سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا

عباس علي العلي
2021 / 4 / 7

الإسراء كان مقدمة للمعراج الذي تحدثنا عنه في المقال السابق وفهمنا من خلاله المعنى والصورة بعيدا عن روايات الحكائين والقصوخنيه الذي حولوا القضية إلى كوميديا سوداء مسخت الفكرة وأضاعت المعنى، وحيث فهمنا النهاية علينا الرجوع للبداية حتى تكتمل الرؤية وتنجلي حقيقة قضيتي الإسراء والمعراج كما هي واردة في النص بعيدا عن التهريج مرة والتشكيك مرة أخرى، وأول ما نفعل علينا معرفة معنى الإسراء والسري والتسري من خلال اللغة في زمانها ووفقا لمحددات علمية تغطي المعنى الأصلي والمعنى القصدي منها وما يربط بينهما من وشائج تبسط الحقيقة كما هي، فالإسراء (الإسراء والسرى: سير الليل، فمن قال: أسرى، قال: يسري إسراء ومن قال سرى، قال: يسري سرى، كما قال الشاعر: وليلة ذات دجى سريت ولم يلتني عن سراها ليت، ويروى : ذات ندى سريت)، وكذلك ورد في معجم اللغة العربية المعاصر ذات المعنى وبشيء من التفصيل (أسرى بـ يُسرِي، أَسْرِ، إسراءً، فهو مُسْرٍ، والمفعول مُسْرًى ، أسرى اللَّيلَ أسرى باللَّيل: سرَى، سار فيه أو قطعه بالسَّيْر "يُسري المسافرون باللَّيل ويرتاحون في النَّهار"، أسرِ وقَمَرٌ لك: معناه اغتنم طلوعَ القمر وسرْ في ضوئه، ويُضرب في انتهاز الفرصة السَّانحة، أسرى بالشَّخص: سار به ليلاً " {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} - {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} ).
المستدل من كل ذلك شيئين مهمين هما أولا السير والأنتقال من مكان لأخر وهو سيلا حقيقي وليس أنتقال معنوي وهذا مهم جدا في تحديد المعنى، والثاني الإسراء لا يحدث إلا ليلا وإلا عد سفرا أو ما شابه، والربط بين القضيتين هما مفتاح فهم قضية الإسراء التي تتحدث عنها سورة الإسراء الواردة في القرآن الكريم وعلينا فهمها من المظان الأصلي، دون أن نعتبر الشروحات الحكائية والروايات الخيالية والتفسيرات الإعتباطية التي مسخت وشوهت وحرفت بأدواتها جوهر وقصدية قضية الإسراء برمتها.
تبدأ السورة والآية بعملية أستباقية تقديمية تنزه القضية من الأعتباط والدجل المتوقع أن توضع فيها قضية الإسراء، هذا التحذير معبرا عنه بلفظ التنزيه المطلق أن تكون الحكاية مختلقة أو موضوعة كذلك، فقال النص (سبحان الذي أسرى بعبده)، فهو توكيد وتأكيد لفظي ومعنوي وحقيقي عن جدية الحدث والقطع التام بوقوعه من الله الذي أسرى بعبده والنبي الذي أسري به، وعليه فالبحث عن المعاني الكلية والدلالات القصدية في غير القرآن ونصوصه تشكل خيانة لما نبحث عنه ونريده أن يحصل سالما وواصلا إلينا بدقة، ونعود للبيان والتبين لما في النص من جوهر فكري وحدوثي عملي، فالله يعبر بلسان المتكلم أنه أسرى فعلا لا أفتراضا ولا خيالا ذهنيا محضا، ونقل عبده محمدا ص ليلا مع أنا الإسراء مستوجب له أساسا لا يكون إلا في الليل، وهو توثيقا للزمان لئلا يشطط المعنى عند البعض فيخلطوا بين الإسراء والسفر والأنتقال المكاني بالواسطة أو بالشيء الطبيعي.
أول شيء أختلف فيه الرواة والمؤرخون الحكائيون أصحاب التوسع بالقصص الخيالي مكان الإسراء وزمنه، مع أن الوثائق التاريخية عن النبي ومن عاش لحظات الإسراء من آهل بيته وكشهود تؤكد الزمان والمكان وإن أشار النص إلى مكان الإنطلاق تحديدا هو المسجد الحرام، بما يعني جزما أن السورة مكية كما هو ثابت ومعلوم ، واليك بعض صور الأختلاف هذه (وقد ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أم هانئ ابنة أبي طالب)، وهذا من الثابت تأكيدا ولكن الخلاف وقع من تحديد مكان الإنطلاق (وقال آخرون : بل أسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به).
ومع كل الأختلاف الظاهر في مكان التحديد يبقى التمسك بالإشارة هنا واجب الإلتزام به خاصة وأن لا تعارض بين الروايتين حينما نفهم أن نوم النبي في بيت أم هاني لا يجزم بأي حال ولا ينفي خروجه بعد ذلك للمسجد الحرام للعبادة كما هي عادته، فالمسجد لا يفتح ولا يغلق بتوقيت والنبي حين يؤمر بفعل أو ينبه عليه يفعل كما ينبغي، بمعنى أن نوم النبي في بيت أم هاني حقيقيا ولما جاءه جبريل بالأمر خرج إلى المسجد الحرام ومن هناك اسري به (عن أبي صالح بن باذام عن أم هانئ بنت أبي طالب، في مسرى النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صل الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: " يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت لهذا الوادي....).
هذه الرواية بالرغم ما أدخل عليها من زيادة ونقصان فهي الأقرب للواقع عقلا ومنطقا وأتساقا مع النص، خاصة وأن الجميع قد نام ولا أحد ينفي أن يكون ما حدث بعد أن ناموا أنه قد خرج رسول الله مأمورا للمسجد الحرام، والنائم معذور عن المشاهدة والشاهدة لحدث كان قد جرى وهو نائم، وبالعودة للروايات التي تؤكد نوم النبي في بيت أم هاني وتثبت مجيء جبرائيل ليه يأمره بالنهوض والذهاب إلى باب المسجد أو المسجد عموما ما جاء برواية (عن الحسن بن أبي الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست، فأخذ بعضدي فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد فإذا دابة بيضاء بين الحمار والبغل له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع يده في منتهى طرفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته ")، فالأختلاف إذا في المكان كان أختلافا وهميا وما حدث بالحقيقة أن كان متسلسلا بلا أدنى شك وفقا للرؤية التي سنبنيه من النصوص الثابتة والمعقولة.
بعد أن وصلا للمسجد أو باب المسجد الحرام كانت عناك دابة مخلوقة بمواصفات خاصة كوسيلة نقل وطريقة للإسراء ناهيك عن التفاصيل الزائدة التي حشرها وحشوا بها حكاياتهم اللا منطقية، فركب النبي الدابة وسرى فيها مأمورة للمسجد الأقصى، وهنا نقع في الإشكالية التأريخية التي سببها وجود لفظ المسجد الأقصى وما هو الأقصى؟ وما معناه الخاص؟ لا سيما وأن ما عرف لاحقا باسم المسجد الأقصى قد وجد وبني بعد الحادثة بعشرات السنين، لا سيما أن لا إشارة نصية ولا حديث ثابت يؤكد وجود مسجد أخر في زمن النبي محمد غير المسجد الحرام (الرأي التاريخي يذهب إلى أن المسجد الأقصى الموجود بالقدس بناه الخليفة الأموي الخامس عبد الملك بن مروان عام 73 هجرية لأسباب سياسية ذكرها وبيّنها وفصلها عُلماء مسلمون كبار عاصروا بنى أمية، من أمثال الكلبى والواقدى واليعقوبى، وأيضا الطبرى والحلبى والكواكبى وابن رشد وغيرهم، وقد ذكر هؤلاء أن بنى أمية بدأوا يستشعرون أن حكمهم وسلطانهم الذى انتظروه طويلا بات مهدداً بالزوال، بعد أن بايع أهل الحجاز عبد الله بن الزبير، فيما بايع أهل الشام بنى أمية، ليشهد العالم الإسلامي وجود خليفتين فى آن واحد: أمير المؤمنين فى الشام وأمير المؤمنين فى الحجاز، فى سابقة هى الأولى منذ عهد الخلفاء الراشدين)، ولو قلبنا كل صفحات التاريخ الموثق لا نجد مسجدا أخر للناس قبل خروج النبي محمد من مكة للمدينة وبناء مسجد أو مساجد متعددة في الطريق للمدينة منها مسجد قباء ومسجد ضرار وأخيرا المسجد النبوي في وسط المدينة.
السؤال هنا إذا ما هو المسجد الأقصى الذي أسار له النص خاصة وأنه مسمى بتسمية خاصة وهي الإقصاء بمعنى البعد والأبتعاد عن المسجد الحرام، ففي لغة العرب وأستخداماتهم اللغوية يراد بكل بعيد وإن كان نسبيا أن يعني ويشار له بالإقصاء كما ورد مثلا في سورة مريم (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) ٢٢، وأيضا في سورة يس آية 20 (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ) وفي سورة القصص آية 20 (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ)، وفي سورة الأنفال أية 42 شرح تام للمعنى مع المقارنة وإن كان الحدث وقع في مكان واحد ولكن تحيدا من جهتين (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ)، فالمراد بالأقصى هو مكان خارج مكة أو قصي عنها وهو من مساجد الرسول بالتأكيد التي كان يتعبد بها ويسجد لله، وقد أسهب الشراح والمؤرخون وأهل الجغرافيا في شرح مكان تعبد الرسول محمد قبل أن يتعبد في مكة وأثناءها وهو جبل حراء، وتحديدا غاره المبارك الذي نزلت فيه أول آية على رسول الله (يمتاز جبل حراء عن بقية جبال مكة المكرمة والحجاز، بأنه مكان تعبد فيه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وبأن الأساس القديم للكعبة كان من حجارته، ولا يوجد جبل في المنطقة يشبهه بشكله وصورته، إذ تشبه قمته سنام الجمل، ووقوف جبريل - عليه السلام - بالغار الموجود فيه).
ما يعزز هذا الرأي جملة من الأسباب المنطقية التي ترجحه بشكل كبير أن غار حراء هو المسجد الأقصى المعنى في السورة والآية، منها ما ورد في سورة النجم التي شرحت المكان الذي عرج فيه النبي بعد الإسراء (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى) وشرحنا معنى الأفق ومعنى الأعلى في تدبرنا لهذه السورة، وكذلك نورد أسبابا أخرى ترجيحية وحاسمة ولها دلالات معنوية تؤكد المكان وتشير له منها (ويقع غار حراء على قمة جبل حراء شمال شرق مكة المكرمة، على يسار الذاهب إلى عرفات، ويطل على طريق العدل، ويبعد أربعة كيلومترات عن المسجد الحرام ويقع على اليسار من قمة الجبل وهو عبارة عن فجوة بابها باتجاه الشمال وطوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع الذراع، والداخل إليه يكون متجهاً للكعبة مباشرة، ويستطيع الواقف على هذا الجبل أن يرى مكة وأبنيتها بوضوح، ويستطيع رؤية كثير من جبالها كجبل ثور وجبل ثبير)، فهذا المكان أصلا هو مسجد رسول الله الأول وقصي عن المدني ومكان نزول الوحي وهو في الأفق الأعلى حيث يرتفع عن المسجد الحرام ومكة القرية بحدود 500 متر، ومن المنطقي أنه كان يشرف على كامل مساحة مكة والطرق المؤدية له كما بينا، ولعدم وجود مسجد معلن أو معروف في زمان حادثة الإسراء والمعراج غيره، فيكون هو المسجد الأقصى وليس مسجد القية أو مسجد الصخرة أو المسجد الأقصى الأموي الذي بني لاحقا ولم يكن له أثر معلوم لا في كونه مسجد ولا في كونه محل صلاة لأي دين أخر ولما يظهر الإسلام المحمدي بعد.
فالإسراء إذا كان من المسجد الحرام إلى غار حراء تحديدا ولم يكن إلى بيت المقدس لعدم وجود دليل لا نصي من القرآن ولا خبري صحيح وراد عن رسول الله، بل يوجد خبر أوثق منه يؤكد زعمنا ورأينا من أن ما ورد في قصة الإسراء والمعراج كما قلنا في المبحث السابق رؤية تمثيلية كان سببها كفران قريش بالنبي وتكذيبهم له، وهذا الحديث ثابت وصحيح ومتفق عليه وهو (قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما كذبتني قريش قمت فمثل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)، أنظر إلى صياغة ودلالة النص لنفهم أنه مؤكدا لما ذهبنا إليه، أولا لم يقل رسول الله أنه شاهد أو أبصر عيانا بيت المقدس، بل أخبرنا تحديدا أنه مثل له أي صور له أو أصطنع المشهد له تمثيلا وليس بالحقيقة، وبالتالي فحديثه عن بيت المقدس من خلال التمثيل هو نظر حقيقي للمشهد الممثل له، وهنا جمع المعنيين الرؤية والنظر من خلال الصورة التمثيلية كما نفعل اليوم حينما نقص على الأخرين ونخبرهم يقينا عما رأينا في مشهد تمثيلي جرى في المسرح أو السينما أو التلفزيون، مع العلم أن المشهد الممثل قد لا يكون هو عين الحدث الممثل له ولكنه كان حقيقيا بالنسبة لمن شاهد التمثيل ونظر له.
النقطة الثانية في الرواية التي أوردنا نصها لم يخبرنا رسول الله المعني بالإسراء والمعراج أن ركب البغلة وطار في السماء وكل التفاصيل التي أوردها الرواة الحكائيون، بل لخص كل ذلك بعملية الرؤية والتمثيل والنظر مكتفيا بها عن كل السرد اللاحق والذي أختلف فيه المختلفون الوضاعون أيضا بين أنه أسري بجسده وروحه أم أسري بروحه فقط (وقال آخرون : بل أسري بروحه , ولم يسر بجسده ذكر من قال هذا أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها الحسن أن هذه الآية نزلت {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولقول الله في الخبر عن إبراهيم، إذ قال لابنه { يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي بالأنبياء من الله أيقاظا ونياما وكان رسول صلى الله عليه وسلم يقول: " تنام عيني وقلبي يقظان " فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه من أمر الله ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق، ومن ذلك يتبين أن الزاعمون بالإسراء الروحي فقط ينكرون الثابت من منطق السورة والآية والحديث الشاهد الذي يؤكد الإسراء الجسدي معتبرين أن كل ما حدث مجرد رؤيا، خاصة وأن أكثر الزاعمون له لم يكونوا شهود ولا من الممكن أن يكونوا على تماس مع الحدث تماما كما في رأي السيدة عائشة المشار له.
نعود لإكمال النص وفهمه من خلال معرفة المسجد الأقصى الذي وصفه الله تعالى أيضا بأنه بارك حوله، والمباركة هذه قديمة تؤكد أن الموقع هذا هو في جوار وحول أرض مباركة من الله، ولم يقل باركنا فيه أو باركناه بل قال من حوله، والمباركة في القرأن وردت في مواضع منها (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) ٩٦ آل عمران، فأول بيت مبارك وأول أرض أنزل الله عليها بركاته هي بكة موضع المسجد الحرام ومحل الشاهد في الآية، فهي من حول المسجد الأقصى التي عرفه النص بكلمة (باركنا من حوله)، وهذا يعزز ويسند كل الدلائل بما لا يجعل من شك فيه أنه هو المسجد الأقصى قصدا ومعنى ودلالة طالما أنه ذكر أمر التبريك بصيغة الماضي للتدليل على الحدوث والأستمرارية بدل من قول (فباركنا من حوله) أي جعلنا مناسبة الإسراء والمعراج سببا للبركة.
ووصلنا إلى ختام الصورة المعنوية والقصدية والتي هي أيضا توضح وتشرح الحقيقة للقارئ وفقا لما تدبرنا ونظرنا وأبصرنا بما في النص من معنى وقصدية، هذا الختام هو ختام الآية نفسها (لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)، فكل الأمر وخلاصته وشكله ومضمونه كما بينا في المقال السابق رؤية أراد الله تعالى أن يراها النبي ويخبر بها قومه، فأسرى به بالصورة التي قدمنا ثم وصل الإسراء مبلغه بدأت عملية المعراج التي هي تمثيل رؤيوي لواقع موجود وليس خياليا بغض النظر عن التفاصيل المحشورة في الروايات، ليؤكد للنبي ومن خلاله للناس أن الله يسمع ما يتكلمون به ويبصر ما يفعلون في أمره ومنه تكذيبهم للنبي وتصديقهم للنجم والمنجمين دون أن يسألوا هؤلاء عن مصدر علمهم وخبرهم، والقضية التي أرادتها سورة الإسراء وسورة النجم أن تعقد مقارنة عقلية ومنطقية بين قبول الناس لرأي الكهنة والمنجمين والمكذبين بلا دليل والناكرين لنبوة محمد، وبين رسالة النبي وإعجازه فما يخبر به عن الوحي الذي يوحى، والعلم الذي منحه الله له من خلال الوحي والوقائع التي يوردها لهم دون أن يستطيع أحد أن ينفي أو يجزم بدليل عدم صحتها، فهي عملية من عمليات التحدي والتحدي المقابل التي لا بد أن تنتهي بهزيمة الزائف وأنتصار العقل والمنطق والحق.

التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد