مصر وأثيوبيا: من يقاوم ومن التابع للاستعمار!

حاتم الجوهرى
2021 / 4 / 8

تستخدم أثيوبيا مجموعة من المغالطات المنطقية والثقافية والتاريخية، للترويج لخطابها ضد مصر في موضوع بناء سد "النهضة" بالقرب من الحدود السودانية.
المغالطة الأثيوبية المركزية التي تروج بها لمشروعها في العالم، تعتمد على تناقضات "المسألة الاوربية" القديمة، مصورة مصر على أنها امتداد لصورة "الرجل الأبيض الاستعماري"! مستغلة شعور أوربا/ الغرب بالذنب ومحاولتها التطهر منه، كي لا يتخذ الغرب موقفا واضحا، تجاه محاولة اثيوبيا استعمال السد كورقة ضغط سياسي على مصر، وللتحكم في حصتها من المياه التي لم تتغير منذ القرن الماضي، رغم الزيادة الرهيبة في عدد سكان مصر.
والحقيقة أن أثيوبيا تغالط العالم وتغالط نفسها، إزاء هذه الصورة الزائفة التي تقدمها لمصر سواء على المستوى التاريخي، أو على مستوى الوقت الحاضر.
على المستوى التاريخي وفي فترة التحرر من "الاستعمار الأوربي" ومواجهة حضوره، قدمت مصر كل ما تملك لدعم التحرر في البلدان الأفريقية والعربية والدولية المستعمرة، ولا أحد ينسى دور جمال عبد الناصر، ومشروع دول عدم الانحياز.
في حين لم تختبر أثيوبيا على المستوى التاريخي آلام الاستعمار والتحرر التي مرت بها مصر في القرن الماضي، ولم تقدم للعالم دورا تحريرا رمزيا سواء في القارة الأفريقية أو على الصعيد الدولي مثلما قدمته مصر.
وعلى مستوى الوقت الحاضر تزيف أثيوبيا الواقع، وتحاول أن تخدع دول أفريقيا والعالم، بأن مصر تستقوي عليها بالدول الغربية الاستعمارية القديمة، وخصوصا.. أمريكا، والاتحاد الأوربي وغيرهما.
والحقيقة أن أثيوبيا وخطابها السياسي يتجاهل معظم حقائق الواقع، بأن معظم دراسات السدود الأثيوبية جرت في الغرب وفي أمريكا تحديدا، وأن الداعم الأول لها في عدوانها على حصة المصريين من الماء، هو دولة استعمارية عريقة هي الوحيدة التي لا تزال تطبق سياسة التفرقة العنصرية، وأقرت منذ أعوام قليلة قانونا عنصريا ضد الفلسطينيين، عن "يهودية الدولة" واعتبار الفلسطينيين مواطنين من الدرجة الثانية، والمقصود هنا هو بالطبع "إسرائيل".
وان مصر خاضت معركة ضد الاستعمار وقامت بتأميم قناة السويس، لتمول بناء السد الخاص بها، وتواجه حربا من ثلاثة من الدول الاستعمارية، وليس كما تفعل أثيوبيا وتبني سدا لحصار المصريين سياسيا، عبر الضغط والدعم الاستعماري الأمريكي والصهيوني على مصر.
وتخدع أثيوبيا نفسها لا العالم حين تنسى أن ترامب استخدم سد النهضة، أداة للضغط على مصر لتقبل بـ"صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين، وأن ترامب فرض تأويلا دينيا للهيمنة الثقافية الاستعمارية على العرب، باسم "الاتفاقيات الإبراهيمية".
وقبلها تخدع أثيوبيا نفسها وليس العالم، حين تتعامى عن موقف أمريكا والغرب، من الثورات العربية في القرن الحادي والعشرين، وكيف لعبوا على كافة الحبال وخلقوا التناقضات ليصروا على حضورهم الاستعماري، وليس دعما حقيقيا للثورات العربية التي كانت في صلبها مشروعا لتجاوز هيمنة "المسألة الأوربية" الاستعمارية، حينما خرجت الجماهير العربية بشعارات تتجاوز شعارات الماركسية الأوربية، وشعارات تتجاوز الليبرالية الأوربية أيضا.
تخدع أثيوبيا نفسها وليس العالم، حينما تحاول أن تقدم مشروع "السد" كوسيلة للتحرر، وليس كوسيلة للاستعمار، متناسية أن دونالد ترامب كان يصف رد الفعل المصري بالغياب تجاه السد، متذرعا بموقفه السلبي من ثورة 25 يناير وأحلامها العظيمة، بعيدا عن تدخلاتهم الاستعمارية للحضور والهيمنة.
لذا فإن سد أثيوبيا هنا يستخدم كوسيلة استعمارية وليس وسيلة للتحرر أبدا.
بالإضافة إلى أن أثيوبيا تتجاهل الضغوط التي قد تتعرض لها الإدارة السياسية المصرية الحالية، لتصل إلى حل وإلى خطاب سياسي ناجح، في مواجهة محاولة أثيوبيا التحكم في حصة المصريين من الماء، وهي في مرحلة حرجة للغاية، بين التقارب مع خطاب ثورة 25 يناير عن التغيير الجذري ضد تراتبات الاستعمار القديم في المنطقة العربية، وانعكاسها الداخلي، وبين تبنى خطاب الاستلاب للآخر والتبعية له، كوسيلة للحل وتأكيد التبعية والاستعمار.
لتصبح أثيوبيا أكبر عقبة حاليا في سبيل التحرر من استعمارية "المسألة الأوربية"، وتراتباتها القديمة في المنطقة العربية والعالم، وتصبح أثيوبيا بتبعيتها للصهيونية هي أسوأ حصان طروادة يستخدمه الاستعمار لإعادة إنتاج نفسه وتقديمها مجددا في القرن الجديد.
دعونا نمد اليد في فرصة أخيرة لأثيوبيا، ساندوا محاولة المصريين تجاوز التراتبات الاستعمارية القديمة لـ"المسألة الأوربية"، ومحاولتهم تقديم نموذج إنساني جديد للعالم، يعبر عن حلم الثورات العربية في بناء عالم جديد بعيد عن المتلازمات الثقافية الأوربية، التي استعمرت العالم بقواها الناعمة والخشنة طويلا.
إلى أثيوبيا: لا تتمثلي بالاستعمار وتمارسي فعل الهيمنة نفسه على حق المصريين في الحياة، لسنا ضد سد لتوليد الكهرباء، ولكننا ضد سد استعماري لأغراض سياسية، يتحكم في حصة المصريين من الماء، ويناصر المحاولات الصهيونية والغربية لحصار مصر، ومنع ظهور نموذج إنساني تحرري جديد، والتأكيد على تراتبات القرن الماضي الاستعمارية.
إلى أثيوبيا لا تكونوا جزء من الاستعمار القديم، وكونوا جزء من التحرر الجديد.
لا تكونوا جزء من "المسألة الأوربية" والمتلازمات الثقافية التي قيدت العالم طويلا.
وكونوا جزء من "ما بعد المسألة الأوربية" لتحرير العالم وفك أسره.

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني