بحث لغوي: من اللغات القديمة إلى السَّريانية

اسحق قومي
2021 / 4 / 8

إهداء

إلى الحقيقةِ أينما وحيثما وجدتْ
وإلى الساعين لتحقيقِ الحقِ والعدلِ والخيرِ والجمالِ
إلى أبجديتنا الأولى وعشتارِ الفصولِ
إلى جدتي التي أنتظرُ عُرسَها ولو بعدَ مليونِ عام
إلى بلادِ الشمسِ وما بينَ النهرين
أقدمُ بحثي هذا.

اسحق قومي
عشتار الفصول:12199

الفهرس

الإهداء....................................................................................
مقدمة....................................................................................
تمهيد....................................................................................
الشعوب السامية القديمة ونظريات نشوئها ...........................................
الشعوب السامية الأولى
1- الشعب السوباري.
2- الشعب السونارتو ( الشنعاري).
3- الشعب سومارتو( الآموري أو العموري).
ومنه انقسمت عدة شعوب:
1- آرام.2- كلدو.3- عرب الصحراء.
القسم الثاني من الشعوب السامية:
1- الكنعانيون .
2- العبرانيون ومنهم ينقسم:
العموريون والمؤآبيون والآدوميون
الحقب التاريخية للغات القديمة.
آ- اللغة السومرية ....................................................................................
ب- اللغات السامية القديمة ....................................................................................
اللغة الأكادية ....................................................................................
أقسام اللغة الأكادية ....................................................................................
1- اللغة البابلية....................................................................................
2- اللغة الآشورية....................................................................................
اللغة الكنعانية....................................................................................
أقسام اللغة الكنعانية:
الكنعانية الشرقية ....................................................................................
الكنعانية السينائية....................................................................................
الكنعانية الجنوبية وتُقسم إلى :
آ- لغة بيبلوس أو جُبيل.ومنها تأتي:
ب- اللغة الفينيقية .
الفرع الثاني من اللغة الكنعانية
رسائل تل العمارنة بمصر.
اللغة العبرية....................................................................................
اللغات التي تفرعت عن العبرية....................................................................................
1- لغة الآدوميون.2- لغة المؤآبيون.3-= لغة يهودا .4- لغة إسرائيل.
-الفرع الشمالي الغربي للغات السامية.
آ- الآرامية البدائية.
ب- الآرامية القديمة.
ت- الآرامية الرسمية.
اللهجات التي انطلقت من اللغة الرسمية .
( آرامية زنجرلي، آرامية كتاب عزرا .آرامية موزوبوتاميا( بلاد مابين النهرين).
آرامية بلاد فارس ، آرامية أفغانستان. آرامية باكستان .آرامية جزيرة العرب. آرامية مصر).
ومن اللغة الآرامية الوسطى يتفرع عنها:
آ- الآرامية الفلسطينية .
1- الآرامية النبطية.
2- آرامية وثائق قمران.
3- آرامية المربعات.
4- آرامية العهد الجديد.
5- آرامية المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس.
6- آرامية كُتب راباي المبتكرة .
ب- الآرامية المتأخرة ويتفرع عنها:
غربية ( السريانية الرهاوي).
المسيحية الفلسطينية والمسيحية السورية ولغة السامرة (لغة الترجوم الفلسطيني).
الشرقية :وهي لغة بلاد أشور وتنقسم إلى قسمين:
آ- السريانية اليعقوبية ـ لكنيسة السريان الأرثوذكس الإنطاكية.
ب- السريانية النسطورية.
ويتفرع عن السريانية الشرقية :
1- لغة التلموذ البابلي .
2- اللغة المندائية (الصابئة).السريانية.
اللغة الآرامية المتأخرة:
تتواجد في بلدات معلولا وجعبدين وبقعا.
ومن الآرامية الحديثة. آرامية بلاد آشور ( نينوى والموصل).
( آرامية طورعبدين، وآرامية كردستان، وآرامية أذربيجان) .
- اللغة العربية:العربية البدائية.
-وتنقسم إلى جنوب غربي وجنوب شرقي.
- العربية الشمالية.
-العربية الكلاسيكية .
- السامية الجنوبية الشرقية (السبئية والقتبانية والحضرمية ).
ويتفرع عنها الجنوبية العربية الحديثة التي يتفرع عنها عدة لغات.





مقدمة
إذا كانتِ الغايةُ من الكتابةِ مجردَ فنتازيا، فالأمرُ مختلفٌ عنهُ فيما إذا كانتْ همّاً وجسراً تعبرُ من عليهِ ملايينُ الأفكارِ التي تُشكلُ وزناً نوعياً لمادةٍ بحثيةٍ هي في غايةِ الأهميةِ بالنسبةِ أقلَ ما يمكنُ للشخصِ الكاتبِ نفسهِ لكونهُ لا يراها بعينٍ كما بقيةُ من مروا على تلكَ الفكرةِ نفسِها. وبعضُهم لم يكلفْ نفسَهُ أن يفكرَ بجديةٍ حولَ حقيقةِ أمرِ لغةٍ هامةٍ بالنسبةِ لهُ، ولمستقبلِ الأجيالِ التي تتحدثُ بها وتسمعُ عبرَها. مع العلمِ ما لهذا الأمرِ من مؤثراتٍ في الواقعِ الاجتماعيّ والذاكرةِ الجمعيةِ والتاريخيةِ والمستقبليةِ لأجيالٍ نثقُ أنها بحاجةٍ إلى من يُضيء لها الدروبَ. وإذا لم نضعْها أمامَ أبحاثٍ رصينةٍ في أمورٍ عديدةٍ فأعتقدُ أنها ستعيشُ أقسى رحلةٍ جماعيةٍ تشبهُ في الحقيقةِ ذاكَ التيهَ الذي عاشهُ موسى وشعبُ بني إسرائيلَ .
من هنا تكمنُ أهميةُ التفكيرِ في بحثٍ حولَ جوهرِ اللغةِ السريانيةِ أو الآراميةِ التي نتحدثُ بها لهجاتٍ شرقيةٍ وغربيةٍ، سوريةٍ وعراقيةٍ وطورعبدينيةٍ وفي معلولا وجبعدين. نكتبها بأبجديةٍ واحدةٍ وبخطوطٍ معينةٍ. أجل هي مبتدأُ تفكيرنا، وحقيقةُ واقعِنا، ومعبرةٌ عن أحلامِنا، سفينةٌ تجمعُنا مع لغاتٍ محليةٍ وعالميةٍ، وإنسانُها مفكرٌ وشاعرٌ وعبقريٌّ ومنهُ فلاحٌ مجدٌ ومزارعٌ حصدَ بيادرَ العمرِ ولم يكلّ. ومن خلالِ لهجاتِها نرى التباعدَ بينَ الإخوةِ وأولادِ العمومةِ. من هنا يتبينُ لنا خطورةُ الفكرةِ التي نُحاولُ البحثَ والنبشَ بها وعنها.
في الحقيقةِ كثيراً ما ترددتُ في أن أكتبَ في هذا البحثِ الشائكِ والمليء بالمتفجراتِ والقنابلِ الموقوتةِ وغيرِ الموقوتةِـ والأسلاكُ الشائكةُ التي أراها موجودةٌ على أرضِ الواقعِ .
وهناك جملةُ أسبابٍ تدفعني لهذا القولِ مع التأكيدِ أنّ جميعَ الآراءِ والأفكارِ التي طُرحتْ - من خلالِ محاضراتٍ وأبحاثٍ وربما كُتبٍ - حتى اليومَ حولَ اللغةِ السريانيةِ الآراميةِ الآشوريةِ كلِّها لا تؤسسُ لمدرسةٍ شاملةٍ جامعةٍ مانعةٍ تقتنعُ بها أغلبُ مكوّناتِ شعبنا .
ومن جملةِ الأسبابِ والدواعي التي كانتْ دافعاً لهذا البحثِ هو أنني وجدتُ أنّ اللغةَ السريانيةَ التي هي في حقيقتها آراميةٌ في أبجديتِها وتطورِها لدى أهلِها والناطقين بها. كانوا قد قَبِلوا بأن تُسمى السريانيةَ بحسبِ ما أطلقهُ عليهم وعلى لغتهم المحتلُ الإغريقي ذاتَ يومٍ ويعودُ الأمرُ إلى 312 قبلَ الميلادِ. وأما ما وجدتهُ لدى الشرقيين من أبناءِ شعبِنا فهذهِ اللغةُ متغربةٌ في الاسمِ والهويةِ عندهم . لا يعترفون بهويتِها ولا تسميتِها بل يُسمونها بلغةِ أجدادِهم الآشوريين الذين كانوا يتحدثون اللغةَ الأكاديةَ (لهجةَ آشورَ) قبلَ أكثرَ من ألفين وخمسمئةِ سنةٍـ. وهذا الخلافُ الكبيرُ بينَ أهلِها أبناءِ سوريةَ الكبرى وبلادِ ما بينَ النهرين وأخصُّ أرضَ آشورَ يتجذرُ بينَ العامةِ والخاصةِ، بينَ الكنائسِ بتسمياتِها الطائفيةِ وما بينَ الشعبِ، بينَ المثقفين أو مَن يدعون بالثقافةِ، وبينَ الباحثين .
أقولُ هذا من خلالِ خبرةٍ حقيقيةٍ عرفتها منذُ أن كنتُ في سوريةَ ولكنها ظهرتْ جليةً واضحةً لي عندما تمَّ قبولي كباحثٍ في المؤتمرِ العالمي الثاني للغةِ الآراميةِ السريانيةِ الذي دعتْ إليهِ جامعةُ القاهرةِ كليةُ الآدابِ عامَ 2016م. والدعوةُ كانتْ مقدمةً من عميدِ كليةِ الآدابِ الأستاذِ الدكتورِ معتز سيد عبدالله، ومع العلمِ أعرفُ منهجيتي في البحثِ عن الموضوعِ الذي تمَّ تعيينهُ ويخصني، وعليّ أن أبحثَ بهِ وهو الترجمةُ في العصرِ العباسي الثاني. ولأنني أريدُ أن أحيطَ بمعلوماتٍ واقعيةٍ من خلالِ أشخاصٍ وأكثرَ من فضاءِ الباحثِ ككلٍّ فقد ارتأيتُ أن أتواصلَ مع ثلةٍ ممَن أثقُ بأنهم أصحابُ خبرةٍ في شأنِ اللغةِ الآراميةِ السريانيةِ بلهجتيها الشرقيةِ والغربيةِ. ولكن في الحقيقةِ صُدمتُ من أحدهم وأيّ صدمةٍ على الرغمِ من الاحترامِ الذي يجمعُنا سويةً منذُ عشراتٍ من السنين. وصرخَ قائلاً ومنفعلاً عن أيّ لغةٍ تتحدثُ. أجل قلتُ لهُ عن اللغةِ التي هي آراميةٌ أو سريانيةٌ. فأقامَ الدنيا ولم يُقعدها. ومثلُ هذا النموذجِ هناكَ المئاتُ ممَن يدعون بالثقافةِ فهذهِ النماذجُ بالحقيقةِ لا يمكنُ إقناعُها، إلا إذا تمتْ دراساتٌ حقيقيةٌ ضمنَ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ يسوي هذهِ المعضلةَ ليسَ في اسمِ اللغةِ وحقيقتِها بل في اسمٍ نطلقُهُ على شعبِنا ومن خلالِ هذا الهاجسِ كنتُ قد دعيتُ قبلَ أشهرٍ إلى مؤتمرٍ عامٍ هدفهُ التوصلُ إلى تسميةٍ موحدةٍ ولغةٍ واحدةٍ في اسمِها .
لهذا نرى أهميةَ الدوافعِ التي كانتْ سبباً في أن أُنجزَ هذا البحثَ، ولنا أن نتصورَ مدى الخلافاتِ إذا بقينا هكذا من دونِ حلٍّ للمعضلةِ. وأعتقدُ أنّ الجماعاتِ الحكيمةِ هي التي تُبادرُ لحلِّ مشاكلِها العالقةِ أفضلَ من أن تورثَ لأبنائها محطاتِ عِداءٍ وتفرقةٍ وتباعدٍ.
أما مَن سيتهمني ومنهم مَن سيُهاجمني، ومنهم مَن سيثيرُ الغبارَ عليّ. كلّ هؤلاءِ ومعهم بعضُ المتفلسفين ممَن يُجيدون لغتَنا ( شرقيةً كانتْ أم غربيةً) فهؤلاءِ أعدُّهم أصحابَ عواطفَ غيرِ ناضجةٍ في حكمِهم عليّ بعدَ قراءتِهم لبحثِي هذا. ومهما كانَ لن يشكلوا عقبةً أمامَ الحقيقةِ الواقعيةِ والموضوعيةِ التي نُحيطُ بها حتى اليومَ بالنسبةِ لموضوعِ لغتِنا هل هي آشوريةٌ أم كلدانيةٌ أم سريانيةٌ أم آراميةٌ؟!!
فاللغةُ فيما توصلتُ إليهِ آراميةٌ، سريانيةٌ، آشوريةٌ وعلينا أن نتفهمَ أثرَ التاريخِ والجغرافيا والسياسةِ في هذهِ التسمياتِ كافةً. وأرى أن أرسخَ هنا فكرةً تقولُ: إنّ الدليلَ الماديّ على أيّ حضارةٍ يكمنُ في أبجديتِها عندَ هذا القومِ أو ذاكَ وما تُخلفهُ من آثارٍ وعمرانٍ وعلومٍ وثقافةٍ لا يمكن أن تُخفى عن أعينِ التاريخِ مهما حاولَ أعداؤها أن يُغيبوها ولو بأن يردموا عليها تُرابَ الدنيا فستظهرُ ذاتَ يومٍ .
كما نذكرُ بأنّ منهجيتَنا البحثيةَ تقومُ على أن شرعيةَ أيّ بحثٍ علميّ تأتي من خلالِ مراجعَ ومصادرَ مختلفةٍ، وهذا الأمرُ لا يختلفُ عليهِ اثنان. ولكن لنوضحَ نقاطاً مهمةً في موضوعِ المصادرِ التاريخيةِ التي نستمدُ منها مادةَ توثيقِنا فقد تكونُ على أنواعٍ مختلفةٍ فمنها أولاً:
آ- ما يُسمى بالمراجعِ: ونعني بها الكتبَ والأبحاثَ والأوابدَ الحضاريةَ ونتائجَ التنقيباتِ الأثريةِ وحتى ما يُنشرُ في اليوتوب أو من خلالِ محاضرةٍ متلفزةٍ وجميعُ ما يمكنُ أن نسميَهُ مادةً حسيةً أو بصريةً أو مسموعةً والتي تُقدمُ لنا مادةً علميةً لتشكيلِ بحثٍ علميّ.
ب- المصادرُ: ليسَ كلّ بحثٍّ يمكنُ أن تُستمدَ مادتُهُ العلميةُ من نتائجِ الدراساتِ التنقيبيةِ وقراءاتِ اللغاتِ القديمةِ وفكِّ أسرارِها وطلاسمِها. فهناكَ مواضيعُ تدخلُ في الجانبِ العلميّ من خلالِ عمليةِ التوثيقِ عندما يكونُ أكثرُ من شاهدِ عيّانٍ يُحيطون بمعرفةٍ تؤدي غرضاً توثيقياً سواءً أكانتْ تلكَ الجزئيةُ ظاهرةً طبيعيةً أو اجتماعيةً أو تاريخيةً أو تنقيبيةً أو عاداتٍ أو تقاليدَ أو تواريخَ شفهيةً فكلُّها تُشكلُ مادةً علميةً لبحثٍ رصينٍ وتتوقفُ علميتُهُ على المنهجِ الذي يتبعهُ الباحثُ. ففي حالةِ شهودِ العيّانِ إذا التقتْ أفكارُ أكثرَ من واحدٍ من الشهودٍ حولَ هذهِ الفكرةِ أو تلكَ فيكونُ التوثيقُ هنا في حدودِ العلميةِ والواقعيةِ، لأنّ هناكَ جوانبَ عديدةً تخصُّ التوثيقَ العلميّ ولكننا لسنا بحاجةٍ إلى علماءِ آثارٍ أو أكاديميين يُقدمون لنا خبراتِهم وأبحاثِهم لنعتمدَها. لهذا نقولُ لمَن يظنُّ أنّ أيّ بحثٍ علميّ يجبُ أن ينطلقَ من العلماءِ والباحثين، ومَن لهم معرفةٌ حقيقيةٌ باللغاتِ القديمةِ وغيرِ القديمةِ ـــ مع عدمِ نكرانِنا لأهميةِ تلكَ المعرفةِ ـــ لكونِها تزيدُ من مشروعيتِها وأهليتِها عندما يكونُ كاتبُها وموثقُها يعرفُ عدةَ لغاتٍ فهذهِ فضيلةٌ أجل .لكن ليسَ كلُّ الأمورِ التوثيقيةِ تُقاسُ بهذا المقياسِ فهناكَ مواضيعُ بحثيةٌ تُعدُّ بكراً لم يسبقْكَ إليها أيّ باحثٍ .لهذا عليكَ أن تفتشَ عنها بينَ عدةِ مراجعَ ومصادرَ.
ومن تلكَ المراجعِ والمصادرِ سيكونُ التوثيقُ الذي بدورهِ سيُشكلُ مادةً علميةً لغيركِ من باحثٍ.
في ختامِ هذهِ المقدمةِ أقولُ إنّ أهميةَ البحثِ الذي بينَ أيدينا هو محطةٌ لحلَّ خلافاتٍ تاريخيةٍ ووجدانيةٍ وقوميةٍ علينا أن نسعى إلى حلّها بشكلٍ علميٍّ وموضوعيٍّ معتمداً المناهجَ التاليةَ في دراستنا هذهِ، أولُ تلكَ المناهجِ هو المنهجُ التاريخيُّ والمنهجُ التحليليُّ الذي من خلالهِ نستخرجُ مادةَ بحثِنا، والمنهجُ الوصفيُّ، كما ورأيتُ أن أستخدمَ المنهجَ النقديَّ والمقارنَ في بعضِ الأماكنِ وليسَ بمنهجيةٍ هوجاءَ، بمنهجيةِ الحكماءِ والمثقفين والعارفين وليستْ تلكَ التي لدى العامةِ، وإن بقيتْ من دونِ حلٍّ فإنها ستتأزمُ وستضعُنا في مواقفَ لا نريدُها إنما هي الحقيقةُ.


تمهيد:

ولأنّ عنوانَ البحثِ يدورُ حولَ اللغاتِ القديمةِ إلى اللغةِ السريانيةِ فالبدايةُ ستكونُ من كلمةِ اللغةِ:
اللغةُ كما نعلمُ جميعاً هي وسيلةٌ للتعبيرِ عن مكنوناتِ العقلِ، والحاجةُ للتواصلِ، وبها نقيسُ مدى قدرةِ العقلِ على استهلاكِ العالمِ معرفياً، كما أنها كائنٌ اجتماعيّ عرقيّ بيئيٌّ ينمو ويتطورُ، وهي نظامٌ صوتيٌّ، لهُ دلالاتهُ، ورموزهُ، وتقنيتهُ، تنمو في محيطٍ اجتماعيّ وتكونُ أداةً للتفاهمِ والقدرةِ على الحكمِ والتحكمِ في سياقاتِ النشاطاتِ الإنسانيةِ المفيدةِ. وقد نشأتِ اللغةُ وتطوَّرتْ من خلالِ عمليةِ العملِ، وكما قيلَ لكلِّ قومٍ لغتهُ .
أمّا لغوياً فتعني: لغى ولغو والهاءُ عوضٌ، وجمعها لغى ولغاتٌ أيضاً، والنسبةُ إليها لغويٌّ، واللغا: الصوتُ، ويقالُ أيضاً لغى بهِ: أي لهجَ بهِ.
وهي الألسنُ، وهي فعلةٌ من لغوتُ: أي تكلمتُ، أصلُها لغوةٌ والجمعُ لغاتٌ ولغون. وقد أشارَ ابنُ خلدونَ إليها بأنَّها:(عبارةُ المتكلمِ عن مقصودةٍ، وتلكَ العبارةُ فعلٌ لسانيٌّ يشيءٌ عن القصدِ لإفادةِ الكلامِ، فلا بدَّ أن تصيرَ ملكةً متفردةً لها وهي اللسانُ. وهو لكلِّ أمةٍ حسبَ اصطلاحاتِها) .
أما ابنُ سنانَ الخفاجي فيذكرُ أن اللغةَ هي: " ما تواضعَ القومُ عليهِ من الكلامِ ".
واللغةُ هي أصواتٌ أو ملكاتٌ في اللسانِ. تختلفُ باختلافِ الأمةِ، وهذهِ الأصواتُ يستخدمُها كلُّ قومٍ للتعبيرِ عن أغراضِهم ومعانِيهم، وهي ليستْ مجردَ وسيلةٍ بحسبِ تعبيرِ ( مالينوفسكي) بل هي وسيلةٌ لتنفيذِ الأعمالِ وقضاءِ حاجاتِ الإنسانِ، فالكلمةُ من وجهةِ نظرهِ إنما تستعملُ في أداءِ الأعمالِ وإنجازِها لا لوصفِ الأشياءِ أو ترجمةِ الأفكارِ.
وقلنا في موضعٍ آخرَ إنّ اللغةَ والفكرَ توءمان. وهي الوعاءُ الذي يحفظُ فكرَ الأمةِ وعواطفَها، وتاريخَها وأمجادَها .وعلينا أن نميزَ ما بينَ لغةٍ محكيةٍ بقيتْ حبيسةَ مجتمعِها ولجماعةٍ عرقيةٍ معينةٍ .مثالُنا هذا نجدهُ في القارةِ الإفريقيةِ حيثُ هناكَ لغاتٌ عدةٌ لا يفهمها سوى أهلِها.
بينما هناكَ لغاتٌ كانتْ عالميةً ذاتَ يومٍ وتُعدُّ في الوقتِ الحاضرِ من أهمِّ لغاتِ الشرقِ الأوسطِ وإنْ ليستْ رسميةً لكنها محوريةٌ في كثيرِ من القراءاتِ الروحيةِ والتاريخيةِ واللغويةِ .ولها أبجديةٌ واضحةُ المعالمِ منذُ ما يزيدُ على ثلاثةِ آلافِ عامٍ على أن نقرَّ بتطورِها من خلالِ احتكاكِها بالواقعِ الماديّ والاجتماعيّ والتطورِ التاريخيّ والسياسيّ للمنطقةِ برمتِها ولكنِها بالمحصلةِ أنتجتْ منظومةً حضاريةً (القراءةَ والكتابةَ ) تتطورُ تبعاً لقدرةِ هذا المجتمعِ أو ذاكَ على استخدامِها كوسيلةٍ ليسَ للتفاهمِ وحسبِ بلْ لتكثيفِ الجانبِ المعرفيّ والأدبيّ والعلميّ أيضاً .
فالأبجديةُ اللغويةُ مرحلةٌ حضاريةٌ تدلُ على مدى التقدمِ العقليّ والاجتماعيّ لهذهِ الجماعةِ أو تلكَ .
وأمّا عن موضوعِ النشأةِ الأولى للغةِ الإنسانيةِ .فنحن أمامَ عدةِ آراءٍ تختلفُ فيما بينها . وليسَ هناكَ من رأيّ إلا ويختلفُ عن غيرهِ في هذا الجانبِ .إنما الزمنُ كفيلٌ بالكشفِ عن حقائقَ لنشأةِ اللغةِ الإنسانيةِ الأولى. وهذا لن يتمَّ إلا عندما نتوصلُ للكنوزِ التي تُخفِيها المدنُ الأولى .تلكَ التي غطاها الفيضانُ العامُ (الطوفانُ ). فأرضُ العراقِ الجنوبي محطاتٌ لكشفِ وفكِّ أسرارِ نشأةِ اللغةِ الإنسانيةِ الأولى .
ولكنّ بعضَهم يعدُّ اللغةَ كانتْ منذُ أن وجدَ الإنسانُ وبهذا نرى أزليتَها وأنها هبةٌ خلقيةٌ وتتميزُ مع الإنسانِ فالحيواناتُ أيضاً لها لغاتٌ إنما الإنسانُ بحسبِ قدراتهِ العقليةِ، وتختلفُ لدى الأقوامِ البشريةِ حيثُ أنها تعبرُ عن مدى قدرةِ كلّ منهم على تفسيرِ الظواهرِ والعالمِ، وهذا ما سميناهُ استهلاكَ العالمِ، كما أنها تُعتبرُ عندَ علماءِ الأنثروبولوجيا إحدى المدارسِ السيكولوجيةِ للشعوبِ التي تتحدثُ بها. وهناكَ نظرياتٌ عدةٌ ومنها تلكَ التي ترى بأنّ اللغةَ اللغةُ كظاهرةٍ اجتماعيةٍ، ويعني هذا القولُ أنّها ضرورةُ وحاجةُ الإنسانِ إلى التفاهمِ مع أبناءِ جنسهِ . فمقتضياتُ الحياةِ الاجتماعيةِ تُفترضُ لغةً يتفاهمُ بها أبناءُ المجتمعِ . وفي ذلكَ تأكيدٌ على ما قالَهُ: دى سوسير (( بأنّ اللغةَ أساساً ظاهرةٌ اجتماعيةٌ ينبغي دراستُها في ضوءِ علاقتِها بالمتحدثين بها ومشاعرِهم النفسيةِ، وأنّها دائرةٌ تشملُ المسموعَ والملفوظَ والمتصدرَ، وهي تحرّكُ قسماً نفسياً وآخرَ وظيفياً. تستمدُ قاعدتَها من ذاتِها، وجميعُ المؤثراتِ في اللغةِ ترجعُ إلى المجتمعِ والظواهرِ الاجتماعيةِ )).
وهناكَ نظريةُ النظرياتِ العلميةِ لنشأةِ اللغةِ، ونظريةُ المحاكاةِ والتقليدِ، ونظريةُ ( يوهي هو) التي تقولُ إنّ اللغةَ بدأتْ بمقاطعَ غيرَ مفهومةٍ وغيرَ مقصودةٍ، ولكنّها أصبحتْ فيما بعدُ مصطلحاتٍ، كما تعترضُنا نظريةُ (بوهووه )التي تقولُ إنّ الدوافعَ الغريزيةَ هي أساسُ اللغةِ ـ للتعبيرِ عن انفعالاتِنا .وهناكَ نظريةُ نشوءِ اللغةِ والتناسلِ.
هذهِ النظريةُ تقولُ لقدْ وجدتِ اللغةُ كاملةً ثمّ أعقبَ نشأتَها التوالدُ والتكاثرُ. ولهذهِ النظريةِ أربعةُ محاورَ . ونظرياتٌ فلسفيةٌ في نشأةِ اللغةِ . ونظريةُ الغريزةِ المتكاملةِ. ونجدُ مَن يرى بأنّ نشوءَ اللغةِ هو هبةٌ من اللهِ. وهناكَ تفسيراتٌ اجتماعيةٌ بعضُها يقولُ :إنّ اللغةَ دليلُ أصالةِ الإنسانِ وقدرتهِ الابتكاريةِ. والحقيقةُ لم نوردْ شرحاً عن كلّ نظرية لأننا نراها تختلفُ بحسبِ آراءِ مؤسسِيها وغايتُنا من إيرادِ عناوينَ تلكَ النظرياتِ لنرى كم هي تلكَ الآراءُ والعناوينُ حولَ نشأةِ اللغاتِ.
والحقيقةُ نحن لا نُريدُ تأسيسَ بحثٍ لغويٍّ عامٍ وشاملٍ لكلّ اللغاتِ العالميةِ قديمِها ووسيطِها وجديدِها. وإنما موضوعُنا هو تأسيسُ بحثٍ عن اللغةِ السريانيةِ التي تُشكلُ في حقيقةِ وجودِها الاجتماعيّ والتاريخيّ موضوعاً يستحقُ الوقوفَ عليهِ أقلُ ما يمكنُ من خلالِ هاجسِنا حولَ حلَّ إشكاليةِ التسميةِ بينَ أبناءِ شعبِنا، ولأنّ هناكَ عدةَ أسبابٍ جوهريةٍ أراها ذاتَ تأثيرٍ سلبيّ على وحدتِنا بينَ مكوّناتِنا الشرقيةِ والغربيةِ وبينَ مذاهبِنا الدينيةِ، وغايتُنا الوحيدةُ هي أن نتوصلَ إلى قاعدةٍ أساسيةٍ تقتنعُ بها كلُّ مكوّناتِ شعبِنا المناطقيةِ والطائفيةِ بتسميةٍ واحدةٍ . مع العلمِ أنّ اللغةَ التي يكتبون بها ويقرؤون هي الآراميةُ السريانيةُ.ولا نقولُ باللهجاتِ التي يتحدثون بها.
فمنهم من يُسمّيها بالآشوريةِ، وخاصةً أهلَنا الذين ينحدرون من شمالِ العراقِ. وبعضهم يقولُ إنها كلدانيةٌ. والقسمُ الآخرُ يقولُ إنها آراميةٌ. وهناكَ مَن يقولُ إنها فينيقيةٌ أو كنعانيةٌ. وضمنَ هذا الصراعِ الفكريّ، اللغويّ كيفَ نستطيعُ أن نؤسسَ قاعدةً تجمعُ هؤلاءِ على تسميةٍ واحدةٍ ؟!!
للإجابةِ عن هذا السؤالِ بعلميةٍ وواقعيةٍ وتاريخيةٍ وبحثيةٍ نقولُ :
لو ذهبْنا إلى متاحفِ العالمِ في برلينَ وباريسَ ولندنَ، ودخلْنا جناحَ الآشورياتِ وأردْنا أن نقرأ كلمةً واحدةً من تلكَ اللغةِ المكتوبةِ على مسلةِ حمورابي مثلاً، فأنا على يقينٍ بعدمِ قدرةِ أيّ من الموجودين أن يقرأ كلمةً واحدةً إلا مَن يعرفُ اللغةَ الأكاديةَ. تلكَ اللغةُ التي تفترقُ عن اللغةِ التي نكتبُ ونقرأ بها ويريدون أن نسمّيها باللغةِ الآشوريةِ .
ومن تجربةٍ حقيقيةٍ حدثتْ معي عندَما زرتُ متحفَ برلينَ وجناحَ الآشورياتِ في الربعِ الأولِ من تسعينياتِ القرنِ العشرين الماضي وبعدَ مسيرةٍ طالتَ حوالي سبعَ ساعاتٍ من خلالِ وسيلةِ النقلِ ( الباص) حافلةٍ كبيرةٍ. كانَ من جملةِ الحضورِ أن حضرَ شابٌ يدرسُ يومَها اللغاتِ الشرقيةَ في الجامعةِ فقالَ: هذهِ اللغةُ الآشوريةُ وعندَما سمعتْهُ يتحدثُ مع أحدِهم تقدمتُ إليهِ وقلتُ لهُ: هل ما تقولهُ تقتنعُ بهِ؟!! قالَ: لم أفهمْكَ. قلتُ: هذهِ ليستِ اللغةَ الآشوريةَ بل هي اللغةُ الآشوريةُ الأكاديةُ التي كانَ أجدادُنا الآشوريون قبلَ أكثرَ من ألفين وخمسمئةِ سنةٍ بها يتحدثون. علينا أن نميزَ في حديثِنا بينَ اليومِ وقبلَ ألفي عامٍ. سكتَ ويبدو أنهُ لم يرقْ لهُ حضوري وبعدَها التزمتُ التجوالَ مع ولدي البكرِ وابنتي الذين كانوا يُشاركونني الرحلةَ.
لهذا أدعوكم للواقعيةِ والعلميةِ والموضوعيةِ. في أنّ كلّ ما نتداولهُ من مثاقفاتٍ لغويةٍ في هذا الجانبِ يعودُ أغلبُها إلى آراءٍ ظهرتْ منذُ مئةِ عامٍ خلتْ لكبارِ اللغويين، وعلماءُ الآثارِ اعتمدوا في آرائِهم على نتائجِ أبحاثٍ تنقيبيةٍ، ولكن هناكَ آراءٌ لكتّابٍ أو مَن يدعون بالثقافةِ نلحظُ في سياقِ كتاباتِهم التعصبَ الذي ولا يمتُ بصلةٍ للعلميةِ والواقعيةِ وحقيقةِ اللغةِ وتطورِها. وأعني أغلبُ آرائِنا تتلبسُها العاطفةُ لأننا نتمسكُ بتسميةٍ تُخالفُ في جوهرِها ما نحنُ عليهِ من لغةٍ .
ومع جلّ تقديري إذا ما أردنا أن نؤسسَ لبحثٍ في هذا الجانبِ وننتهي إلى قناعةٍ راسخةٍ تقومُ على العلمِ، وليسَ على العاطفةِ. علينا أن نجتهدَ في البحثِ عن حقيقةِ اللغةِ التي نتكاتبُ بها ولا ضيرَ إن أشركْنا في بحثِنا موضوعَ اللهجاتِ في هذا السياقِ. لكونِ اللغةِ المحكيةِ تختزنُ الكثيرَ من مفرداتٍ ومعانٍ للغاتِ التي سبقتِ اللغةَ التي نكتبُ بها اليومَ. وإذا كانتِ المفاهيمُ القوميةُ ترتكزُ على مقوماتٍ (ثقافيةٍ وجغرافيةٍ وتاريخيةٍ).
فالثقافةُ بشكلٍ عامٍ يدخلُ بها اللغةُ والعاداتُ والتقاليدُ والموروثُ الشعبيّ الذي استمرَ عبرَ أجيالٍ معَ هذا القومِ أو ذاكَ. وكما أنّ الهويةَ القوميةَ لأيّ أمةٍ أو شعبٍ هي الأرضُ( الجغرافيا). فـالهويةُ التاريخيةُ للشعبِ هو اسمهُ وهو الحكمُ الفيصلُ في هذا الموضوعِ مع ما سبقَ من مقوماتٍ.
كما وعلينا أن نميزَ ما بينَ الاسمِ والتسميةِ، فالاسمُ يكونُ مبتكراً ذاتياً متولداً من خلالِ أنساقٍ تاريخيةٍ للشعبِ وحركتِهِ عبرَ الزمنِ.أمّا التسميةُ قد تأتي من الآخرين وبحسبِ لغتِهم وعلينا أن نميزَ بينَ هويةِ الشعبِ وهويةِ اللغةِ. والسؤالُ الشرعيّ هنا حولَ اسمِ اللغةِ التي نكتبُ ونقرأ بها
هل نسمّيها باللغةِ الآراميةِ أو السريانيةِ أم الآشوريةِ أم الكلدانيةِ؟!!
فإذا كُنا نُنسبُ اللغةَ إلى قومٍ فالتسميةِ ستتغيرُ بحسبِ اسمِ القومِ .
أمّا إن نسبنا القومَ للغةِ فعندها أيضاً سيتمُّ تغييرٌ في المفاهيمِ السائدةِ.
ولأنّ دراستَنا هذهِ تعتمدُ العلميةَ والموضوعيةَ بحسبِ ما هو متوفرٌ لدينا من أفكارٍ وآراءٍ ولا ندعي بأننا نقفُ على الحقيقةِ كلِّها. إنما هو اجتهادٌ واستنتاجٌ واستقراءٌ من خلالِ مصادرَ مختلفةٍ توصلنا إلى هذا الرأي.
ونحنُ نسجلهُ في ذاكرتِنا الجمعيةِ في وقتٍ تزدادُ خلافاتُنا من خلالِ تسميةِ لغتِنا وتاريخِنا واسمِ قوميتِنا .
فالتسلسلُ المنطقيّ للأحداثِ التاريخيةِ وتاريخِ المنطقةِ بشكلّ عامٍ واللغويّ منه بشكلٍ خاصٍ بعيداً عن الآراءِ السياسيةِ والكنسيةِ والطائفيةِ والمثاقفاتِ المتداولةِ نقولُ :إنّ ما نسمِّيه وندعيهِ اليومَ بأنّ شعبَنا يعودُ في أصولهِ إلى أرومةٍ واحدةٍ هذا كلامٌ غيرُ علميّ ولا يقبلهُ الجاهلُ.
فشعبُنا في الحقيقةِ يعودُ في أصولهِ من خلالِ الجنسِ إلى شعبٍ آشوريّ وكلدانيّ في الشرقِ خالطتهُ شعوبٌ مختلفةٌ عبرَ مسيرتهِ آرية وغيرِ آريةٍ. كالعيلاميين والسومريين وكالفرسِ والميديين والأرمنِ والحثيين وغيرِهم، ولأنّ الإمبراطوريةَ الآشوريةَ ضمتْ تحتَ أجنحتِها أقواماً عرقيةً عديدةً لم تغادرْ أرضَها وأغلبُها ذابتْ في بوتقةِ هذا الشعبِ الآشوريّ العريقِ، كما ولدينا في الغربِ من بلادِ آشورَ وما بينَ النهرين الشعبُ الآراميّ، الفينيقيّ والعموريّ وهو الآخرُ تزاوجَ عبرَ التاريخِ معَ بعضِ مكوّناتهِ المحليةِ ومعَ اليونانِ والرومانِ والحثيين والهكسوسِ والكنعانيين والمؤآبيين والعبرانيين والعرِب والقائمةُ تطولُ هنا وهناكَ، وليسَ هناكَ من شعبٍ ويستطيعُ أن يدعي بصفاءِ عرقهِ خاصةً منطقةِ الشرقِ الأوسطِ. إنما الحقيقةُ هناكَ شعبٌ آشوريّ وهناكَ شعبٌ آراميّ (عرقياً).
ومن جهةٍ ثانيةٍ أرى أنهُ لا يمكنُ أن نبني آراءَنا ونُسجلُ ذاكرتَنا بناءً على ما أطلقهُ الغرباءُ علينا من اسمٍ تبنيناه جُزافاً لأسبابٍ مختلفةٍ كانتْ في حينها لها قوةُ التاريخِ فهذا منقصةٌ إذا لم نستيقظْ لشخصيتِنا الحقيقيةِ ونعتمدُ على جهودٍ بحثيةٍ يقدمُها لنا العلماءُ والمفكرون والمثقفون والمنقبون من أبناءِ شعبِنا . وجوهرُ ما نقصدهُ هنا هو حولَ الاسمِ الحقيقيّ لشعبِ بلادِ الشمسِ الذي هو آراميّ من خلالِ أرومتهِ العرقيةِ. دمشقيّ الجغرافيا وما جاورها مروراً بحمصَ وحماةَ والغابِ وإدلبَ وحلبَ حتى شمأل، ومعهُ أولادُ عمومتهِ على الساحلِ، من الفينيقيين الذين همْ بالأساسِ أولادُ عمومةِ الآراميين ومعهم في الجنوبِ الكنعانيون ومن الأنباط والعموريين. وعلينا أن نميزَ بينَ الفكرِ السياسيّ والأجندةِ السياسيةِ والحزبيةِ والحقائقِ العلميةِ والتاريخيةِ.
أقولُ هذا ليسَ من أجلِ التفرقةِ وإنما من أجلِ الحقيقةِ التي سايرَها أغلبُ العارفين منّا في هذا الجانبِ منساقين بالعواطفِ التي طالما دمرتْ إمبراطورياتٍ في العالمِ .
أعيدُ صياغةَ القولِ في موضوعِ اللغةِ وتسميتِها الحقيقيةِ .التي نكتبُ بها ولا أقصدُ اللهجاتِ التي يتحدثُ بها أهلُ آشورَ ولا أهلُ طور عبدين وغيرُهم . إن اللغةَ التي نكتبُ بها هي اللغةُ الآراميةُ مع أخذنا بأسبابِ تطورِها وتأثرِها بالطبيعتين الجغرافيةِ والبشريةِ السكانيةِ .ــ وإن سموها بالسريانيةِ نسبةً إلى الجنسِ وهذا منطقي أيضاً في علمِ القياسِ ــ لكنني أراهُ يُغبنُ الحقيقةَ العلميةَ والوجوديةَ لتسميتِنا التي جاءتْ من خلالِ ما أطلقهُ الإغريقُ على شعبِنا في بلادِ الشمسِ ( سوريا).
ويمكنني القولَ هناكَ في المنطقِ والقياسِ وجهاتُ نظرٍ تُساعدُنا في التوصلِ لثوابتَ حولَ اسمِ لغتِنا ومثالُنا هنا.أولاً إنّ اللغةِ الإنكليزيةِ :
لم يتغيرِ اسمُها لا في الهندِ، ولا في أمريكا، ولا كندا ولا غيرِها من مكانٍ . وكلّنا يعلمُ أنها تعودُ بالأصلِ إلى أنها لغةٌ جرمانيةٌ كانَ قد جلبَها المستوطنون الأنكلوساكسون إلى إنكلترا (بريطانيا). وتأثرتْ بعدةِ لهجاتٍ منها اللهجةُ النورمانيةُ ( الإنكليز والفرنسيين) كما وتأثرتْ بلغةِ النوارسِ القديمةِ من قبلِ الغزاةِ الفايكنك ومعَ أنها من أصولٍ جرمانيةٍ ونشأتْ في إنكلترا ومرتْ في مراحلَ (قديمةٍ ووسيطةٍ وحديثةٍ) وتأثرتْ بالمتغيراتِ إنما الشعوبُ التي تتحدثُ بها لا تُنسبُ لها، ولا هي تُنسبُ إليهم .
لهذا أرى أن نتبنى هذا القياسَ المهمَ أيضاً في موضوعِ تسميةِ لغتنا . وإذا ما تبنينا قياسَنا على اللغةِ الإنكليزيةِ لصحَّ قولُنا إنّ اللغةَ هي آراميةٌ نسبةَ إلى آرامَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ. وكلّ الشعوبِ التي تتحدثُ بها عليها أن تسمّيها بالآراميةِ كلغةٍ وافدةٍ إليها ماعدا الآراميين في ما سمّي فيما بعد بالسوريين .
فالاستنتاجُ والاستقراءُ الحقيقيّ يبدأ من هنا. فمن الطبيعيّ أنّ أهل آشورَ الذين كانوا قد غيّروا لغتَهم الكتابيةَ من اللغةِ الآشوريةِ( الأكاديةِ) إلى الآراميةِ وراحوا يتحدثون بالآراميةِ المحكيةِ وإن حملتْ معها ألفاظاً وكلماتٍ وجملاً أكاديةً وفارسيةً وفينيقيةً آنذاكَ . ولكن الأبجديةَ التي بها يكتبون ويقرؤون حتى اليومَ في كنائسِهم هي الآراميةُ التي سمّوها بالسريانيةِ . وأمّا بشأنِ كلمةِ سريانَ وسريانيّ وتعني آشورَ وآشوريّ فهناكَ عدةُ شواهدَ ومراجعَ نرى أنها تقولُ وما لفظةُ سريانَ إلا نحتٌ من الأصلِ (آسور) ).فعندما نتوصلُ إلى أنّ كلمةَ سريانَ تعني آشورَ آسوريا أو أسوري نسبةً إلى شعبٍ أو قومٍ ولا تعني اللغةَ. فإننا بذلكَ ننتهي إلى أنّ السريانيّ يعني الآشوريّ وأنّ اللغةَ السريانيةَ تعني اللغةَ الآشوريةَ والعكسُ صحيحٌ.
وهذا ما ذهبَ إليهِ المفكرُ الفرنسيّ رينان.
وهناكَ رهطٌ من الباحثين يُجمعون على أنها تنسبُ في الأصلِ إلى آشورَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ . وعلى الأرجحِ أن الاسمِ تحرّف إلى سريانَ على أنهُ لفظٌ يونانيّ أطلقُ على شعوبِ المنطقةِ قبلَ الميلادِ ببضعةِ قرونٍ (تعريبُ آسورَ) السينُ والشينُ تتبادلان كما هو معلومٌ ومنهُ سميّتِ البلادُ المعروفةُ اليومَ بسوريةَ، وهناكَ آراءٌ تدعي بأنّ التسميةَ جاءتْ من باني مدينةِ أنطاكيةَ الملكُ سيروس .
أمّا المطرانُ يوحنا إبراهيم (الغائبُ الحاضرُ).حيثُ يدحضُ هذهِ المصادرَ بقولهِ :( إن أمةً عظيمةً كالأمةِ السريانيةِ لا يمكنُ أن تتركَ اسمَ لسانِها وتستبدلهُ باسمٍ آخرَ أعجميّ وضعتهُ أمةٌ غريبةٌ. وهنا يقدمُ دليلاً على أنّ جميعَ الأقوامِ السريانيةِ القديمةِ الذين ليسوا بآراميين يسمّون ذواتِهم منذُ القديمِ سريانيين مع العلمِ أن هذهِ التسميةَ ظهرتْ في عهدِ نبوخذ نصر. والنتيجةُ نقولُ إنّ السريانَ همْ أهلُ سوريا وبلادِ ما بينَ النهرين منذُ أقدمِ الأجيالِ). وهذا الرأيّ على الرغمِ من أنني أحترمهُ في بعضِ أجزائهِ إلاّ أنني لا أتبناهُ لكونهِ يعتمدُ على أنّ اللغةَ تُعطي اسمَها للشعبِ ويُسمى الشعبُ باسمِ لغتهِ. فقد اعتمدَ على أنّ اللغةَ الآراميةَ استطاعتْ أن تدحرَ اللغةَ الأكاديةَ بلهجتيها في آشورَ وبابلَ وحلتْ محلَها منذُ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ فبهذا القولِ والاستنتاجِ نراهُ يؤكدُ رأيّاً يقولُ إنّ الشعبَ يتغيرُ اسمهُ بحسبِ اللغةِ وهذا ما لا أوافقهُ فيهِ وإلا لكانَ أهلُ أميركا أطلقوا على أنفسِهم الشعبَ الإنكليزيّ أو الشعوبَ الإنكليزيةَ.
وقبلَ أن ندخلَ إلى عالمِ اللغاتِ التي سادتِ الحضاراتِ القديمةَ أرى أن نعرجَ على ما جاءَ لدى الباحثِ الدكتورِ خزعل الماجدي بشأنِ الأقوامِ أولاً واللغاتِ ثانياً ولنا بعدَ ذلكَ رأيّ فيما نراهُ.
فقبلَ أن نطلعَ على محاضراتٍ للدكتورِ خزعل الماجدي حولَ الشعوبِ الساميةِ واللغاتِ التي تحدثتْ بها تلكَ الشعوبُ، وكيفَ تداخلتْ في التاريخِ والجغرافيا . كانتْ لنا قبلَ هذا عدةُ تحفظاتٍ حولَ العديدِ من الاجتهاداتِ مما يخصُّ الجنسَ واللغاتِ ونعني تلكَ التي تخصُّ الجانبَ العرقيَّ أو اللغويَّ لتلكَ الشعوبِ.
ورأينا أنّ كلّ ما قرأناهُ وسمعناهُ هو مجردُ اجتهاداتٍ ليسَ إلاّ وستبقى هذهِ الأبحاثُ غيرَ مكتملةٍ ومثبتةٍ نهائياً بل هي تشبهُ الرمالَ المتحركةَ في الصحراءِ .لأننا أمامَ مفاهيمَ متحركةٍ لهذهِ الأمورِ ولربما ظهرتْ فيما بعدُ آراءٌ من خلالِ الأبحاثِ والتنقيباتِ الجديدةِ التي تدحضُ جميعَ الأبحاثِ القديمةِ. لهذا لانجزمُ في رأينا ونتبناهُ على أساسِ نظريةٍ مكتملةٍ وكاملةٍ .
وأهمُّها ما يتعلقُ بالشعوبِ الساميةِ واللغاتِ الساميةِ. والنظرياتِ الغربيةِ التي تجاوزتِ العشرَ نظرياتٍ التي تخصُّ نشأةَ الشعوبِ الساميةِ. ومن الجديرِ ذكرهُ أن تلكَ النظرياتِ لا تثبتُ أمامَ الأبحاثِ العلميةِ التي تقومُ على الحفرياتِ وعلمِ الآثارِ أو على المقارناتِ اللغويةِ المكتوبةِ بل كانتْ اجتهاداتٍ واستنتاجاتٍ من خلالِ التاريخِ المكتوبِ عبرَ عدةِ مصادرَ أو قراءاتٍ خاصةً بعدَ جولاتٍ في الأماكنِ. ونرى أنها تحتوي على مغالطاتٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وبعضُها جاءتْ من خلالِ فكرٍ لا يقومُ على المنهجيةِ البحثيةِ المتسمةِ بالعلميةِ والموضوعيةِ. كما يوجدُ تخبطٌ وقعَ بهِ بعضُ هؤلاءِ العلماءِ من حيثُ التفسيرُ لنشأةِ تلكَ الشعوبِ. وبعدَ جهودٍ واضحةٍ تُحسبُ للدكتورِ خزعل الماجدي حيثُ ينقلُنا إلى ما يتبناهُ من أفكارٍ والتي يُسمّيها فرضيةَ سار Sar Hypothesis ويعتمدُ في تأسيسِها على علمِ الآثارِ والاستنتاجاتِ العقليةِ.
فيقومُ بتقسيمِ الشعوبِ الساميةِ إلى الساري( السارُ تعني السماءَ). والآري(آر تعني الأرضَ في اللغةِ السومريةِ).
وكما هو معروفٌ فقد تشكلتْ هذهِ الشعوبُ منذُ العصرِ الحجريّ، النحاسيّ في شمالِ الهلالِ الخصيبِ وتعودُ في ثقافتِها إلى :
1- ثقافةِ تلِ حلفٍ: التي تقعُ غربي رأسِ العينِ السوريةِ . وتُسمّى غويزانا ( 4900 إلى 4300 قبلَ الميلادِ) .
2- ثقافةِ أريدو: ( أبو شهرين في جنوبِ العراقِ) من 3400 إلى 4000 قبلَ الميلادِ.
3- ثقافةِ العُبيد: من 4000 إلى 3500 قبلَ الميلادِ. وبعضُهم يُعيدُ هذهِ الثقافةِ إلى ما قبلَ هذا التاريخِ حيثُ يقولُ إنهُ قبلَ العُبيدِ كانتْ تُسمّى بثقافةِ عويلي نسبةً إلى التلِّ الذي ظهرَ منذُ 6500 قبلَ الميلادِ واستمرَ إلى 5400 وفي زمنِ تلِّ عويلي يتمُّ اختراعُ العجلةِ الفخاريةِ وبدايةِ العصرِ النحاسيّ. ويقعُ هذا التلُّ غربي مدينةِ أريدو.
4- ثقافةِ الوركاءِ الأولى :وتبدأ من 3500 إلى 3100 قبلَ الميلادِ وأخيراً ثقافةُ جمدت نصر التي تبدأ من 3100قبلَ الميلادِ.
ونميزُ في موضوعِ الشعوبِ الساميةِ الأولى والأساسيةِ التسمياتِ التاليةَ:
1-الشعبَ السوباري ( وهنا قرأتُ كتاباً لمكس فون أوبنهايم الرحالةِ وعالمِ الآثارِ والدبلوماسيّ الألماني الذي جاءَ إلى سورية، رأسِ العينِ وتلِّ حلف بالذاتِ وكتبَ جملةَ كُتبٍ من بينها كتابهُ الموسومُ بعنوانِ (حضارة تل حلف) يقولُ( إن الآشوريين همْ أحفادُ الشعبِ السوباري).وأرضُ الشعبِ السوباري هي أرضُ آشورَ ولكلمةِ سوبارتو علاقةٌ مع الشمسِ .
2- الشعبَ سونارتو (شنعار) شعبَ سهلِ شنعار في بلادِ ما بينَ النهرين.
3- الشعبَ سومارتو ( الشعبَ الأموري أو العموري ) .
وهو أكبرُ الشعوبِ الساميةِ قاطبةً. وقد ظهرَ هذا الشعبُ في حوالي 4000سنةٍ قبلَ الميلادِ.
ويُقسمُ إلى شعوبٍ متعددةٍ أهمُّها:
آ- آرام: أي المرتفعُ أو الذين يعيشون في المرتفعاتِ. والآشوريون يقولون على مَن يسكنُ المرتفعاتِ آرا رمتا ( أبناءُ المرتفعاتِ).
ب- كلدو . شعبُ السهولِ وهو أمورو أيضاً .
ت- عربُ الصحراءِ وهم بقايا الأموريين الذين ظلوا على ثقافتِهم الصحراويةِ. والحقيقةُ أساسُهم غربي الفراتِ والبلادِ الشاميةِ. وأقدمُ ظهورٍ لهم لا يتجاوزُ بينَ القرنين الثاني والسابعِ الميلاديّ. وهؤلاءِ العربُ لم يأتوا من الجزيرةِ العربيةِ بل ذهبَ قسمٌ منهم من بلادِ الشامِ والعراقِ للجزيرةِ العربيةِ فيما بعد. وينسبُ الدكتورُ خزعل الماجدي ممالكَ عديدةً للعربِ فيقولُ عن( الرّها والحضرِ وميسانَ والحيرةِ هذهِ يعتبرُها تعودُ إلى الممالكِ العربيةِ العراقيةِ بتعبيرهِ، وأمّا الممالكُ العربيةُ في الأراضي الشاميةِ فيقولُ ( تدمرُ والرستنُ والغساسنةُ والجابيةُ والرصافةُ واليطرونُ في لبنانَ).وهنا أتحفظُ على أفكارهِ في هذا الجانبِ وبشدةٍ وخاصةً ما يخصُّ الرّها وتدمرَ واليطرونَ .
ث- اليمن في الجنوب.
القسمُ الثاني من الشعوبِ الساريةِ أو الساميةِ همْ:
1- الكنعانيون: شعبٌ ساميّ يرجعُ إلى كنعانَ بنِ حامٍ بنِ نوحٍ : فسمّي الكنعانيون نسبةُ إليهِ ونرى بأنّ الأوراقَ تختلطُ في موضوعِ التسميةِ وأصلِها .فبعضُهم يرى بأن الاسمَ الكنعانيّ منسوبٌ إلى المعنيين في اليمنِ حيثُ أيَّد هذا القولَ المؤرخُ والجغرافيّ اليونانيّ سترابو أو إسطرابون . وبعضُ المؤرخين العربِ القدماءِ يُنسبون أصلَ الكنعانيين إلى العماليقِ. وهناكَ قولٌ يرى أنهم تسموا بكنعانَ نسبةً للونِ الأرجوانيّ الأحمرِ كانوا يقومون بإنتاجهِ، وبعضُهم أرجعَ كلمةَ كنعانَ إلى أصلِها في لغةِ الحضارةِ الفينيقيةِ أو الكنعانيةِ وهي من كلمةِ كنع وتعني انخفضَ، وكنعانُ هي المنطقةُ المنخفضةُ، وسمِّيَ الكنعانيون بهذا الاسمِ؛ لأنهم سكنوا المناطقَ المنخفضةَ في بلادِ الشامِ وبسطوا سيطرتَهم عليها، وبعضُهم يقولُ إن شعوباً أخرى أطلقتْ عليهم هذا الاسمَ ومهما يكنْ فقد سيطروا على موقعٍ هامٍ من سوريةَ ولبنانَ وفلسطينَ والأردنِ ومنذُ العصرِ البرونزيّ خاصةً عهدَ العمارنةِ ولمكانتِهم الجغرافيةِ التي شكلتْ نزاعاً دائماً بينَ الآشوريين والمصريين. كما ونرى ذكراً للكنعانيين كجماعةٍ اثنيةٍ من العهدِ البرونزيّ، وبعضُهم يقولُ تمَّ استبدالُ اسمِهم باسمِ سوريةَ بعدَ سيطرةِ الرومانِ .إلا أنهم مكوّنٌ أصيلٌ من مكوّناتِ الشعوبِ التي سكنتْ منطقةَ الشرقِ الأوسطِ.
2- العبرانيون:
وهم آموريون في أصولِهم وكانوا في حالةِ البداوةِ. وهنا أقفُ قليلاً حتى أذكرَ بأنّ إبراهيمَ الخليلَ الذي خرجَ من أور الكلدانيةِ كانَ كلدانياً أكاديّ الحضارةِ واللغةِ وعندَ عبورهِ نهرَ الفراتِ إلى حاران سمّي هو ومَن معهُ بالعبرانيين مع تحفظي على ألقابٍ نطرحُها على أمورٍ لا تتماشى مع سياقاتِها التاريخيةِ.
3- وفي الأردنِ نستطيعُ أن نميزّ ما بينَ(شعوبٍ كالعموريين والمؤآبيين والآدوميين).
ونستخلصُ مما سبقَ بوجودِ ثمانيةِ شعوبٍ ظهرتْ في المنطقةِ يعودون إلى الشعبِ الأموريّ ولكن أعظمَ هؤلاءِ ومَن شغلَ التاريخَ همُ الشعبُ الآراميّ الذي ظهرَ بشكلٍ واضحِ المعالمِ منذُ الألفِ الثالثةِ قبلَ الميلادِ وقد أقامَ خمسينَ مملكةً آراميةً منها خمسٌ وعشرون مملكةً في بلادِ ما بينَ النهرين (العراقِ الحالي) ويُساويها في العددِ في البلادِ الشاميةِ. وعلينا بعدَ هذا أن نقفَ على محطاتٍ للغاتِ الساميةِ القديمةِـ
مع تحفظي ـ على تسميتِها كلِّها بالساميةِ .لأنّ هناكَ في بحثِنا نتعرضُ للغةِ السومريةِ (لغةِ سومرَ والحضارةِ السومريةِ) .فهي ليستْ بالحقيقةِ بساميةٍ. لهذا من الخطأ أن ندعوها باللغاتِ الساميةِ. لما للغةِ السومريةِ من دورٍ حضاريّ وعلميّ وما حدثَ من تلاقحٍ وتقارضٍ بينها وبينَ اللغةِ الأكاديةِ التي منها اللغةُ البابليةُ واللغةُ الآشوريةُ. وبعدَ هذا نقولُ:
لا يوجدُ لدينا رأيّ واحدٌ موحدٌ في موضوعِ اللغاتِ القديمةِ ولا يرتقي إليه الشكُ.في حصافتهِ. وأريدُ أن أطمئنَ الإخوةَ القرّاءَ إلى أننا ونحنُ في القرنِ الحادي والعشرين. لانزالَ نختلفُ على أمورٍ عديدةٍ في موضوعِ اللغاتِ القديمةِ. سواءً أكانَ ما يخصُّ موضوعَ تسميةِ اللغةِ التي نتحدثُ بها معَ عدمِ قبولِنا بأنها في الحقيقةِ تحملُ اسماً آخرَ . والاسمُ الذي ندعي بأنّ لغتَنا تنتسبُ إليهِ يُخالفُ جوهرَ التسميةِ الحقيقيةِ للغتِنا التي نكتبُ بها . دافعُنا لذاكَ هو أننا نعتمدُ على اسمِ المنطقةِ الجغرافيةِ التي تأسستْ عليها إمبراطوريتُنا العظيمةُ التي كانتْ لنا على أرضِ آشورَ .
الحقبُ التاريخيةُ للغاتِ القديمةِ:
في هذا المحورِ الهامِ الذي يُعدُّ بوابةً لمعرفةِ اللغاتِ القديمةِ علينا أن نعتمدَ في دراستِنا واستنتاجاتِنا على الحقبِ التاريخيةِ للغاتِ. وأُجيزُ لنفسي بالقولِ : إننا نرتكبُ خطأ علمياً في موضوعِ التسميةِ للغةِ السريانيةِ الآراميةِ على أنها غيرُ ذلكّ، وهذا التبني من قبلِ بعضِنا أساسهُ العاطفةُ والحنينُ لماضٍ لم يعدْ. كما أننا في الحقيقةِ أهملَنا إحياءهُ ردحاً من الزمنِ ولازلنا نختلفُ على كثيرٍ من أبجدياتِ مشروعِنا القوميّ. وأقصدُ أهمَّ دعائمهِ تسميتُنا القوميةُ واللغويةُ والعلمُ الواحدُ والخطابُ السياسيّ الموحدُ وتوحيدُ حالتِنا الطائفيةِ، وهذا الكمُّ من التراكماتِ والمسؤوليةِ التاريخيةِ التي تقعُ على المثقفين قبلَ غيرِهم لا يعفينا من أنّ اللغةَ التي يتحدثُ بها بعضُ أهلِنا اليومَ تحملُ مفرداتٍ لغويةٍ للغاتٍ قديمةٍ كالأكاديةِ التي تختزنُها ذاكرتَنا الجمعيةَ ومثاقفاتِنا التراثيةَ وسلوكَنا اليوميّ. وإنْ كانَ هناكَ أقلُ ما يمكنُ لغةٌ من تلكَ اللغاتِ باقيةً نتحدثُ ونكتبُ ونقرأ بها حتى اليومَ نعني بتلكَ اللغةِ هي السريانيةَ:
التي هي في حقيقتِها امتدادٌ تاريخيّ للغةِ الآراميةِ .حيثُ إنّ اللغةَ الآراميةَ تشكلُ العمودَ الفقريّ لما نكتبهُ في جميعِ المجالاتِ الروحيةِ والعلميةِ والأدبيةِ والتاريخيةِ والطقوسِ الكنسيةِ كافةً. ويُشاركُنا فيها حتى اليومَ الصابئة المندائيون أيضاً .
ومن المعروفِ بأنّ اللغةَ الآراميةَ، السريانيةَ التي هي موضوعُنا كانتْ قد استقلتْ بأبجديةٍ معروفةٍ منذُ ما قبلَ القرنِ العاشرِ قبلَ الميلادِ .فهذهِ الشخصيةُ اللغويةُ لا يمكنُ لنا أن نُبقيها دونَ الكشفِ عن جوهرِها وحقيقتِها التي ولدتْ وتشكلتْ من خلالِها، لهذا سنبحثُ في هذهِ اللغةِ، وأينَ نشأتْ ومتى تمّ تغييبُها ولماذا؟ ومَن همُ الشعبُ المنتجُ لها ومتى تمَّ تغييرُ اسمِها واسمِ منتجِها ؟!!
ولكي نعودَ لما بعدَ الجذورِ الأولى للغةِ الإنسانيةِ. علينا أن نتحاورَ مع أولِ اللغاتِ التي تسبقُ لغتَنا الآراميةَ السريانيةَ الآشوريةَ ألاّ وهي اللغة ُالسومريةُ.
أولاً - اللغةُ السومريةُ أو الشومريةُ :
لغةُ حضارةِ سومرَ التي نشأتْ في جنوبِ العراقِ الحاليّ وكانتْ قد ظهرتْ منذُ القرنِ الرابعِ قبلَ الميلادِ واستمرتْ حتى انقرضتْ عامَ 1800 قبلَ الميلادِ وكانتْ تُكتبُ بخطٍّ سموهُ بالمسماريّ .ويمكنُ لنا أن نقسمَ تاريخيةِ اللغةِ السومريةِ إلى خمسِ مراحلَ: المرحلةِ الأولى : وتبدأُ منذُ 3100إلى 2600 قبلَ الميلادِ .
أما المرحلةِ الثانيةِ: فتبدأ من عامِ 2600 إلى 2150 قبلَ الميلادِ ووجدتْ في لغش وهنا في هذهِ المرحلةِ نجدُ مؤشراتٍ على قواعدِ اللغةِ بعدَ سيطرةِ الإمبراطوريةِ الأكاديةِ (2350–2200 ق.).
ثمّ يأتي عصرُ النهضةُ السومريةُ. وتشملُ مساحةً زمنيةً تبدأُ من 2150–2000ق.
وهناكَ المرحلةُ التي يُسمّيها علماءُ اللغاتِ والتاريخِ
المرحلةَ المتأخرةَ: وتبدأ من عامِ 2000 إلى 1700 قبلَ الميلادِ . كما كُتبتْ في هذهِ الفترةِ ملحمةُ جلجامش وتلي الفترةَ المتأخرةَ فترةٌ تبدأ من 1700 إلى 100 قبلَ الميلادِ. وهنا نجدُ أن اللغةَ السومريةَ تخبو كلياً .ولكونِها ليستْ موضوعَ بحثِنا فنحنُ لا نريدُ إلاّ أن نُشيرَ إلى المراحلِ التي مرتْ بها لغةُ سومرَ على الرغمِ من أننا نُكررُ بأن أصلَ السومريين دونَ أدنى شكٍّ أنهم غيرُ ساميين .وإنما إليهم يعودُ الفضلُ في المخترعاتِ القديمةِ التي توارثتْها عنهم شعوبٌ أخرى جارةٌ لهم .ومع توالي الحقبِ التاريخيةِ والتطورِ السياسيّ نرى الشعبَ السومريّ يمتزجُ عبرَ الزمنِ معَ الأقوامِ الأخرى التي كانتْ على مقربةٍ منهُ كالعيلاميين والبابليين والأكاديين والآشوريين والعموريين وذابَ بتلكَ الأقوامِ ولم نجدْ من ذكرٍ لهُ فيما بعدُ. كالآشوريين والآراميين ـ السريانِ ـ والعربِ والفرسِ .
وقبلَ أن ندخلَ إلى ملفِ اللغةِ الأكاديةِ أرى أن نؤكدَ ظاهرةً هامةً بينَ لغةِ سومرَ وأكاديةِ . فقد ظهرَ تكافؤ لغويٌّ بينهما . ويُقالُ إن الأكاديةَ والسومريةَ انتشرتا وكُتبتا في الزمانِ نفسهِ لابل كانتِ السومريةُ ملائمةً للكتابةِ عندِ الأكاديين الساميين .
فما هي أولُ اللغاتِ الساميةِ القديمةِ ؟! :
إنّ مصطلحَ الساميةِ نشأ عامَ 1770م . أطلقهُ تلاميذُ مدرسةِ غوتنغن أو كوتنكن المتخصصةِ في التاريخِ وقد اشتقوهُ من اسمِ سامَ الذي هو ابنُ نوحٍ .وترى هذهِ المدرسةِ بأن الشعوبَ التي يمكنُ أن نُسمّيها بالساميةِ هي التاليةُ: البابليون، الآشوريون، الآراميون، الفينقيون (الكنعانيون )، العبرانيون العموريون، الآدوميون، والمؤآبيون والعربُ. وأصلُ التسميةِ مستمدةٌ من العهدِ القديمِ (التوراةِ ). وأولُ من استخدمَ التسميةَ هو العالمُ (الألماني شلوتزر).
وتُقسمُ اللغاتُ الساميةُ بحسبِ ظهورِها في بلادِ ما بينَ النهرين إلى مجموعتين:
آ- ساميةٍ شماليةٍ شرقيةٍ .ب- وساميةٍ شماليةٍ غربيةٍ .
والشماليةُ: هي الأخرى تُقسمُ إلى مجموعتين شرقيةٍ وغربيةٍ.
1- الشماليةُ الشرقيةُ:
تضمُ اللغةَ الأكاديةَ . واللغةَ البابليةَ واللغةَ الآشوريةَ. واللغةَ الآموريةَ، وهذهِ اللغاتُ هي أقدمُ اللغاتِ الساميةِ القديمةِ كما قلنا سابقاً .
2- أما الساميةُ الشماليةُ الغربيةُ تتكونُ من اللغاتِ التاليةِ:
اللغةِ الآراميةِ(السريانيةِ) . والنبطيةِ. والمندائيةِ .
أما على الساحلِ السوريّ فنجدُ:
3- اللغةَ الكنعانيةَ وتنقسمُ إلى :أوغاريتيةِ (فينيقيةِ ).وعبريةِ وعمونيةِ ومؤآبيةِ
4- الجنوبيةَ: وتضمُ اللغةَ الأثيوبية والعربيةَ بفرعيها (الشمالي والجنوبي ).
أما اللغةُ العربيةُ الشماليةُ فتقسمُ إلى قسمين شماليةٍ بائدةٍ وشماليةٍ باقيةٍ. ِولأنّ موضوعَنا ليسَ كلّ اللغاتِ إنما اللغةُ التي نسمّيها بالسريانيةِ نقولُ:
ماذا لو أعدنا قراءةَ التاريخِ اللغويّ للغاتِ الساميةِ القديمةِ. ولنبدأ من اللغةِ الأكاديةِ؟!

2- اللغةُ الأكاديةُ:
لغةٌ ساميةٌ في جوهرها. تأثرتْ باللغةِ السومريةِ وخطِّها الذي كانتْ تُكتبُ بهِ. وقد ظهرتْ حوالي 3000سنةٍ قبلَ الميلادِ وبعضُهم يثبتُها في أواسطِ الألفِ الثالثِ قبلَ الميلادِ. وقد تراجعتْ أمامَ اللغةِ الآراميةِ منذُ القرنِ الخامسِ قبلَ الميلادِ وانقرضتْ نهائياً عامَ 100 للميلادِ. وإن ظلتْ هناكَ بعضُ كلماتِها في لغتِنا ولهجاتِنا المحكيةِ منها والمكتوبةِ.
ورغمَ هذا تبقى اللغةُ الأكاديةُ النبعَ الذي سقى الأدبَ الآشوريّ والبابليّ حتى أزمنةٍ متأخرةٍ .
وعلينا أن نميزُ فيها ثلاثَ مراحلَ:
الأولى : ما قبلَ سرجون . والثانيةَ: العهدَ السرجوني. والثالثةَ: عهدَ سلالةِ أور.
وقد انقسمتْ إلى لهجتين : وبعضُهم يسمّيها لغتين أكاديتين .
آ- اللغةُ الآشوريةُ في شمالِ بلادِ ما بينَ النهرين ونميزُ فيها :
1- الآشوريةَ القديمةَ : وتبدأ من 2000 إلى 1500 قبلَ الميلادِ.
2- الآشوريةَ الوسيطةَ: وتبدأ من 1500 إلى 1000 قبلَ الميلادِ.
3- الآشوريةَ المتأخرةَ: وتبدأ من 1000 إلى 600 قبلَ الميلادِ أي أنها تنتهي بسقوطِ نينوى عاصمةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ 612 قبلَ الميلادِ على يدِ الميديين.
ب- اللغةُ البابليةُ وتُقسمُ إلى:
1- اللغةِ البابليةِ القديمةِ: وتبدأ من 2000 إلى 1500 قبلَ الميلادِ.
2- البابليةِ الوسطى : وتعودُ للفترةِ ما بينَ 1500 إلى 1000قبلَ الميلادِ .
3- البابليةِ المحدثةِ أو المتأخرةِ: وتعودُ إلى 1000 قبلَ الميلادِ وإلى القرنِ الأولِ الميلاديّ .
وكانتِ الحضارةُ البابليةُ قد ظهرتْ ما بينَ القرنين الثامنِ عشرَ والسادسِ عشرَ قبلَ الميلادِ. وكما نعلمُ فإنّ بابلَ أولُ مراكزَ للحضاراتِ القديمةِ. وتُشيرُ الوثائقُ إلى أنهُ في العصرِ الآشوريّ الأخيرِ. كانتِ البابليةُ هي المستعملةَ حيثُ سادتِ الشرقَ حتى وصلتْ إلى الصينِ وغرباً إلى مصرَ وعيلامَ والأناضولِ.
ومع تأسيسِ الإمبراطوريةِ البابليةِ الحديثةِ أي الكلدانيةِ تبدأ اللغةُ الآراميةُ لتحلَّ محلَّ اللغةِ الأكاديةِ منذُ عامِ 539 قبلَ الميلادِ. أي في القرنِ السادسِ قبلَ الميلادَ.
وإذا كانتِ اللغةُ الأكاديةُ قد نشأتْ في جنوبِ العراقِ وامتدتْ إلى وسطهِ وشمالهِ والعالمِ، فإنّ اللغةَ التي نشأتْ في الساحلِ السوريّ وفي المنطقةِ الشماليةِ الغربيةِ فهي الكنعانيةُ ونستطيعُ تقسيمُها إلى فرعين :
آ- الكنعانيةِ البدائيةِ أو الأمِّ: وتبدأ قبلَ 2000سنةٍ قبلَ الميلادِ.
ويتفرعُ عن الكنعانيةِ البدائيةِ اللغاتُ التاليةُ:
1- الكنعانيةُ الشرقيةُ : والمقصودُ بها هنا لغةُ الأموريين وقد ظهرتْ منذُ 2000 إلى 1400 قبلَ الميلادِ.
2- اللغةُ الكنعانيةُ السينائيةُ البدائيةُ : وتبدأ من 1500 إلى 1450 قبلَ الميلادِ.
3- اللغةُ الكنعانيةُ الجنوبيةُ :ولها فرعان هما:
- لغةُ بيبلوس (جُبيل) وقد وجدتْ حوالي 700 قبلَ الميلادِ. وتتفرعُ عنها لغةُ الفونيك.
- اللغةُ الفينيقيةُ وتستمرُ من 1000 سنةٍ قبلَ الميلادِ إلى 50 سنةً قبلَ الميلادِ.
وأما الفرعُ الثاني للكنعانيةِ الجنوبيةِ:
تتضمنُ لغةَ جاءتْ من خلالِ (رسائلِ تل العمارنة) بمصرَ. وتبدأ هذهِ الفترةِ من 1400 قبلَ الميلادِ إلى 1300 قبلَ الميلادِ.
وهنا يبدأ الظهورُ الأولُ للغةِ العبريةِ البدائيةِ الأمِّ :
وتبدأ هذهِ الفترةُ من القرنِ الثالثِ عشرَ والثاني عشرَ قبلَ الميلادِ
ويتفرعُ عن العبريةِ البدائيةِ اللغاتُ التاليةُ:
1- لغةُ العمونيين (وهم شعبٌ كنعانيٌّ) .2- لغةُ الآدوميين.3- لغةُ المؤآبيين .4- لغةُ مملكةِ يهوذا.(وهنا نقصدُ عبريةَ الكتابِ المقدسِ في عهدهِ القديمِ وتُدعى بالعبريةِ الكلاسيكيةِ ويعودُ تاريخُها إلى القرنِ العاشرِ قبلَ الميلادِ).
5- لغةُ إسرائيلَ أو مملكةُ إسرائيلَ.
واللغةُ الكنعانيةُ هي لغةُ أهلِ الساحلِ السوريّ وموطنُها رأسُ شمرا .وكانتْ قد ظهرتْ وانتشرتْ منذُ القرنِ الحادي عشرَ قبلَ الميلادِ وحتى القرنِ الخامسِ قبلَ الميلادِ. وتُقسمُ اللغةُ الكنعانيةُ( الفينيقيةُ) بحسبِ تطورِها واستمرارِها إلى ثلاثِ مراحلَ: ( المرحلةِ القديمةِ. والمتوسطةِ، والحديثةِ).وتتألفُ الأبجديةُ الفينيقيةُ من 22 حرفاً أبجدياً .مع أهميةِ الإشارةِ إلى تأثرِ (الأوغاريتيةِ) بما اكتسبَهُ أولادُ عمومتِهم من الكنعانيين أثناءَ عملِهم في كتابةِ اللغةِ القبطيةِ ( الهيروغليفيةِ).والذين نقلوا من المعانيّ اللغويةِ ما لا يُستهانُ بهِ. لأن الفراعنةَ كانوا يستقدمون أيديَ عاملةً ـ المهرةَ من الكنعانيين ـ لرسمِ الرموزِ في اللغةِ الهيروغليفيةِ .
وهناكَ صلةُ قرابةٍ حقيقيةٍ بينَ الكنعانيةِ وبينَ العبريةِ والفلسطينيةِ والموآبيةِ والعمونيةِ والآراميةِ وتفترقُ الكنعانيةُ (الفينيقيةُ) عن الأكاديةِ كونَ الأبجديةِ ليستْ واحدةً وإن بقيتِ اللغةِ الفينيقيةِ ( الكنعانيةِ) سجينةَ الخطِّ المسماريّ حتى اندثرتْ في القرنِ الأولِ الميلاديّ.
إنما ما قدّمتهُ للعالمِ الغربيّ آنذاكَ من أبجديةٍ تمكّنُ أهلَهُ من توليدِ أبجدياتٍ مختلفةٍ لهُ منها.
وأما عن قرابةِ الآراميين من الفينيقيين فهم بالحقيقةِ أولادُ عمومةٍ ولا شكَّ في هذا القولِ من خلالِ استنتاجاتٍ عدةٍ وقراءاتٍ تاريخيةٍ وعرقيةٍ ولغويةٍ .
أما الفرعُ الثاني للمنطقةِ الشماليةِ الغربيةِ للغاتِ الساميةِ فتتضمنَ :
آ- الآراميةَ البدائيةَ :وتبدأ من 1400 إلى 1000قبلَ الميلادِ.
وعنها تأتي الآراميةُ القديمةُ. التي تبدأ من القرنِ العاشرِ إلى القرنِ الثامنِ قبلَ الميلادِ.
ثم تليها الآراميةُ الرسميةُ :التي استخدمتها الإمبراطورياتُ كالآشوريةِ والبابليةِ والفارسيةِ.
وتبدأ من 700 إلى 300 قبلَ الميلادِ.
ومن هذهِ اللغةِ انطلقتْ عدةُ لهجاتٍ حسبَ ظهورِها وأماكنِها منها:
( آراميةُ زنجرلي، وآراميةُ مصرَ، وآراميةُ الكتابِ ( سفر عزرا)، وآراميةُ بلادِ موزوبوتاميا ( ما بينَ النهرين) .وآراميةُ المنطقةِ العربيةِ، وآراميةُ بلادِ فارسَ، وآراميةُ أفغانستان، وآراميةُ باكستان.
ومن الآراميةِ الرسميةِ:
يظهرُ لدينا الآراميةٌ الوسطى:
والتي تبدأ من 300 قبلَ الميلادِ إلى 200 بعدَ الميلادِ وهي التي تحدثَ بها السيدُ المسيحُ
ويتفرعُ عن اللغةِ الآراميةِ الوسطى اللغات ُالآراميةُ التاليةُ:
آ- الآراميةُ الفلسطينيةُ والمنطقةُ العربيةُ وتشملُ :
1- آراميةَ سفر دانيال.
2- آراميةَ الأنباطِ (البتراء سلع).
3- آراميةَ مخطوطاتِ قمران.
4- آراميةَ المربعاتِ .
5- آراميةَ العهدِ الجديدِ (الكتابِ المقدسِ ـ الإنجيلِ).وكتاباتِ المؤرخِ اليهوديّ يوسيفوس فلافيوس المولودِ في أورشليم عامَ 38 ميلاديةً.
6- آراميةَ كُتبِ الربانيين اليهودِ المبكرةَ( وكلمةُ الربانيين جمعٌ لكلمةِ رابي وهو حاخامٌ يهوديٌّ معلمٌ ومفسرٌ للشريعةِ ).
ب- آراميةَ سوريةَ وما بينَ النهرين ( موزوبوتاميا).وتشملُ على:
1- آراميةِ حضارةِ تدمرَ.
2- آراميةِ الحضرِ جنوبِ غربي مدينةِ نينوى أو الموصلِ.
3- البابليةِ المبكرةِ .
ج- الآراميةَ الوسطى وعنها نشأتِ الآراميةُ المتأخرةِ ما بينَ 200 إلى 700 ميلاديةٍ.
وتفرعَ عنها عدةُ لغاتٍ آراميةٍ:
1- ( الآراميةِ السوريةِ (كلُّ ما كُتبَ ويخصُّ المسيحيةَ في سوريةَ) .الآراميةِ الفلسطينيةِ .الآراميةِ السامريةِ ( السامرة).والآراميةِ الفلسطينيةِ اليهوديةِ.أي لغةِ الترجومِ الفلسطينيّ.
2- الآراميةِ الشرقيةِ:
وتشملُ السريانيةَ المستخدمةَ في الكنيستين. اليعقوبيةِ ويقصدون بها الكنيسةَ السريانيةَ الإنطاكيةَ . والكنيسةَ النسطوريةَ ( الكنيسةَ الآشوريةَ الشرقيةَ).
3- الآراميةِ المتأخرةِ :ويعنون بها الآراميةُ الحديثةُ فقد وجدتْ في سوريةَ ولازالتْ هي لغةُ أهلِنا في بلداتِ ومدنِ القلمونِ ( معلولا وجبعدين، وبقعا) .وفي جبالِ طورعبدين وكردستان وأذربيجان( طورابورا) وفي سهلِ نينوى بالعراق .
ونذكرُ هنا اللغةَ الساميةَ الجنوبيةَ الغربيةَ والتي تنشأ عنها اللغةُ العربيةُ البدائيةُ ولها فرعان:العربيةُ الشماليةُ والتي تبدأ من 500 سنةٍ قبلَ الميلادِ إلى 300 للميلادِ وتشملُ اللغاتِ (الثموديةَ واللحيانيةَ ).
والعربيةَ الكلاسيكيةَ وتظهرُ من 400 للميلادِ وفيها دّونَ القرآنُ الكريمِ وعنها نشأتِ اللهجاتُ العربيةُ الحديثةُ .
وأما الساميةُ الجنوبيةُ الشرقيةُ: فنجدَ ظهورَ العربيةِ الجنوبيةِ حوالي 800 سنةٍ قبلَ الميلادِ وحتى 600 ميلاديةٍ، وتشملُ لغاتِ سبأ وقتبان وحضرموتِ ومعينَ وأوسان، ويتفرعُ عنها أيضاً العربيةُ الجنوبيةُ الحديثةُ في سوقطرةَ والمهرة وشاور.وعن العربيةِ الجنوبيةِ تنشأ اللغةُ الأثيوبيةُ حوالي القرنِ الأولِ الميلادي وعنها تأتي اللهجاتُ الأثيوبيةُ تغرينا وتغري والأمهرية وهراري وغوراغي وغفتا وأرغوبا.
و بعدَ هذهِ المنهجيةِ من التقسيماتِ الإداريةِ للغاتِ نبدأ باللغةِ الآراميةِ فنقولُ :
كانَ للآراميين في دمشقَ لغةٌ محكيةٌ قبلَ اختراعِ أبجديتِهم ولم تكنْ بعيدةُ عن محيطِها اللغويّ.
وبعدَ أن استنبطَ أهلُها أبجديتَهم وأضحتْ لغتُهم لغةً مكتوبةً . في ذلكَ الفضاءَ الواسعَ الذي يبدأ من دمشقَ ويمتدُ إلى الصينِ والهندِ والعالمِ. علينا أن نقرّ بأنّ الأبجديةِ الآراميةِ كانتْ نتيجةَ جهدٍ بشريّ دمشقيّ المنبتِ والهوى ولكنهُ لم يأتِ من فراغٍ بل من تجربةٍ لغويةٍ بشريةٍ تمتدُ عبرَ الأزمنةِ والجغرافيا .من حضارةِ سومرَ في الشرقِ وإلى أهلِ رأسِ شمرا في الشمالِ الغربي من دمشقَ. إلى سيناءَ ورسائلِ تل العمارنة في الغربِ، كلُّ هذا الإرثِ اللغويّ تمّ استنساخُ خلاصتهِ من خلالِ الأبجديةِ الآراميةِ التي تسمتْ فيما بعدُ بالسريانيةِ الآشوريةِ . ونستطيعُ أن نميزَ في اللغةِ الآراميةِ مايلي:
1- أنها تُكتبُ من اليمينِ إلى الشمالِ كما الكنعانيةِ والعبريةِ والعربيةِ فيما بعدُ.
2- والآراميةُ لم تحدْ عن سياقِ ترتيبِ أبجديتِها عن أبجدياتِ اللغاتِ التي سبقتها
وإنّ كانتْ أبجديتُها تُختصرُ بـ( أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفس، قرشت).
والآراميةُ أقربُ للكنعانيةِ ( الأوغاريتيةِ من غيرِها).
وتبدأ كما قلنا منذُ القرنِ العاشرِ قبلَ الميلادِ وحتى 300 سنةٍ بعدَ الميلادِ.
ولكنها هي الأخرى مرتْ بمراحلَ ثلاثٍ:( الآراميةِ الرسميةِ والمتوسطةِ والآراميةِ المتأخرةِ).
وتلتقي الآراميةُ تاريخياً وجغرافياً مع اللغاتِ الساميةِ وغيرِ الساميةِ القديمةِ من حيثُ الوظيفةُ والمهامُ والتقنياتُ التي شكلتْ مداميكَها الأولى .ففي الشرقِ اللغاتُ. السومريةُ والأكاديةُ والبابليةُ والآشوريةُ.
وفي الجنوبِ الإفريقي نجدُ لغةَ الحبشةِ ولغةِ جنوبِ الجزيرةِ العربيةِ .كما وتلتقي مع الغربيةِ والجنوبيةِ والفصحى وبقيةِ اللهجاتِ العربيةِ .
فالسريانيةُ هي حصيلةُ تطورِ للغةِ الآراميةِ ولا خلافَ بينهما ما دامتِ الأبجديةُ واحدةً . الخلافُ الوحيدُ هو في رسمِ الكلمةِ بينِ آراميةٍ وسريانيةٍ.وما أصابَ المجتمعاتِ من تغيراتٍ سياسيةٍ وقعَ على تسمياتِ اللغاتِ التي كانتْ تتحدثُ بها تلكَ الشعوبُ .
ولا يجوزُ أن نقولَ إنّ السريانيةَ لهجةٌ من لهجاتِ اللغةِ الآراميةِ .سيما في موضوعِ الكتابةِ وكما بيّنا سابقاً. وكما للآراميةِ لهجاتٌ في أرضِ أجدادِها وتاريخِ نشأتِها .هكذا للسريانيةِ لهجاتٌ .والخلافُ المثارُ والمتداولُ ممن يدرسون تاريخَ اللغاتِ الساميةِ القديمةِ ومنها السريانيةُ. ينكرُ بعضُهم أن تكونَ السّريانيةُ والآراميةُ واحدةً متناسين أن الأبجديةَ واحدةٌ. وهذا معيارٌ علميّ في هذا الشأنِ والسياقِ .
ونحسمُ القولَ بأنّ السريانيةَ ليستْ لهجةً من لهجاتِ الآراميةِ .
كما ينكرُ بعضُهم أن تكونَ السريانيةُ هي اللغةَ التي يتحدثُ بها أهلُنا في العراقِ ويكتبون بها ـ والدليلُ هنا هو في موضوعِ الأبجديةِ والخطِّ الإسطرنجيلي ـوأتحفظُ على مَنْ يقولُ إنّ لغةَ أهلِنا في آشور و(نينوى ). وما يُحيطُ بها بأنها لغةٌ آشوريةٌ. بمعنى اللهجةِ الشماليةِ للغةِ الأكاديةِ قديماً .إنّ أهلَنا في الكنيسةِ الشرقيةِ أو المسيحيين العراقيين اليومَ كمكوّنٍ قوميّ في الحقيقةِ لا يكتبون ولا يتحدثون بأبجديةٍ أكاديةٍ أو لغةٍ آشورية كما يزعمون. بل بأبجديةٍ آراميةٍ سريانيةٍ .فاللغةُ السريانيةُ ــ التي يتحدثُ بها شعبُنا الممتدُ في الزمنِ والتاريخِ والجغرافيةِ ـــ. في جوهرِها هي لغةٌ آراميةٌ سُميتْ بالسريانيةِ فيما بعدُ سنأتي على إيضاحاتٍ حولَ التسميةِ من الآراميةِ إلى السريانيةِ أو الآشوريةِ .
فما هي اللغة ُالسّريانيةُ ؟!
اللغةُ السّريانيةُ، هي دوحةٌ من أصلِ اللغاتِ السّاميةِ وهي الآراميةُ عظماً ولحماً، تاريخاً وعلماً. أبجديةٌ محكمةٌ لم تتغيرْ مع مرورِ الزمنِ وحتى اشتقاقاتُها اللغويةُ واحدةٌ ولا يمكنُ الفصلُ بينَ جوهرِ الآراميّةِ والسّريانيّةِ على الإطلاقِ. لأنّ الأبجديةَ هي واحدةٌ وموحدةٌ كما قلنا. إنما الفصلُ يكونُ فقط برسمِ الكلمةِ، والتقنيّةِ التي اعترتْهَا المتغيراتُ الإيجابيةُ. وليسَ في المعنى والجوهرِ والوظيفةِ .
وأما العصرُ الذهبيّ للغةِ السريانيةِ فقد كانَ ما بينَ القرنين الرابعِ والقرنِ السادسِ الميلاديين حيثُ تميزَ هذا العصرُ بوفرةِ الإنتاجِ الأدبيّ والعلميّ وبرزَ عددٌ كبيرٌ من الأعلامِ خصوصاً في مجالِ الأدبِ والشعرِ والفلكِ، وأحدُ روادِ تطورِ اللغةِ السريانيةِ هو القديسُ أفرامُ واسمهُ الحقيقيّ هو مردوخ . المتوفى في عامِ 373م ويسمى بكنارةِ الروحِ القدسِ، وقبلَ أن يذهبَ إلى الرها قامَ بتعميدهِ خالهُ مار يعقوب النصيبيني واسمُ أمّهِ لمار أفرام نحشيرتا وكانَ من مؤسسي مدرسةِ نصيبين . ولا يفوتنا الشاعُر برديصان في مدرسةِ الرُها الذي سبقَ الشاعرَ مار أفرام مردوخ في الشعرِ والأدبِ وكانَ قد ولدَ عامَ 154ميلاديةً وتوفى 225ميلاديةً.
والسؤال كيفَ تكوّنتِ الأبجديةُ الآراميّةُ التي هي أساسُ السّريانيةُ ؟!!
إن موعدَ نشوءِ اللغةِ الآراميةِ المتطورةِ عن اللغاتِ التي سبقتْها كانَ خلالَ القرنِ الرابعِ عشرَ إلى القرنِ العاشرِ قبلَ الميلادِ وكانَ اختراعُ الأبجديةِ الآراميةِ قفزةً نوعيةً في عالمِ اللغةِ والألسنِ القديمةِ ما جعلها لغةَ العلمِ والتجارةِ العالميةِ والدوليةِ آنذاكَ. وسادتْ وزاحمتِ اللغةَ الأكاديةَ حتى أسقطتها منذُ نهايةِ القرنِ الخامسِ وبدايةِ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ كما أسلفنا سابقاً. وانتشرتِ الأبجديةُ الآراميةُ كالنارِ في الهشيمِ في الشرقِ القديمِ .لسهولتِها لفظاً وكتابةً .وكانتْ تؤدي القصدَ والمقصودَ بسهولةٍ لم تعرفْها الشعوبُ في المنطقةِ من قبلُ مع لغاتِها القديمةِ .
وفي القرنِ الرابعِ قبلَ الميلادِ كانتِ الآراميةُ قد غدتِ اللغةَ الرسميةَ والوحيدةَ في المنطقةِ من إيرانَ وأرمينيا وآسيا الصغرى إلى الأردنِ وسيناءَ جنوباً والبحرِ المتوسطِ وتميزتِ الآراميةُ بتطورِها في القرنين التاليين الثالثِ والثاني قبلَ الميلادِ حيثُ تميزتْ بلهجتين شرقيةٍ انتشرتْ في بلادِ النهرين وأرضِ آشورَ (بالعراقِ الحالي) وفي الغربِ في بلادِ دمشقَ التي سُميتْ فيما بعدُ ببلادِ الشامِ فكانَ هذا التميزُ طريقاً إلى ظهورِ التسميةِ السريانيةِ.
وفي التسميةِ هناكَ عدةُ آراءٍ: فبعضُهم افترضَ أنهُ مصطلحٌ يونانيّ معتمدين على فتحِ الاسكندرِ المقدوني لبلادِ الشمسِ أو عبادةِ الشمسِ ( سوريةَ) في القرنِ الرابعِ قبلَ الميلادِ 312 قبلَ الميلادِ .وأنّ الإغريقَ هم من أطلقوا كلمةَ سريانَ أو سيريا على سكانِ سوريةَ ولغتِهم لأننا لم نجدْ للفظةِ سريانيةِ أن وردتْ في العهدِ القديمِ بل كانتِ الآراميةَ. ويتفقُ مع هذا القولِ ما جاءَ في كتابٍ للمطرانِ اقليمس يوسف داود عامَ 1896م ( اللمعةُ الشهيةُ في نحو اللغةِ السريانيةِ) .كما ويتفقُ أكثرُ العلماءِ على أن لفظةَ سريانيّ هي نفسُها سوريّ حيثُ كانَ الإغريقُ قد أطلقوها على الآشوريين ولكونهم أسقطوا الألفَ في كلمةِ آشور ـ آسّوريا ـ لتصبحَ سوريا واستعملَ هيرودتوس لفظةَ سوريا أو سيريا للإشارةِ إلى الأجزاءِ الغربيةِ من الإمبراطوريةِ الآشوريةِ .
ولكنّ عالمَ السامياتِ الألمانيّ ثيودور نولدكه أولُ من أشارَ إلى رجوعِ كلمةِ سريانَ إلى الآشوريين سنةَ 1881م حيثُ استشهدَ بأعمالِ جون سلدون سنةَ 1617م .وقد تمَّ الإثباتُ من خلالِ نقوشِ (جينكوي) في جنوبِ شرقي تركيا حيثُ ظهرتْ ترجمةُ لفظةِ آشور بالفينيقيةِ بكلمةِ سوريا .
وإذا كانَ علماءُ الغربِ قد أدلوا بدلوهم فإنّ في قاموسِ زهيرا ( عربيّ سريانيّ) للقسين شليمون خوشابا وعمانوئيل بيتو يوخنا يذكرُ القاموسُ أن تسميةَ السريانِ والسريانيةِ هي تحريفٌ فارسيّ يونانيّ للاسمِ آثور أو آشورَ مستندين إلى ظاهرةِ تبادلِ الأصواتِ ( ش ـ س) أو ( ت ـ ث) بينَ اللهجتين الشرقيةِ والغربيةِ ولو سلمنا بهذا فتكونُ السريانيةُ والآشوريةُ ذاتَ دلالةٍ واحدةٍ وكلمتين مترادفتين في جوهرهما .والجميعُ يتفقُ على أنّ اسمَ سريانَ ولغةً سريانيةً قد حلّ محلَّ اسمِ آرامَ ولغةً آراميةً .
وهذا تمَّ بعدَ الميلادِ وليسَ قبلَهُ وأقدمُ الوثائقِ التي تذكرُ مصطلحَ اللغةِ السريانيةِ بدلاً من اللغةِ الآراميةِ تعودُ إلى عامِ 132م في مملكةِ الرّها .وكانتْ مملكةُ الرها أولَ مملكةٍ تعتبرُ السريانيةَ لغةً رسميةً لها. ولكن السريانيةَ المكتملةَ اليومَ نضجتْ حرفاً وقواعدَ بعدَ القرنين الرابعِ والخامسِ الميلاديين فسريانُ القرون الثلاثةِ الأولى أشبهُ بالآراميةِ. وهنا يرى العلماءُ بأن السريانيةَ هي تطورٌ طبيعيّ للغةِ الآراميةِ.
وممن أدلى بدلوهِ في هذا الجانبِ ما جاءَ في قولِ المطرانِ الكاتبِ والشاعرِ اسحق ساكا يقولُ إنما سميتْ بالسريانيةِ :( نسبةً إلى شخصٍ يُدعى سوريوس). وغيرِها من آراءٍ. وأميلُ إلى التحليلِ الذي يعتمدُ على تقنيةِ اللغةِ اليونانيةِ ومجيء اليونانِ إلى بلادِ الشمسِ ( سوريةَ).
ومهما كانَ فقد أصبحتِ اللغةُ الآراميةُ تُدعى بالسّريانيةِ وتجاوزتْ ديمومتُها أكثرَ من ألفٍ ومئةِ عامٍ وحلتْ محلَّ بقيةِ اللغاتِ القديمةِ السائدةِ .وذلكَ لعدةِ أسبابٍ أهمُّها سهولةُ أبجديتِها حيثُ انتشرتْ في بابلَ وسومرَ وبلادِ آشورَ وبلادِ ما بينَ النهرين العليا والوسطى، وفارسَ والهندِ والسندِ وبلادِ سوريةَ الطبيعيةِ التي تقعُ شرقي البحرِ المتوسطِ وسيناءَ وبلادِ الحجازِ واليمنِ وحضرموتَ والبحرين(دلمن) .
واستمرتْ في نفسِ التسميةِ الآراميّةِ حتى القرنين السادسِ والسابعِ الميلاديين عندَ الكثيرِ من القبائلِ التي لم تدخلِ المسيحيةَ وانحسرَ وجودُها أثناءَ الغزوِ العربيّ الإسلاميّ للديارِ الشاميةِ وبلادِ ما بينَ النهرين حوالي عامِ 633 إلى 644م وما بعدَ .
وتتكوّنُ اللغةُ الآراميةُ ـ السريانيةُ ـ من اثنين وعشرين حرفاً صامتاً وثلاثةِ حروفِ علةٍ. وتتفقُ السريانيةُ مع الكنعانيةِ أو الأوغاريتيةِ الفينيقيةِ بـ 22 حرفاً صامتاً دونَ حروفِ العلةِ .
وجميع ُالحروفِ السّريانيّةِ تقبلُ الاتصالَ بالحرفِ الذي قبلَها، وثمانية ُحروفٍ تدعى بالواقفةِ لا تقبلُ الاتصالَ بما بعدَها. .
والسّريانيةُ على لهجتين: الشرقيةِ وهي الكلدانيةُ والآثوريةُ وتنتشرُ في العراقِ وإيرانَ وجبالِ زغاروس.
والغربيةِ في سوريةَ ولبنانَ. والفرقُ بين اللهجتين هو في نقاطِ بعضِ الحركاتِ والحروفِ وفي رسمِ الخطِّ ليسَ إلاّ.
فالشرقيةُ: لها سبعُ حركاتٍ هي:تباخا ويُقالُ لها سقابا وتقابلُ الفتحةَ بالعربيةِ ورباصا تُقابلُ الضمةَ، وارواصا عبارةٌ عن ضمةٍ مائلةٍ إلى الفتحِ، وزلاما بثيقا عبارةٌ عن كسرةِ مائلةِ للفتحِ، زلاما قشيا وتقابلُ كسرةً مائلةً للفتحِ، وحباصا أو خواصا تُقابلُ الكسرةَ بالعربيّ.
أما اللهجةُ الغربيةُ:
لها خمسُ حركاتٍ وهي: فتوحو تُقابلُ الفتحةَ بالعربيّ وسقوفو تُقابلُ الضمةَ المائلةَ إلى الفتحِ. وربوصو وهي كسرةٌ مائلةٌ إلى الفتحِ، وعصوصو تُقابلُ الضمةَ بالعربيةِ، وحبوصو وتقابلُ الكسرةَ بالعربيةِ.
ويلاحظُ أنّ حروفَ الهجاءِ السّريانيةِ 22 اثنان وعشرون حرفاً، مثلُ الأحرفِ الفينيقيةِ. بينما نجدُ أنّ الحروفَ العربيةَ 29 حرفاً (تسعةٌ وعشرونَ حرفاً)وترتيبُها يختلفُ عن ترتيبِ الأبجديةِ السّريانيةِ، ولدى السريانُ حروفٌ مضاعفةٌ يختلفُ فيها اللفظُ حسبَ وقوعِها في سياقِ الجملةِ. وهي الحروفُ التاليةُ:
الباءُ وتلفظُ باءً أو (v) حسبَ وقوعِها في الكلمةِ ... التاءُ وتلفظُ ثاءً أحياناً ... الجيمُ وتلفظُ بالجيمِ المصريةِ أو بلفظِ الغينِ ... الدالُ وتلفظُ دالاً و ذالاً ... الحاءُ وتلفظُ خاءً في السّريانيةِ الشرقيةِ ... الكافُ وتلفظُ كافاً عربيةً وخاءً ...
وهناكَ تقاربُ لغويُّ بينَ السّريانيةِ والعربيةِ، يتوزعُ بينَ اللفظيّ، وعبرِ الأعدادِ، وفي الكلماتِ رغمَ تغييرِ حرفٍ واحدٍ بينَ اللغتينِ أحياناً وفي الألفاظِ المتباعدةِ التي تمتلكُ رسوباتِها في العربيةِ !
كلماتٌ عربيةٌ ـ سريانيةٌ متشابهةٌ، وهنالكَ ما لا يحصى من الكلماتِ المتشابهةِ بينَ اللغتينِ العربيةِ والسريانيةِ، سواءً بصورةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ. هنا نسجلُ عينةً بسيطةً على سبيلِ المثالِ.نماذجَ كلماتٍ متشابهةٍ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ Lبعيرو = بهيمة // برتقالي = ليمونوا // حصان = سسيو (بالعربيّ ساسَ الخيلِ) // بقرة = تورتو (مؤنثُ ثورٍ).
أما الخلافاتُ اللغويةُ بينَ لهجاتِ الآراميةِ فليسَ بوسعنا الحديثُ المسهبُ عنها لكننا نشيرُ بعجالةٍ إلى أنّ تلكَ الخلافاتِ كانتْ منذُ نشأتِها ما بينَ بلادِ آشورَ وآرامَ ويزدادُ الخلافُ في الفترةِ المسيحيةِ والانقساماتِ التي حدثتْ ما بينَ النساطرةِ واليعاقبةِ .
وأما عن اللغةِ التي يسمونها بالسورتِ، فبعدَ مراجعتِنا لعددٍ من المقالاتِ التي تخصُّ هذا الجانبَ تبينَ لنا بأنهُ ليسَ هناكَ دراساتٌ علميةٌ إنما هناكَ استنتاجاتٌ تقولُ: إنّ اللغةَ التي يتحدثُ بها أهلُنا في شمالِ العراقِ اليومَ وجنوبِ شرقي تركيا يسمونها بالسورثِ. هذهِ اللغةُ كانتْ قد ولدتْ منذُ القرنِ الثامنِ أو العاشرِ قبلَ الميلادِ في بلادِ موزوبوتاميا نتيجةَ اختلاطِ اللغةِ الأكاديةِ بالآراميةِ. وهذا التلاقحُ اللغويُّ بينهما حدثَ عندما جلبَ الآشوريون ما يقاربُ من أربعةِ ملايين آراميٍّ من مناطقِ شمالِ وغربِ سوريةَ الحاليةِ إلى قلبِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ.وأكثرُ من ذلكَ الوجودِ الآراميّ في جنوبِ ووسطِ العراقِ اليومَ أدى إلى تزاوجٍ لغويٍّ وأنتجَ لغةً مشتركةً ومستقلةً بنفسِها عن لغةِ أهلِ المنطقةِ برمتِها وباتتِ اللغةَ المحكيةَ لكلّ من آشورَ وبابلَ منذُ القرنِ الثامنِ قبلَ الميلادِ . أما نحنُ لايمكنُ أن نجزمَ بالأمرِ على أنها هذهِ هي الحقيقةُ مالم يكنْ هناكَ دراساتٌ فائضةٌ حولَ هذهِ اللغةِ سيما هناكَ أدبٌ شعبيٌّ شفهيٌّ يمثلُ الثقافةَ الشعبيةَ التي تختزنُ حِقباً تاريخيةً واجتماعيةً. وما لم يتوفرْ مرجعٌ مؤكدٌ عن هذهِ اللغةِ.
وممَن عَمِل َ في المجالِ اللغويّ نستطيعُ أن نتلمسَ البداياتِ التي كانتْ مع :
1- يوسف الأهوزي نسبةً إلى الأهوازِ وكانَ أستاذاً في مدرسةِ نصيبين وتوفى في 580م.
2-ويعقوب الرهاوي، المتوفى 708، وقيلِ 710، اشتغلَ بآدابِ اللغةِ السّريانيّةِ وألّفَ فيها كتاباً كانَ عمدةً وسنداً يُرجعُ إليهِ.
3-وأشهرُ نحاةِ السريانِ( يشوع دناح) المتوفَّى في القرنِ الثامنِ .
4- حنين بن اسحاق 873 .
5-والياس الطيرهالي 1049 وقد نهجَ في اللغةِ السريانيةِ منهجَ نحاةِ العربِ وغيرِهم.وقالَ صاحبُ (اللباب): (إن الحروف الهجائيةَ في اللغةِ الساميّةِ تُبدلُ من حروفٍ أخرى وتبدأُ بالساكنِ، وصيغةُ الجمعِ تتبعُ الفعلَ إذا أُسندَ إلى فاعلِ جمعٍ بخلافِ العربيّةِ):
ولا نريدُ أن ندخلَ في جوانبَ لغويةٍ ومقارناتٍ بينَ الضمائرِ في اللغاتِ الساميةِ بل نكتفي إلى أنّ هناكَ تقارباً واضحاً في هذا المجالِ.
ولكن من خصائصِ السّريانيةِ أن ليسَ للسّانِ السّريانيّ أداةُ تعريفٍ للأسماءِ. والخصوصيةُ الثانيةُ هي وجودُ أداةٍ خصوصيّةٍ لإضافةِ الاسمِ إلى اسمِ آخرَ، وهي الدالُ تدخلُ على المضافِ إليهِ. وأنّ ميمَ الجمعِ تُقلبُ فيهِ إلى نونٍ. والمثنّى لم يبقَ منهُ أثرُ في اللسّانِ السّريانيّ.
والحركةُ التي لا يعقبُها مدٌّ أو حرفٌ مشدَّدٌ أو حرفٌ ساكنٌ تسقطُ دائماً في اللفظِ السريانيّ إلاَّ إذا أوجبَ إبقاؤها صعوبة.والحروفُ الهجائيةُ في اللغةِ الساميّةِ الأصليّةِ تُبدلُ من حروفٍ لأخرى.والاسمُ المفردُ وجمعُ المؤنثِ السالمِ إذا لم يلحقْ بهما شيءٌ يطلقُ آخرهما بالألفِ. والنونُ في بعضِ الأسماءِ الأوَّليّةِ تُقلبُ إلى راءٍ.
كما نجدُ صيغتين فُقدتا من اللغاتِ الساميةِ وبقيتا في اللغةِ السّريانيةِ وهما سفعل وشفعل.
كذلكَ وفي السّريانيةِ يصيرُ آخرُ الاسمِ (آ) وهو أداةُ التعريفِ. (الكتاب : خْثوبا). (الخبز: لِحْما)
كما يبدأُ الفعلُ بالنونِ في صيغةِ المستقبلِ مثلُ: (سأقتل: نْكوتيل)
أصولُ الكلماتِ في السّريانيةِ ثلاثيةٌ كما في اللغاتِ الساميةِ. وهي الفاءُ والعينُ واللامُ، وما عداها زائدٌ إذا تغيَّرتِ الحركاتُ في وسطِ الكلمةِ تغيَّر المعنى ولا يوجدُ باللغةِ السّريانيّةِ تضعيفٌ،ولا مثنى وإن وجدْنا بعضَ الآثارِ لذلكَ. وتبدلُ النونُ راءً في بعضِ الأسماءِ (ابن: إبرا)، (ابنة، برجا).
وقدْ ظلتِ السريانيّةُ لغةً أدبيّةً حيّةً حتى القرنِ الرابعِ عشرَولم تزلْ لغةً طقسيّةً لدى الكنائسِ السّريانيةِ الشرقيّةِ والغربيّةِ حتى اليوم.
وأما عن الخطوطِ في اللغةِ السريانيةِ بلهجتيها:
1- الخطُّ الأسرنجيلي: ويعني المدورَ نسبةً إلى شكلهِ أو نسميهِ خطَّ الإنجيلِ. ويُسمى بالتقليدي . وبالسريانيةِ ( سرطوأيونكَليو). وهو أقدمُ الخطوطِ وأكثرُها شيوعاً في القرونِ المسيحيةِ الأولى وقد يُسمى بالغربيّ. ويُعرفُ بالبسيطِ واليعقوبيّ والمارونيّ ويحتوي هذا الخطُّ على خمسِ حركاتٍ .
2- خطُّ مدنحايا أي الشرقيّ.ويُسمى أحياناً سوادايا ومعناهُ الشائعُ . وتكتبُ به ( كنيسةُ المشرقِ الآشوريةُ والكنيسةُ الكلدانيةُ) .
3- سرطو(غربي).
وهناكَ خطوطٌ أخرى منها الأورشليمي والمارديني والمنكاري. وهناكَ مَن يختصرُ هذهِ الخطوطَ فيقولُ:( شرطو أو سرطو. غربي، مدنحايا شرقي وأسطرنكيلا أو أسطرنجيلي أي تقليدي).وهناكَ كتابةٌ كرشونيةٌ ومعناها أن يُكتبَ بالسريانيةِ معاني اللغةِ التي تُترجمُ إليها كالعربيةِ أو التركيةِ أو الفارسيةِ.
خلاصة ُالقولِ، إنّ اللغةَ الآراميةَ التي اخترعَها الآراميون الأوائلُ أصبحتْ مصدراً لمعظمِ الكتاباتِ الحاليةِ في العالم .
ولأنّ الكثيرَ من أبناءِ السريانيةِ يكتبون باللغةِ العربيةِ أبحاثَهم وكتاباتِهم فقد وجدْنا أن نُقدمَ في هذا السياقِ ما الصلاتُ الحضاريّةُ واللغويّةُ بينَ السّريانيّةِ والعربيّةِ.
هُناكَ علاقةٌ وثيقةٌ ما بينَ السّريانيّةِ والعربيّةِ قبلَ الإسلامِ وبعدَهُ، ولا يُخفى على أحدٍ ممَن قرأَ التاريخَ ليتبينَ فضلَ (السريانِ) الكبيرَ على العربِ والعربيةِ. ولولاهم ما كانَ للعربِ تلكَ المعرفةُ في اللغةِ والخطِّ والترجمةِ وغيرِها. وهنا نقفُ عندِ الخطِّ العربيّ الذي تمَّ اشتقاقهُ من الخطِّ الاسطرنجيليِّ حيثُ تمّ أولاً اشتقاقُ الخطِّ الكوفيّ من الخطِّ الاسطرنجيلي وكانَ ذلكَ في القرنِ الأوّلِ قبلَ الإسلامِ حيثُ كانَ السريانُ الأوائلَ الذين علّموا العربَ القراءةَ والكتابةَ.
كما نتجَ عن إحدى حالاتِ الآراميةِ ( السريانيةِ) الكتابةُ العربيةُ المربعةُ والخطان التدمريُّ والنبطيُّ، ومن هذا الأخيرِ جاءَ الخطُّ العربيّ بأشكالهِ العديدةِ .
وقد جاءَ في العقدِ الفريدِ لابن عبدِ ربهُ وفي الجزءِ الثاني ..أنّ ثلاثةً من طيء اجتمعوا ببقعةٍ (وهم مرارُ بنُ مرة. وأسلمُ بنُ سعدة.وعامرُ بنُ جدره) فوضعوا الخطَّ وقاسوا هجاءَ العربيةِ على هجاءِ السريانيةِ.فتعلمهُ قومٌ من الأنبارِ. وجاءَ الإسلامُ وليسَ أحدٌ يكتبُ بالعربيةِ غيرُ بضعةِ عشرَ إنساناً. وهكذا قالَ: السيوطي في المزهر ج1.وصاحبُ الفهرستِ ص40 نقلاً عن ابنِ عباسٍ ما يشبهُ قولَ صاحبِ العقدِ.كما روى البلاذري في فتوحِ البلدان ص471كلاماً مطولاً على هذا النحوِ، مفادهُ أن اللغةَ السريانيةَ أساسُ العربيةِ.وقالَ: الآثريّ الشهيُر فيليب برجه في كتابهِ عن أصولِ الكتابةِ ص287. ما تعريبهُ (أنّ الكتابةَ العربيةَ وجدتْ.وكانتْ نصرانيةً قبلَ أن تتحولَ إلى إسلاميةٍ).وإذا قلْنا نصرانيةً فنقولُ بذاتِ الفعلِ سريانيةً.فالفضلُ الكبيرُ إذاً في تعلمِ الكتابةِ للعربِ يرجعُ لنصارى السريانِ الذين علّموها لنصارى العربِ حيثُ كانوا وحيثُ بشروا.ونحن إن قلْنا عربٌ لا نقصدَ إلاّ سكانَ شبهِ جزيرةِ العربِ.ولا نعني مطلقاً سكانَ سوريةَ من الذين يتكلمون بما يريدون تسميتَهُ اليومَ بالعربيةِ.لأنّ هؤلاءِ همْ مسيحيون سريانٌ أقحاحٌ منهم مَن أسلمَ عندِ الغزو الإسلامي.ومنهم مَن بقيَ على دينهِ .
هذا بالنسبةِ للخطِّ ومعرفةِ اللغةِ. أعتقدُ أنّ قراءاتي التاريخيةَ في هذا الجانبِ كانَ للسريانِ دورٌ لايتوقفُ عندَ هذا الحدِّ. بل همُ الذين أغنوا مسيرةَ النهضةِ العلميةِ عندَ العربِ وهمْ مَن علّمهمُ القراءةَ والكتابةَ. وقاسَ العربُ هجاءَ العربيةِ على هجاءِ السريانيةِ. ومن قبلُ نجدُ أثرَ السريانيةِ في بلادِ الحجازِ ومكةَ والمدينةِ. وجاءَ أن الرسولَ العربيّ محمداً بنَ عبدِ اللهِ :يقولُ لحسانَ بنِ ثابتٍ أتجيدُ السريانيةَ قال لا؟! قالَ اذهبْ وتعلمْها لأنها لغةُ الملائكةِ .هذا ما جاءَ في كتابِ صبح الأعشى للقلقشندي.فقد روى محمدٌ بنُ عمرِ المدائني .في كتابه القلم والمداواة.قولَ الرسولِ والذي يقطعُ الشكَّ باليقينِ.
(لزيدٍ بنِ ثابتٍ أَتحسنُ السريانيةَ؟! قالَ.لا..قالَ.تعلمْها لأنها لغةُ الملائكةِ…).
ويقولُ صاحبُ صبح الأعشى.أنّ حسانَ ذهبَ وتعلمَها في سبعةَ عشرَ يوماً.وإذا سألنا أنفسَنا ما الذي تعلمَهُ حسانُ في هذهِ المدةِ القصيرةِ وهل كانَ عبقريَّ زمانهِ…؟ لقد تعلمَها نحواً وصرفاً (قراءةً وكتابةً).لأنهُ كانَ يتحدثُ بها كلاماً.سيما وأن محمداً بنَ عمرِ المدائني. يعدُّ كلامَ الرسولِ من الأقوالِ المسندةِ لا الضعيفةِ؟.
ولماذا لم يحضَّ الرسولُ زيداً بنَ ثابتٍ على تعلّمِ اللغةِ العربيةِ؟!! أولاً لم تكنِ اللغةُ العربيةُ قد وجدتْ آنذاكَ .وثانياً هو كانَ قد سمعَ عن هذا الأمرِ ــ بأنّ اللغةَ السريانيةَ هي لغةُ الملائكةِ وآدمَ ــ.أجل كانَ يسمعُ كلَّ هذهِ المعارفِ في ديرِ حراءِ الذي كانَ ديراً للرهبان. ونُشيرُ إلى أن زوجةَ الرسولِ الأولى خديجةَ ابنةَ عمِّ المطرانِ ورقةِ بنِ نوفلٍ(مطرانِ مكةَ أو بكةَ). الذي كانَ على مذهبِ النساطرةِ .كانتْ لغتُها سريانيةَ اللهجةِ الآشوريةِ الشرقيةِ، النسطوريةِ. ولم يذكرِ التاريخُ أنهما كانَا على خلافٍ لغويّ لأنهما كانا يتحدثان الآراميةَ ( السريانيةَ) المستعملةَ هناكَ...ونعني (اللهجةَ الشرقيةَ الآشوريةَ).
ويقولُ البير أبونا في كتابهِ (تاريخُ الكنيسةِ الشرقيةِ) ج1.إن ّاللغتين العربيةَ والسريانيةَ تنتميان إلى دوحةٍ واحدةٍ هي الآراميةُ.وهنا أتحفظُ على ماجاءَ في قولِ البير أبونا من أن السريانيةَ والعربيةَ تنتميان إلى دوحةٍ واحدةٍ.وتحفظي يشملُ السريانيةَ لأنها والآراميةَ ذاتُ الدوحةِ( الشجرةُ الوارفةُ).إنما أرى أنّ العربيةَ من خلالِ ماسبقَ فهي غصنٌ من أغصانِ الآراميةِ (السريانيةِ).وهنا نتحدثُ علمياً عن العربيةِ المكتوبةِ وليستِ العربيةُ التي كانَ يتحدثُ بها عددٌ من القبائلِ ولكلٍّ منهم لهجتهُ الخاصةُ بهِ.
وأمّا أثرُ السريانيةِ على العربيةِ فقد أقرّ ذلكَ عددٌ من الباحثين هذا التأثيرَ وأثرَ السريانيةِ على اللغةِ العربيةِ.وأهمُّ هؤلاءِ (بروكلمان ومجموعةٌ من الباحثين )، إذ " في القرنِ الرابعِ قبلَ الميلادِ، قامتْ دولةُ الأنباطِ العربيةِ، وامتدتْ من خليجِ العقبةِ إلى دمشقَ، وشملتْ معظمَ شمالي جزيرةِ العربِ، وكانتْ عاصمتُها سلعَ أو البتراءَ.وعربُ البتراءِ استعملوا الآراميةَ في كتاباتِهم بينما كانوا يتحدثون باللهجةِ التي يسمّونها عربيةً ويقول بروكلمان : إن الكتاباتِ المختلفةَ التي نقشتْ على قبورِ سلعَ(البتراءِ) ، تدلُّ على أن الأنباطَ قد استعملوا في هذهِ النقوشِ اللغةَ الآراميةَ التي كانتْ لغتَهم الرسميةَ حتى في ظلِّ الأخمينيين". أجل لأنّ الحروفَ الهجائيةَ لم تكنْ قد استنبطتْ عندَ عربِ الشمالِ وحينَ ظهرتِ الحاجةُ للكتابةِ كانَ من الطبيعي أن يأخذوا أبجديتَهم التي كتبَ بها القرآنُ من الآراميةِ التي استعملَها الأنباطُ .
وبعدَ الإسلامِ : تبدأ عمليةُ التلاقحِ الثقافيّ بينَ السّريانيةِ والعربيةِ في عهدِ الأمويين بشكلٍ واضحَ المعالمِ وتبلغُ أوجهَا مع الفترةِ العباسيةِ، ما كانَ له الأثرُ البالغُ في النهضةِ العلميةِ التي عرفتها الحضارةُ الإسلاميةُ في هذهِ الفترةِ .
لقد " كانَ لاتساعِ دولةِ الإسلامِ، وحاجةِ العربِ إلى ما عندَ الأممِ من العلومِ أقوى البواعثِ على طلبِ الفلسفةِ والعلومِ، ونقلِ تلكَ العلومِ إلى اللغةِ العربيةِ، وبما أن الطابعَ العربيّ هو الذي ميزَ الدولةَ الإسلاميةَ في عهدِ الأمويين 41 – 132 هـ / 661 – 749م، بقيتِ الدولةُ الأمويةُ عربيةَ المظهرِ، كما لم يبتعدِ الخلفاءُ الأمويون عن هذا الطابعِ إلا في المجالاتِ التي دفعتُهمُ الظروفُ إليها دفعاً، لقد كانوا بصددِ إرساءِ أسسٍ جديدةٍ لدولةٍ ناشئةٍ على نهجٍ لم يكنْ للعربِ بهِ عهدٌ من قبلُ، وكانَ بودّهم أن يستكملوا كلَّ مقوماتِها، ولم يكنْ بدٌّ من أن تواجههم مشكلاتٌ نتيجةَ لما يمارسون من نشاطٍ جديدٍ، كلُّ ذلكَ جعلهم يلجؤون إلى ذوي الخبرةِ فيما جدَّ من أمورٍ، فهم لم يناقضوا أنفسَهم حين استمدوا العونَ من كلِّ قادرٍ عليهِ من أهلِ الثقافاتِ اليونانيةِ والسريانيةِ، ما أتاحَ للعقليةِ العربيةِ أن تُلقحَ بلقاحٍ علميّ جديدٍ حملهُ إليها السّريانُ على وجهِ التحديدِ ".
" وكانَ للناطقين بالسّريانيةِ الفضلُ في يقظةِ العربِ العامةِ، ونهضتِهم الفكريةِ في بغدادَ زمنَ العباسيين خاصةً، ما لم يكنْ مثلهُ لأمةٍ، تلكَ النهضةِ التي غدتْ ولا تزالُ مفخرةَ العصرِ العباسي القديمِ، فقد كانَ العالمُ العربيّ الإسلاميّ ما بينَ 133 – 236 هـ / 750 – 850 م مسرحاً لحركةٍ من أبرزِ الحركاتِ وأخطرِها في تاريخِ الفكرِ …
فكانَ السّريانُ همُ العقلَ والروحَ والوعيَ والتحققَ والتجسدَ الذي عبرتْ عليهِ هذهِ العلومِ لتصلَ إلى العربِ المسلمينِ،لابل همْ أسُّها ونسغُها، وهمْ ولولاهمْ ما وجدنا تلكَ العلومَ اليونانيةَ محمولةً في الفكرِ العربيّ فيما بعدُ وكانَ أن استفادَ العربُ من وجودِ السريانِ التراجمةِ وأصحابِ المدارسِ الذين مكنّوا العربَ من التعرفِ إلى الأنشطةِ الثقافيةِ اليونانيةِ، وفي جهةٍ ثانيةٍ لابدّ من الإشارةِ إلى رغبةِ الحاكمِ العربيّ في تطويرِ آلياتِ الفكرِ عبَر هؤلاءِ الجهابذةِ السريانِ .
والحقُّ يُقالُ، إنَّ شغفَ بعضِ الخلفاءِ بالعلمِ وتعلقهمْ بالمعرفةِ كانَ لهما الفضلُ في بروزِ هذهِ الناحيةِ، ولقد وجدَ هؤلاءِ المثقفون من الخلفاءِ ورجالاتِ البلاطِ إسنادَ هذهِ المهمةِ الساميةِ والضروريةِ إلى علماءِ السّريانِ ليكونوا واسطةَ العقدِ في حركةِ الترجمةِ والنقلِ التي نشطتْ على أيديهمْ أكثرَ من سائرِ الأممِ، إيماناً منهم بقدرةِ هؤلاءِ على القيامِ بهذهِ المهمةِ الشاقةِ، وقد ساعدَهمْ في ذلكَ مرونةُ لغتِهمُ السريانيةِ وإحاطةُ هؤلاءِ التراجمةِ بالعلومِ التي ترجموها مع تضلعِهم العميقِ فيها، بالإضافةِ إلى تعمقهمْ في آدبِ اللغتين العربيةِ واليونانيةِ.
وبعدَ هذا فقد مرَرْنا على اللغةِ الآراميةِ السّريانيّةِ الآشوريةِ، وتشكلِّها الأولِ، وكيفَ تطوَّرَتْ، وأثرتْ في مختلفِ اللغاتِ السابقةِ لها، فاستوعبتْها وهضمتْها وطوَّرتْها، وأغنتْ بحرفِها الآراميِّ السريانيِّ المتطورِ أصلاً عن الأبجديةِ الفينيقيّةِ التي كانت ــ أحدَ أغصانِ الآراميةِ ــ ورأينا أثرَها في العالم ِالمشرقيّ وحتى مصرَ والبلادِ التي سيسكنُها العربُ الذين كانوا يتحدثون إحدى لهجاتِ اللغةِ الآراميةِ وكيفَ سيأتي اليومُ ليستعيروا ويقيسوا أبجديَّتَهم بعدَ خطِّهم من اللغةِ السريانيّةِ، كلُّ هذا وتأثيرُ السريانيّةِ على اللغةِ العربيّةِ فيما بعدُ وتقارضُهما في العديدِ من الكلماتِ وحتى في الصيغةِ النحويّةِ والصرفيّةِ .
إنّ اللغةَ السريانيةَ (الآراميةَ ) لايمكنُ أن تكونَ اللغةَ الأكاديةَ ولهجتيها. ولايمكن أن تكونَ اللغةَ الكنعانيةَ الفينيقيةَ الأوغاريتيةَ ولا السينائيةَ ولا لغةَ بيبلوس ولا تلَ العمارنةِ في مصرَ بل هي لغةٌ مستقلةٌ أثبتتْ جدارتَها وهي التي نكتبُ بها كما أسلفنا.مع الإشارةِ ونكررِ.
إن اللغةَ السريانيةَ المحكيةً ليستِ اللغةَ السريانيةَ المكتوبةَ.ونعودُ مرةً ثانيةً لنؤكدَ للإخوةِ أنّ علينا أن نميزَ بينَ الأسلوبِ السياسيّ الدبلوماسيّ والمنطقِ العلمي المبني على وثائقَ تاريخيةٍ وأبحاثٍ علميةٍ، وهو أن اللغةَ التي يتحدثُ بها الآشوريّ والطوعبدينيّ والسوريّ الجزريّ وأبناءُ شعبِنا أينما وجدوا في المغترباتِ ومن الذين ولدوا في بيوتٍ تتحدثُ اللهجةَ الشرقيةَ (لهجةَ آشورَ) أو ممن ولدوا وأهلُهمْ يتحدثون اللهجةَ الغربيةِ، لهجةَ الرّها.فإنهمْ يتحدثون السريانيةَ المحكيةَ. فإذا كُنّا نقرّ من خلالِ الوقائعِ التاريخيةِ بأنّ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ هي إمبراطوريتُنا.فإن اللغةَ التي نتحدثُ بها اليومَ هي اللغةُ الآراميةُ، السريانيةُ والتي سادتْ على الإمبراطوريةِ الآشوريةِ وتحدثتْ بها وليستْ باللغةِ الآشوريةِ التي كانتْ لهجةً أكاديةً على الإطلاقِ . ــ إلا إذا أخذنا اسمَ اللغةِ من خلالِ الشعبِ الذي يتحدثُ بها وهو ليسَ بالشعبِ الذي أنتجَها في شكلِها الأبجديّ أقلَ ما يمكنُ ـــ وكما سبقَ وقلنا اللغةُ الآشوريةُ (اللهجةُ الشماليةُ للغةِ الأكاديةِ) كانتْ قد انتهتْ منذُ ما قبلَ الميلادِ بسنواتٍ طِوالٍ .
هذا القولُ الذي نتبناه لا نتبناه إلا من خلالِ المعطياتِ التاريخيةِ والبحثيةِ ولا نتبنى رأياً مزاجيّاً أو شوفينياً.فإذا كانَ لنا إمبراطوريةٌ آشوريةٌ. وعرفنا العالم في المحافلِ الدوليةِ باسمِ القضيةِ الآشوريةِ فهذا لايمكنُ أن يُلغي أنّ اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها ومن خلالِها هي اللغةُ الآراميةُ التي سُميتْ بالسريانيةِ .
ونحنُ في قياسِنا للغتِنا نأخذُ بقياسِ لغتين الأولى هي اللغةُ العربيةُ:
التي سُميتْ بالعربيةِ نسبةً إلى يعربَ بنِ قحطانَ .فإننا نقيسُ عليها وبها اللغةَ الآراميةَ ( السريانيةَ) والتي تُنسبُ إلى آرامَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ.
أو قياسُنا الثاني :كما في موضوعِ وحقيقةِ اللغةِ الإنكليزيةِ:
التي ظلتْ تسميتُها مستقلةً عن الأقوامِ التي تتحدثُ بها .
إنّ التاريخَ البشريَّ بجميعِ محمولاتهِ ومنتجاتهِ الفكريةِ والثقافيةِ والعلميةِ والإبداعيةِ. هو في حالةِ مثاقفةٍ دائمةٍ ولايمكنُ أن تكونَ المجتمعاتُ البشريةُ عبارةً عن سجونٍ مغلقةٍ بل هي في حالةِ تواصلٍ وتأثيرٍ وتأثرٍ، تأخذُ وتعطي، وهكذا اللغاتُ بشكلٍ عامٍ. ولايمكنُ أن تكونَ السريانيةُ حالةً لاتخضعُ لهذهِ القوانينِ الاجتماعيةِ والصيرورةِ التاريخيةِ .
فالسريانيةُ هي نتاجُ تجربةٍ بشريةٍ تمتدُ منذُ ما قبلَ سومرَ وأكادَ وبابلَ وآشورَ وآرامَ ودمشقَ وفينيقيةَ وسيناءَ والحبشةِ. إنها تمثلُ كلّ الفكرِ اللغويّ لشعوبٍ سبقتِ الآراميين في مكتشفِهم الجديدِ الذي هو أبجديةٌ آراميةٌ ومع تطورِ الزمنِ سُميتْ بالسريانيةِ.
والسؤالُ الهامُ جداً هل اللغةُ الإنكليزيةُ في كندا تُسمى باللغةِ الكنديةِ؟ أو في أمريكا تُسمى باللغةِ الأمريكيةِ، هل في الهندِ اللغةُ الإنكليزيةُ تُسمى الهنديةَ؟!!
إنّ اللغةَ الإنكليزيةَ هي إنكليزيةٌ أينما وجدتْ أو مَن تحدثَ بها. هكذا لغتُنا .
وخلاصةُ البحثِ ونتيجةً لماسبقَ، لمجموعةِ الأفكارِ التي طرحناها فإننا نقفُ على أنّ لدينا لغةً ندعوها بالسريانيةِ.وبعضُنا يقولُ عنها إنها آشوريةٌ وربما قالَ إخوتنا كلدانيةٌ.
بدأ ظهورُها قبلَ الميلادِ وأصبحتْ لغةً للتخاطبِ في بلادِ ما بينَ النهرين كلِّه منذُ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ وحتى ما بعدَ الميلادِ .ورأينا كيفَ بدأتْ تخبو عندما زاحمتْها اللغةُ العربيةُ .وإذا ما وقفنا على محصلةٍ لنتائجَ بحثيةٍ في تاريخِ اللغاتِ الساميةِ .علينا أن نقرَّ بـ:
1- أن اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها ومن خلالهِا.هي لغةٌ آراميةٌ وليستْ سريانيةً ولا آشوريةً ؟!!!
إذْ لم تكنِ اللغةُ الآراميةُ محضَ مصادفةٍ أو على شكلِ برقٍ واختفتْ سريعاً ـ نعني بهذا أنها بقيتْ أكثرَ من ألفين وسبعمئةِ سنةٍ تُسمى بالآراميةِ وسُميتْ بالسريانيةِ لأسبابٍ متعددةٍ منها ما أطلقهُ الإغريقُ على شعبِ سوريةَ .
فالسؤالُ المنطقيّ يطرحُ نفسهُ من خلالِ هذهِ المغالطةِ التاريخيةِ والمنطقيةِ والواقعيةِ والعلميةِ بالنسبةِ للغةِ . اليونانيون أطلقَ التسميةَ على شعوبِ المنطقةِ تسهيلاً لهم في التعاملِ مع الاسمِ. (السريانِ .أو بالآشوريين ).
لكنّ هذهِ التسميةَ تسميةٌ غيُر صحيحةٍ وغيرُ علميةٍ لأنها تُخالفُ الحقيقةَ العرقيةَ واللغويةَ لتلكَ الشعوبِ كما قلنا وبيّنا سابقاً، أي أنهم ظلموا الآراميين ولغتَهم بالتسميةِ. وعلينا أن نتفهمَ هذا الإجحافَ بحقِّ الآراميةِ والآراميين هذا أقلُ ما يمكنُ في البلادِ والممالكِ الآراميةِ الواقعةِ شرقي البحرِ المتوسطِ(بحرِ الرومِ) وحتى معَ الممالكِ التي بناها وأسسّها الآراميون في شرقي الفراتِ والتي تزيدُ على خمسِ وعشرين مملكةً آراميةً ..
ثانياً :إذا كانَ الأمرُ كما يطرحهُ المثقفون والكتبةُ السريانُ أمثالُ المطرانِ الشاعرِ والباحثِ المرحومِ اسحق ساكا الذي عرفتهُ مديراً لمدرسةِ الخابورِ للسريانِ الأرثوذكسِ بالحسكةِ منذُ نهايةِ الخمسينياتِ من القرنِ العشرين، والتقينا في هولندا وألمانيا بمطلعِ التسعينياتِ من القرنِ العشرين الماضي حيثّ يقولُ في كتابهِ (كنيستي السريانية). وفي الصفحة 22 و23 إنّ السريانيةَ ليستْ متأتيةً كما قالَ بعضُ الباحثين من (كورش ملكِ الفرسِ) ولا من التسميةِ السياسيةِ آثورّ والصحيحُ برأيهِ جاءتْ من خلالِ أقوالِ علماءٍ أمثالِ (مار ديونيسيوس يعقوب بن صليبي مطران آمد( ديار بكر( 1171) والمؤرخِ الكبيرِ مار ميخائيل البطريرك الأنطاكي 1199.فقد قالا إنّ السريانيةَ متأتيةٌ من سيروس الملكِ كنسبةٍ إليهِ(وهو ليسَ بسورس أو قورش الفارسي).. وهذا كانَ قد ظهرَ قُبيلَ النبي موسى وجنسهُ آراميّ وقد استولى على بلادِ سوريةَ وما بينَ النهرين وباسمهِ سمِّيتْ سوريا وأهلَها بالسوريين وعلى القياسِ نفسهِ فقد سُمِّيتْ قيلقيةَ نسبةً إلى قيليوس أخيه لسيروس ويتابعُ المطرانُ اسحق ساكا فيقولُ:
لقد تسمّى السريانُ بالسريانِ قبلَ السيدِ المسيحِ .أي بعدَ مجيء السلوقيين الإغريقِ ويُعيدُ موضوعَ كلمةِ سوريّ أو سريانيّ إلى الترجمةِ السبعينيةِ التي حدثتْ عامَ 280 قبلَ الميلادِ حيثُ تُرجمةُ لفظةِ آرامَ بكلمةِ سوريّ. وهكذا حلّ الاسمُ السريانيُّ السوريُّ محلَّ الاسمِ الآراميِّ. ويأتي أخيراً ليؤكدَ أنّ السريانيةَ أو السريانَ حلّتْ محلَّ الآراميةِ بفضلِ المسيحيةِ، وأنّ الاسمَ يأخذُ جانباً دينياً لا سياسياً .وقالَ المطرانُ كما غيرهُ إنّ الاسمَ السريانيَّ جاءَ من خلالِ اعتناقِ الآراميين للمسيحيةِ فأرادَ الآراميُّ المسيحيُّ أن يتميزَ عن الآراميِّ الوثنيِّ فقالّ بالسريانيِّ اسماً والسريانيةِ لغةً . أو أنهم قَبِلوا بالتسميةِ اليونانيةِ أن تُطلقَ عليهم .على الرغمِ من أنهم يعلمون بأنّ اسمَهم القوميَّ (الآراميَّ) سينمحي للأبدِ، وهكذا اسمَ لغتِهم .فهل كانوا على وعي مما يفعلون ؟! أم أنهم أمامَ مجدِ المسيحيةِ وتعاليمِها كلُّ شيءٍ لايستحقُ الوقوفَ عليهِ وعندَهُ؟!! كما فعلَ أهلُ الرها في مؤلفاتِ الفيلسوفِ والشاعرِ والمفكرِ برديصان حيثُ حرقوا ومزقوا وأتلفوا كلَّ ما كتبهُ هذا العبقريُّ لعاطفةٍ هوجاءَ لدى أهلِ زمانهِ الحمقى.ومما جاءَ في كتابِ (السريانُ الآراميون عبرَ التاريخِ) للخوري شابو الخوري . حيثُ نجدهُ يؤكدُ مَن سبقهُ بأنّ الآراميةَ لغةٌ لجميعِ الآراميين المنتشرين في بلادِ آرامَ ومن فارسَ إلى البحرِ المتوسطِ، وكانَ يُطلقُ عليهمُ اسمَ الآراميين لكن عندما استولى اليونانُ على هذهِ المنطقةِ عامَ 312 قبلَ الميلادِ أطلقوا على الأرضِ اسمَ سوريا مُحرفاً عن آشورَ ثمّ اختصروها إلى سوريا معَ أن شاعرَهمْ هوميروس دعا سكانَها بالآراميين ويقولُ : إنّ العلامةَ الأبَ( دي كارا ) كانَ قد قالَ إنّ اسمَ سوريا موجودٌ في الآثارِ المصريةِ قبلَ علماءِ الإغريقِ لابل قبلَ استيلاءِ الآشوريين على سوريةَ، وكانَ ذلكَ مكتوباً باللغاتِ الثلاثِ الهيروغلوفيةِ والمصريةِ واليونانيةِ بقرونِ. ويوردُ الخوري في كتابهِ ( السريانُ والآراميون عبرَ التاريخِ) تعددَ اللهجاتِ الآراميةِ فيقولُ :
الفينيقيةُ، الرهاويةُ، الفلسطينيةُ، التدمريةُ، النبطيةُ، السامريةُ، المندائيةُ ولكن أفصحَها هي اللهجةُ الرهاويةُ وبها تمتْ كتابةُ الأسفارِ الإلهيةِ.
ومهما يكنْ ومهما طالتْ مناكفتُنا للأفكارِ لابدّ أن ننتهي إلى أنّ هؤلاءِ الآراميين السريانَ الذين لم يعيروا أهميةً إلى اسمِهم القوميّ أوقعونا في ورطةٍ حقيقيةٍ دامتْ أكثرَ من ألفي عامٍ. وهي سببُ خلافاتِنا اليومَ حيثُ تظهرُ توابعُها الارتداديةُ وأعني بتلكِ الخلافاتِ الواقعةِ اليومَ المؤيدَ للاسمِ السريانيّ والمعارضَ وبينَ لغةٍ سريانيةٍ وتلكَ آشوريةٍ أو كلدانيةٍ .
ومن أجل هذا نأتي ونُعيد :
آ- الحقيقةُ أنّ اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها هي آراميةٌ وليستْ بسريانيةٍ أو آشوريةٍ .
لأنّ (السريانيةَ تعني حقيقةً آشوريةً بحسبِ ما أطلقهُ الإغريقُ علينا ).
وعلينا أن نميزَ بينَ مفهومي (الاسمِ والتسميةِ).فالاسمُ الحقيقيّ للشعبِ ذاكَ المتأتي من مبدأ وجودهِ وصيرورتهِ التاريخيةِ والجغرافيةِ والثقافيةِ.وما بينَ التسميةِ التي يُطلقُها الغرباءُ على هذا الشعبِ أو ذاكَ وخاصةً تلكَ التي لا تكونُ مطابقةً لحقيقةِ اسمهِ ولغتهِ .فما أطلقهُ الإغريقُ من تسميةِ سريانَ على جنسٍ هو آراميّ فهو ولايمثلُ الآراميين .
لكنّ المعضلةَ تكمنُ في عدمِ قبولِ الآشوريّ للغةِ التي دخلتْ على حياتهِ منذُ ستمئةِ عامٍ قبلَ الميلادِ وهي اللغةُ الآراميةُ، فهو لايقبلُ إلا وأن يُسمّيها بالآشوريةِ.على الرغمِ من أنّ اللغةَ التي يكتبُ ويقرأ بها الآشوريون والكلدانيون في نينوى وما جاورَها من أرضِ آشورَ هي آراميةٌ وليستْ كما يقولون إنها لغةٌ آشوريةٌ ويعنون بما عُرفتْ تاريخياً والتي كانتْ إحدى لهجاتِ اللغةِ الأكاديةِ.
ب- لنستقرْ على أمرٍ علميّ يتمثلُ في أن نُعيدَ ترتيبَ حقائقِنا اللغويةِ بتاريخيتِها وما أتاها عبَر مسيرتِنا فنقولُ:
إنّ اللغةَ التي نقرأ بها ونكتبُ هي آراميةٌ وليستْ بسريانيةٍ ولا آشوريةٍ ولا كلدانيةٍ.
لأنّ الفضيلةَ تقتضي أنْ نصوبَ خطأ تاريخياً أفضلَ من البقاءِ عليهِ. مع العلمِ نقرُّ على ما في هذا الأمرِ من صعوبةٍ تفوقُ صعوبةَ بناءِ مدينةِ في الهواءِ ـ وننبهُ إلى أننا سنبقى نتوهمُ بحقائقَ ليستْ هي الصحيحةَ ولا تحملُ النتائجَ العلميةَ لأبحاثٍ لغويةٍ ولها مفاعلاتٌ سلبيةٌ ومناكفاتٌ فكريةٌ ستؤدي لمزيدٍ من الانشقاقاتِ .
أجل . وبلى ونعم .نعلمُ علمَ اليقينِ من دونِ أدنى شكِّ بأنهُ أمامَنا أكثرَ من ألفي عامٍ حيثُ كانَ قد استقرَ الاسمُ السريانيّ سواءً أكانَ على اللغةِ أو الشعوبِ في المنطقةِ . (اللغةُ السريانيةُ، الشعبُ السريانيّ وهو في حقيقتهِ آراميٌّ وفينيقيٌّ في سوريةَ، وآشوريٌّ في العراقِ الحالي ) .
نحن نعلمُ بأنّ أهلَنا الذين ينحدرون من بلادِ آشورَ وأرضِ نينوى التاريخِ لايقبلون لابل يرفضون أن نسمّي لغتَنا بالسريانيةِ .فهذا الكلامُ مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً .
من هنا تأتي أهميةُ المشروعاتِ العلميةِ لترسيخِ قناعاتٍ واقعيةٍ وعلميةٍ من خلالِ الصيرورةِ التاريخيةِ لانتشارِ وتبني الآراميةِ بينَ أهلِنا في آشورَ منذُ ما قبلَ الميلادِ لأنهُ لايمكنُ لعاقلٍ ويرفضها. إنما يمكنُنا أن نقرَّ في سياقِ العلميةِ والتاريخيةِ بأنهُ لاضيرَ من قولِنا إنّ اللغةَ الآراميةَ لغةُ شعبِنا المنحدرِ من آشورَ ونينوى وسوريةَ الداخليةِ، وأنّ اللغةَ السريانيةَ (الآشوريةَ) لغةُ قومين ( آراميّ في الغربِ وآشوريّ في الشرقِ).
ونحنُ على قناعةٍ هناكَ العديدُ ممن لا ولن يقبلَ بهذا الرأيّ. بل سيبقى متمسكاً برأيهِ المؤلهِ والمقدسِ على الرغمِ من أن أغلبَ أمثالِ هؤلاءِ ليسوا بأكثرَ من مستهترين.فهمْ في الحقيقةِ معوقاتٌ أمامَ وحدةِ شعبِنا أينما وجدوا.
هذا هو رأينا الذي نتبناهُ بالمطلقِ مع تأكيدنا أنّ هذا الملفَ وأعني ملفَ اللغةِ وتسميتِها ليسَ مكتملاً ولا أفرضُ رأياً على أحدٍ، وأكررُ نحن بحاجةٍ إلى نتائجَ بحثيةٍ أوسعَ وأكثرَ قُرباً من الحقيقةِ التاريخيةِ، وأريدُ أن تمثلَ تلكَ الأبحاثُ طيوفَنا كافةً.وأنّ هذهِ الإشكاليةِ تستلزمُ الدعوةَ إلى عقدِ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ كتبنا في هذا الصددِ من قبلُ وهاكم ما كتبناهُ وطالبنا بهِ :
الدعوةُ إلى مؤتمرٍ لحلِّ إشكاليةِ التسميةِ الواحدةِ، واللغةِ الواحدةِ، والعلمِ الواحدِ. والخطابِ السياسيّ الواحدِ.رأيّ حرٌّ غيرُ ملزمٍ موجهٌ إلى الحريصين والمعنيين من أبناءِ شعبِنا على مختلفِ تسمياتهِ المناطقيةِ والهجويةِ والطائفيةِ والقبليةِ.
إذا أردنا أن ننقذَ ما بقيَ لنا من وجودٍ على أرضِ أوطانِنا، ونُحييَ عظمةَ تاريخِنا وحضارتِنا التي كانتْ قبلَ آلافِ السنين . وإذا أردنا أن نوقفَ الزمنَ ليسمعَ لنا، ولقضيتٍنا العادلةِ، وحقوقِنا المشروعةِ على ترابِ أجدادِنا .
فلا يتمُّ ذلكَ لا بالدعاءِ إلى اللهِ ولا بكثرةِ القديسين، ولا بجهودِ أحزابٍ مضى على نضالاتِها أكثرُ من سبعين عاماً ولم تفعلْ شيئاً.لنتوحدَ أمامَ رؤيةٍ واحدةٍ تقومُ على الأسسِ التاليةِ:
1- يتمُّ الإعلانُ عن مؤتمرٍ شاملٍ وجامعٍ ومانعٍ عنوانهُ :
(كيفَ نحلُّ إشكاليةَ التسميةِ واللغةِ والعلمِ الواحدِ والخطابِ السياسيّ الواحدِ؟) .
والبدايةُ أراها أن تتشكلَ لجنةٌ من مجموعةِ مثقفين مهتمين من أبناءِ شعبِنا نسمّيها لجنةَ المؤتمرِ .تتبنى مشروعَ إقامةِ مؤتمرٍ عالميّ بإشراكِ علماءِ لغةٍ عالميين ممن لهم اهتماماتٌ لغويةٌ وتاريخيةٌ.وبعدَ أن تستقرَ اللجنةُ على مجموعةِ محاورَ تقومُ بالإعلانِ عن المؤتمرِ وذلكَ بتوجيهِ دعوةٍ إلى صفوةِ المثقفين والباحثين والتاريخيين والإعلاميين والمفكرين والفنانين التشكيليين والسياسيين وحتى خيرةِ رجالاتِ كنائسِنا وإلى الشخصياتِ المستقلةِ المثقفةِ أصلاً من أبناءِ مكوّناتِنا العرقيةِ والطائفيةِ .
2- إخطارُهم بأنّ مَن يودُّ أن يكونَ مشاركاً ومحاضراً في هذا المؤتمرِ عليه أن يُسجلَ اسمَهُ لدى لجنةٍ نُسمّيها لجنةَ المؤتمرِ .بعدَ أن تكونَ اللجنةُ قد كتبتْ ونشرتِ التعليماتِ التاليةَ:
آ- كلّ من يودُّ حضورَ المؤتمرِ كمشاركٍ فعّالٍ (محاضرٍ) عليهِ أن يُقدمَ بحثاً علمياً. وبمنهجيةٍ بحثيةٍ تقومُ على المناهجِ التاليةِ:( المنهجِ التاريخيّ، المنهجِ الوصفيّ، والمنهج التحليلّي والمنهجِ المقارنِ )، لمعالجةِ الإشكاليةِ التي دعا إليها المؤتمرُ.نكررُها هنا لئلا يقولَ أحدٌ إنني لم أفهمْ قصدَكم.
كيفَ نتوصلُ إلى تسميةٍ جامعةٍ مانعةٍ يعتمدُها شعبُنا أمامَ المحافلِ الدوليةِ، وكذلكَ بالنسبةِ للغتِنا. وهكذا للعلمِ الواحدِ كي يمثلَنا؟!!
ب- مدةُ تحضيرِ وتقديمِ الأبحاثِ من قِبلِ الباحثين:تُحددُ بثلاثةِ أشهرٍ تُقدمُ إلى لجنةِ المؤتمرِ ـــ التي أرى أن تتشكلَ من أطيافِنا جميعاً وبالتساوي ـــ ويتمُّ اعتمادُ كلّ الأبحاثِ المقدمةِ دونَ استثناءٍ أو إقصاءٍ لأحدٍ مادامَ هذا الباحثُ كانَ قد سجلَ اسمَهُ لدى اللجنةِ المعتمدةِ ويُمثلُ أحدَ أطيافِنا حتى لو كانَ ممن يتحدثُ العربيةِ أو التركيةِ أو الفارسيةِ أو الكرديةِ أو الإنكليزيةِ أو الفرنسيةِ أو الألمانيةِ وغيرِها .
ت- يتمُّ تحديدُ مكانِ المؤتمرِ ومدتهِ . وذلكَ بحسبِ أعدادِ المحاضرين على ألا يزيدَ عددُ الأبحاثِ المقدمةِ يومياً على أربعِ محاضراتِ (صباحيةً ومسائيةً).يتلوها مناقشةٌ مسجلةٌ بالصوتِ والصورةِ وأكثرُ من مُحْضرٍ ( كاتبِ جلساتِ). وتتخللُها فتراتُ استراحةٍ .(قاعةُ المؤتمرِ تكونُ مزودةً بالأجهزةِ البصريةِ ووسائلِ الترجمةِ).
ث- تشكيلُ لجنةِ تقييمٍ للأبحاثِ المقدمةِ.
تتكوّنُ هذهِ اللجنةُ من أساتذةٍ وأئمةِ اللغةِ والتاريخِ وعلمِ النفسِ والتربيةِ والقانونِ والسياسةِ والدبلوماسيةِ. ( لجنةٌ مستقلةٌ تعملُ بسريةٍ كاملةٍ على متابعةِ الأبحاثِ أثناءِ الإلقاءِ والمناقشاتِ وتختارُ بحثاً من الأبحاثِ الأربعةِ المقدمةِ يومياً ليوضعَ كبحثٍ في مسابقةٍ تصفويةٍ لكاملِ الأبحاثِ التي ستُقدمُ في المؤتمرِ).
ج- شرطٌ غيرُ قابلٍ للنقاشِ. يقولُ : إن حضورَ هذا المؤتمرِ المزمعِ عقدهُ. أن تكونَ أعدادُ الحضورِ بالتساوي بينَ جميعِ التسمياتِ التاليةِ لأنها تمثلُ أبناءَ شعبِنا .
(1- الآشوريون، 2-الكلدانيون، 3- السريانيون، 4- الآراميون ,5-والموارنة)(مع تحفظي بأن السريانيةَ هي امتدادٌ للآراميةِ) . .مع حضورِ نخبةٍ من كلِّ الطوائفِ الكنسيةِ(تكونُ قد سجلتْ اسمَها سابقاً) .
شرطٌ أساسيّ حضورُ كلّ هؤلاءِ لإقرارِ نجاحِ هذا المؤتمرِ فوجودُ كلّ مَن يستحقُ الحضورَ والمشاركةَ أمرٌ هامٌ.على أن يكونَ هناكَ أكثرُ من خمسِ شخصياتٍ من كلّ التسمياتِ السابقةِ كمراقبين أيضاً في المؤتمرِ. عملُهم ينحصرُ في التنبيهِ لأيّ خطأ قد يحدثُ سهواً من قبلِ اللجانِ المعنيةِ بالمؤتمرِ من خلالِ مناقشاتِها.
ح- بعدَ الانتهاءِ من الجلساتِ النهائيةِ لمناقشةِ الأبحاثِ. تتمُّ عمليةُ قراءةٍ للأبحاثِ المستبعدةِ وتحديدِ الأسبابِ ( التعليلُ المنطقيّ والعلميّ ) ويُمكنُ هنا تقديمُ اعتراضاتٍ جديدةٍ قدْ يؤخذُ بها أو لا تأخذُ بها اللجنةُ المقيمةُ للمؤتمرِ والأبحاثِ.كما ويتمُّ تسميةُ الأبحاثِ التي أجمعتْ عليها لجنةُ الاختيارِ .فيتمُّ قراءةُ عناوينِ الأبحاثِ وأسماءِ الباحثين . وتعليلِ أسبابِ قبولِها في سياقِ المسابقةِ النهائيةِ .
خ- عندِ اكتمالِ قراءةِ الأبحاثِ المستبعدةِ والأسبابِ .تتمُّ عمليةُ تحضيرِ العناوينِ للأبحاثِ التي تمَّ اختيارُها لتكونَ عناصرَ دراسةٍ معمقةٍ من قبلِ المجتمعين كافةً بمشاركةٍ لكلّ مَن يودُّ المشاركةَ 3 دقائق فقط لكلِّ متداخلٍ.وبعدَها تتمُّ تصفياتٌ حتى يبقى معنا 3 ثلاثة أبحاثٍ نهائيةٍ. وهنا يتمُّ اختيارُ أفضلَ الأبحاثِ التي حددتِ التسميةَ بتعليلاتٍ علميةٍ وموضوعيةٍ وتاريخيةٍ وكذلك اسمَ اللغةِ واختيارَ العلمِ الواحدِ.
د- قبلَ الانتهاءِ من المؤتمرِ تتمُّ عمليةُ استراحةٍ لمدةِ يومٍ كاملٍ وبعدَهُ تتمُّ قراءةُ الإقرارِ النهائي للمؤتمرين على أن تكونَ التسميةُ لشعبِنا قد أُنجزت بكلّ موضوعيةٍ وعلميةِ غيرَ قابلةٍ للنقاشِ أو الرفضِ .
اسمُ الشعبِ …….؟!!! اسمُ اللغةِ……..؟!!شكلُ ولونُ العلمِ الواحدِ….
ذ- استدراكٌ في السياقِ نفسهِ :يمكنُ أن يُكلفَ المؤتمرُ منذُ اليومِ الأولِ الكتّابَ والشّعراءَ والفنّانين التشّكيليين بكتابةِ أناشيدَ يتمُّ اختيارُ أفضلِها من قبلِ المؤتمرِ. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ للوغو يُمثلُ أطيافَنا وكذلك علماً موحداً لنا .
ثم أرى أن يكونَ ما أقرهُ هذا المؤتمرُ ملزماً لكلّ أطيافِ شعبِنا سياسياً، واجتماعياً وكنسياً.وعليهِ نبدأ فعلياً أعمالَ نضالِنا بأن يتبنى المؤتمرُ عمليةً تقومُ على التوصلِ لقناعةٍ مطلقةٍ بأن النضالَ القوميّ يجبُ أن تتمَ فيهِ عمليةُ خصخصةٍ لأحزابِنا ومنظماتِنا وهيئاتِنا وقنواتِنا التلفزيونيةِ والإذاعيةِ والصحفيةِ ( لتوحيدِ خطابِها )..وأن يُعتمدَ على تشكيلِ أربعةِ أحزابٍ لاغيرَ تمثلُ نضالَنا لاسترجاعِ حقوقِنا المغتصبةِ بما فيها حقُّنا التاريخيُّ في أرضِ أجدادِنا ولو على جزءٍ منها .
وأن نعتمدَ الواقعيةَ السياسيةَ والموضوعيةَ ونبتعدَ عن كلّ ما يُسيء إلينا وإلى حضارتِنا وإنجازاتِنا الحضاريةِ والإنسانيةِ.والذي نستنتجهُ ونستخلصهُ مما سبقَ هو التالي :
إنّ لغةَ أيّ شعبٍ كان ليستْ دليلاً ومؤشراً على عرقهِ وانتمائهِ الدمويّ .
ومن هنا فإنّ لغةَ الشعبِ الآشوريّ الذي تكوّنَ هو الآخرُ عبرَ الزمنِ من شعوبٍ عديدةٍ وإن كانَ أكثرُ من 73% منه ينتمي إلى أرومةِ آشورَ. فإنّ لغتُهَ التي كانَ يتحدثُ بها وكانتِ الأكاديةَ لم تعدْ هي هي لغةَ القراءةِ والكتابةِ.بل حلتْ محلَّها اللغةُ الآراميةُ التي كانتْ قد سيطرتْ على الإمبراطوريةِ الآشوريةِ والبابليةِ الأكاديةِ الكلدانيةِ وأصبحتِ اللغةَ المحكيةَ والرسميةَ لتلكِ الشعوبِ.
أسجلُ خلالَ هذا البحثِ المقتضبِ أمرين اثنين هما:
1- إنّ اللغةَ السريانيةَ التي هي بالحقيقةِ لغةٌ آراميةُ وأننا قَبلنا بتسميتها بالسريانيةِ بناءً على ما أطلقهُ الإغريقُ عليها وعلى بني آرامَ فعلينا أن نقبلَ إضافةِ كلمةِ آشوريةٍ إليها لأنّ كلمةَ سريانَ تعني آشوريّ والعكسُ صحيحٌ بمعنى أنها لغةٌ آراميةٌ آشوريةٌ.
2- وعلينا تصويبَ العديدِ من الآراءِ التي كانتْ قد طُرحتْ منذُ أكثرَ من ألفِ عامٍ وما تلاها والتي تبيّنَ خطؤها من خلالِ التنقيباتِ الأثريةِ والدراساتِ العلميةِ التي تمَّ طرحُها مؤخراً . فإذا أبقينا تلكَ الآراءَ القديمةَ في سلوكيتِنا وتكوينِنا العقليّ والمعرفيّ ومثاقفاتِنا فنحن نعيشُ في حالةٍ كارثيةٍ حقيقيةٍ لأنّ الأجيالَ الحاليةَ والقادمةَ ستتبناها وستكونُ أحدَ الأسبابِ الإضافيةِ في عدمِ تحقيقِ الوحدةِ بينَ مكوّناتِنا. كما وأتبنى رأياً يقومُ في جوهرهِ على العلمِ ومنتجاتهِ ومثاقفاتهِ وليسَ على المزاجيةِ والرغباتِ الهوجاءِ في هذهِ المسائلِ .لهذا علينا تقعُ المسؤوليةُ التاريخيةُ والأخلاقيةُ إن لم نُعدْ ترتيبَ منتجاتِ أفكارِنا في مثلِ هذهِ القضايا وغيرِها، ونتبنى إعادةَ كتابةِ التاريخِ ومحمولاتهِ بأدواتٍ علميةٍ وموضوعيةٍ في كلِّ جوانبهِ التي تهمُّ المجتمعَ المشرقيّ قبلَ غيرهِ، وتهمُّ أبناءَ شعبِنا الآراميّ السريانيّ الآشوريّ الكلدانيّ المارونيّ .فإننا نسيرُ إلى منطقةٍ مظلمةٍ من توثيقِنا ومثاقفاتِنا على مختلفِ الصعدِ . وأخصُّ هنا الحديثَ عن اللغةِ وعلينا أن نثقَ بعدَ هذا الجهدِ المتواضعِ بإمكانِنا أن نسميها لغةً آشوريةً بالقدرِ نفسهِ الذي نقولُ فيهِ إنها لغةٌ سريانيةٌ.وأنْ نتخلى عن المنهجيةِ الشوفينيةِ والتعصبِ ونحن نجهلُ الحقائقَ .وألا نرفضَ الحوارَ الجادَ في أيّ فكرةٍ خاصةً تلكَ التي نعتبرُها تمسُّ ثوابتِنا ــ قد تكونُ تلكَ الثوابتُ قد بناها أسلافُنا على غيرِ حقيقتِها وواقعيتِها . ولانظلمُهم فالوسائلُ العلميةُ لم تكنْ بهذا القدرِ كما أن ظروفَهم وما عانوه من مذابحَ واضطهاداتٍ كلِّها كانتْ عواملَ ضاغطةً على كلّ مايطرحونه خاصةً عندما تشتتوا وعاشوا من دونِ إرادتِهم السياسيةِ وكلِّ مايتعلقُ بمنتجاتِ الحياةِ وصيرورتِهم التاريخيةِ. وما دمنا ندعي البحثَ عن الحقيقةِ علينا أن نتبنى مناهجَ الحقيقةِ العلميةِ وليسَ حتى المتواترَ من مثاقفاتِنا علينا أن نتخلصَ من المرحلةِ التي سبقتْ وكانتْ أغلبُ محطاتِها في هذا الجانبِ غيرَ علميةٍ لأننا على ثقةٍ بأنّ طمسَ الحقائقِ سيأتي الوقتُ لتنفضحَ كلُّ أسرارِ الماضي بمحمولاتهِ أمامَ الاكتشافاتِ والتنقيباتِ القادمةِ.
وأودُّ أن أرسخَ فيما قبلَ النهايةِ هذهِ المعلوماتِ عساها تكونُ مقنعةً، لهذا علينا أن نتأكدَ من معلومةٍ تقولُ بالنسبةِ إلى رعايا الإمبراطوريةِ الآشوريةِ ليسوا جميعاً بآشوريين بل كانوا يكتسبون آشوريتَهم من خلالِ المواطنةِ .إذْ كانَ هناكَ أكثرُ من عشرين قوميةً دخلتْ في بوتقةِ المواطنةِ الآشوريةِ ولكنها حافظتْ بالوقتِ نفسهِ على اسمِ قوميتِها مثال: الآراميون والكنعانيون ( الفينيقيون) .والآرارتو ( الأرمن) والحثيون والفلسطينيون .ومع هذا وجدنا ذوبانَ العنصرِ الأكاديّ (البابليّ) في بوتقةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ التي غلبَ عليها العنصرُ الآراميّ واللغةُ الآراميةُ قبلَ سقوطها بحوالي مئةِ عامٍ وأكثرَ.وكانتْ قوميةُ الأمةِ الآشوريةِ آنذاكَ تقومُ على هويةِ الدولةِ السياسيةِ والإداريةِ .ومن عدالةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ أنها كانتْ تعاملُ الكلَّ ضمنَ حدودِ المواطنةِ .ولكن الآراميين كانوا قد أحاطوا بنينوى وكالح ودورشاروكين من كلِّ أطرافِها كما الأراضي الواقعةِ ما بينّ دجلةَ والزابين وتلكَ الأرضُ كانتْ مثلثاً آشورياً، وعلينا أن نعلمَ بأنّ بعضَ الملوكِ الآشوريين كانَ قد تزوجَ من نساءٍ آرامياتٍ، مثلَ الملكةِ الآراميةِ القديرةِ ناقية-زاكوتو زوجةِ سنحاريب ووالدةِ أسرحدون وجدةِ آشوربانيبال،وكلُّ هذا ساهمَ في حملِ اللغةِ الآراميةِ أن تشقَّ طريقَها إلى قصور الملوك الآشوريين .
وأخيراً وليسَ آخراً أتمنى أن أكونَ قد قدمتُ مجموعةَ أفكارٍ بنيتُها على الأبحاثِ التي تعتمدُ العلميةَ والموضوعيةَ والتاريخيةَ والتنقيبيةَ وليستْ تلكَ التي غُررنا بها لعقودٍ من الزمنِ. كما ولا أدعي بأنني وقفتُ على كلّ الحقائقِ بل هو مشروعٌ سيتنامى إذا ما حققنا دعوةً دعونا إليها .وأقصدُ دعوةً إلى عقدِ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ لكلّ الباحثين والعارفين والمهتمين بشأنِ اللغةِ الآراميةِ السريانيةِ الآشوريةِ وغيرِها من أمورٍ تهمُّ شعبَنا بالدرجةِ الأولى وتهمُّ الأجيالَ الحاليةَ والقادمةَ.
والخلودُ لشهداءِ شعبِنا عبرَ التاريخِ . المجدُ للهِ ولشعبٍ يؤمنُ بحقهِ في الحياةِ ويناضلُ من أجلهِ.
المدرّس .اسحق قومي.ISHAK ALKOMI
شاعر ، وأديب وباحث سوري . أحد المهتمين بشأن الأقليات في الشرق الأوسط .
آذار 2021م.ألمانيا. مدينة شتاتلون.

الهوامش:1- الحصافة:أيّ ونعني هنا بالحصافة كان محكماً لا خلل فيه.
2- تقارض .يتقارض، تقارُضًا، فهو مُتقارِض، والمفعول متقارَض، تقارض الصَّديقان الكتبَ : أقرض كلّ منهما الآخرَ .


المراجع:
1- بحث حركة الترجمة السّريانية في العصر العباسي للباحث اسحق قومي 2016م.المقدم للمؤتمر العالمي الثاني الذي نادت به جامعة القاهرة عام 2016م.
2- ويكيبيديا
3- كنيستي السريانية للمطران اسحق ساكا. ص.22و23.
4-صبح الأعشى للقلقشندي.
5-الآثري الشهير فليب برجه (أصول الكتابة) ص 287.
6- البير أبونا في كنيسة المشرق.
7- البلاذري في فتوح البلدان ص 471.
8- السيوطي في المزهر.ج1.
9- كتاب القلم والمداواة .محمد بن عمر المدائني.
10- بروكلمان ومجموعة من الباحثين.
11- كتاب اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية .للمطران اقليمس يوسف داود .1897م.
12-عالم الساميات ثيودورنولدكه. الألماني.
13- إبراهيم السامرائي"دراسات في اللغتين العربية والسريانية"دار الجيل بيروت ومكتبة المحتسب عمان الطبعة الأولى 1985 ص 88 .
14- إبراهيم السامرائي"دراسات في اللغتين العربية والسريانية"دار الجيل بيروت ومكتبة المحتسب عمان الطبعة الأولى 1985 ص 88
15- الأباتي جبرائيل القرداحي، المناهج في النحو والمعاني عند السريان، تقديم الأب جوزيف شابو، دار المكتبة السريانية ـ حلب ، 2008 ، ص : 3
16- البراهين الحسية في تقارض السريانية والعربية ، ص : 10، 11 .
17- مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي - المكتبة التوفيقية - القاهرة - 1997م.
18- د. أحمد محمد علي الجمل ، أثر جهود السريان على الحضارة العربية الإسلامية ص : 3
19- الشحات سيد زغلول،السريان والحضارة الإسلامية، النهضة المصرية العامة للكتاب،ص: 91
20 - هانز شيدر ، روح الحضارة العربية، ترجمة بدوي، نقلاً عن " أثر جهود السريان في الثقافة العربية
21- أخدت فكرة التقسيم هذه أبعاداً أخرى أكثر سلبية مع الاستشراق الفرنسي "ارنست رنان"الذي اعتبر في كتابه "التاريخ العام للغات السامية"الذي نشر سنة 1878 أن السلالة السامية أدنى مستوى في تفكيرها وإنتاجها الأدبي والحضاري.
Louis Hjelmslev «le langage»les éditions de minuit paris 1966 p: 22
Ferdinand de Saussure»cours de linguistique générale» grande bibliothèque Payot paris 1995 p:
Louis Hjelmslev «le langage» p:
Ibid p0.
23- موسوعة العيون المعرفية للديانة المندائية ( الصابئة).
24- العقد الفريد لابن عبد ربه .ج2.
25- السريان الآراميون عبر التاريخ .للخوري شابو الخوري طباعة 2006م .ص68.
26- محاضرات للدكتور خزعل الماجدي حول الشعوب السامية واللغات السامية ( يوتوب).
27-الأول :1. Moscati, S. (ed.), AN INTRODUCTION TO THE COMPARATIVE GRAMMAR OF THE SEMITIC LANGUAGES: PHONOLOGY AND MORPHOLOGY (Harrassowitz, 1964) pp. 3-21.
28= 2. Albright, W.F., and Lambdin, T.O., THE EVIDENCE OF LANGUAGE in CAMBRIDGE ANCLIENT HISTORY (1966) Vol. I, Chap, IV.
ألمانيا في 4/3/2021م

التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد