دَورُ الشَّعبِ في حِمايةِ السُّودانِ من سد النَّهضة..!

فيصل عوض حسن
2021 / 4 / 8

حُظِيْتُ بالمُشاركة في برنامج "مصر النهاردة"، للإعلامي مُحمَّد ناصر على قناة مُكمَّلين يوم 5 أبريل 2021، ومن ضمن المُشاركين معنا أحد القانونيين الإثيوبيين، وكان يتحدَّث بصلفٍ لافت. فحاول الأستاذ ناصر تلطيف الأجواء، ومعرفة وجهة نظر (الإثيوبيين العاديين) بشأن السد، ومدى تعاطفهم مع (المُتضررين) منه، فسأل الضيف الإثيوبي نصاً: أنت كـ(مواطن إثيوبي)، ما رأيك في تضمين بند لاتفاقيَّة سد النَّهضة يُوثِّق لـ(مسئولِيَّة) إثيوبيا عن أي ضرر يترتَّب على سد النهضة و(التزامها) بتعويض المُتضرِّرين منه؟!
الضيف الإثيوبي راوغ ولم يُجِب عن السؤال، وأيَّدَ حكومته وإصرارها على الاستمرار في سد النَّهضة، دون مُراعاةٍ للسُّودان (المُتضرِّر الأكبر)، بينما نحيا نحن السُّودانِيُّون في غفلةٍ مُميتة، دون تقديرٍ لمخاطر هذا السَد وتهديداته الكارثِيَّة لبلادنا، سواء على الصعيد السياسيِّ/السياديّ والأمنِي – الاستراتيجي، أو الاقتصادِي والاجتماعي والبيئي، وذلك بفعل (التضليل) السَّابق، للبشير وعصابته وإعلامهم المأجور وبعض كُتَّاب الغَفلة، ومن بعدهم الحُكَّام الحاليين (عَسْكَر/مدنيين)، الذين صنعوا فوائد خُرافِيَّة للسد غير مسنودة (علمياً/قانونياً)، واختزلوا إشكالِيَّاته الخطيرة في الملء والإدارة والتشغيل، وصرفوا الأنظار عمداً عن كوارثه الحقيقيَّة، كتهديد وجود السُّودان وأمنه المائي، وعدم (التزام) إثيوبيا بالتعويض عن الأضرار، أو وجود آلية واضحة و(مُوثَّقة) لحل المُنازعات، مع السماح لإثيوبيا بالاستمرار في البناء والتشييد والملء، وهذا كله بسبب اختلالات اتفاقِيَّة السد المُوقَّعة في 23 مارس 2015، التي يستند عليها الإثيوبيُّون في جميع تجاوُزاتهم. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، أهمَلَ الإثيوبيُّون دعوة الاتحاد الأفريقي بعَقْدِ اتفاقٍ (مُلْزِمٍ) لملءِ وتشغيلِ سَدِّ النَّهضة، وأعْلَنوا في إجراءٍ أحادي إنجاز العام الأوَّل للملء يوم 21 يوليو 2020، وادَّعوا بأنَّهم يملكون النِّيل الأزرق وأنَّهم سيبنون المزيد من السدود، واستمرُّوا في التَوَغُّل داخل أراضينا والذي لم يتوقَّف على الفشقة، وإنَّما شمَل منطقة (الدِنْدِرْ)، وفق تصريحات مُمثِّل المنطقة في البرلمان يوم 2 يناير 2018.
في ما اكتفى حُكَّام السُّودان الحاليين بـ(الانكسار) للإثيوبيين، وتكثيف (تضليلاتهم) على الشعب السُّوداني، وصَرْف أنظاره بتمثيلياتٍ (هايفة)، لم ولن تُوقف الإثيوبيين أو تحمي بلادنا من مخاطر سَدِّهم الكارِثِيَّة، كتصريحات مُسْتَوْزِر الطاقة في 11 يوليو 2020 (بحضور مُسْتَوْزِر الرَّي)، عن فوائد سد النَّهضة الكبيرة للسُّودان، وتأكيده على (توقيع) اتِّفاقِيَّتين إحداهما مع إثيوبيا لتوفير 3000 ميقاوات كهرباء، والثانية اتِّفاقِيَّة إقليميَّة تضم خمس دول، يحصل بمُوجبها السُّودان على 1000 ميقاواط! ولم يُوضِّح طبيعة كهرباء الاتِّفاقِيَّة الثُنائِيَّة مع إثيوبيا، في ما إذا كانت (مَجَّانِيَّة)، أم (إكراميَّة) مُقابل مُوافقتنا على السد! ولماذا (صَمَتَ) مُسْتَوْزِر الرَّي ولم يُعلن ذلك أو على الأقل يُؤكِّده؟ كما لم يُوضِّح متى وأين تمَّ توقيع تلك الاتِّفاقِيَّات (أياً كان نوعها)، ولماذا وُقِّعَت (سرِّيَّاً) ومن وَقَّعها، ومن رُعَاتها وشهودها الدوليين/الإقليميين، وأين الاتِّحاد الأفريقي وخُبرائه ومُراقبيه من تلك الاتفاقيات؟! والأخطر من كل هذا، أنَّ حُكَّام السُّودان الحاليين عموماً، وحمدوك ومُسْتَوْزِر الرَّي خصوصاً، يتجاهلون عمداً الحديث عن سلامة السد، ونِسَب/احتمالات انهياره، والإجراءات/التدابير التي اتَّخذوها أو سيتَّخذونها إذا حدثت هذه الكارثة، وهذا احتمال يظل وارداً ولو بنسبة قليلة، فماذا هم ونحن فاعلون وقتها؟!
إنَّ أي حديث عن سد النَّهضة، ينبغي أن ينطلق من محورين أساسيين، المحور الأوَّل هو الفني وتُمثله دراسات السد، سواء الخاصة بجدواه أو بـ(آثاره) على كافة الأصعدة. والمحور الثاني هو القانوني، وتُمثِّله حتَّى الآن الاتفاقيَّة الإطاريَّة المُوقَّعة عام 2015. والواقع، أنَّ جميع الآراء الواردة بشأن (فوائد) السَّد الخُرافِيَّة، مُجرَّد (أقاويل) دون أي أساس علمي رصين، أو سند قانوني واضح و(مُوثَّق)، حيث اتَّسَمَت جميع بنود الاتفاقيَّة الرسميَّة الوحيدة المُعَلَنة للسد بـ(الضبابيَّة)، وخَلَت تماماً من أي نُصوص (تُلْزِم) إثيوبيا أو تُؤكِّد مسئوليتها، عن تأمين وسلامة السد والتعويض عن مخاطره، أو حجم الكهرباء وأسعارها وغيرها من المُتطلَّبات، ولا تُوجد آلية واضحة ومعلومة لحل النزاعات ولا الوساطات المُتعلِّقة بها، بما يُفسِّر (تَعنُّت) إثيوبيا الماثل! كما لم تُجْرَ دراسات (مُخصَّصة) لآثار وانعكاسات السد، خاصَّةً البيئيَّة والاجتماعيَّة والاجتماعِيَّة على (السُّودان)، ورُبَّما أُجْرِيَت وتمَّ (إخفاؤُها). والمُفاوضات السَّابقة والجارية الآن أو حتَّى المُستقبليَّة، غير مُجدية إطلاقاً، ما لم تُجْرَ تعديلات قانونِيَّة (جوهريَّة/مُلْزَمة) لإثيوبيا، برعاية دولِيَّة/إقليميَّة معلومة.
لقد وَاصَلَ حَكَّام العَسْكَر (صَمت) البشير المُخزي على احتلال أراضينا، وتَجَرَّأ حمدوك وخاطب مجلس الأمن الدَّوْليّ وجَعله (وَصياً) على السُّودان، حينما طَالَبَ بإدخال البلد بكامله في البند السادس، ولم يجرُؤ على مُخاطبتهم بذات الطريقة لإنهاء الاحتلالين الإثيوبي والمصري لأراضينا. وها هم (عَسْكَر/مدنيين) يتعاملون بـ(استهتارٍ/عَمَالةٍ) مفضوحة، مع المخاطر السِياديَّة/الوَجَودِيَّة لسدِّ النَّهضة، و(يتغافلون) عمداً عن الحل النَّاجع/الفَعَّال والآمن لحسم هذا الموضوع، وهو المُطالبة باسترجاع إقليم بني شنقول (السُّوداني) لمُقام عليه السد، والذي (آلت إدارته) لإثيوبيا بمُوجب اتفاقِيَّة 1902. وهو الحل الأسرع والأكثر أماناً ويُحقِّق أكثر من هدف، أوَّلها مُعالجة هذا الخطأ التاريخي وإنقاذ أهلنا من الصَلَف والقمع الإثيوبي، وثانيها حَسم تهديدات سد النهضة نهائياً، خاصَّةً عقب إقرار إثيوبيا (المُتكرِّر) بعدم الاعتراف بالاتفاقيات السَّابقة ومن ضمنها اتفاقِيَّة 1902، ويُمكننا إشراك بريطانيا كشاهد إثبات، وفق ما حدث في مُنازعات العديد من الدول التي كانت مُسْتَعْمَرَة، ومجلس الأمن سيكون مُلزماً بالبت في هذه الشكوى لو قُدِّمت رسمياً. وكخطوةٍ احترازِيَّة لـ(تثبيت) حقوقنا التاريخيَّة، إذا تخاذل حُكَّام السُّودان (عَسْكَر/مدنيين) عن تقديم الشكوى أعلاه (كما أتوقَّع ذلك)، أُجَدِّد دعوتي السابقة للقانونيين، لإعداد مُذكِّرات قانونيَّة دوليَّة/إقليميَّة رصينة، لاسترداد بني شنقول، أُسوةً بالكيانات الإثيوبيَّة، التي قَدَّمت مُذكِّرة لأمين الأُمم المُتَّحدة منذ سنوات، رفضاً للخروج من أراضينا التي أحتلُّوها عُنوةً، وأجبروا رئيس الوُزراء السابق (ديسالين) على الالتزام/التعهُّد أمام برلمانه، بعدم اتخاذ أي خطوة بشأن الحدود إلا بالرجوع للشعب (تجدون أدناه روابط العريضة الإثيوبيَّة+تفسيرات ديسالين للبرلمان والإعلام)!
الشعبُ السُّوداني أمام خطر (وُجودي) حقيقي، يُحتِّم علينا استلام زمام المُبادرة، والحزم والتعامل بالعقل والقانون بعيداً عن العواطف، ومُتابعة كافَّة التفاصيل ودراسة أي اتِّفاقِيَّة جديدة قبل توقيعها باسمنا، وعدم الوثوق في حُكَّامنا وأزلامهم الذين أغرقونا في الأكاذيب، وضَلَّلونا وصرفوا أنظارنا (وما يزالون)، عن مخاطر السَّد وتهديداته (الوُجُودِيَّة/السِيادِيَّة). ولنعلم بأنَّنا كـ(شعب) الضحايا الحصريُّون لهذا السد، ونحن المعنيُّون بحماية أنفسنا باتِّفاقاتٍ (قانونِيَّةٍ) واضحة، وتثبيت حقوقنا المائِيَّة وحماية أمننا المائي، وضمان تعويضنا عن أي أضرار تُصيبنا حالياً ومُستقبلاً.
إنَّها فرصتنا الأخيرة وعلينا انتهازها وعدم إهدارها، ولنبتعد عن المأجورين والمُتخاذلين، ولنتجاوز أكذوبة العلاقات الشعبيَّة وغيرها من التُرهَات، فالسيادة الوطنيَّة ومُستقبل أولادنا وسلامتهم، تَسْبِق العلاقات الشعبيَّة التي يجب أن تستند إلى (الاحترام) المُتبادل و(المنافع) المُشتركة.





الروابط:
1) العريضة الإثيوبيَّة https://ecadforum.com/2015/12/16/petition-letter-to-un-secretary-general/
2) تفسيرات ديسالين للبرلمان http://www.sudantribune.com/spip.php?article57496
3) الحلقة الكاملة لبرنامج مصر النهاردة يوم 5 أبريل 2021 https://www.youtube.com/watch?v=CPNpZzZY5Cg

نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني