وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ

عباس علي العلي
2021 / 4 / 8

الكهف فجوة مكانية في الجبل تتخذ مكانا للسكن في عصور ما قبل المعرفة بالنسبة للإنسان حتى عرف أن يصنع بنفسه مسكنا يبنيه في يده مما يتوفر له من أدوات البناء، لكنه بقى جزء من ملاذاته خاصة في الظروف الطارئة أو التي يضطر فيها لأن يأوي إليه لسبب ما، فهو فجوة طبيعية ما بين متسعين لا يحتاج الإنسان التدخل كثيرا ليكون مكانا ذو منفعة خاصة إذا كان الأمر فيه حاجة ملحة، وورد الكهف أكثر من مرة في القرآن الكريم واصفا إياه بهذه الصفة الاضطرارية خاصة في قضية أصحاب الكهف بشكل صريح ومرة بلفظ أخر قريب بلفظ الغار، والكهف والغار تقريبا يؤديان نفس المعنى والفرق الوحيد بينهما طول الامتداد داخله فالغار مجرد فتحة غير ممتدة إنما الكهف ذو فتحة ممتدة وعريضة داخل الجبل، والغالب أن الغار يكون دائما صغير ولا يشترط أن يكون داخل الجبل، فأكثر الغيران تقع خارجه كغار الحيوان مثلا، أما المغارة وهو تكوين طبيعي جيولوجي فهو أكبر من الغار وأوسع سواء أكان في جبل أو غيره ولا صحة في كلام من يقول أن المغارة في الأرض عموماً وليست في الجبل وليست بالضرورة أن تكون منحوتة وقد تكون تكونت بشكل طبيعي (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) 57) التوبة.
الشيء الغريب أن النص القرآني الوارد في سورة الكهف أورد كلمة فجوة وهو يشير إلى الكهف (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ)، طالما أننا نعرف أن الفجوة هو متسع مكاني بين مكان منغلق لا ينفذ إلى مكان أخر، لأن الفجوة التي تؤدي إلى مكان أخر تسمى نفقا (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) 35 الأنعام، ومن هذه الدلالة أستخرج معنى الإنفاق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) فهو دخول مال ومن ثم خروجه من جهة أخرى، وفي نفس المعنى أيضا أستخرج مفهوم النفاق والمنافقين الذين يدخلون في شيء من جهة ليخرجوا من مكان أخر دون أن يستقروا أو يثبتوا في مكان أو موقف محدد (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، السؤال هنا لماذا وصف النص وجود فجوة في مكان هو أصلا فجوة؟ بمعنى هل من مبرر منطقي لهذا الأستعمال المزدوج والمتكرر لمفهوم واحد في موضع واحد وحالة متصلة غير منفصلة؟.
من الطبيعي أن تكون في داخل ل تشكيلة جيولوجية تشكيلات من نفس الشكل تتداخل أو تتواصل أو تنفرد، فبعض المغارات الجبلية كثيرا ما نجد ممرات طولية وجانبية وفجوات متعددة هنا وهناك، كذلك قد نجد بحيرات صغيرة ومجاري أنهار أيضا وعيون والكثير من المظاهر وهذا امر يعرفه الكثيرون، لكن من صيغة الخبر الوارد في النص نجد أنه ذكر في فجوة منه وذكر أيضا جملة في نص لاحق يظهر أن من كانوا في الكهف معرضون للرؤية والنظر بشكل مباشر (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، من هذه الصورة التشكيلية التي رسمها النص أن الكهف كان له مدخل واحد (الوصيد وهو المغلاق أو العتبة التي تشبه الباب وتغلق الطريق على الداخل كقول الله "وعليهم مؤصدة")، هذا الوصيد يؤدي مباشرة إلى فجوة كبيرة يمكن للمشاهد من خارج الكهف ملاحظة ومشاهدة من يكون في داخلها بوضوح، هذا يعني أن الفجوة تماما تشبه القاعة أو الغرفة الكبيره، وهذا لا ينفي أن يكون في الكهف أكثر من فجوة أخرى بدليل ورود كلمة (منه) بعد ذكر الفجوة وهذا يقودنا إلى أن الكهف المقصود هو عبارة عن ما يشبه المغارة.
يفهم من السرد النصي مع ملاحظة أن ذكر القصة ورد لأول مرة في الكتب والأدبيات العبرانية أن تأريخها أقدم من كونه إرثا مسيحيا (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) فهم لا يؤمنون به بالرغم مما ذكر في كتبهم ودائرة معارفهم العقدية (مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)، فخذا يدل على أنهم ليسوا على دين المسيحية بدليل كذبهم وكذب أباءهم من قبل وكلمة الآباء تدل على الأسلاف الأقدم أو على رجال الدين الذين كانوا ينكرون الحدث أصلا وهنا ينبه النص النبي محمد على عدم إيلاء الأمر أهمية أن يؤمنوا به أو لا يؤمنوا (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، والنتيجة والخلاصة تقول أن الفتية الذين أجتمعوا فيه لسبب ما لم يكونوا من النصارى قطعا، بل الواضح أنهم موحدون على دين توحيدي أقدم (واتفقوا على: ﴿ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضِ ﴾ فصاروا يداً واحدة واتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم وآل أمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم وسألهم عما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل، ولهذا أخبر عنهم: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأٌّرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلاهاً ﴾، فيقال إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم بذلك توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة فعند ذلك خرجوا هِراباً إلى الكهف فأووا إليه)، وبما أن لا أقدم من دين موسى ع قبل المسيح (هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) فالغالب عليهم أنهم كانوا أما على ملة إبراهيم أو على دين موسى، وهما الأكثر دقة في أنتسابهم وعددهم ودينهم، أما ما ورد عن أسمائهم ومدنهم والتفصيلات التي دخلت على قصتهم عند الرواة والمؤرخين فلم تكن إلا رجما في الغيب كما قرر النص أيضا.
ذكر القصة في القرآن لا تعني وحسب ما ورد فيه أيضا من قصص تأريخية أخرى لأقوام هلكوا وأندثروا، كان الهدف منه تعليميا تربويا يتعلق بضرورة الحفاظ على المبادئ السامية عندما تتعلق في الإيمان وتؤكد حتمية بقاء العنصر الإيجابي والخيري في الحياة، وهو درس يقارن بين قوة الإيمان متى ما وجد له رجال مخلصون قبال تجبر وسطوة القوة الغاشمة لأعداء الله والإيمان (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، ومن هذا فالقصة والقضية لم تخوض بالتفاصيل كما ورد مثلا في قصة النبي نوح عليه السلام أو قصة نبي الله إبراهيم طالما أن أوصلت الفكرة بشكل واضح لا لبس فيه (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، بقي شيء واحد في التسمية التي أطلقها النص عليهم فهم أصحاب الكهف والرقيم، وقد عرفنا لماذا قال النص عنهم أصحاب الكهف للمكان التي يرمز لوجودهم وتفاصيله، أما عن الرقيم فلم يتحدث النص عن ذلك مما دعا ذلك الكثير من المختصين والخائضين أن يتوسعوا في شرح ذلك، فمنهم من قال أن الرقيم أسم الكهف وبدون دليل ومنهم من قال أن الرقيم هو أسم الكلب وهذا يتعارض مع منطوق القرآن عند يضم المصاحب إلى من صحبه في إطلاق التسمية، ومنهم أشار إلى أنه اسم مدينتهم (ذكر الماوردي سبعة منها فقال: قال ابن عباس: أنه اسم القرية التي كانوا منها، وقال الحسن: أنه اسم الجبل، وقال الضحاك: أنه اسم الوادي، وعن عطية العوفي هو واد بالشام نحو إبلة، وعن سعيد بن جبير أنه اسم كلبهم، وقيل: اسم لكل كهف، وقال مجاهد: الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم مأخوذ من الرقم في الثوب، وقيل: كان الكتاب لوحاً من رصاص على باب الكهف، وقيل: في خزائن الملوك لعجيب أمرهم. وقال أبو صالح: هو الدواة الرومية، وعن سعيد بن جبير الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل حال أصحاب الكهف. وفي الدر: "أخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: الرقيم الكلب". وهذا بعيد من ناحية اللغة كما سيأتي بيان المعنى الصحيح لاحقاً. وقيل الرقيم: هم أصحاب الغار ففي الحديث عن النعمان بن بشير أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الرقيم قال: ( إن ثلاثة نفر أصابتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف).
وبالعودة للغة العربية نجد أن الرقيم هو الشيء المميز بعلامة أو موضوع عليه إشارة تميزه عن غيره (رقيم: مرقوم، مكتوب، مُوشًّى، مختوم) وأيضا يرد بمعنى الثبوت والبقاء الدائم (كِتَابٌ مَرْقُومٌ : كِتَابٌ مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتَابَةِ مَا هُوَ مَرْقُومٌ يَدُومُ) وهو يناسب المعنى لأن الكهف كانت عليه علامة باقية ودائمة لن تنمحي حتى يأذن الله لها للتدليل عليهم أو الأستدلال بقصتهم أو لكون طول الفترة التي قضوا فيها كما ورد في القصة والنص، وهناك أحتمال أن ذلك نتعلق برغبة من أمن بهم وبدينهم أن يجعلوا عليهم مسجدا ليكون شاهدا على أنتصار الإيمان بهم (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) هذا المسجد هو الرقيم الذي لحق التسمية بعد أن كانوا قبله وأثناء حدوث القصة هم أصحاب الكهف فقط، إنما أضيفت لهم كلمة الرقيم لاحقا بعد أن أتخذ المكان مسجدا.
ينفي النص العجائبية والفرادة في قصة أهل الكهف وأنه من سيرة تأريخ الإيمان ومن السنن الأعتيادية التي تتحدث عن المؤمنين وإصرارهم على مناجزة الباطل والتغلب عليه (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، لذلك أمر النص عمن أنزله أن لا يتوسع أحدا في الحديث عنه أو البحث عن المكان طالما أن الله أراد أن يكون الأمر خبرا مصدقا به حتى حين، لتبقى أسراره وأسرار ما حدث طي الكتمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)، والعبرة في المعنى القصدي وليس في البحث عنهم وعن مكانهم ليكونوا فتنة للناس (فلا تمار فيهم إلا مراءاً ظاهراً ولا تستف فيهم منهم أحداً)، هذا النهي عن السؤال والأستفتاء عنهم من أي مصدر يجب أن يكون قاعدة يلتزم بها المؤمنون ويطبقوها ما لم يصرح القرآن ونصوصه عما فيها وإلا عد الأمر تجاوزا على حكم النهي الرباني.
خلاصة القصة كما وردت في النص القرآني بعيدا عن الروايات الدخيلة والمتضاربة واللا منطقية أن الله ينصر المؤمنين الصادقين ولا يتركهم دون أن ينتفع منهم ومن إيمانهم من يأت بعدهم ليكونوا درسا ونموذجا وقدوة، فهؤلاء الفتية المؤمنون الذين عزموا النجاة بأنفسهم وبدينهم عندما أغلقت أمامهم السبل في أن يتعبدوا بما يرونه حق، أووا إلى الكهف طلبا للرحمة أو أن يختار الله له أمرا رشيدا فيه الخير والإصلاح في زمن ساد فيه الظلم وأنقسم الناس إلى حزبين متنافسين، كان الكهف لهم ملجأ مأوى دون أن يحدد عددهم أو نسبهم أو مكان فرارهم وكان معهم كلبهم الذي أتخذوه للحراسة، فضرب الله على أذانهم كنية عن عزلهم عن العالم الخارجي وأعتزالهم عنه كي لا يسمعوا ولا يحسوا بالمتغيرات التي تجري من حولهم، ووصف النص حالهم أنهم كانوا في غيبة حيوية عن الوعي ولكنهم ليسوا أمواتا ولا أحياء كاملين بما يشبه عملية التجميد التي تجري اليوم لخصيصة في الكهف، أما أن يكون الموضع فيه مواد كيميائية تساعد على بقاء الجسد كما هو دون أن تؤثر عليه العوامل البيولوجية والطبيعية أو لأنه يتمتع بخصيصة فيزيائية مما يعرف اليوم مثلا بقضية الثقوب السوداء أو ما يعرف بتوقف الزمن، وأوضح النص أفتراضا غير حادث ولن يحدث أبدا أن من يطلع عليهم أفتراضا لا يشك في أمرهم أنهم كانوا في حالة غيبوبة أو مروا بحالة غير طبيعية لمثل من يدخل الكهف، والإشارة هذه وردت في النص لتبين الكيفية (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ).
تتواصل القصة بذات المنحى الأختصاري الإرشادي حتى تصل إلى المفيد المطلوب منها في النهاية أن تبين قدرة الله التي لا شك فيها فبعثهم من رقدتهم ولم يقل من موتهم لأنهم لم يموتوا أصلا (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) ليصحوا وكأن ما مر عليهم كان من الأمر المعتاد لهم ولغيرهم (قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)، فقرروا أن يبعثوا أحدهم للمدينة ليأتيهم مما هو زكي للتدليل على أن المدينة التي يقصدون كانوا لا يفرقون بين الطعام الزكي الحلال وغيره، والغالب أن طلبهم كان من الطعام ما هو خيرا عن المؤمنين خفيف الحمل موجود ومتوفر ليس فيه ثقل ولا خبث ولا كراهية مثل العسل والخل والتين والزيتون وما شابه، لا من ما يأكل أهل الرجس من لحم الخنزير أو الخمر أو غيرهم، فنزل أحدهم بما معه من عملة تسمى في حينها (بِوَرِقِ) كالدينار والدرهم وليس مطلق العملة مع التوصية بالحذر أن ينكشف أمره فينكشف أمر المجموعة ويحدث ما لا يحمد عقباه.
لما وصل المبعوث للمدينة ولم يشعر به أحدا تفاجأ أهل السوق مما بين يديه من عملة فقد تغيرت وتبدلت من سنين كثيرة، وهنا وقع هو وأهل السوق في حيرة من أمرهم وتذكر المتذكرون أيام الورق وحاكمها وقصة الفتية التي لم ينسوها أبدا، فحدث التعارف وعرفوا أن أصحاب الكهف والرقيم هم جماعة هذا المبعوث للسوق (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا)، لكنهم حاولوا أن يلحقوا به أو يصلوا للمكان الذي جاء منه فحدثت الغاية المراد منها وإغلق الكهف على أصحابة بشكل لا يمكن فتحه من جديد، والظاهر أن خبر أصحاب الكهف وعودتهم كانت أحدى القصص المنتظرة التي كانوا يترقبوها وينتظروها بشغف، ولما لم يستطيعوا الدخول للكهف وبدأ التنازع بينهم على كيفية التعامل مع ما حدث أتفقوا وقرروا أن يبنوا أو يتخذوا على المكان مسجدا تخليدا وتكريما لهم وإشعارا بالقضية التي ضحوا من أجلها (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا)، وبعيدا عن تفاصيل الحدث عددهم ومدة رقودهم التي يرى النص أنها مجرد تخمينات لا يعرف صحيحها من سقمها لكن الزبدة في الكلام موجهة للنبي أولا ولعامة المؤمنين من ذكر القصة يرتكز على الصبر أولا في أداء الرسالة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، والنقطة الأخرى أن ما يتلى عليهم من كلام الله هو الحق الأوجب بالإتياع (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ)، لأن في الصبر وإتباع الحق هي تحصيل النتيجة العظمى والفوز الأكبر الذي يسعى له المؤمنون من عدل الله وجزاءه الأوفى (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا)، هذه هي كل القصة وهدفها وغايتها والمطلوب منها على وجه التحديد والتقييم، وما يقال أو قيل عنها وعن إلحاقها بروايات وتفسيرات وتأويلات لا يمكن أن تعطي للقصة أهمية ولا للفكرة من ورائها غاية أكبر وأكثر مما ورد في النص المدون وهو ما عليه الأعتماد والأعتقاد.

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني