادة أسعار السلع الاستهلاكية، لغرض تقوية القدرة التنافسية للمنتج المحلي، الذي سيفرض أسعاره هو، مستفيداً من رفع متعمد لأسعار السلع المستوردة. وهنا سيحصل تناقض مزدوج: أولا تخفيض قيمة الدينار ستزيد التضخم، وزيادة الضرائب على السلع سترفع الاسعار. وهذه أعباء مضاعفة ستقع على المواطن وخاصة الطبقة العاملة، بما فيها الموظفين الحكوميين والكادحين، وستقلل القدرة الشرائية لهذه الفئات كثيراً وبالتالي إنخفاض الطلب الكلي.
ومن الناحية الإقتصادية، فإن إنخفاض القدرة الشرائية، سيقلل الطلب على السلع المفترض إنتاجها من قبل القطاع الخاص المحلي، وبالتالي سيحصل الإنكماش والركود، وسيقود هذا الى فشل المشاريع التي ستعتمد على الاستهلاك المحلي أصلاً وليس التصدير. حيث أن سياسة الحماية التي تعلن عنها الورقة، تعني ضعف القدرة التنافسية للمنتجين المحليين وحاجتهم الى الحماية. وهذا معناه إن مجموع هذه الاجراءات، مهما بالغت في الوعود والحديث عن الرفاه، لا يمكن أن تكون إيجابية في مجال توفير فرص العمل وتفعيل الصناعة. وبكلمة، تسعى الورقة عبر هذا الإجراء، الى أن يدفع العمال وعموم الشغيلة من جيوبهم، تكاليف دعم الرأسماليين المحليين الذين يفتقدون القدرة أصلاً، على الإنتاج والتوزيع بمستوى أسعار السوق العالمية السائدة.
في الصفحة 66 وتحت عنوان أ. تفعيل صندوق دعم القطاع الخاص.
يقوم أصحاب الورقة بتكرار هذه الفقرة في أكثر من مناسبة، ما يعكس أهميتها الفائقة لديهم، ويقدمون تفاصيل إضافية في كل مرة، والأحرى تكرار لكل ما مر. لقد سبق وإن تعرضنا لهذه الفقرة في أكثر من موضع، إستجابة للتكرار الذي قام به واضعو الورقة. وهنا يجري زج نقاط تفصيلية لشرح الإجراءات التي تعتزم الورقة تقديمها كأسلوب لتفعيل القطاع الخاص. وتسرد الورقة مجموعة نقاط تكاد تكون في مجملها تكرار ووعود ووصفات، وتفرد إحدى النقاط لموضوع القروض الصغيرة:
تشجيع المصارف الحكومية والأهلية على منح قروض صغيرة لأصحاب المهن ممن لا يستلم راتباً من الدولة، لتطوير مهنهم أو ممارسة مهنة جديدة.
فيما يخص المهن الجديدة التي تباشر أعمالها إعتماداً على القروض، فقد جرى تجريب هذا الأسلوب كثيراً ولم يثبت نجاحه، وقد جرى تقييد الكادحين بأعباء مالية يصعب تسديدها على الأعم الأغلب، بعد أن فشلت مشاريعهم الصناعية أو التجارية التي شرعوا بها عبر الإقتراض.
ومن الناحية الإقتصادية فإن ملاحظة الإرتفاع الكبير لتكاليف المشاريع الجديدة، بسبب الأعتماد المتزايد على التكنولوجيا المتقدمة ذات الكلف العالية، تشير بما لا يقبل الشك، الى عدم قدرة القروض الصغيرة بأي شكل على المساعدة في مباشرة مشروع قابل للحياة. أما أصحاب المهن القائمة أصلا فستزداد الأعباء المالية عليهم في حال إعتمادهم على القروض. وهنا نحن لسنا أمام أي إمكانية لتوفير فرص عمل فعلية. إن مشروع القروض الصغيرة، لا يمكن أن يساهم في حل مشكلة البطالة وتوفير فرص عمل، بل العكس، فإن تحويل هذه المبالغ المجزأة، الى رؤوس أموال كبيرة من قبل المخططين، وفتح مشاريع صناعية أو خدمية، هو ما سيساهم في خلق فرص العمل. إن الإقراض هو فرصة للمصارف لكسب العوائد الكبيرة، وإفقار متزايد لجموع العاطلين عن العمل.
فقرة 6 في صفحة 69
6- بيع الفرص الإستثمارية الجاذبة بميزة خاصة وتفضيل أولي للمقاولين في المنافسة على المقاولات العامة المعروضة بضوابط خاصة.
إن صياغة هذه العبارة تدل على الإندفاع وراء الهدف المحوري والجوهري للورقة، وهو تسليم الثروة العامة للقطاع الخاص، عبر إعادة توزيع للثروة يتضمن الإفقار الشديد للقسم الأعظم من الناس، مقابل إثراء فئة ضيقة. لقد تسبب الإندفاع المحموم وراء هدف تمكين القطاع الخاص والمقاولين، وتفضيل مصالحهم على الأهداف العامة، الى صياغة عبارة لا معنى إقتصادي لها سوى الإنحياز واللاموضوعية، فما معنى بيع الفرص الإستثمارية الجاذبة! دون أن يكون تفضيل المقاولات الخاصة على القطاع العام بأي ثمن ودون أي إعتبار إقتصادي.
وفي فقرة 3 صفحة 70 : إمكانية إستخدام المساحات المدعومة من قبل الجهات الحكومية في الأنشطة التجارية مثل (المباني الحكومية المهجورة، والمستودعات، والمعدات الثقيلة، وتخفيض الرسوم الجمركية، وغيرها) لإيجاد مساحات عمل مشتركة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة.
فقرة غامضة وملتبسة وقابلة للتأويل بأكثر من اتجاه، وهي مغرضة وتهدف الى الاستيلاء على ممتلكات عامة. إن العديد من الأبنية التي هجرت، تعود لمؤسسات ومنشآت حكومية، وقد هجرت إما بسبب مجريات الحرب والإحتلال، أو الأعمال العسكرية التي تلت الحرب، أو بسبب التعطيل المتعمد لعشرات المشاريع التي كانت فعالة وناجحة. إن صياغة الفقرة بهذا الشكل، هو تمهيد للاستيلاء على عشرات المباني الحكومية والممتلكات العامة، وتمليكها الى شركات لا أساس لها، بدليل إنها لا تتوفر على مباني أو مستودعات.
الاشغال العامة:
في الصفحة 73 فقرة أ- تشريع قانون لإعادة هيكلة الشركات العامة، وتحويلها الى شركات خاصة وشركات فرعية، وتنظيم تأسيسها وعملها وإدارتها وتصفيتها وإفلاسها، تماشياً مع ما مطبق على شركات القطاع الخاص، وتطبيق المحاسبة الإدارية على أدائها.
هذه الفقرة التي يجري توكيدها هنا وتكرارها أكثر من مرة، هي برهان على المحتوى الفعلي للورقة، وإن كل المتن والنص والتعابير التفصيلية التي ترد في كل فصل ومادة، هي للتأكيد على هذا الهدف. إن من غير المنطقي أن يعلن أصحاب الورقة إفلاس شركات، دون تقديم الأدلة والبراهين من وجهة نظر إقتصادية. فالورقة لاتتحدث عن شركات مفلسة، ولا عن شركات خاسرة، بل تترك مسألة الإفلاس معلقة ومحتملة لكل الشركات، وهذا هو التمهيد للاستيلاء عليها ووضع التبرير او الذرائع لذلك. ولكن التعابير الإنشائية والجمل العابرة، لا يمكن تمريرها والتغاضي عنها. ومن جانب آخر لا يحق لأصحاب الورقة الذين يدبجون نصاً يكتظ بالتلاعبات والتبريرات واللاعلمية، ان يعتبروا صدوره حجة على حتمية ومشروعية ما جاء فيه. وعلى الرغم من أن النقد الموجه للورقة لم يتناول موادها وفقراتها جميعاً، الّا أن الفقرات والمواد التي يتم عرضها ونقدها، تكفي لكشف المضمون الفعلي الذي يتخفى وراء تعابير الاصلاح والنمو.
الفقرة د ص74 : التوعية الشاملة لتحفيز المجتمع على تثمين أصحاب المهارات، بما فيها المهنية والفنية، وتشجيع الشباب على إختيار مسارات تعليمية وتدريبية منسجمة مع احتياجات سوق العمل خلال السنوات اللاحقة لتخرجهم.
إنشاء وحديث مرسل لا معنى اقتصادي له.
الفقرة و صفحة 74: و. تقديم التسهيلات المالية والتنظيمية التي تمكن ذوي المهارات الفنية والتقنية من تأسيس مشاريع صغيرة تلبي إحتياجات السوق والمجتمع.
كيف يمكن المشاريع الصغيرة أن تلبي حاجة السوق وسط تعاظم الشركات العالمية العملاقة؟ كيف يمكن لمشروع بحاجة الى تسهيلات أصلاً، أن يصمد أمام هيمنة الإحتكارات العالمية، وتحكمها بالانتاج والتسويق؟ كيف يمكن المشروع الصغير أن يصمد أمام مزايا الإنتاج الواسع وإنخفاض تكاليفه؟ ألا يحتاج هذا الى إقتصاد مغلق أو العودة الى إقتصاد من نوع إقتصاد القرن الثامن عشر أو قبله، أو الى أيام الإنتاج الحرفي؟ وهو الأمر الذي أصبح من الماضي البعيد وفي حكم المحال.⑥
وفي الصفحة75 المحور الثالث:
ثالثاً: النقل بما يلعبه من دور أساس في حركة الأفراد والبضائع، ودعم التجارة وتمكينها، واستثمار موقع العراق الإستراتيجي كممر للتجارة الدولية، وتنفيذ ذلك بطرق تمويل حديثة، خصوصاً من خلال تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص في هذا المجال لتغطية الكلف وجذب الإستثمارات.
دعم التجارة؟ ما معنى دعم التجارة في وقت تسيطر فيه الشركات التجارية على الاستيراد والتصدير في العراق والعالم؟
ويرد مرة اخرى إشراك القطاع الخاص في تمويل البنى التحتية. كيف يمكن ذلك في الوقت الذي تصر الورقة فيه على إنشاء صندوق دعم القطاع الخاص؟ هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الموقع الستراتيجي للعراق، والذي تتحدث عنه الورقة، والذي يترك تأثيره على التجارة الدولية في المنطقة، يستدعي تدخل السياسة الدولية. وهذا الأمر الذي يتعلق بتناسب وتوازن القوى الإقليمية والدولية، ليس من المنطقي إغفال هذه النقطة الجوهرية والإنهماك في البحث عن دور للقطاع الخاص. هذا من جانب، ومن جانب آخر ليس من المنطقي بعد الحديث عن أهمية موقع العراق الستراتيجي العالمية، يصار الى تركه بيد القطاع الخاص، والذي تتلخص علاقته بالإقتصاد بتحقيق ربحه الخاص كصاحب مشروع.
في الصفحة75: المحور الثالث: تحسين البنى التحتية الأساسية التي تسهم في نهوض قطاعات المستقبل.
رابعاً: المناطق الحرة والمدن الصناعية بهدف توفير بيئة مناسبة للأعمال وتجاوز الإجراءات المعقدة والبيروقراطية المعرقلة، في أقرب وقت ممكن.
كانت سياسة الورقة البيضاء تتحدث عن سياسة الحماية، لغرض تطوير القطاع الصناعي الخاص وحمايته من المنافسة الأجنبية. والآن إنشاء المناطق الحرة، ألا يتعارض هذا مع إجراءات الحماية الكمركية التي وردت في فقرات سابقة؟
وفي الصفحة 76: الطاقة الكهربائية.
إستكمال محطات توليد الطاقة التي هي قيد التنفيذ، وإجراء عمليات الصيانة المستمرة لمولدات شركات وزارة الكهرباء الغازية، وضمان قيام منتجي الكهرباء من القطاع الخاص، بإستكمال محطات الإنتاج الخاصة بهم.
هذه النقطة بحاجة الى وقفة؛ لا يحتاج إستكمال إنشاء المحطات الى مشروع جديد، بل الى مجرد متابعة روتينية من قبل الجهات المختصة، وهذه بالتالي ليست نقطة تقع ضمن تخطيط إقتصادي ستراتيجي، بل هو عمل يتعين القيام بصورة دورية، ويعتبر ذكره هنا مجرد حشو. هل يحتاج عمل روتيني شبه يومي مثل صيانة المولدات الى وضع مشروع إقتصادي موسع مثل الورقة البيضاء؟ وهل سينتظر المعنيون صدور الورقة البيضاء وتعميمها لكي يباشروا بالصيانة؟ ثم لماذا المحطات الغازية بالذات؟ وهل ستترك المحطات غير الغازية بلا صيانة؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يرتقي هذا الطرح الى مستوى مشروع يقرر السياسة الإقتصادية في البلاد ولعشرات السنين؟
هل ستكون هناك كهرباء حكومية واخرى قطاع خاص؟ وإذا كان القطاع الخاص قادراً على انتاج الكهرباء بقدراته الذاتية، لماذا لا يقوم بانشاء محطات كهربائية ويباشر الإنتاج؟
تنفيذ خطة شاملة لاستقطاب أصحاب المولدات الأهلية في مشاريع مع الدولة في مجال إصلاح قطاع الكهرباء، وتحديداً في تشغيل محطات غازية صغيرة.
هذا الكلام غير منطقي؛ إذ يوجد في بغداد وحدها نحو8135 مولدة اهلية مسجلة حسب إحصائيات سنوات سابقة، وهذا العدد من أصحاب المولدات لا يمكن أن يترك نشاطه طوعاً، وينخرط في مشروع حكومي عام، دون تعريف دوره في النظام الجديد للكهرباء. حيث أن تشغيل محطات كبيرة يعني إنتفاء ضرورة وجود المولدات الصغيرة الأهلية. كما إن أصحاب المولدات ليس من مصلحتهم تجهيز الكهرباء بصورة دائمة لأنها تتعارض مع أشغالهم. والفقرة عموماً عبارة عن انشاء وحشو زائد وكلام غير إقتصادي بالمرّة. إذ أنه من غير المنطقي أن يقوم كل هذا العدد بالمساهمة في إقامة محطات، كما أنه ليس من مصلحة صاحب المولدة التحول الى عامل بالأجر، في حال إستكمال إنشاء المحطات المنتجة للكهرباء.
ولماذا التأكيد على محطات غازية صغيرة؟ وكيف ينسجم هذا مع البحث عن انتاج الكهرباء بالطاقة المتجددة؟
في الصفحة 78 فقرة 2
إستكمال الربط الكهربائي مع دول الجوار لتحقيق قابلية تجهيز أكبر وقدرة نقل أفضل وكذلك تحسين قدرة البلد على تجهيز الكهرباء عند القيام بعمليات صيانة لمحطات الإنتاج الخاصة به.
بعد إغراقنا بالوعود عن تطوير البنى وتوفير الإيرادات، يتوصل اصحاب الورقة الى حل للكهرباء يقوم على الإستنزاف الدائمي للموارد، وعلى الإبقاء على منظومة كهرباء منهارة. في حالة الربط الكهربائي مع دول الجوار، سيكون العراق في حالة إستيراد دائمي، بدليل إنه يعتمد على دَوْر أصحاب المولدات الصغيرة، وسيعمل على مواصلة هذا الإعتماد كما تقول الورقة.
وإذا كان مشروع الورقة ما زال يبحث عن دور لأصحاب المولدات الصغيرة في حل أزمة الكهرباء، ويسعى في الوقت نفسه الى الربط الكهربائي مع دول الجوار، فأين هي ستراتيجية حل مشكلة الكهرباء؟ وأين ستقف الوعود التي أغدقها أصحاب الورقة في الصفحات الاولى؟
في الصفحة78 الفقرة الأخيرة.
استكمال محطة الخيرات الحرارية الجديدة للاستفادة من زيت الوقود من مصفى كربلاء المجاور.
هذا اجراء تفصيلي ولا معنى لوضعه في مخطط عام. وهذا المثال ليس بالضرورة أن يكون علاجاً لمعضلة عامة.
في الصفحة 81 ثانياً :الإتصالات.
ويتمثل هدف هذه المبادرة في " تحول العراق نحو إقتصاد رقمي يتسم بالمرونة والشمولية وبإجراء إصلاحات إقتصادية واعتماد أولويات إنمائية طويلة المدى تشمل الوصول بسعر معقول الى الأنترنيت عالي السرعة، وتحقيق إعتماد واسع النطاق لمدفوعات غير نقدية، وتقديم الخدمات الحكومية الرقمية، وتحسين الوصل الى البيانات "، حيث يتم ذلك من خلال:
1- توفير البنى التحتية الرقمية، عبر إدخال التكنولوجيا المتطورة ( الجيل الرابع) بداية العام المقبل ....
2- إستكمال إجراءات منح الرخصة الرابعة وفقاً لافضل المعايير الدولية.
ما علاقة هذا الشرح أعلاه بمسألة نقص السيولة والأزمة المالية التي إستدعت حسب الإدعاءات السابقة، كتابة الورقة؟ وما علاقة الاجراءات الإدارية والضوابط مثل منح رخصة، بمشروع هيكلة الإقتصاد وتغيير بنيته؟ اليس هذا دليلاً على إن حبكة الورقة عموماً، تتضمن الكثير من الحشو وتجميع الملاحظات لغرض الخروج بنص مطبوع بأي صورة؟ ولكن هذا خطير وغريب، ويعكس قصوراً وعدم مسؤولية أزاء أخطر القضايا التي تخص المجتمع، وهي وثيقة تمس حياة الملايين. لقد تعمدنا إيراد مقاطع مطولة من الورقة، لمناقشة أوسع ما يمكن من فقرات الورقة. لقد جرى إيقاف وتعطيل متعمد لقطاع الإتصالات الحكومي، مما مكن شبكات الهاتف من إحتكار مطلق للسوق، ووقف حائلاً أمام تطوير منظومة إنترنيت على خطوط الهاتف الأرضي متطورة ومنخفضة التكاليف. وهذا يتنافى مع إدعاء توفير إنترنيت متطور وبأسعار "معقولة" كما يقول واضعو الورقة.
بإختصار، هذا مشروع عمومي لاصلة له بنقص السيولة ومحاولة تعظيم موارد الدولة، بل تعظيم موارد القطاع الخاص الذي يمكنه، بل هو يفضل، إيداع حساباته في المصارف العالمية، وبالتالي سيصبح المشروع وسيلة لإنقاص موارد الدولة.
فقرة "إزالة القيود عن مشغلي القطاع الخاص الأكفأ لبناء وتملك وتشغيل البنى التحتية الدولية والمحلية الخاصة بالالياف الضوئية". هذا كلام إنشائي مرسل لا صلة له بالاقتصاد ولا بالتخطيط.
-وفي الصفحة 82 الفقرة 5- إنهاء حالات تهريب سعات الانترنيت عبر السيطرة بشكل تام على بوابات النفاذ، وكذلك إستكمال المشاريع الأمنية للسيطرة على البيانات من والى العراق.
إن التهريب هو إنتهاك وسرقة، وهو يتطلب إجراء أمني ومعالجة فورية، وليس مشروع مستقبلي، ولا يجوز إنتظار تشريع لكي يصار الى ضبط حالات التهريب.
نفس الصفحة الفقرة 6- " تحرير وخصخصة القطاع العام والبنى التحتية والشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية بشكل تدريجي، بما يضمن تحقيق التنافسية، وتطوير القطاع وتحقيق إيرادات للدولة".
هذا الموضوع تترتب عليه نتائج أمنية، سياسية وإجتماعية واسعة ومعقدة، خاصة فيما يتعلق بنظم الإتصالات والمعلوماتية. ويعتبر جزء من أمن المواطن والمجتمع. وليس من الحكمة التعامل معه من خلال فقرة ذات طابع إنشائي عام.
وفي الصفحة82 ثالثاً: النقل
وضع سياسة شاملة لتحقيق التكامل بين ميناء الفاو الكبير وميناء أم قصر، وتفعيل مسارات تنفيذ وتطوير الميناءين.
مالمقصود بتكامل مينائين أحدهما قيد الإنشاء والثاني قديم متهالك. ميناء الفاو سيكون له تأثير عالمي وإقليمي وسيؤثر على العديد من الموانئ، ويتعين وضع ستراتيجية خاصة لهذا المشروع ذي التأثير العالمي الواضح. أما ميناء ام قصر، فهو بحاجة الى التحديث والتطوير، ومن الضروري الشروع بهذه الإجراءات، دون إنتظار ما سيؤول اليه العمل في ميناء الفاو الكبير.
وفي الصفحة82 الفقرة الأخيرة :
تطوير إستراتيجية شاملة تخص الخطوط الجوية العراقية، مع رؤية حول عملية تسويقها وإمكانية خصخصتها.
لماذا إستراتيجية تطوير على حساب المال العام ثم إمكانية خصخصتها؟ وما المقصود بالإمكانية؟اليس هذا هدراً للموارد العامة وليس تحقيقاً للإيرادات كما أدعت الورقة في صفحاتها الاولى؟
فقرة 3- ص 83
"وإن أمكن خصخصة أنظمة النقل الداخلي"
أولاً: لا يوجد نقل عام واقعي في العراق عدا بعض القطارات المحدودة، وبعض حافلات النقل العام القليلة جداً. ويوجد اسطول كامل معطل وهو مملوك ملكية عامة، وتعني الخصخصة أن يجري تسليمة الى القطاع الخاص.
ثانياً: إن عبارة "إن أمكن" لا معنى إقتصادي لها لأنه لم يجري تحديد ما هي الإمكانية؟ وكيف سيمكن، وما هو المردود الإقتصادي من ورائها؟
الفقرة 5 صفحة 83 :
فيما يخص ميناء الفاو الكبير، القيام بتحديد الهدف الواقعي للميناء بما يقنع المستثمرين بفوائد الإستثمار فيه، والمزامنة بين إنشاء المشروع وتطوير المشاريع الاخرى ذات الصلة، مثل المصفى ومحطة تحلية المياه ومشاريع البتروكيمياويات المختلفة وإمدادات الكهرباء الكافية.
هذا الكلام غير منطقي، إن الحديث عن الهدف من ميناء الفاو جرى منذ أوائل 1900 ضمن مشروع ما عرف بالـ B B B أي بصرة، بغداد، برلين، والذي بادرت به ألمانيا، ثم شرعت بالعمل فيه بترخيص من الدولة العثمانية، وكان يهدف الى ربط أوربا بالخليج عبر العراق. وقد توقف العمل بالمشروع خلال الحرب العالمية الاولى وبعد إحتلال بريطانيا للعراق. أي إنه مشروع ذو أهمية ستراتيجية عالمية، وتتقاطع فيه العديد من المصالح الدولية.
ثم عادت الحكومات العراقية الى مشروع ما عرف بالقناة الجافة، والذي يعتمد على إنشاء ميناء الفاو والربط السككي مع أوربا عبر تركيا، وشرع بالعمل بإولى عمليات التنفيذ عام 1986 بإنشاء الطريق الدولي، ثم توقف بعد حرب الخليج وفرض الحصار الإقتصادي.
يجري الحديث هنا عن الأهمية العالمية لميناء الفاو للتجارة الدولية، وعن موقع العراق ودوره المستقبلي، أي عن مسألة غاية في الأهمية، ثم يجري الحديث عن أهمية ميناء الفاو "بما يقنع المستثمرين بفوائد الإستثمار فيه". إن هذا الكلام لا يرتقي الى مستوى طرح سياسة إقتصادية عامة للبلاد، وهو ليس كلام خبراء إقتصاد بالمرّة، بل لا يرتقي حتى الى إنشاء أو كلام عام، وعلاوة على هذا فإنه طرح يخلو من الإحساس بالمسؤولية.
باقي الفقرة لا تدل على أي عمق في التفكير الستراتيجي عن المنشآت الممكن إقامتها، وللمزايا التي سيوفرها بناء ميناء الفاو، والذي يتصاعد الصراع الدولي والإقليمي حول إقامته. وقد يجري تعريض البلاد بالكامل للصراعات والأزمات والتدخل السياسي، للحيلولة دون قيام مشروع من وزن ميناء الفاو، والذي سيمكّن من لعب دور إقليمي مهم في التجارة العالمية. وفيما يخص ميناء أم قصر، يجب النظر اليه في ضوء السياسة العالمية التي فرضت تقسيم خور عبد الله لإعاقة الملاحة الى ميناء أم قصر.


في الصفحة 84: رابعاً: المناطق الحرة والمدن الصناعية
"تطوير المناطق الحرة والمدن الصناعية في العراق وزيادة حصتها في الإقتصاد العراقي، وقدرتها على توفير فرص عمل إضافية، وزيادة قدرتها على توفير فرص عمل إضافية، وزيادة قدرتها على جذب المستثمرين"
إن مشكلة البطالة في العراق هيكلية وقد زادها التعديل الهيكلي تعقيداً. وليس من السهل عقد الآمال في إنهاء البطالة على مشروع لم يباشر بعد، وليس من المضمون إنه سينجح. ومن جانب آخر، إن للقطاع الخاص رؤيته ومصلحته في توفير فرص العمل، وهو الإعتماد على الأجر الأرخص، وفي هذا الشأن ستجري الإستفادة من الفروق في مستوى الأجور الوطنية، وخاصة إنخفاض الاجور في دول جنوب شرق آسيا وفي بعض دول أفريقيا. وعليه سيجري ضبط الأجور بمستوى اجور جنوب شرق آسيا، وبمستوى العمل الهش غير المضمون، أو تشغيل عمال آسيويين فقط في "تمييز سلبي" في "الإستخدام والتشغيل" إذا استخدمنا تعابير منظمة العمل الدولية. يعني أن يعمل العمال بلا ضمان وبدون مستوى محدد من الحد الأدنى للأجر.
إن الملاحظ على الورقة، إن كل فقرة وبعد الشروح والوعود، تنتهي بالتأكيد على خصخصة المشروع. وهذا يعني إن المشروع مبني أساساً على هذا الهدف، وليس على تطوير البنى التحتية، أو توفير الموارد المالية للدولة.
في الصفحة 85 :
التركيز بالدرجة الأساس على تطوير المنطقة الحرة في خور الزبير في محافظة البصرة، كونها تقع بالقرب من حقول الإنتاج النفطي، ولديها نفاذية على البحر، وبذلك فهي تمتلك ميزة تنافسية مهمة، وذلك بتطوير البنية التحتية في هذه المنطقة، عبر الإتفاق مع طرف مطور من القطاع الخاص يقوم بتأهيل وإدارة المنطقة لمدة محددة، تحت إشراف هيئة المناطق الحرة.
أولاً؛ ما هي وظائف وأنشطة هذه المناطق الحرة؟ وثانياً؛ ما صلة المناطق الحرة بحقول الإنتاج النفطي؟ هل ستكون مناطق للتصنيع القائم على إستخدام المشتقات النفطية؟ هل ستكون للتجارة بالمنتجات النفطية؟
إذا كان المقصود بالقطاع الخاص شركة مقاولات فيمكن القول " التعاقد مع شركة مقاولات خاصة" لأن هذا الكلام له معنى حقوقي وإقتصادي، ويمكن معرفة حدود دور القطاع الخاص. أما العبارة الواردة في الوثيقة فهي مفتوحة وغير محددة، ويمكن إستغلالها في تبرير جعل كل أنشطة المنطقة الحرة المشار اليها، تدار من القطاع الخاص بالكامل. كما أن الفترة المشار اليها غير محدودة، وهل ستمثل فترة إيجار؟ فترة مساطحة؟

صفحة 86: المحور الرابع: تـوفير الخدمات الأساسية وترشيد وتوجيه الرعاية الإجتماعية... الخ.
ويطرح أصحاب المشروع المعالجات أدناه كشكل للمعالجة، وهي إجراءات عمومية لا صلة لها بالتخطيط العام:
1- توفير المياه الصالحة للشرب والزراعة، وإستكمال شبكات الصرف الصحي.
2- إعادة رسم نظام الحماية الإجتماعية بشكل كامل.
3- إصلاح نظام التقاعد.
4- تنفيذ خطة بناء مدارس.
هذه الفقرات لا تعالج؛ بإستثناء الفقرة ثانياً الآثار الإجتماعية الناجمة عن السياسة المستقبلية. فمثلاً توفير المياه الصالحة للشرب مطلب حياتي يومي عام، وليس من العدل إحالته الى مشروع متعلق بالمستقبل. بناء المدارس مطلب عمومي ويتطلب حلاً فورياً، إصلاح نظام التقاعد غير واضح لدى واضعي الورقة، فهم تارة يلوحون بقانون التأمينات الإجتماعية الذي يقوض الضمان الإجتماعي، وتارة يلوحون بقانون تقاعد جديد. بإختصار ليس هناك رؤيا محددة محسومة بهذا الخصوص. والخلاصة، هذه النقاط المدرجة أعلاه لا تدخل في باب التخطيط ومعالجات المستقبل.
في الصفحة 87 :
وضع خطة شاملة لقطاعي المياه والصرف الصحي وإدخال مبدأ إستحصال رسوم الخدمة،
هذا النظام معمول به، ورسوم الخدمة على المجاري تستوفى، رغم إنها إسمياً خدمات عامة وليست خدمات خاصة. كما إن أجور الماء تستوفى بإنتظام ومنذ عشرات السنين.
في نفس الصفحة: إستكمال مشروع ماء البصرة ومشاريع المياه والصرف الصحي في باقي المحافظات.
الورقة العمومية يجب أن تقدم تحليلاً عاماً ولا تذكر أمثلة بعينها وتعتبرها فقرات، لأن هذا يدخل في الجانب التنفيذي وليس التخطيطي العام، وهذا يعكس ضعف الديباجة العامة للنص.
الفقرة 2- في الصفحة87 أيضاً : " إعادة هيكلة دوائر البلديات والمؤسسات المعنية التي تقدم خدمات المياه والصرف الصحي على أسس تجارية أو شبه تجارية، وتمول بشكل رئيسي من خلال رسوم المستخدم، وتوفير شبكة أمان مناسبة للفئات ذات الدخل المحدود.
إن المؤسسات المشار اليها تستوفي رسوماً وأجوراً مقابل خدماتها بإنتظام، أي إن ما تقدمه هو ليس مجاناً. أما أن يعلن عن كونها ستمول بشكل رئيسي من خلال رسوم المستخدم، فإن هذا معناه إخلاء مسؤولية الدولة عن الخدمات العامة وخصخصتها بالكامل. أما العبارة الأخيرة التي تقول " توفير شبكة أمان مناسبة للفئات ذات الدخل المحدود" فليس لها أي معنى إقتصادي هنا، حيث أن غالبية المجتمع هو من ذوي الدخل المحدود، وستشكل خصخصة الخدمات العامة إضافة أعباءً مالية إضافية عليهم. إن العبارة المشار اليها، والتي تتعلق بشبكة الأمان، بحاجة الى مشروع تفصيلي، وليس جملة عابرة تطرح بشكل دعائي ومن باب التذكير، وبالأحرى التمويه. إن الفئات ذات الدخل المحدود، ستعاني من كل مواد الورقة وليس من هيكلة خدمات دوائر البلدية فقط. والخلاصة؛ ليس في كل ما ذكر صلة بأي خطة مدروسة للهدف أعلاه.
وفي الصفحة 88- إستكمال تشريع قانون الضمان الصحي وتطبيقه وتأسيس صندوق الضمان الصحي ليكون الممول الأساس للقطاع الصحي، بما يضمن توفير الخدمات الصحية الأساسية للمواطنين كافة.
كان الضمان الصحي جزءاً من الضمان الإجتماعي، وله نسبة محددة تستوفى من صندوق الضمان، والذي يتألف من المبالغ المستقطعة من العمال وأرباب العمل. ويستفيد منتسبو القطاع الخاص من الخدمات التي تقدم بموجب هذا التنظيم. إن الإشارة الى كون الصندوق هو الممول الأساس للقطاع الصحي، يعني إخلاء مسؤولية الدولة عن الخدمات العامة. وهذا سيحول بين ملايين المواطنين، والوصول الى هذه الخدمات، والتي ستصبح خدمات خاصة بفئة دافعي الضمان أو التأمين الصحي. في حين يستفيد منتسبوالقطاع العام، وسائر المواطنين غير المسجلين في الضمان، من قطاع الصحة العام، الذي يجري الإنفاق عليه من المالية العامة، إضافة الى العوائد التي تتحقق عن طريق دفع رسوم أو تكاليف العلاج. وستقوم السياسة الجديدة المقترحة، بتقويض كل تلك المكتسبات.
وفي نفس الصفحة: إصلاح الخلل في البطاقة التموينية.
أين الخلل: هل المقصود خلل إداري أم فني، أم خلل في كمية المادة؟ هذا التعبير لا معنى له في المعالجات لأنه لم يشخص الخطأ أصلاً. لقد كانت إحدى شروط صندوق النقد الدولي، في الإتفاق الموقع عام 2004 هو الإلغاء التدريجي للبطاقة التموينية. وقد وقعت الحكومة العراقية على تلك الشروط، ولم تتراجع عن اتفاقها ذاك. وهنا يمكننا الإستنتاج إن العبارة الواردة أعلاه، ترمي الى تمرير هدف مقرر أصلاً في الإتفاقات مع صندوق النقد، ولكن بأسلوب مموه.
في الصفحة 89- فقرة 5- "تأسيس صندوق الضمان الصحي ليكون الممول الأساس لقطاع الصحة في العراق وتفعيل عمله وفق آليات السوق"
إن الصحة حق عام ويجري الإنفاق عليها من المالية العامة. أما القطاع الصحي الخاص فهو باهض التكاليف، وتتجاوز تكاليفه في العراق الأسعار العالمية بكثير، في حين يتقاضى ملايين العمال في العراق، أجوراً لا تؤهلهم لتعاطي أي علاج في القطاع الخاص. فضلاً عن ملايين العاطلين، الذين يستحيل عليهم التشافي في المستشفيات الخاصة. إن الأمثلة عديدة على وفيات الفقراء بسبب خصخصة قطاع الصحة.
صفحة90- نظام التقاعد
إعداد مسودة قانون شامل للتقاعد تحت مسمى "قانون التأمينات الإجتماعية".
إن مسودة قانون التأمينات الإجتماعية قد جرى تقديمها منذ سنوات، وقد جرت مناقشتها من قبل النقابات العمالية والمنظمات والمراكز النقابية العالمية، وبمشاركة حقوقيين وناشطين. وقد جرى تشخيص المسائل الجوهرية والمحورية في المسودة، والتي تتعارض مع مصالح الملايين، وخاصة العمال والموظفين. كما تم تشخيص تقاطعها وتعارضها مع العديد من التشريعات، التي تضمنت حقوقاً مكتسبة، عملت المسودة على تقويضها. وتوصلت الأطراف المشاركة في الحوار، الى عدم أهلية المسودة لتحل محل التشريعات النافذة، وجرى التخلي عنها. إن العودة الى مسودة قانون التأمينات اليوم، هو تنكّر للموقف الشعبي المناهض للمسودة، وتنكّر لجهود وخبرات العديد من الناشطين والإختصاصيين الذين تصدوا لها، وللرأي العام المناهض لها كذلك.
صفحة92- لقد مر العراق خلال العقود الأخيرة بتغيرات كبيرة في نظام إدارة الدولة وتنظيم القطاعات الحيوية فيها، لكنه لايزال يعاني من تركة ثقيلة للنظام الإشتراكي الذي بنيت وفقاً لفلسفته ومتطلبات مؤسسات الدولة وثقافة العمل فيها، وفي المجتمع ككل.
لم يكن في العراق أي نظام إشتراكي، كان هناك نوع من التخطيط المركزي، ومعه كان التباين الطبقي يشتد بين الفئات الإجتماعية، وكانت الثروة تتركز بشدة، في أيدي مجاميع بعينها خلال حقبة النظام البائد، مقابل إفقار متواصل لجموع واسعة. كانت مشاريع القطاع الخاص دوماً، أكبر عدداً من القطاع العام، ولكنها صغيرة ومحدودة التأثير والقدرة، بحكم مستوى القطاع الخاص تاريخياً في العراق. كان القطاع الخاص مدعوماً بقوة، وكانت فئات واسعة منه معفاة من الضرائب طيلة فترة الحصار. ومنذ أوائل السبعينيات كان تركيز الدولة على تطوير القطاع الخاص، عبر تطوير القطاع العام، وهو ما أدى الى قفزة في نشاط القطاع الخاص.⑦
كما إن الأمثلة العالمية على دورالقطاع العام المخطط مركزياً، في تطوير البنى الإقتصادية وتطوير القاعدة المادية للإنتاج والتوزيع عديدة، وأبرزها مثال الصين. حيث ساهمت المركزية في تكامل الصناعات، وتطوير البنى الأساسية بشكل متسارع، وبصورة تفوق المعدلات العالمية.
إن اللجوء للقطاع العام ليس رغبة شخصية أو نزعة أيديولوجية. بل هي حاجة تفرضها متطلبات التطور الإقتصادي.
في الصفحة 94-
"التعاون بين منظمات التحقيق الدولية في إجراء تحقيقات للحد من المبالغ التي يتم تهريبها".
هذه فقرة تتعلق بقضايا جنائية وليست إقتصادية ولا يمكن للورقة أن تكون وسيلة قضائية، وهذا ليس جزءاً من الحوكمة. أما مراقبة التهريب ومنعه، فهي مهمة داخلية تقع مسؤوليتها على عاتق السلطات، قبل أن يصار الى الإستعانة بالجهات الدولية.
في الصفحة 95 فقرة 5 – ضمان إستجابة الجهاز الإداري لمعايير السوق في تقديم الخدمات العامة، وتطبيق مبادئ الأعمال على عمليات الحكومة، مع التركيز على رضا المواطن وإختياره، وذلك في ظل إتجاه الدولة نحو إقتصاد السوق.
إذن المقصود هو خضوع الأجهزة الإدارية الحكومية لإقتصاد السوق، وكيف يتم ذلك؟ من المؤكد إن المراد هو ان يتم بطريق إعادة الهيكلة والخصخصة، كما مر ذكره في أكثر من موضع. ولكن النقطة اللاحقة تقول:
فقرة 6 : إعتماد مفهوم نهج الحكومة الشاملة الذي يركز على التنسيق بين الإدارات والعمل عبر الحدود التنظيمية، وذلك من خلال العمل الجماعي وتحسين التدريب والتطوير الذاتي وتحفيز موظفي القطاع العام.
هنا عدم توافق وتناقض واضح بين الفقرتين، ففي الوقت الذي تؤكد الفقرة السابقة على إعتماد التوجه الى إقتصاد السوق، نأتي هنا لإعتماد مفهوم الحكومة الشاملة والتنسيق بين الإدارات. ليس من ترابط بين الفقرتين الّا على النحو التالي؛ وهو أن يجري الإعداد والتدريب والإنفاق من المال العام، وعبر الإدارة العامة، في حين تكون الحصيلة هي عوائد وإيرادات للقطاع الخاص، وهذا ما حصل في العديد من المشاريع الصناعية التي تم تاهيلها بالمال العام، وسلمت الى القطاع الخاص.
لقد لاحظنا إنه يمكن دحض الفقرات الواردة في النص كلياً وتفصيلياً. وكان يمكن للرد على الورقة البيضاء أن يمتد الى ما هو أطول بكثير من النص الحالي. ولكن جرى التركيز على النقاط المحورية.
كانت مواد ونصوص الورقة البيضاء معدة بصياغات ولغة مكيفة قسراً، لا للتعبير عن مشروع إقتصادي وشرح أبعاده، بل ليطابق مجموعة وصفات مقدمة مسبقاً ولا يمكن الخروج عنها. لقد إقتضى التكييف الهيكلي، تكييف اللغة والنص لأغراض البرامج الصادرة مسبقاً.
لا تنم صياغة الورقة عموماً، عن قدرات تحليلية وتصورات إقتصادية متماسكة، وعكست إغلب مواد النص رؤئ غير مسؤولة ولا تصمد أمام النقد.
_____
الهوامش
①: تسببت هذه الإجراءات في وقوع اقتصادات أمريكا اللاتينية في فخ الركود، وانخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي، وزيادة نسبة الفقر واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وظهور الكثير من المشاكل المجتمعية الأخرى مثل تجنيد الأطفال في تجارة المخدرات وارتفاع معدل الجريمة.
https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/590822
②: للتوسع في الموضوع مراجعة د. جواد هاشم تكوين رأس المال في العراق 1957- 1970. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت لبنان. 1975.
③: حديث وزير الصناعة الأسبق في العراق محمد الدراجي حول تدخل الدول المحيطة من الشركاء التجاريين:
https://www.youtube.com/watch?v=PTJUzgaasbU
④ هناك حديث عن "خطة" شمول 500 الف عامل بالضمان وضعتها وزارة العمل. وهذا يعني إن الغالبية العظمى من العاملين في القطاع الخاص غير مضمونين. وقد جاء في لقاء مع مسؤول في وزارة العمل مع جريدة المدى:
وكشف عن أن “عدد المشمولين بالضمان الاجتماعي في الفترة الاخيرة يُقدر بـ200 الف عامل بالاضافة الى 250 الف عامل مضمن في السابق، اي أن المجموع الكلي للعاملين يبلغ 450 ألف عامل مضمون”.ويشير الى أن “خطة الوزارة تستهدف الوصول الى 500 الف عامل مضمون ” https://almadapaper.net/view.php?cat=233397
وكذلك:
"أكدت دائرة التقاعد في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، اليوم الأربعاء، شمول 500 ألف عامل بالضمان الاجتماعي نهاية العام الحالي، فيما أطلقت منصة إلكترونية لبرنامج الاشتراكات لتسهيل أصحاب المشاريع تسجيل عمالهم في الضمان الاجتماعي".
https://www.alsharqtoday.com/2020/07/08/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%85%D9%88%D9%84%D9%8A/

⑤: وفي عام 2008 وقعت شركة شل الهولندية اتفاقية أولية مع وزارة النفط العراقية لتطوير الغاز المنتج من حقول البترول في البصرة. فيما بعد شاركت شركة متسوبيشي كشريك ثانوي ، حيث شملت المحادثات القضايا القانونية والإجرائية و التشغيلية، https://www.almadasupplements.com/view.php?cat=2567
ويكتب فؤاد قاسم الأمير
تم في 22/9/2008 توقيع اتفاقية بين وزارة النفط وشركة شيل لتطوير الغاز والكهرباء Shell Gas & Power Development ، وهي شركة تابعة لشركة شيل الهولندية النفطية العملاقة. الاتفاقية مكتوبة باللغة الإنكليزية، ومكتوب عليها "سري Confidential"، ولا أعرف أين "السرية"، إذ أن هذه السرية المكتوبة على الاتفاقية تخالف معنى السرية الموجود نصاً في الاتفاقية. إن عنوان هذه الاتفاقية هو "مقدمات اتفاقية HOA) Heads of Agreement) ، أو اتفاقية أولية"، وسنسميها في سياق الدراسة بالاتفاقية الأولية، وتتألف من مقدمة وتعاريف، ومن (18) مادة وثلاثة ملاحق. http://alnoha.com/visitor13/mola7athat.htm
يراجع كذلك؛ فؤاد قاسم الأمير. الإتفاقية الأولية بين وزارة النفط وشركة شيل لمشروع غاز الجنوب- آراء وملاحظات. بغداد -دار الغد 2009.
⑥: بينما يزداد سباق التكنولوجيا سرعة، يتوقع محللون أن تواصل الولايات المتحدة تطبيق اجراءات لا علاقة لها بالتعريفات التجارية لمواجهة الصين.
وكانت الآمال الغربية بأن الصين ستعتنق النموذج الغربي قد خابت واستبدلت باعتراف بأن الاقتصاد الصيني تمكن من الازدهار جنبا إلى جنب مع النظام المدار من قبل الحكومة وليس العكس.
ورغم أن المسؤولين في الصين أبدوا تفاؤلهم في التفاوض مع الأمريكيين في الآونة الأخيرة، فإن الفشل في التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى ارتفاع فوري للتعريفة الجمركية على ما يعادل 200 مليار دولار (152 مليار جنيه استرليني) من البضائع الصينية، وقد يدفع ذلك أمريكا أيضا إلى فرض المزيد من الرسوم الجمركية على الصين. https://www.bbc.com/arabic/business-47496276
⑦: وبغض النظر عن وجهة النظر الى التطور الى ما أسميناه برأسمالية الدولة، التي هي شكل تنظيمي إنتقالي في مجتمع يخرج من علاقات ما قبل رأسمالية. إنها بعبارة اخرى الشكل الذي تتخذه الثورة البرجوازية وفق متطلبات تاريخ إستعماري مباشر أو غير مباشر، ورأسمالية عالمية متطورة. وقد قادت في العراق، وبلدان ذات وضع مشابه، بفعل وجود تطور موضوعي سابق للرأسمالية وبفعل قوة الدولة وتعاظم الموارد في أيديها، وبفعل كون هذه الموارد غير مقتطعة من دخول الطبقات المتحكمة الإقتصادية، وبحكم وضع دولي مناسب لتجارة المادة الأولية الأساس التي يعتمد عليها العراق، النفط، قادت بحكم هذه العوامل مجتمعة الى توجيه دفعة كبيرة للرأسمالية. ص ص 22 د. عصام الخفاجي. الدولة والتطور الرأسمالي في العراق. دار المستقبل العربي- القاهرة 1983.

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني