الشيطان النبيل

فاتن نور
2021 / 4 / 8

انتقل العقل الغيبي في تصوراته البدائية عن الكون، من مرحلة الآلهة المتعدّدة، إلى مرحلة الإله الواحد القاهر المطلق. ومع تبلور التصور التوحيدي، كان لابد للعقل الغيبي من اختزال الشر بكائن واحد يجسّده في صراعه الكوني مع قوى الخير، ويحرّض على اقتراف الآثام وارتكاب المعاصي.
فبرزت شخصية "الشيطان" في المخيال البشري، تطورّت وتمركزت في معتقداته المنظمة. التي هالت على شخصيته صفات جهنمية متعالية، فهو المخلوق من النار كونه من قبيلة الجان، وهو المتعبّد المتشدّد الذي لفت انتباه خالقه بفرط عبادته، فرفعه من الأرض الى الملأ الأعلى تكريماً له.
يبدو، ومن خلال أدبيات الأديان ومروياتها، أن الشيطان مخلوق نبيل للغاية، فقد فاز بجدارة بإعجاب الله ورضاه.
المثير فعلاً في قصته، هو إن عبوديته لله وتكريم الله له برفعه الى الجوار؛ لم يصهر شخصيته ويذيبها في ثقافة المجتمع السماوي. وفي وسط ملائكي مسخّر تماماً لله، وسط لا يتصف بذكورة أو إنوثة، لا تتجاذبه مطامع أو رغبات، ولا ترتكَب فيه الخطايا والمعاصي لأنه خارج دوامات الصراع من أجل البقاء ذات الطابع المادي الدنيوي.
الشيطان لربما أول مخلوق عاقل، استطاع أن يفكر، وشعر بكينونة مستقلة عن الجماعة. أول من وثب لسبر السائد والمألوف في محيطه السماوي ببصيرة ثاقبة. حيث استنفر ملكاته، ومضى لتخليق تجاربه الخاصة وانتاج خبراته بمعزل عن قيمومة الإله المباشرة، ومن أجل انتاج معرفة حقيقية غير مستعارة بالنقل والاكتساب، ولم تخذله شجاعة أو جرأة لخوض تجربته الأولى، والتي جاءت بصيغة تمرد سلمي ضد السجود لآدم، والذي خلقه الله ليكون خليفة للجن في الأرض بعد أن صعدوا هم إلى السماء، وليس خليفة له في الأرض كما يشاع، لأن الله موجود في كل مكان، بالمنظور الديني، والخليفة لا يأتي إلا بعد فناء المخلوف وانقطاع أثره في الزمكان.

وبعد رفضه السجود، صار أسمه أبليس، فالخروج عن الجماعة مكلّف منذ البدء. أبليس بمعنى أنه أبلس من رحمة الله. على وزن أفلس، وبنفس المعنى تقريباً، علماً أن أبليس مشتقة من الفعل بلس بمعنى طُرِد. والطرد إفلاس بمفهوم الطارد.
لم يكن رفضه اعتباطاً فهو مخلوق نبيل الأصل، حسن الصيت والسمعة، واسمه في بعض الميثولوجيات الدينية "عزازيل" وهو من اشراف الملائكة ومن ذوي الأربعة أجنحة ضمن الملل السماوية.
وكان بمقدوره تبرير رفضه بالحجة والمنطق. مما جعله أول عبقري على وجه الخليقة يستخدم المنهج العقلاني في المحاججة. فقد تمكن من تبرير رفضه السجود بثلاث علل منطقية.
أما الأولى، فكانت حرصه على أمر الله العام بعدم السجود لغيره، والمحافظة عليه من الانزياح والتفكّك، لأن السجود من لصق المخلوق بالخالق وليس المخلوق بالمخلوق.
وأما الثانية، فهي الاختلاف التكويني البيّن بين النار والطين؛ فالنار تفخر الطين وتمدّه بالقوة والصلابة والقدرة على الاحتواء، فكيف يسجد مخلوق من نار كرّمه الله واصطفاه لعليائه، إلى مخلوق من طين ليّن البنية، سهل التشكيل والتكسّر. والعلة الثالثة هي علمه المسبّق بأن ذرية آدم ستفسد وتسفك الدماء، فكيف يمكنه السجود لكذا مخلوق مفضوح الهوية حتى قبل أن تتشكل هويته الأرضية، سيما أن المجتمع السماوي، كان قد عبرّ عن استغرابه من تصرف الله وسألت ملائكته: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.

ولكن ماذا فعل الله أمام أول تمرد ظهر في محيط عرشه العظيم؟
مع أن الأديان الإبراهيمية قدمت الله كحاكم ديكتاتوري ميكافيلي غاياته تبرر وسائله؛ لكن ميكافيليته هذه المشاعة حيفاً، لم تجره إلى قتل الشيطان بصفته رافضي مرتد. إنما سلك مسلكا إلهياً ذكيّاً، يليق بعظمته، مستثمراً ظاهرة التمرد التي بدأها الشيطان وأبلس بها تمويهاً، لصالح جديد خلقه، آدم. عن طريق تسخيرها لذريته عبر منهج "الوسوسة" وذلك من أجل تحقيق التوازن بين الأنا العليا الواعية جزئياً أو محكمة الضمير، والهو غير الواعية أو Ego وهي مكمن الرغبات والغرائز المكبوتة؛ والخروج عمّا يهتك العقل ويكبح الجسد بالأنا الواعية في التعامل مع البيئة الأرضية وخصائصها.

أما ثنوية "الرفض والتمرد" فجعلها تبدو من باب التمويه ليس إلاّ، كمعصية. وكأنه يريد أن يقول لذرية آدم؛ إنه لمن المعصية أن يرفض القديم السجود لجديد، ومن المعصية التشبث بثوابت القديم ومرتكزاته الفكرية والأخلاقية لأن الحياة تتغير باضطراد ولا ثبات فيها، فالثبات جمود والجمود موت.

وإذ فتح الخالق بوابة التمرد على مصراعيها، من منطلق هذا التصور؛ فأنه من المحتمل والوارد جداً أن يتكرر التمرد في حياة الآخرة فلا تكون الآخرة آخرة بالمشاع من التسطير، بل بداية لحيوات أو فصول آخريات من فصول الخلق والخليقة، وقد يبدأ الفصل الأول بتمرد الحور العين على إثر دخول الفرقة الناجية الى الجنة، وهبوطهنّ إلى الأرض هرباً من ممارسة العنف النكاحي ضدهنّ. وهذا النوع من العنف يوظفه الله لتثوير الوعي الآخروي وتخليق دورة حياة جديدة متعالية على سابقتها.

وطالما بدأ التمرد في السماء بنبل الشيطان وعقليته الديناميكية، وفيما إذا لحقه تمرد الحور العين، فلسوف يبدأ عالم جديد مختلف تماماً، عالم يشبه صفات الحور بجماله وكماله. وتبدأ حياة مثمرة مفتوحة الآفاق بلا تخوم، رجالها قوامّون على تراث اسلافهم الذكوري بالمعرفة الواعية واليقظة الفكرية، ورجّامون لهويته السماوية المزوّرة.

التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد