الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (6)

مالك ابوعليا
2021 / 4 / 8

كاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوش بيريتش

الفصل السادس: القمع المُسلّح للثورة المضادة بمساعدة القوات السوفييتية

في الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني عام 1956 واجهت الاشتراكية أزمةً عميقةً في هنغاريا. لم تعد قوى الثورة المَضادة التي تُريد استعادة الرأسمالية تهتم باخفاء مصالحها الحقيقية. سعوا علانيةً الى استلام زمام السلطة. نظّمَ مُمثلوا الجماعات المسلحة المُعادية للثورة قوات مسلحة موحّدة تحت قيادة الطاقم الخاص بالجنرال بيلا كيرالي التي كانت مُستعدةً لمحاربة القوات السوفييتية. في الواقع، نشأت بؤرة حرب جديدة على أراضي هنغاريا. لقد شكّلت تهديداً ليس فقط لمستقبل الشعب الهنغاري بل وأيضاً على سلام وأمن أوروبا والعالم بأسره.
كانت قوى التقدم والاشتراكية، في جميع أنحاء العالم، وخاصةً في أوروبا مُخدرة ومذهولة. اهتزت قناعات عدد من الناس في صفوف الأحزاب لشيوعية والعمالية وانتشرت الانهزامية بسرعة. شلّت شعارات المُعادين للثورة والتحريفيين الكثير من الفئات العمالية. اتخذ هؤلاء، بعد انخداعهم بشعارات "تنقية الاشتراكية" و"الاشتراكية المُستقلة" والأشكال "القومية الديمقراطية للاشتراكية"، اتخذوا موقفاً مُعادياً للاتحاد السوفييتي وتخلّوا عن المبادئ الأساسية للأممية البروليتارية. على الرغم من أن فكرة "تنقية الاشتراكية" قد لقيت السرور وحظِيَت بتأييد الرجعية الدولية، الا أن نُشطاء الحزب والعمال بشكلٍ عام أدركوا بوضوحٍ مُتزايد الماهية الفعلية لهذه الأحداث.
شنّت الرجعية وأجهزة الحرب الباردة وممثلوها هجوماً بشعاً. كانت الرجعية الدولية مُبتهجةً وتحتفل بالانتصار. لقد قاموا بتمجيد "المقاتلين الهنغاريين من أجل الحرية"، وقاموا بتكثيف الدعاية المُعادية للشيوعية والسوفييت وكانوا جميعاً مُستعدين لدفن الاشتراكية. قامت قوى ارهابية من جميع أنحاء العالم بمهاجمة مقرات الأحزاب الشيوعية، بتشجيعٍ من تلك الأحداث، وقامت بمسيرات رجعية وأشادت بـ"الثورة الهنغارية" وايمري ناجي.
شنّ مركزان من مراكز الامبريالية الدولية، وهما الحكومتين البريطانية والفرنسية، التي مثّلَت مصالح كبار الرأسماليين، بالتعاون مع الصهيونية الاسرائيلية، هجوماً مُسلحاً على مصر في 29 تشرين الأول في محاولة لاستعادة قناة السويس. كان هذا هجوماً مُفترساً ومُسلحاً صريحاً شنته قوى الاستعمار ضد مصر مما شكّلَ تهديداً لقضية حركة التحرر الوطنية العالمية. تم انشاء بُؤراً ساخنة جديدة على الشواطئ الشمالية للقارة الافريقية بالقرب من أوروبا. اجتاحت رياح الحرب الوشيكة كل العالم.
في اليومين الأخيرين من تشرين الأول واليوم الأول من تشرين الثاني، اتُخِذَت اجراءات لم تَدَع مجالاً للشك في طبيعتها الحقيقية، بدعم من الخونة الهنغاريين المُعادين للثورة الذي شعروا الآن انهم يحققون النصر. في 30 تشرين الأول بدأوا بقتل الشيوعيين في مقر الحزب في بودابست. وفي نفس اليوم، أعلَنَ ايمري ناجي عن تشكيل حكومة ائتلافية جديدة على أساس نظام "التعددية الحزبية". ومن ثم استجاب لمطالب الجماعات المُعادية للثورة وأعلن، في 31 تشرين الأول عن نية هنغاريا الانسحاب من مُعاهدة وارسو. في 1 تشرين الثاني أعلَنَ ايمري ناجي "الحياد".
في 4 تشرين الثاني دخل النضال ضد الثورة المضادة مرحلةً جديدة. بمساعدة مباشرة من الاتحاد السوفييتي شَرَعَت القوى الاشتراكية الهنغارية في العمل لقمع الثورة المضادة والقضاء على نتائجها.
عند هذه النقطة، يظهر سؤال: ما هي الظروف والشروط التي جَعَلَت من الممكن احتواء ورد هجومين للامبرياليين في وقتٍ قصيرٍ نسبياً على الرغم من صعوبات الوضع؟ للاجابة على هذا السؤال، يجب أن نفحص العوامل التي جَعَلَت من الممكن قمع العصابات المسلحة للثورة بدون كفاح مسلّح طويل الأمد. يجب علينا أيضاً، دراسة سبب عدم نشوب نزاع مسلح على الرغم من حقيقة أن الامبريالية الدولية كانت مُهتمةً بنتائج الأحداث المجرية وتدخّلَت فيها بنشاط. مما لا شك فيه، أن النجاح في تجنّب هذين الخطرين أصبح مُمكناً من خلال تكييف التكتيكات التي توافقت مع الظروف الداخلية والخارجية المُحددة.

أ- الظروف الداخلية لسحق الثورة المضادة
تم سَحق قُوى الثورة المضادة في هنغاريا من خلال الاعتماد على المساعدة الخارجية، اي من خلال القوات السوفييتية التي قدّمَت فرصاً مواتية وخلقت ظروفاً جيدة لقوى الاشتراكية الداخلية لتنفيذ نضالها السياسي والآيديولوجي بنجاح.
في 2 و3 تشرين الثاني، تم تشكيل حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين، وهي المركز الثوري للقوى الاشتراكية الهنغارية. أُعيد تشكيل اللجنة التنفيذية لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري واللجنة المركزية المؤقتة للحزب. لعبت هذه التطورات دوراً حاسماً في سحق الثورة المضادة.
رَفَضَت الحكومة برئاسة ايمري ناجي العمل من أجل الأهداف التي عينها المجلس الرئاسي من أجلها. لقد خانت الأفكار الاشتراكية التي أقسمت على خدمتها. بدلاً من الدفاع عن الاشتراكية، ساعدت حكومة ايمري ناجي اولئك الذين سعوا الى تصفيتها. وبدلاً من اعادة القانون والنظام والأمن تسامحت مع فوضى وارهاب العصابات المسلحة. بالاضافة الى ذلك، فقد حلّ التنظيمات المسلحة التي كان يُمكن أن يُعتَمَد عليها في دعم استعادة القانون والنظام. تصرّفَ ايمري ناجي دون أي شكلٍ من أشكال التفويض، وأبطَلَ الاتفاقيات الدولية الهامة. عامَلَ ناجي أصدقاء الشعب الهنغاري الحقيقيين بطريقة عدائية.
جادَلَ أنصار ايمري ناجي في خطاباتهم ومقالاتهم بأن هذه الخطوات قد اتُخِذَت استجابةً للمطالب الشعبية. كان هذا صحيحاً جُزئياً، ولكنه عَكَسَ مصالح تيار الأقلية الذي ظَهَرَ على السطح من خلال موجة الثورة المضادة. استغل ممثلوا الرجعية كل وسائل الدعاية المُتاحة لطرح رغباتهم كما لو كانت رغبات "الشعب". ارتبطت المصالح الحقيقية للعمال الهنغاريين بالاشتراكية. لقد طالبوا بتصحيح الأخطاء والقضاء عليها واحترام الشرعية وبناء الاشتراكية بطريقة تتوافق مع ظروف هنغاريا الخاصة. لكن في ذلك الوقت، لم يكن واضحاً للجماهير حيث أدّت الدعاية المضادة للثورة وتسمم الأجواء بالخيانة الى حدوث ارتباك وتمت التعمية على ما يحصل في حقيقة الأمر.
وسط هذه الظروف الصعبة للغاية حشد يانوش كادار مجموعةً من الوطنيين الهنغاريين وشكلوا حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين. تم توضيح سبب هذا الاجراء في رسالة مفتوحة: "لقد اضطررنا الى اتخاذ هذا الاجراء المسؤول بادراكنا أنه أصبحت حكومة ايمري ناجي جُزءاً من الرجعية، فانه لم يعد لدينا أي فرصة بدون ذلك لاتخاذ اجراء ضد خطر القوى المُضادة للثورة الذي يُهدد بالقضاء على جمهوريتنا الشعبية وسلطة العمال والفلاحين ومُنجزاتنا الاشتراكية".
كان تشكيل حكومة العُمّال والفلاحين الثوريين واعادة تنظيم حزب العمال الاشتراكي الهنغاري في الواقع عملاً ثورياً. تم تحديد طبيعة الحكومة الجديدة بشكلٍ أساسي من خلال حقيقة أنها كانت أداة ثورية وشيوعية قامت بقطع صريح مع الخيانة وخرَجَت بحزم من أجل النضال ضد طوفان الثورة المضادة. وهذا يعني، أن أهم شرط مُسبَق من أجل تحقيق الهدف، هو انشاء مركز ثوري لقمع الثورة المضادة واستعادة النظام الاشتراكي.
بدأت الحكومة الجديدة أنشطتها في الدفاع عن دستور جمهورية هنغاريا الشعبية وروحه. تم تشكيل الادارة الجديدة بناءاً على مُبادرة من الوزراء الذين ظلوا مخلصين لسلطة العمال وانفصلوا عن ايمري ناجي. تمتعت هذه الحكومة بدعم كُلٍ من رئيس المجلس الرئاسي للجمهورية الشعبية ورئيس مجلس نواب الشعب. جمَعَ المركز الثوري الجديد قوته من أجل نضالٍ صعبٍ للغاية وقرر أن يتحمل المسؤولية أن المصالح الحقيقية للشعب التي قامت على أُسس دائمة.
يُمكن تلخيص أهداف المركز الثوري على النحو التالي: سحق الثورة المضادة واستعادة القانون والنظام في البلاد واعادة تنظيم قوى الثورة الاشتراكية وضمان استمرار بناء الاشتراكية. حددت الحكومة والحزب في وثائقهما الأولى برنامجاً يُعبّر عن اهتمامات أكبر شريحة مُمكنة من العمال الهنغاريين بغض النظر عن ظروفهم أو أمزجتهم اللحظية.
ومع ذلك، فقد كان يُمكن لهذه الأهداف المُحقة أن تظل مُجرّد رغبات لو لم يتم سحق الجماعات المُسلّحة المُعادية للثورة. كان على حكومة العمال والفلاحين الثوريين واللجنة التنفيذية لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري أن يُقررا ما اذا كان يجب المُخاطرة بحرب أهلية في سياق سحق الثورة المضادة أو ايجاد حل آخر. كانت الحرب الأهلية تعني نضالاً طويلاً سيودي بحياة الكثير من الناس. كان الآلاف من الشيوعيين والوطنيين في جميع أنحاء البلاد ينتظرون الدعوة للنضال، ولا شك أنه كان هناك استعدادات للقتال في أحياء الطبقة العاملة في بودابست، مثل انغيالفولد وسيبيل.
كان العمال الشيوعيين هم أول من بدأوا بتنظيم أنفسهم من أجل وقف تقدّم الثورة المضادة. فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك: تم انشاء تنظيم شيوعي سري يقيادة لجنة مؤلفة من 5 أعضاء في مصنع النجمة الحمراء للتراكتورات في مقاطعة كيشبيشت Kispest في بودابست. في المنطقة العاشرة، نظّم العمال المسلحون أنفسهم لمحاربة الثورة المضادة مُستخدمين مباني مصنع البيرة المحلي كغطاءٍ لهم. واصل قادة الحزب في المنطقة الثالثة عشر التنظيم النشط للنضال في العديد من المصانع حتى بعد الهجوم والنهب الذي مارسته العصابات على مقر الحزب في بودابست. نظّمَ العمال الشيوعيين ونشطاء الحزب في مصنع غانز للمحركات Ganz-MÁVAG أنفسهم. تم تقديم الأسلحة والوثائق بمساعدة من الرائد ايرنو يانوشي Ernő Jánosi قائد مقاطعة مركز التجنيد. في منطقة كيراليردو Király-erdő شكّلَ 13 شيوعياً من سيبيل مجموعةً مسلحة وشرعوا في تعبئة العمال الموالين لسلطة العمال. كما نظمت مجموعة من الشيوعيين في المنطقة الثالثة العمال لايجاد مخرج من الوضع الخطير. لم يتوقف عمال المناجم في مقاطعة نوغراد عن النضال ضد الثورة المضادة ولو ليومٍ واحد. في 1 تشرين الثاني أصدَرَ اجتماع لحوالي 30-40 من الشيوعيين النشطين في بلدة كارانشلابويتو Karancslapujto نداءاً من أجل الاستنفار. في اليوم التالي لبّى أكثر من 500 شخص ندائهم وحضروا مسيرةً التزموا فيها بشعارات اشتراكية. قام عمال المناجم في باغلاشايلا Baglyasalja وشالغو و كارانشلابويتو وناغيباتوني وغيرها من البلدات بتسليح أنفسهم. قامت وحدة من الميليشيا العُمالية مكونة من 83 شخص باستعادة منطقة سالغوتاريان من أعداء الثورة في 4 تشرين الثاني. نظّم عمال المناجم أنفسهم في الجنوب، في مقاطعة بارانيا في ممدينتي بيكيش وكوملو، بنفس الطريقة. في بلدة كوبوشفار دافع شيوعيو مصنع السكر عن مصنعهم بالأسلحة. خلال ليلة 1 تشرين الثاني عقدوا اجتماعاً تم فيه اتخاذ القرار التالي: "... الثورة المضادة ليست شأناً هنغارياً خاصاً، انه عمل من أعمال الامبريالية الدولية، لا يُمكن له أن يمر دون أن تستنفر ضده الدول الاشتراكية قواها... يجب أن نستمر حتى النهاية!".
كما رفض العمال الزراعيون لمنطقة بيكيش مُشاهدة التطورات من بعيد مكتوفي الأيدي. في بلدة سارفاش حمل 35 شخصاً السلاح في 2 تشرين الثاني لاستعادة سلطة العمال ومن ثم انضم اليهم 50 آخرين بعد يومين. صاغت منظمة الحزب في نفس المنطقة في الساعات الأولى من 4 تشرين الثاني قراراً يقول: "يجب قمع الثورة المضادة التي شنت هجوماً على بلدنا وشعبنا وحزبنا وسلطتنا الشعبية. يجب نزع سلاح الحرس القومي الذي تم وضعه في خدمة الثورة المضادة. يجب استعادة المباني والشوارع في سارفاش، يجب استعادة سلطة الشعب"(97).
بحلول مساء يوم 5 تشرين الثاني تم سحق قوات الثورة المضادة المسلحة في جميع أنحاء سارفاش، وانضم، في الأربعة أيام التي أعقبت 4 تشرين الثاني، حوالي 550 شخصاً الى حزب العمال الاشتراكي الهنغاري. في منطقة توتكوملوش tótkomlós احتشد 220 شخصاً تحت راية الحزب الشيوعي في غضون أيام قليلة. التأمت العديد من المجموعات المكونة كلٌ منها من 10-20 شخصاً مسلحين ببنادق الصيد والأدوات الزراعية معاً في المزارع التعاونية في جميع أنحاء هنغاريا للدفاع عن مُلكيتهم. تم تشكيل منظمة حزبية شيوعية مُكونة من 60 شخص في بلدة كونسيرتمارتون kunszentmárton في مزرعة ماتي زالكا Máté Zalka التعاونية في 1 تشرين الثاني من أجل الدفاع عنها. قام أعضاء تعاونية كيشويسالاش kisújszállás وتعاونية لينين في كارتساغ karcag وتعاونية راكوزي في ميزوتورmezőtúr ومزرعة النجم الأحمر التعاونية في بلدة بارتش Barcs وكثير غيرها بنفس الموقف. أُطلِقَ على 20 فرداً مُسلحاً من تعاونية الشرارة في قرية راكاماز rakamaz لقب (مُقاتلي المقاومة). قام تنظيم ميليشيا شعبية في قرية سابيدي Szabadi بمقاومة عناصر من الثورة المضادة ومنعهم من السيطرة. الحالات المذكورة أعلاه ليست سوى أمثلة عشوائية لمجموعات من الأشخاص، بالرغم من أنها كانت مُشتتة، الا أنها كانت تكتسب المزيد من القوة أثناء استعدادها لشن الهجوم المضاد.
كما كان أنصار سلطة العمال والفلاحين في مختلف وحدات الجيش وحرس الحدود والقوات الخاصة السابقة يُنظمون أنفسهم في مُحاولة لايجاد مخرج من الوضع الصعب. وقفت قوىً كبيرة فعلاً، رغم تشتتها، على أُهبة الاستعداد للدفاع عن الثورة الاشتراكية في هنغاريا. لقد كان تنظيم هذه القوات بشكلٍ صحيح وزجها في المعركة، لن يستغرق وقتاً طويلاً وحسب، بل كان سيؤدي الى مزيد من الأضرار وسفك الدماء. وعلى أساس هذه الاعتبارات قررت حكومة العمال والفلاحين الثورية استخدام المساعدة الأممية لضمان الانتصار في الكفاح المسلّح واعادة تنظيم القوى الثورية وكسب ثقة الشعب العامل في مسار الحرية. في سياق الصراع السياسي والايديولوجي المتسق بعد استعادة الفانون والنظام. هذا هو السبب في اعلان الوطنيين الهنغاريين أن "حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين تصرفت لصالح لصالح شعبنا والطبقة العاملة والفلاحية في بلدنا طالبةً المساعدة من القيادة السوفييتية لتدمير قوى الشر والرجعية واعادة النظام".
استجابت الحكومة السوفييتية للطلب الهنغاري. سحَقَت القوات السوفييتية مراكز الثورة المضادة المسلحة. انتهى القتال الى حدٍ كبير بحلول 8 تشرين الثاني، وبحلول العاشر من نفس الشهر في بعض الأماكن. استمرت المجموعات المسلحة الصغيرة والقناصة في التسبب بمشاكل للسكان لأكثر من شهر، لكنهم لم يعودوا آنذاك يُشكلون قوةً قادرةً أن تخوض كفاحاً مُسلحاً مُستمراً، ثم قامت القوات الخاصة الهنغارية بسحقهم في نهاية المطاف.
انتشرت على نطاقٍ واسعٍ، الدعاية الامبريالية التي تقول بأن القتال بعد 4 تشرين الثاني كان أشد ضراوةً وأودى بحياة أُناس أكثر مما كان عليه في الفترة التي سبقتها. كانت الحقيقة على عكس ذلك تماماً: "... أُصيب ثُلثا الجرحي قبل 3 تشرين الثاني، والثلث الآخر بعد 4 تشرين الثاني"(98). تُظهر السجّلات الخاصة بالمستشفيات الخاصة بمعالجة الجرحى تقديراً مُشابهاً. تم ادخال 298 جريحاً الى 10 مستشفيات في بودابست في 24 تشرين الأول (يذكر الكاتب أسماء الـ10 مستشفيات جميعها-المترجم). وكان الرقم ليوم 25 هو 266 شخصاً. خلال الأيام التي تلت ذلك حدث انخفاض تدريجي في عدد الجرحى. في 3 تشرين الثاني كان عدد الجرحى الذين تم نقلهم الى المستشفيات العشرر 30 شخصاً. ارتفع العدد الى 93 في 4 تشرين الثاني، وبعد ذلك بيوم واحد ارتفع الرغم الى 116. وفي 6 تشرين الثاني انخفض الى 105. وفي الأيام اللاحقة كان هناك انخفاض مطرد وصار العدد 30 شخصاً يوم 10 تشرين الثاني. كان الاتجاه هو نفسه في المستشفيات الأخرى. على سبيل المثال تم نقل 28 جريحاً الى مستشفى شاندور بيتيرفي sándor péterfy يوم 23 تشرين الأول، و31 شخصاً يوم 24 و15 شخصاً يوم 25. انخفض العدد الى صفر يوم 4 تشرين الثاني، ولكن بعد يوم واحد تم نقل 10 جرحى الى نفس المستشفى 15 شخص في 6 تشرين الثاني، ولم يتم نقل جرحى هُناك خلال الأيام اللاحقة. في المستشفى الرياضي تم ادخال 11 شخصاً يوم 25 الأول، و15 في اليوم التالي و26 في 27 تشرين الأول و4 أشخاص في 4 تشرين الثاني، و10 أشخاص في اليوم التالي، و16 شخصاً في 6 من نفس الشهر. خلال الأيام التي تلت ذلك تم نقل جريح أو جريحين فقط الى المستشفى. تُشير السجلات في عيادة تريفورت Trefort التي عالجت عدداً من الجرحى أكبر من المُستشفيات جميعها الى نفس التقديرات. تم علاج 1700 جريح في 23 و24 تشرين الأول، و500 في 25 و26 من نفس الشهر، وحوالي 70-80 شخصاً خلال الأيام اللاحقة.
لقد لعبت التكتيكات التي تبنتها القوات السوفييتية بعناية دوراً حاسماً في حقيقة أنه تم سحق قوى الثورة المضادة المسلحة بسرعة كبيرة. كما كان من الأهمية بمكان أن العصابات المسلحة المُعادية للثورة لم تنجح في الحصول على دعم شعبي مُسلّح وغير مُسلّح من أي نوع. كان هناك القليل من الاشتباكات الحقيقية ولم يكن هناك كفاح مسلّح متسق في المقاطعات التي تبنّت فيها الثورة المضادة اساليب حرب العصابات. كما ساهمت مسألة عدم خوض أي وحدة من وحدات الجيش الهنغاري صراعاً ضد القوات السوفييتية، دوراً في الحسم العسكري السريع للثورة المضادة. كان ذلك ظرفاً مُهماً للغاية، لانه لو انضمت وحدات من الجيش المدربة والمسلحة جيداً الى القتال لكان الأمر أكثر صعوبةً وأخّرَ الى حد كبير احراز نصر على الثورة المضادة.
دحضت الأحداث نفسها ادعاء قادة الثورة المضادة الداخليين والخارجيين بأنهم حصلوا على دعم ما بين 80-90% من الجيش الهنغاري. في 1 تشرين الثاني أبلغ رئيس التجسس المُخضرم، رئيس وكالة المُخابرات المركزية الأمريكية آنذاك ألين دالاس في اجتماع مع الرئيس ايزنهاور "انشق 80% من الجيش الهنغاري"(99). انها حقيقة بالطبع أن ضباطاً وأفراد وعدد من المجالس العسكرية خاصةً تلك المرتبطة بالقوات المتمركزة في ترانسدانوبيا قد انضمت الى الثورة المضادة. لقد قاتل عدد من الجنود مع الجماعات المُعادية للثورة. تم الحكم على جيش الشعب الهنغاري بأكمله على أساس هذه الحالات الفردية. أشارت أنشطة القيادة التي كان على رأسها بيلا كيرالي الى أنهم كانوا يأملون في أن تُمكنهم استعداداتهم داخل الجيش من حشد وحدات عسكرية بأكملها لدعمهم. ولكن في 4 و5 تشرين الثاني سارت الأمور بشكلٍ مُختلف عندما تم وضع هذه الاستعدادات تحت الاختبار الحقيقي. لم تدخل أي وحدة عسكرية هنغارية واحدة في صراعٍ مع القوات السوفييتية. كان هناك اطلاق نار متقطع في المناطق المُحيطة بثكنات الجيش في الصباح الباكر من يوم 4 تشرين الثاني في كابوشفار وبيكيشتشابا Békéscsaba وزاهوني وسولونوك وفي بودابست بالقرب من ثكنات بيتوفي وماتياس وأماكن أُخرى. ومع ذلك، في جميع الحالات تقريباً كان هذا يُعزى الى سوء فهم مُعين ولم يستمر أكثر من ساعة أو ساعتين. في دوناويفاروش Dunaújváros انضمت بعض بطاريات المدفعية الى جانب أعداء الثورة ورفضت الاستسلام حتى بعد أن طلب منهم ذلك مجموعة من المُفاوضين المكونين من ضباط سوفييت وهنغاريين وصلوا هناك في 6 تشرين الثاني. في صباح اليوم التالي شنّت الدبابات السوفييتية هجوماً على البطاريات وانتهت المقاومة بحلول الساعة 4:30 مساءاً. انتهى الصراع المسلّح عندما تخلّى الجنود الهنغاريون عن مواقعهم هناك ايضاً.
على الرغم من حقيقة أن أوامر الجنرال بيلا كيرالي للقوات المسلحة باطلاق النار على القوات السوفييتية وصلت الى عدة ثكنات اقليمية في 5 و6 وحتى 7 تشرين الثاني، الا أن القوات الهنغارية رفضت ذلك. تحدد مصير العصابات المضادة للثورة عندما رفضت الوحدات العسكرية والسكان دعم كفاحهم المسلّح.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يكن من الممكن حشد جيش الشعب الهنغاري ضد القوات السوفييتية على الرغم من الأنشطة المحمومة التي قام بها الضباط الذين دعموا الثورة المضادة؟ يجب أن يُنسَب الفضل في المقام الأول الى شجاعة وحزم الضباط الذين، تخلصوا من الشلل والارتباك الذي نَجَم عن خيانة وعجز قادتهم ومن حولهم عندما حانت لحظة اتخاذ القرار في 4 تشرين الثاني. لقد كان لهم دور فعّال في منع الاشتباك مع رفاقهم الأممين. لقد منع الموقف الحازم للضباط الموالين للشعب في وزارة الدفاع وفي مختلف الأجهزة وكوادر التشكيلات الصغيرة والكبيرة، منعوا من وقوع مأساة هائلة. ربما لم يكن موقف بعضهم يذهب أبعد من حساب نتائج هذا الفعل، واتخذوا القرار بناءاً على وجوب تفادي الخسائر. ولكن، كان الموقف الذي أبدوه صريحاً ولم يدعموا الاشتباك مع الحلفاء. كان هناك المئات بل والآلاف من الضباط والجنود في تلك الأيام الصعبة، قاموا بواجبهم وتصرفوا بطريقة تليق بيمينهم، بالرغم من بقاء أسمائهم مجهولة.
في وقتٍ مُبكرٍ من صباح يوم 4 تشرين الأول عندما وصلت الأخبار عن تشكيل حكومة العمال والفلاحين، اتصل كثير من كبار ضباط وزارة الدفاع بالوحدات العسكرية التي تقبع تحت امرَتِهم وأمروهم بعدم القتال. على سبيل المثال، أجرى الكولونيل أوغراي Ugray اتصالاتٍ مع فوج المدفعية المضادة للدبابات في مدينة تاتابانيا tatabánya ومُجندي فرقة المدفعية المتمركزة في مدينة تيغليد ومع وحداتٍ أُخرى وأخبرهم عن تشكيل الحكومة الثورية وعن المساعدة السوفييتية وطلب منهم أن يُنسقوا اجراءاتهم مع الجيش السوفييتي. أعطى الكولونيل رودولف هافاش Rudolf havas الضابط المناوب في 4 تشرين الثاني الفرقة الثالثة في كيتشكيميت أوامر للوحدات التابعة له بعدم اطلاق النار والتعاون مع القوات السوفييتية. يُمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة حول كيفية تصرّف القادة والضباط المُلحقين بوحدات أُخرى بنفس الطريقة.
في بلدة بايا Baja في ثكنات بايجي جيلينسكي Bajcsy Zsilinszky اتخذ المجلس العسكري الثوري والقيادة قراراً مُشتركاً بعدم اللجوء الى السلاح ضد القوات السوفييتية الى جانب ايمري ناجي. في كالوتشا شارك الضباط الشيوعيين في تنظيم أنشطة مُضادة للثورة المضادة اعتباراً من 30 تشرين الأول. التقوا في 5 تشرين الثاني في نادي الحامية لتشكيل القوة الخاصة المحلية. كانت تتألف من 44 شخصاً أعلنوا جميعهم استعداداهم للقتال الى جانب حكومة العمال والفلاحين الثوريين والى جانب القوات السوفييتية من أجل القضاء على الثورة المضادة. في 3 تشرين الثاني قرر اجتماع لضباط من وحدة آسود Aszód الآلي المُتمركز في بودابست بالاجماع، عدم مقاومة القوات السوفييتية اذا تحركت الى بودابست.
في 5 تشرين الثاني أخذ العديد من ضباط المدفعية في سيغليد أسلحة رشاشة وأربعة شاحنات مُحملة بالذخيرة الى بودابست لتزويد المدفعية السوفييتية التي شاركت في القتال. في الساعات الأولى من 5 تشرين الثاني، اتفق قادة كتيبة هاتفان الآلية مع قئاد الوحدات السوفييتية المتمركزة هناك على أن الجنود الهنغاريين والسوفييت سيعملون بشكلٍ مُشترك من أجل استعادة القانون والنظام داخل المدينة. تولّت وحدة من جيش الشعب الهنغاري مهمة حراسة محطة توليد الكهرباء ومكتب البريد في ماترا Matra.
تم التوصّل الى اتفاق مماثل بين القيادتين العسكريتين السوفييتية والهنغارية في بلدة جونجوش gyöngyös المُجاورة في الساعات الأخيرة من يوم 3 تشرين الثاني. تم ارسال وفد مُكوّن من ثلاثة أعضاء من وحدة جيش الشعب في كوملو Komlóالى القيادة السوفييتية في مدينة بكيش يوم 4 تشرين الثاني حيث تم اطلاق سراح 700 مُتهم وتسليحهم جُزئياً من قِبَل أعداء الثورة. حافظت قفرقة مُدرعة سوفييتية مدعومة من 70 فرداً من القوات الخاصة الهنغارية على القانون والنظام في كوملو. في 6 تشرين الثاني، تم تنظيم أولى وحدات القوات الخاصة المُكونة من ضباط يدعمون حكومة العمال والفلاحين الثوريين في أماكن مثل كيشكونخالاس ودومبوفار dombóvár وبيكيش ويانوشالما jánoshalma و كيزتهيلي وميزوتور وديبراتسان.
بفضل أنشطة الضباط الموالين للاشتراكية، لم ينقلب الجيش الهنغاري ضد سلطة الشعب، لكن لم يكن لديهم القوة الكافية لمنع تفكك الجيش. اعتباراً من 5 تشرين الثاني هَجَرَ آلاف الجنود ثكناتهم وعادوا الى منازلهم. كانت الطرقات مُكتظة بالجنود الهنغاريين وهم في طريقهم الى ديارهم. اعتباراً من 9 تشرين الثاني، واستجابةً لدعوةٍ وجهها فيرينس مونيك Ferenc Münnich بدأ تنظيم القوات الخاصة في جميع أنحاء هنغاريا. تولّت وحداتها تدريجياً الحفاظ على القانون والنظام والدفاع المسلح عن الاشتراكية وشكّلَت أساساً لاعادة تنظيم جيش الشعب.
بَذَلَ القادة العسكريون للثورة المضادة جهوداً هائلة لاعداد وتحفيز مجموعاتهم المسلحة لخوض الكفاح المسلّح. جرت محاولات تنظيمهم في مجموعات نظامية وتزويدهم بأسلحة حديثة تحت ستار أنهم من الحرس القومي. وجّه الجنرال بيلا كيرالي هذه الأنشطة، والذي كانت حكومة ايمري ناجي قد عينته كقائد للحرس القومي والقائد العام للقوات في بودابست. كانت قيادته مسؤولة عن تنظيم مجموعات مسلحة مُختلفة في وحدات نظامية.
وفقاً للبيانات المُتاحة، أنه بحلول 4 تشرين الثاني حشَدَت الجماعات المُسلحة المُعادية للثورة في بودابست ما بين 9000-10000 شخص. شكّلَت البروليتاريا الرثة والعناصر الاجرامية ما لا يقل عن ثُلثي هذا المجموع(100).
تم وضع الجماعات المُسلحة الرئيسية على طول خط الغراند بوليفارد Grand Boulevard (وهو منطقة تُعتَبَر "وسَط المدينة" لبودابست) وفي الساحات والمباني العامة (الفنادق والمستشفيات والمدارس) والتقاطعات الرئيسية الهامة. عَمِلَت أكبر جماعة مُسلحة في كوفين كوز حيث بلغ عددها حوالي 3000 شخص. تضمنت ترسانتهم الرشاشات الثقيلة والخفيفة وبعض المدافع المضادة للدبابات ومدافع الهاوزر. كان حجم المجموعة العاملة في مقاطعة سانا széna tér قريباً أيضاً من 3000. بالاضافة الى الأسلحة الثقيلة كان لديهم نحو 50 سيارة وشاحنة استخدموها في الأنشطة التخريبية ونقل الامدادات. ركّزَ الاهتمام الغربي على هاتين الجماعتين المُسلحتين الرئيسيتين واستقبلتا مُعظم الزيارات من قِبَل أعضاء المفوضيات الغربية والصحفيين. كان لدى نفس المجموعتين أكبر عدد من الفاشيين الهنغاريين العائدين من أوروبا الغربية والعملاء الامبرياليين المُدربين جيداً. ذهبت مُعظم شحنات الصليب الأحمر اليهم. أما المجموعات الأُخرى فقد تباينت في الحجم والأسلحة. في المنطقة التاسعة من بودابست تم تسليح العصابات بأسلحة حديثة من مخازن جيش الشعب الهنغاري في فوت Fót في بأوامر من بيلا كيرالي في 3 تشرين الثاني. وتألفت هذه الأسلحة من رشاشات ثقيلة ورشاشات خفيفة ورشاشات صغيرة وقنابل يدوية وأسلحة مضادة للدبابات. في 1 و2 تشرين الثاني استلمت الجماعة العاملة في مُقاطعة باروش baross térأيضاً شحنات أسلحة.
بدأت القوات السوفييتية عمليات التطهير العسكري في الصباح المبكر من يوم 4 تشرين الثاني، في وقتٍ واحد ومن اتجاهات متعددة. قدّمت أجهزة الدعاية الغربية وخاصةً اذاعة أوروبا الحرة أقصى قدر من التشجيع وتعهدت بكل دعمٍ مُمكن للجماعات المُعادية للثورة وضمان دوام أعمالهم المسلحة. مع ذلك، سُرعان ما تبددت آمال الامبرياليين في هذا الصدد أيضاً، لأن الكفاح المسلح انتهى في غضون أيام قليلة.
في 4 و5 تشرين الثاني كان هناك قتال عنيف حول مواقع الجماعات المُعادية للثورة. أبدَت الجماعات المسلحة التي انتشت بانتصاراتها السابقة، مُقاومةً شديدة على أمل أن يدعمهم السكان ولكي يتلقوا المساعدة التي وعدها بهم الغرب. أعلن ايمري ناجي: "قواتنا تُقاتل، الحكومة تقف بقوة"، وناشد الأمم المتحدة والقوى الغربية أن تأتي للمساعدة. ثم غادر مبنى البرلمان متوجهاً الى السفارة اليوغسلافية. فعَلَت الجماعات المُعادية الثورة كل ما في وسعها للحصول على المساعدة من أسيادهم وحلفائهم الغربيين. دعا لازلو نيكلسبرغ lászló nickelsburg قائد الجماعة المُسلحة العاملة في باروش الى مؤتمر صحفي بعد ظهر يوم 4 تشرين الأول وطلب المساعدة العسكرية من الحكومات الامبريالية من خلال الصحفيين الغربيين. قدّمَت المحطات الاذاعية المُختلفة مناشدات درامية للغرب من أجل الحصول على السلاح وارسال الوحدات العسكرية الامبريالية، مُستندةً على الاقتراح القائل بأن القتال ضد السوفييت سيكون هدفاً مُشتركاً. عندما لجأت القوى المُعادية للثورة الى الامبرياليين للحصول على المساعدة، فقد تجاهلوا خطر اندلاع حرب عالمية جديدة، واندثرت حينها كل العبارات المنمقة حول "المصلحة الوطنية"، وتوارت الى الخلف.
شجعت اذاعة أوروبا الحرة أعداء الثورة برسالة مفادها أنه اذا تمكنوا من الصمود في المعارك لبضعة أيام فقط فان حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ستكون مستعدة لأن تشن حرب ضد القوى الاشتراكية في هنغاريا، حتى لو نشبت حرب عالمية ثالثة. في 4 تشرين الثاني سَعَت هذه الاذاعة الى عرض هذه الفكرة على المستمعين تحت ستار اقتباس من صحيفة الاوبزيرفر: "اذا صمَدَ الهنغاريون لمدة يومين أو ثلاثة أيام فان الضغط على الحكومة الأمريكية لارسال مساعدة الى مُقاتلي الحرية قد يكون لا يُقاوم". وأضافت الأوبزيرفر انه من غير المتوقع أن يصوت الكونغرس الأمريكي لصالح الحرب قبل الانتخابات الرئاسية في 6 تشرين الثاني. كما أعربت عن اعتقادها أنه اذا تمكن الهنغاريون من الاستمرار في القتال حتى يوم الأربعاء، فان خطر نشوب حرب عالمية جديدة سيكون أكثر احتماليةً مما كان غعليه في أي وقتٍ منذ عام 1939.
في 4 و5 تشرين الثاني تم تعزيز آمال الجماعات المُعادية للثورة المُجهزة جيداً من خلال تشجيعات مماثلة. بَذَلَ قادتهم جهوداً مستمرة لتنسيق الصراع واطالة أمد المقاومة. ناقش الجنرال كيرالي وأعضاء قيادته الوضع في مقر ميليشيا بودابست عند فجر يوم 4 تشرين الثاني، وقرروا تنظيم المقاومة. أمر كيرالي موظفيه بالانتقال الى تلة يانوش. بعد المناقشات مع ضباطه، ذهب أولاً الى مفوضية الأمم المتحدة ثم الى "المقر" الجديد. ومن هناك حاول اعطاء التعليمات والأوامر للوحدات العسكرية والجماعات المُعادية للثورة من خلال 4 أجهزة ارسال واستقبال لاسلكية التي نُقِلَت الى هناك. في 5 تشرين الثاني سعى الى تشجيع أنصاره من خلال اصدار أمر قصف بودابست من مواقع المدفعية المضادة للطيران في تيلابيرتس csillebérc. الا أن قائد البطارية رفض تنفيذ أوامره مُتحدياً تهديدات كيرالي له بأنه سيعدمه على الفور. اشتكى هذا الجنرال الخائن في عدد تشرين الأول من مجلة (الأفق الجديد) لعام 1966 قائلاً: "كان النشاط الستاليني المضاد للثورة داخل الجيش فعالاً لدرجة أنه جعل القيادة الموحدة للجيش مستحيلاً". لقد وصف كل أولئك الذين أختلفوا معه في اي شيء بالستالينيين.
في 6 و7 تشرين الثاني بدأت العصابات المُعادية للثورة في التفكك. على الرغم من استمرارالقتال، الا أنه فقد حدته. أظهر عمل القوات السوفييتية الحازم أن المقاومة المسلحة كانت مُغامرة لم تكن تُرجى الآمال منها. لم تتحقق المساعدة الامبريالية المتوقعة: "لم تقصف قوات الأمم المتحدة بودابست". وباستثناء المعارضين المنظمين والمُعادين للثورة المتشددين، بدأ أولئك المنخرطين في القتال بالقاء أسلحتهم جانباً. بدأ الشباب الذين تعرضوا للتضليل والاستغلال يتفرقون. بقي عدد قليل من أصل المجموعة الكبيرة الموجودة في كورفين.
أدى تضاؤل أعداد أعداء الثورة الى تبنيهم تكتيكات جديدة. بدلاً من التمركز في مبنىً أو مبنيين، غالباً ما قاموا بتغيير قواعد القتال الخاصة بهم. انقسمت المجموعات الأكبر المُعادية للثورة الى وحدات كرّ وفرّ صغيرة. كانوا يُطلقون النار على الجنود السوفييت ثم يُغيرون مواقعم بسرعة. كانوا ينهبون المخازن والمتاجر الكُبرى والفنادق ويُضرمون النار في العديد منها ثم ينسحبون تدريجياً من بودابست، أولاً الى الضواحي ثم الى التلال. نظمّوا مجموعاتٍ جديدة للاستيلاء على السيارات والشاحنات ثم توجهوا الى الغرب. قامت المجموعة المتمركزة في فندق رويال بنهبه واضرام النار فيه قبل الانطلاق نحو الغرب في الساعات الأولى من صباح يوم 9 تشرين الثاني. استمر أعضاؤها بنهب وسلب كل ما يجدونه في طريقهمو حتى واجهوا القوات السوفييتية. اشتبك حوالي 60 أو 70 من أفراد عصابة جوزيف دوداس وهم مُتوجهين نحو حدود النمسا في السيارات، مع القوات السوفييتية في منطقة تاتا في 9 تشرين الثاني، وقام الجنود السوفييت بتفريقهم(101).
خطوةً خطوة، أُجبِرَ الجنرال بيلا كيرالي على الانسحاب من مُحيط بودابست. في 7 و8 تشرين الثاني انتقل مقر عملياته الى قرية ناغكوفاتش Nagykovácsiعلى بعد حوالي 16 كيلومتراً خارج بودابست مع وحدة هائلة من الحرس القومي تحت قيادته وفي حراسته. كتب في الموضوع الذي اقتبسنا منه لاحقاً: "لقد اتصلنا بمعسكر تدريب حرس الحدود الواقع على بعد حوالي 4 كيلومترات من ناغكوفاتش، وبدلاً من أن يتعاونوا معنا، أبلغوا القيادة السوفييتية بأن مقر الحرس القومي تم انشاؤه في ناغكوفاتش". في ظل هذه الظروف، اتخذ الخيار الوحيد المُتاح له: غادر البلاد في 9 تشرين الثاني، وبالتالي هرب من العقاب الذي يستحقه. ولكن، لبعض الوقت بعد ذلك استمرت الاذاعات الغربية، ولا سيما اذاعة أوروبا الحرة، في بث تقارير عن استمرارا بيلا كيرالي والقوة التابعة له في الكفاح في التلال.
تلقّت العصابات المهزومة من الغرب، تعليماتٍ بالانتقال الى المناطق الجبلية وبدء حرب العصابات. اعتقد أبطال "التحرير" هؤلاء أن الكفاح المُسلّح يُمكن أن يستمر لعدة أشهر في هنغاريا وأنه ستحصل هناك فوضى طويلة الأمد.
ولكن حتى تلك الفلول اليائسة التي ذهبت الى الجبال، قامت لقوات الخاصة الهنغارية المُعاد تنظيمها بهزيمتهم، بدعمٍ من القوات السوفييتية، في نفس شهر تشرين الثاني.

ب- الظروف الدولية لسحق الثورة المضادة
كان الوضع الدولي السائد وقت الثورة المضادة في هنغاريا غير مواتٍ الى حدٍ ما لقوى الاشتراكية والسلام. كانت الرجعية الدولة تتخذ مواقف عدائية للغاية وكان هناك خطر وشيك من اندلاع حرب. ولكن بدأت تظهر حديثاً عوامل هامة في الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني، مكنّت القوى التقدمية من شن هجمة مضادة وارساء الأسس لنجاح الاجراءات السريعة التي اتخذها الاتحاد السوفييتي.
كان العامل الدولي الأكثر أهميةً في درء خطر الحرب وسحق الثورة المضادة في هنغاريا هو العمل الحازم والأممي الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي بدعم من الدول الاشتراكية الأُخرى.
قام قادة الاتحاد السوفييتي، في الأيام الأخيرة من تشرين الأول عام 1956، بعدة مُحاولات لتمهيد الطريق من أجل اعادة الوضع الى وضعه الطبيعي في هنغاريا. وبما أنه كان يحذوهم الأمل في أن يُعجلوا من اعادة الوضع الى صورته السليمة فقد اعتمدوا في البداية أسلوب تحريك القوات واستعراض القوة في محاولة لتحقيق حل سياسي. ومع ذلك، فان القُوى المحلية والدولية المُعادية للثورة كانت قد اكتسبت جُرأةً كبيرةً وشددت هجومها. وبما أن أساليب تقديم المُساعدة التي كانت لا تزال مُتبعةً حتى تلك اللحظة قد فشلت، فقد ثَبُتَ الآن أن التدخل الفعال ضروري.
أكّد بيان صَدَرَ عن حكومة الاتحاد السوفييتي في 30 تشرين الأول المبادئ الأساسية للعلاقات المتبادلة بين الدول الاشتراكية، وأدرَجَ، من بين أمورٍ أُخرى كثيرة، مبدأ احترام استقلال وسيادة الدول. ومع ذلك، بعد يومين، تطلّبَ من التاريخ الاجابة على عددٍ من الأسئلة: ما هو نوع الاستقلال والسيادة الذي يجب احترامه؟ هل يُمكن للاتحاد السوفييتي أن يقف مكتوف الأيدي ويُشاهد عصابات الثورة المضادة تُدمّر جهود الشعب الهنغاري على مدى 12 عاماً وتدوس الانجازات الاشتراكية في هنغاريا؟ كيف يجب تفسير هذه السيادة؟ بطريقة برجوازية أم بروليتارية؟ هل يجب تفسيرها بغض النظر عن الزمان والمكان؟ أم على أساس الصراع الطبقي والظرف التاريخي السائد؟
لا يُمكن، في بيئة دولية تحتوي على نظام امبريالي قوي وعدواني، أن يكون مصير الاشتراكية في أي بلد، مُستقلاً عن مصير الدول الاشتراكية الأُخرى.
ما الذي كان على المحك بالذات، هو استقلال هنغاريا الاشتراكية لأنها كانت مُهددة بالضرب المُنسّق من الأعداء الخارجيين والداخليين. في مثل هذه الظروف كان شعار "الاستقلال" قناعاً لاستعادة الرأسمالية والخيانة. كان لا بد من استعادة السلطة العُمالية من أجل استعادة الاستقلال والسيادة الحقيقيتين.
وادراكاً منها بأن هذا الاجراء سيُساء فهمه وسيتم تفسيره بطريقة غير صحيحة، ولكن بدافعٍ من المبادئ اللينينية البروليتارية قررت الأجهزة القيادية في الاتحاد السوفييتي تقديم المُساعدة المسلحة لسحق الثورة المضادة. في الرابع من تشرين الثاني، حددت صحيفة البرافدا مقاصد الاتحاد السوفييتي في افتتاحية بعنوان: "يجب قطع الطريق على الرجعية في هنغاريا!": هنغاريا تعيش أياماً ذات أهمية تحسم تطورها في المستقبل. السؤال المطروح هو: هل ستستمر هنغاريا على طريق التطور الاشتراكي أم أن القوى التي تسعى الى استعادة النظام الذي من شأنه أن يُعيد البلاد عدة عقود الى الوراء، ستنتصر اليوم؟ يُمكن للقوى الديمقراطية بقيادة الطبقة العاملة أن تضمن الاستقلال الوطني الفعلي لهنغاريا والحرية الديمقراطية الكاملة للشعب والتعاون مع جميع الدول الاشتراكية على أساس مبادئ المُساواة في الحقوق واحترام السيادة الوطنية وتقديم المساعدة الأممية المتبادلة. في ظل هذه الظروف فقط يُمكن لشعب هنغاريا أن يُطور حياته الاقتصادية بوتيرة سريعة وأن تتطور رفاهية الشعب".
قيّمَت بولندا تشيكوسلوفاكيا ورومانيا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية الوضع بعباراتٍ مُماثلة. لقد رأوا الخطر المُحدق بالاشتراكية. علّقَت صحيفة (الكلمة الجديدة) التشيكوسلوفاكية اليومية على الموضوع في 31 تشرين الأول: نحن لسنا غير مبالين بما يحدث على أراضي دولةٍ جمهورية هنغاريا الشعبية المُجاورة، لأن هذا البلد ينتمي الى مجموعة الدول الاشتراكية، وكأنها جمهوريتنا".
نظرت الأجهزة الرسمية والعمال في البلدان الشقيقة الى هنغاريا بقلقٍ عميق، وهذا هو سبب توافقهم التام على تقديم الدعم والمساعدة العسكرية السوفييتية المُرحب بها. هذا الدعم، بدوره، عزز الاجراءات التي اتخذتها القوى الهنغارية الثورية وساعد في اعادة تنظيمها أيضاً.
أعرَبَت الرجعية الداخلية الوخارجية عن أملها في أن يؤدي العمل العسكري السوفييتي الى نشوب صراع بين الدول الاشتراكية. حتى لو لم يذهب الامبرياليون الى حد القول بأن الدول الاشتراكية ستنهار، الا أنهم توقعوا أن يؤدي اضطراب الوحدة بينهم الى تحقيق أهدافهم في نهاية المطاف في وقتٍ لاحق.
بنى قادة الامبريالية الأمريكية آمالهم قبل كل شيء على الخلافات بين الاتحاد السوفييتي والصين. في 25 تشرين الأول عام 1956، قدّم الين دالاس تقريراً عن الأحداث في هنغاريا الى الدورة 201 لمجلس الأمن القومي الأمريكي، يقول فيه: "من الواضح أن الشيوعيين الصينيين غير مستائين كثيراً بشأن الأحداث في هنغاريا. اذا كان تقييمنا صحيحاً، فقد نشهد الخلاف الأول بين الصين والاتحاد السوفييتي".(102).
ومع ذلك، تبددت آمال الرجعية. في الأيام الأولى للثورة المضادة، كانت هناك بالفعل اختلافات في كيفية تقييم الدول الاشتراكية للأحداث في هنغاريا والأسباب الكامنة ورائها. هذا ليس مُفاجئاً على الاطلاق، لأن الموقف الحقيقي لايمري ناجي وأتباعه لم ينكشف بشكلٍ واضح بعد، وكانت شعاراتهم لا تزال مليئةً بالسمات الاشتراكية. لكن في الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني، كانت الدول الاشتراكية تصطف في وحدٍ كاملة بشأن القضايا الأساسية في هنغاريا وماهية الاجراءات التي يجب أن يتم اتخاذها.
صَدَرَ مقال افتتاحي في عدد 3 تشرين الثاني من صحيفة الحزب الشيوعي الصيني اليومية Zhemin Zhibao، تدعم الاتحاد السوفييتي: "ان وحدة الدول الاشتراكية المُلتفة حول الاتحاد السوفييتي هي أقوى معقل للسلام وتقدم الانسانية...".
في وقت الأحداث الهنغارية، كانت الامبريالية تُعلّق آمالاً كبيرة على حدوث تغيرات رجعية في بولندا أيضاً. في أوخر شهر تشرين الأول، أدركوا أنهم لن ينجحوا في فصل بولندا عن منظومة الدول الاشتراكية. ولكنهم تأملوا كثيراً في أن تتخذ مساراً منفصلاً عنها، وأن يكون هناك خلافات في الرأي بين بولندا والاتحاد السوفييتي. كانوا متأكدين تماماً من أن تقييم بولندا للأحداث في هنغاريا سيكون مُختلفاً عن تقييم السوفييت ودول المنظومة الأُخرى له، وأن الكفاح المُسلّح في هنغاريا سيُشجّع العناصر الرجعية في بولندا.
في 2 تشرين الثاني أصدر حزب العمال البولندي الموحّد نداءاً الى الطبقة العاملة البولندية والشعب البولندي وأعرب عن قلقه الشديد بشأن التقدم الذي أحرزته الرجعية الهنغارية: "دَخَلَت الأحداث في هنغاريا مرحلةً جديدةً وخطيرة. لقد أصبح من الواضح بشكلٍ مُتزايد أن العناصر الرجعية بدأت تنتصر. ان أُسس النظام الاشتراكي مُهددة. تنتشر الفوضى في جميع أنحاء البلاد. العصابات تقتل الناس وتقتل الشيوعيين بوحشية. تُراقب الطبقة العاملة البولندية وأمتنا ككل هذا التحول في الأحداث بقلقٍ بالغ. نحن نُدين القوى الرجعية التي تتسبب في انجراف هنغاريا نحو كارثة".
كما توقّعَ الامبرياليون الكثير من يوغسلافيا والموقف الذي ستتخذه. في مناسباتٍ عديدة، ارتكبت قيادة الحزب الهنغاري بقيادة راكوشي وغيرو مظالم ضد جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الشعبية. تحسنت العلاقات مع هذا البلد ولكن بطريقة غامضة وبتحفظات. بدأ انعدام الثقة المتراكم في يوغسلافيا تجاه الحزب الهنغاري بالانحسار صيف عام 1956. استقبلت يوغسلافيا وفداً حكومياً وحزبياً برئاسة ايرنو غيرو في الفترة من 14-23 تشرين الأول. ومع ذلك، كانت بعض الأجهزة والدوائر الايديولوجية اليوغسلافية تميل لصالح ايمري ناجي ومجموعته. لقد اعتبروا ايمري ناجي وأتباعه "تقدميين" بسبب موقفهم المُعادي لـ"الستالينية" وحافظت هذه الأجهزة على تواصلها مع مجموعة ايمري ناجي من خلال الدبلوماسيين اليوغسلاف. ولكن صدَمَ الارهاب الأبيض في هنغاريا القيادة اليوغسلافية والشعب اليوغسلافي بأسره. في 4 تشرين الثاني أكدت الحكومة اليوغسلافية دعمها للحكومة الثورية المُنشأة حديثاً، ووافقت على الحاجة الى سحق الثورة المضادة وأعلنت دعمها للمساعدة السوفييتية والاجراءات التي اتخذتها الوحدات العسكرية السوفييتية(103).
أخيراً، من الجدير بالملاحظة الموقف الذي اتخذه بالميرو تولياتي Palmiro Togliatti بشأن المساعدة العسكرية السوفييتية، والذي نُشِرَ في عدد 6 تشرين الثاني من صحيفة الحزب الشيوعي الايطالي اليومية (L Unità). كان دعم تولياتي للأعمال السوفييتية المُعادية للرجعية في هنغاريا صادقاً للغاية ومُستوحىً من الأممية العميقة. وقد صاغ آرائه في مقال بعنوان (الدفاع عن الحرية والسلام): "من المُمكن أنه في ظل تأثير دعاية العدو الشرسة، يميل بعض الناس الى التردد والارتباك وعدم اللجوء الى أي حل وارتكاب الأخطاء. ولكنهم لاحقاً سوف يستعيدون ثقتهم. ليس فريداً ولا جديداً أن هناك أشخاصاً في حركة الطبقة العاملة يستغرقون بضعة أشهر أو حتى سنوات للتوصل الى فهم جوهر الأمور. ولكن فان جوهر الأحداث واضح... من واجب الاتحاد السوفييتي منع تطوّر بُؤر الاستفزاز العسكري على طول حدوده. من واجبه، ولا سيما في الوقت الحاضر، الدفاع عن جميع المواقع التي تُشكّل جُزءاً لا يتجزأ من جبهة السلام. من واجبه منع أي اختراق لهذه المواقع أو أن يسمح لها بأن تكون ضعيفة. ان مسؤولية الاتحاد السوفييتي لا تنحصر فقط تجاه نفسه وتجاه شعوب ودول أوروبا الشرقية وحسب، ولكن أيضاً تجاهنا وتجاه جميع شعوب العالم".
في 2 و3 تشرين الثاني بدأ قادة حكومة العمال والفلاحين الثورية الهنغارية محادثاتٍ مُباشرة وغير مباشرة مع قادة دول المنظومة الاشتراكية.
لقد أيدوا تشكيل الحكومة الجديدة، وبالنظر الى خطورة الوضع،, اتفقوا مع القوات السوفييتية التي تُساعد الحكومة الهنغارية في سحق الثورة المضادة. ومع أنهم توصلوا الى نفس الموقف، فقد كان لدى الدول الاشتراكية نقاط انطلاق مُختلفة. لكن كان هناك شيء مشترك بينها: لقد دعموا حكومة العمال والفلاحين الثوريين واعتبروا المساعدة التي قدمتها القوات السوفييتية بمثابة عمل أُممي ثوري. وجه هذا الموقف ضربةً خطيرةً الا الامبريالية وحطمت آمالها.
في تشرين الثاني عام 1956، كان على الاتحاد السوفييتي أن يتحمّل أعباؤً ثقيلة على جبهة أُخرى للنضال من أجل السلام والتقدم. بالتوازي مع القتال في هنغاريا، ارتكبت بريطانيا وفرنسا عملهما العدواني بالهجوم على مصر. شكّلَ تأميم قناة السويس تهديداً خطيراً للربح الرأسمالي، وكان مثالاً مُشجعاً لنضالات التحرر الوطني في الدول المُستعمرة. اعتبرت القوى الامبريالية الكُبرى الشرق الأوسط منطقةً استراتيجيةً هامة. وكانت القواعد العسكرية الامبريالية تُشكل تهديداً مُباشراً لأمن الدول الاشتراكية ولشعوب الدول العربية التي تُناضل من أجل استقلالها الوطني. ان الدافع لاستعادة السيطرة على قناة السويس وتوجيه ضربة عسكرية من شأنها أن تُعلّم مصر درساً، قد عكَسَ المصالح الامبريالية. كما تم تصميم هذا العدوان لتلقين حركات التحرر الوطني درساً قاسياً. ولأسبابٍ مُماثلة دعمت ادارة الولايات المتحدة ضمناً الاجراءات الانتقامية التي اتخذتها بريطانيا وفرنسا.
أثناء الصيف والخريف، بينما كانت المفاوضات الساعية الى حلٍ سلمي لمشكلة قناة السويس جاريةً داخل وخارج الأمم المتحدة، انشغلت الحكومتان البريطانية والفرنسية في التحضير لعملٍ عسكري. لقد استخدمتا اسرائيل كطعم. في أيلول وتشرين الأول تسببت اسرائيل في توترٍ شديدٍ في الشرق الأوسط من خلال سلسلة من الأعمال الاستفزازية ضد الأردن. تظاهرت بريطانيا بأنها تريد أن تتبنى اجراءات انتقامية ضد اسرائيل، لكن في الواقع، قامت فرنسا، بعد اتفاق مع بريطانيا، بتسليم أسلحة الى اسرائيل. وقد وضعت الحكومتان معاً سيناريو عملهما العسكري اللاحق.
في 23 تشرين الأول، توجه وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو Christian Pineau الى لندن حيث تمت الموافقة على الخطط. ثم بدأوا الهجوم على مصر. في 25 تشرين الأول، قامت اسرائيل بتعبئة عسكرية داخلية وشنت هجوماً على مصر بعد 4 أيام. في 30 تشرين الأول، وجهت الحكومتان البريطانية والفرنسية انذاراً الى الأطراف المتحاربة "للدفاع عن حركة مرور دون عوائق على طول قناة السويس"، وطالبتا اسرائيل ومصر بسحب قواتهما لمسافة 16 كيلومتراً على جانبي الممر المائي. كان هذا الانذار الغريب يتطلب من مصر سحب قواتها لمسافة 161 كيلومتراً من حدودها. رفضت مصر هذا الانذار المُخزي. في 31 تشرين الأول هاجمت القوات البريطانية والفرنسية مصر جواً وبحراً، واخترقت منطقة القناة.
توقّعَ المُعتدون البريطانيون والفرنسيون نجاحاً مُبكراً. لقد حددوا توقيت هجومهم بعناية. كانوا مقتنعين بأن حلفاء حركة التحرر الوطني المستعدين والقادرين على تقديم المساعدة لهم، أي منظومة الدول الاشتراكية سيكونون مشغولين بالأحداث في هنغاريا. ان تزامن مواعيد العدوان الثلاثي على مصر والثورة المضادة الهنغارية يشهدان على دقة التوقيت. بدأ كُلِ من الحدثين في 23 تشرين الأول. في 28 تشرين الأول، عندما تقدّم البريطانيون بما يُسمى بـ"المسألة الهنغارية" الى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كانوا يقومون في نفس الوقت بتشجيع اسرائيل لشن هجوم على مصر. في 31 تشرين الأول، عندما احتفلت الرجعية الهنغارية بالنصر، بدأ الهجوم الامبريالي البريطاني والفرنسي على مصر.
لقد كان الامبرياليون الفرنسيون والبريطانيون يُخططون أن على مصر أن تركع على رُكبتيها في غضون يومين أو ثلاثة أيام (29-31 تشرين الأول) بحساب أنه بحلول الوقت الذي ستتعافى فيه القوى التقدمية الدولية، سيتم وضع الانتصار على مصر أمامهم كأمرٍ واقع. في المراحل الأولى فكرت الادارة الأمريكية أيضاً في مثل هذا الأمر الواقع، ولكن بحلول الأول من تشرين الثاني، كانت هناك تغيرات في الموقف الأمريكي، واتخذت خطوات تهدف الى ايصال العدوان الثلاثي الى نهايته واستغلال الموقف لصالحها.
في أوائل تشرين الثاني كانت الامبريالية الأمريكية معنيةً بتأمين انتصار الرجعية في هنغاريا. لقد أعطت لهذا الهدف أولويةً قُصوى بايمانها بأن مصالحها العامة والمباشرة ستُلبّى وقبل كل شيء بضربة موجهة ضد الاشتراكية واضعاف صفوفها. بالنسبة لقادة الولايات المتحدة، كانت النقطة الرئيسية المطروحة بلا شك هي مسألة الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. لقد حظِيَ البيان الذي أدلى به وزير الخارجية جون فوستر دالاس في اجتماع عُقِدَ في غرفة الرئيس ايزنهاور في الساعة 9 صباحاً من يوم 1 تشرين الثاني باتفاق من جميع المشاركين: "...ليس الأمر أقل من مأساوي في هذا الوقت بالذات، عندما نكون على وشك تحقيق انتصار هائل ومأمول منذ فترةٍ طويلةٍ على الاستعمار السوفييتي لأوروبا الشرقية، أننا مضطرين الى الاختيار بين اتباع خُطى الاستعمار الانجلو-فرنسي في آسيا وافريقيا، أو أن نفصل مسارنا عن مساره (أي مسار ذلك الاستعمار)"(104).
في تلك المرحلة، كان قادة الولايات المتحدة غاضبين بالفعل من الفشل الانجلو-فرنسي، أو ربما بشكلٍ أكثر دقة، من حقيقة أن أعمالهم أخذت وقتاً أكثر مما يجب. قام الشعب المصري بمقاومةٍ بطولية حشدت بدورها كل الشعوب العربية، وحشدت عدة دول عربية مثل سوريا والأردن ولبنان قواتها لاظهار تضامنها مع مصر في معركتها ضد العدوان. دَفَعَ هذا الظرف قادة الولايات المتحدة الى تغيير مسار الأحداث. في رسالة وجهها الرئيس ايزنهاور الى انتوني ايدين Anthony Eden، حذّرَ فيها رئيس الوزراء البريطاني من أن الوضع قد يُثير خطراً على الامبريالية ككل: "يجب أن أقول أنه من الصعب بالنسبة لي أن أرى أي نتيجة نهائية جيدة تنبثق من مُخطط يُثير استعداء العالم العربي بأسره. في الواقع، انني أجد صعوبة في رؤية أي نتيجة على الاطلاق اذا بدأ العرب بالرد، مثلما فَعَلَ سكان افريقيا الشمالية ضد الفرنسيين"(105).
كانت ادارة الولايات المتحدة خائفةً بشكلٍ خاص من أن العالم العربي قد يحصل على مساعدة فعّالة من الاتحاد السوفييتي وأن هذا من شأنه أن يُضعف المواقف الامبريالية في الشرق الأوسط الى حدٍ كبير. صرّحَ ايزينهاور: "لا يُمكننا أن نسمح للاتحاد السوفييتي بتولي زمام القيادة في النضال ضد استخدام القوة في الشرق الأوسط، وبالتالي ليس علينا أن نجعله يكسب ثقة الدول المُستقلة حديثاً في العالم. لكن من ناحية أُخرى، لم أرغب بأي حالٍ من الأحوال أن أصِفَ البريطانيين والفرنسيين بأنهم مُعتدين بلا أي مُبرر"(106). كانت هذه هي الاعتبارات التي كانت موجودة في ذهن الادارة الأمريكية عندما تصرّفَت بسرعة واتخذت زمام المبادرة في الأمم المتحدة للعمل ضد عدوان السويس.
في الساعات الأولى من يوم 2 تشرين الثاني، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الأمريكي الذي يدعو الى وقف فوري لاطلاق النار. وطالب القرار بوقف الأعمال العدوانية على الفور، ونصّ على انسحاب المُعتدين دون تأخير الى ما وراء خطوط الهدنة العربية الاسرائيلية عام 1948. وأيّد الاتحاد السوفييتي، الذي أدان العدوان الثلاثي، القرار، حيث كان مناصراً لنضال الشعب المصري البطولي. أدى ذلك الى بروز وضع غريب في الأمم المتحدة: صوّت الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة معاً بشأن قضية الهجوم على مصر، وان كان ذلك على أساس اعتبارات مُختلفة طبعاً، بينما كانا في نفس الوقت في صراعٍ حاد حول تقييمهما للأحداث الهنغارية وكيفية تأثيرها على مصير الشعب الهنغاري.
تجاهلت قوات العدوان الثلاثي قرار الأُمم المُتحدة. استمرت الغارات الجوية على المُدن المصرية، وأُنزِلَت القوات المحمولة جواً على بور سعيد، وكانت كُل الدلائل تُشير الى أن المُعتدين يريدون توسيع الصراع.
قرّرَ الاتحاد السوفييتي، بدعمٍ من الدول الاشتراكية الأُخرى، اتخاذ خطوة حاسمة. عندما بدأت القوات السوفييتية بناءاً على طلب من حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغارية، بسحق العصابات المُسلحة المُعادية للثورة دفاعاً عن الاشتراكية في 4 تشرين الثاني، أرسَلَت الحكومة السوفييتية انذاراً نهائياً في 5 تشرين الثاني الى المُعتدين الذين يُهاجمون مصر. صاغَ رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي المارشال نيكولاي بولغانين انذاراً في مُذكرة: "ان الحكومة السوفييتية مُصممة على استخدام القوة لتدمير المُعتدين واستعادة السلام في الشرق الأوسط".
في 6 تشرين الأول، أعلَنَت بريطانيا وفرنسا أنهما على استعداد لقبول وقف اطلاق النار. لقد انتهى العُدوان الثُلاثي على مصر بفشلٍ ذريع.
لقد أنصَفَ التاريخ الاتحاد السوفييتي والقوى التقدمية التي اتحدت في النضال ضد الامبريالية على كِلا الساحتين.

97- D. Varga: op. cit., pp. 68-69 and p. 95
98- Fontosabb adatok az 1956. oktober-decemberi idoszakrol (Important Data about the Period between October and December 1956). Central Statistical Office, Budapest 1957, p. 47
99- D. D. Eisenhower: op. cit., p. 82
100- يكتب جـ. مولنار في احد دراساته: "شكّل مجموع الجماعات المسلحة المتنوعة بحلول 4 تشرين الثاني ما بين 8000-10000 شخص، كان 70% منهم بلا شك من عناصر البروليتاريا الرثة"
Szdzadok (Centuries). 1956, Issue No. 6
101- Budapest Military Court T. B. B. Volume 2047/1959
102- D. D. Eisenhower: op. cit., p. 67
103- Magyar Szo (Hungarian Word). Novi Sad, November 5. 1956. Statement by the Yugoslav News Agency TANJUG on November 4
104- D. D. Eisenhower: op. cit., p 83
105- Ibid„ p. 81
106- Ibid., p. 83

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني