قراءة ثانية في كتاب – الدولة القومية خلافا لإرادتها –

كامل عباس
2021 / 4 / 8


أهداني أحد الأصدقاء عام 2007 هذا الكتاب – الدولة القومية خلافا لإرادتها , تسييس الاتنيات وأتننة السياسة ,البوسنة , الهند , باكستان - من تأليف الصحفي الألماني كارستن فيلاند . وترجمة محمد جديد ونشر دار المدى في دمشق .
ومع ان دار المدى وصاحبها فخري كريم لم يرق لي يوما لاهو ولا مام جلال ولا كل من يعتبر حافظ الأسد بطلا قوميا وصدام حسين طاغية , لكن الذي شجعني على قراءته تلك الجملة التي وردت في المقدمة ( والشيء ذاته ينطبق على الفيلسوف السوري الذي أنشأ الصلة بدار المدى في دمشق لاخراج الطبعة العربية ) مما دفعني لقراءته كوني كنت وما زلت احترم الفيلسوف والمناضل المرحوم صادق جلال العظم وأثق به .
انصّب اهتمامي في قراءتي الأولى على الفهم النظري الذي عرضه الصحفي عن القومية والأمة وتكّون الاتنيات وأهملت تحقيقاته الصحفية التي تحرّكت في هذا الحقل .
لكن عندما حدث انقلاب ميانامار هذا العام تذّكرت الكتاب فقد يخدمني الصحفي بمشاهداته وتحقيقاته في التعرف على تلك المنطقة وهو ما قد يفيدني في استشراف آفاق الصراع مستقبلا حول ميانمار.
أعجبني فهم الصحفي في القراءة الأولى للحضارة الغربية وازدواجية معاييرها بشكل عام منذ قيام عصبة الأمم ( لماذا يتحدث الأوروبيون بشأن البلقان عن الاتنيات وبشأن افريقيا عن قبائل؟ على الرغم من أن الناس في البوسنة يضرب بعضهم أعناق بعض شأن المحاربين القبليين البدائيين ... مفهوم القبيلة بمعنى الاتنية قد تّم تسييسه بقوة بالغة وبات يُفسّر تفسيرا فضفاضا الى حّد مفرط . ما من شك في أن بعض الصحفيين البريطانيين يستعملون كلمة القبيلة باستهجان عندما يكتبون عن البلقان , هذا يعني أن المثل الاتني عندهم موّجه ضد التنوير وبذلك تٌفهم الثقافات الشعبية كأنها مجتمعات قبلية داخل مجتمعات الحضارة الراقية .ألا يعني هذا بحيث تبدو الأمور من الناحية العملية وكأن العوامل الأصلية كاللغة والدين ولون البشر والتقاليد غائمة غير محددة بموجب القانون الدولي مما يسمح لهم بمعاملة الاتنيات بما يخدم مصالحهم فقط ) (1)
أسعدتني افكار الكاتب وتحيزه للمستقبل في فهم دور الدولة وأضيف عليها من عندي الآن قائلا :
بماذا يفترق فهم الأوروبيين عن فهم خصومهم الستالينيين القائل : الأمة جماعة من الناس على أرض مشتركة لها ثقافتها وتاريخها وآلامها وآمالها وعاداتها يجمعها اقتصاد مشترك. ألا يدفعنا هذا الى القول بأنهم تعاونوا معهم بعد انتصارهم وإياهم في الحرب العالمية الثانية على هتلر ليصيغوا لنا نظاما عالميا جديدا عنوانه هيئة الأمم المتحدة بدلا من هيئة الدول المتحدة ! ان التركيز على الماضي بما فيه من عادات وتقاليد تجاوزها الزمن تتبع الأديان والطوائف وأبناء القوميات المتعصبة يمنحهم القدرة على المحافظة على امتيازاتهم ومصالحهم . اما قول الفيلسوف الهندي طاغور القائل: الأمة هي ظهور شعب بأسره في صورة دولة منظمة فهو لايناسبهم لأنه يعلي الانساني على القومي والطبقي .
في القراءة الثانية شدّني محوران .
- الأول سلوك المستعمرين البريطانيين في مستعمراتهم قبل الحرب العالمية الثانية القائم على مبدأ فرق تسد واستعمال كل الموبقات بما فيها الفتن والتزوير كي يستقر استعمارهم.لقد لعب المستعمرون البريطانيون على معتنقي الديانة الهندوسية والديانة الاسلامية في الهند والباكستان وما بينهما كشمير بعد أن عاش الناس طويلا جنبا الى جنب في احترام متبادل قبل مجيئهم. صحيح أن الهندوسيون يقدسون البقرة والمسلمون يذبحونها ولكن الأصّح أن الهندوسيون والمسلمون تجاوروا في الهند قبل مجيء البريطاني مع احترام كل طرف للآخر في سلوكه تجاه مقدساته ولو كانت متعارضة ,لكن في ظل استعمار البريطانيين أصبحت ( الموسيقا أمام المساجد ورؤوس الخنازير في المساجد ورؤوس الأبقار في المعابد كانت هذه هي الاستفزازات النموذجية ليتم تعريف المجتمع بالاستناد الى الانتماء الديني ... ولما كان المسلمون هم الذين يذبحون الأبقار ويباح لهم ان يأكلوها فقد توجه الغضب نحوهم ولا سيما ضد الجزارين منهم ) (2)
لم يكتف البريطانيون بالفتن بين الديانتين بل تعداه الى الفتنة داخل الدين الواحد وخاصة الدين الاسلامي ليتم النفخ في روح علماء دينيين متزمتين بعيدين عن فهم الدين الاسلامي على حقيقته مثل المودودي صاحب نظرية الحق الالهي ومن يخالف شريعته يحلل إهدار دمه , او باللعب على طوائف المسلمين مثل التسنن والتشيع لتظهر باكستان جديدة لاتختلف عن السعودية في فهمها المتخلف للاسلام, والنتيجة تعويم التيارات الاسلامية التالية في الهند وباكستان (1- المسلمون الذين يحملون فكرة الجامعة الاسلامية مستمدة من تقاليد حركة الخلافة . 2- اولئك الذين يطمحون الى اسلام هندي أي اتني . 3- اولئك الذين يمارسون عادات وتقاليد توفيقية وكانت توجد فضلا عن ذلك فروق مذهبية وايديولوجية بين السنة والشيعة وبين المسلمين المؤمنين والمسلمين العلمانيين )(3) وهكذا بدلا من الوصول الى امة اسلامية كّما توهم المسلمون الدينون العفويون تكرّست (عقدة النقص التي أحسنت رعايتها عند المسلمين لتعّبر عهنا هذه الفقرة من احدى القصائد الشعبية :
ألا ان البريطاني لَسعيد اذ يملك الطائرة
والهندوسي راض قرير العين اذ يسيطر على التجارة والمهن الحرة
اما نخن المسلمين فلسنا سوى طبول فارغة تعيش برحمة الله
كومة من كسارة البسكويت وزبد عصير الليمون (4)
- في المحور الثاني :
استمرار هذا السلوك من خلال المجتمع الدولي الذي بنوه بعد الحرب العالمية الثانية في القرن الواحد والعشرين من اجل التفتيت لا التجميع وهو ما حصل في البوسنة والهرسك والبلقان بأكملها
( على أن كل مبادرات الحل التي أعقبت ذلك كانت مفصلة على جسد النموذج القومي الاثني بدرجة أكبر , وكانت تتبنى المكاسب الاقليمية للأحزاب في المرحلة اللاحقة وبالنظر الى هذا تبدو البيانات السابقة لأرباب السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي حافلة بالتهكم اللاذع . ففي 28 تشرين الاول 1991 . كانت البيانات ما زالت تعلن ان المجتمع الأوروبي والدول الأعضاء فيه تشير مجددا الى ان استخدام العنف والسياسة الهادفة الى خلق حقائق واقعة ناجزة لتغيير الحدود قائمتان على الوهم ولن يعترف بهما من قبله أبدا , ومع ذلك كانت هذه الدول تلجأ بدلا من ذلك الى إضفاء الشرعية عليهما , وتشجع بصورة غير مباشرة عمليات الطرد الاتنية وتتقبل مفهوم الدول المتجانسة من الوجهة الاتنية )(5) وهكذا نتيجة هذه السياسة بمساعدة المجتمع الدولي للأوروبين في يوغسلافيا انتهت الحرب الأهلية هناك بدعم واضح لاستقلال الدول المتجانسة على أساس اثني وحصلنا على دول جديدة ممثلة في هيئة الأمم مثل صربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك !!!
ان النظام العالمي الذي أسسه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية بقيادة امريكا فٌصِل على مقاس مصالح الدول المنتصرة مع تقديم بعض التنازلات لزر الرماد في العيون مثل موافقتهم على الميثاق العالمي لحقوق الانسان .والآن فضحتهم العولمة ومن بعدها الثورة السورية حيث عجزوا عن حماية المدنيين أثناء الحروب مع انهم وقعوا على ميثاق بهذا الخصوص , اما فيروس كورونا فكان له الفضل الأكبر في كشف نفاقهم عن الانسان وحقوقه في حين جميعهم يتاجرون بالأمصال لتصبح في يد الأغنياء فقط ومشكلتهم ان الفيروس لا يميز بين غني وفقير .
كانت قراءتي الثانية للكتاب إضافة الى بعض المستجدات على صعيد العالم ملهمة لي لتصور ما سيحصل في ميانمار مستقبلا . لأصل الى النتيجة التالية .
سيشتد الصراع في وعلى هذا البلد بين الصين وأمريكا كما كان الحال في السابق بين روسيا وامريكا من اجل اقتسام الكعكة .
فلسفة الصين الشيوعية في ظل حضارتهم الرقمية الحالية المتطورة ونظام حزبهم الحديدي الذي اخترع كاميرات لمراقبة تعابير وجوه مواطنيه كي يضبطهم جيدا ويرصد مشاعرهم تقوم كما هي الحضارة الآسيوية على توجيه السياسة للاقتصاد .
وفلسفة أمريكا تقوم على توجيه الاقتصاد للسياسة مع حرية السوق الكاملة بما فيها حرية الفرد في الطول والعرض ومن ضمنها حرية الموت جوعا, اما تعاونهم لنصرة الشعب الثائر هناك ضد الانقلابيين فذلك آخر ما يفكرون به .
كان الله بعون الشعب في ميانمار فهو على طريق التشرد والتهجير كما هو الحال مع الشعب السوري .
كامل عباس – اللاذقية
.............................
هوامش مع ملاحظة أن كل الاستشهادات المذكورة هي من صفحات الكتاب المعنون في مقدمة الدراسة
1- ص 33
2- 226
3- 272
4- 282
5- 366

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني