قصة قصيرة / شجرة التوت

علي قاسم مهدي
2021 / 4 / 7

شجرة التوت
(1)
سماء زرقتها الصافية توحي بيوم يضاف إلى أيام تشرين المنعشة، نهض حسام بعد أن رمى عقب سكارته التي أشعلها منذ لحظات، والتي نفث دخانها في غرفته المطلة على الشارع الذي يضم الكثير من الفنادق الرخيصة ، يقطنها العزاب القادمون من مناطق بعيدة بحثا عن فرص عمل،وبعض القادمون إلى المدينة للاستطباب ومراجعة عيادات الأطباء. شارع يمتد ليقسم جسد المدينة بمشرط محاله التجارية ومقاهيه الغاصة بالناس نهارا ، والذين تحويهم باراته ليلا.إنها المدنية وعصريتها المحببة للكثير من الناس على اختلاف مشاربهم ،إلا حسام كان يشعر بوحدة كبيرة، يمعن في التفكير طويلا ،كيف جئت لهذا المكان ،يتيقن بان صورته مجرد أفكار لا تنتمي لهذا العالم . فتح شباك الغرفة على مصراعيه ،نصَبَ في الغرفة تيار من الهواء الممزوج بخيوط الشمس المحملة بقرصة برد لذيذة ، أطال النظر بالمارة تخايلهم أشباح من الوزمبي لا يدرك كنهه. ظل هكذا ناظرا دون أن يحدد ملامح ما يفعل، صمتٌ يغلف كل شيء على الرغم من الحياة الدابة حتى في إسفلت الشارع الذي بدا أكثر لمعاناً مما هو عليه بالفعل . صمت يُغرق حسام حدا يُنسيه من هو . أوصد الشباك بملل وأسدل ستاره ، عم الهدوء من جديد جدران غرفته ، ارتدى بنطاله وانتعل حذاه ،أغلق الباب بإحكام سار بخطوات بلا هدف وصل السلم ،نزل درجاته ببط، سلمٌ يُفضي إلى دهليز شبه مظلم ،تتوزع على جانبيه غرف النزلاء التي تكتم بين جدرانها أسرار لو عرفتها مدارس التحليل النفسي لصعقت . دس المفتاح بين طيات كم قميصه التي طواها بسرعة ،استقر في استقبال الفندق ،كانت تحتوي على أثاث بسيط مرتب على الرغم من قدمه ،لا يغيره مالك الفندق كونه يشكل جزءا من تاريخه ،ويذكره بأيامه الحلوة - كما يقول-
اخرج حسام حزمة نقود من جيب قميصه، ووضعها على طرف المكتب الخشبي ، دون أن ينظر إلى (الرجل عامل الإدارة ).
- هذا الإيجار.
وخطى باتجاه الخارج، انه يوم استراحته من العمل الذي يقضيه بالتسكع، يبدأ عند مروره على البار المغلق ينظر من خلال الزجاج إلى الأقداح وقناني البيرة الفارغة ، ويتوعد بين نفسه قائلا - اليوم اليوم - وينطلق
ملوحا إلى أي الباص تمر، يصعد وينقد السائق أجرة ركوبه، لا يعرف إلى أين إلا بعد أن يستقر بمكان
- ثم يسال إلى أين تصل الباص.
- وسط المدينة .
- لا باس بذلك .
ينزل عند النهاية . يتلفت، ليقرر بعدها أين ينطلق .
بينما تغدو العجلات مسرعة محدثة صوت يتلاشى بسرعة، يحرك هواء رغبته لإنعاش معدته ببعض الطعام.
(2)
هكذا هي حياة حسام عمل وتسكع دون هدف ،تعصر المرارة ريق أيامه ، تصطف في ذاكرته محطات رحلة عمره كأنها ريح تعصف بقوة تنثر في عيون رغبته الرمال وتتساقط ورقات شجرة حياته اليابسة ورقة اثر أخرى، كشجرة التوت الوحيدة في قريته النائية، كان يمطرها بحصى الطريق عند عودته من المدرسة ليهش الغربان التي تنهش وريقاتها .
- أنتِ وحيدة، ترى من يطرد الغربان عنك ألان.
وأنا وحيدا مثلك لا احد يطرد عني غربان الوحشة. نحن الاثنان تؤمان ولدتنا الوحدة . أتذكرين عندما أخبرت أبي بان أنام تحتكِ لأهش ألغربان . جئت إليكِ احمل لكِ خبري السار، كم اندهشت عندما حييتني بحفيفِ أوراقكِ ورحتِ تهزين أعطافكِ ذات اليمين وذات الشمال.. صعدت أتسلق فروعك والأغصان بخفة، اندفعت أسراب الغربان فوقنا في زعيق وأنا اصعد أعلى فأعلى لاشيء يلوي من عزيمتي. عندها تراءى لي عالمي المبهر أنا في رحم علوك الشاهق وبين حنايا أغصانك وأنتِ تهتزنِ بمرونة نتجاوب مع أخف نسمة، التقط أنفاسك في رهافة أخف نفثة . هنا عرفت وأدرك حقيقتي حين أودعتكِ طفولتي وروحي لتحتفي بهما. لأنك الأم الممتدة عروقها بعالم آخر لا يشبه عالمنا المظلم ،عالم من النور هو عالمك .
أتذكر تلك اللحظة حين زفرتي بقوة دفعة واحدة بكل أوراقكِ تحاولين إخراجي من روحك. لكن بعد فوات الأوان لان روحينا تماهيتا معا .
(3)
عبرَ حسام ألشارع أبصر من بعيد أسرب من الغربان المهاجرة ، فجأة بدأت دقات قلبه ترتفع يرافقها الم ينقطع برهة ويعاود برهة أشبه بضرب فأس ينزل بقوة يعتصر قلبه . انتابته علامات هستيرية أقعدته على الرصيف ، وعلا صوته يهش أسراب الغربان ، مر بقربه رجل يدفع عربة لبيع ثمار التوت ،أشار حسام إليه بكلتا يديه ،تقدم رجل العربة نحوه أسنده على يد والأخرى تضرب خده برفق
- اسم الله يا بني .
حاول أن يوقضه ،لكن صوته بدا يعلو ويعلو . أشار حسام بنظرة إلى الثمار،قبض باعِ العربة حفنة بيده ، وراح يدس في فم حسام التوت بعد أن عرف نظرات حسام المتوسلة به.هداة روحه وخف وجيب قلبه. كانت هذه الحادثة سابقة إنذار لما يحدث بالقرية . عندما حاول رجال من القرية قطع شجرة التوت .نهض شاكرا رجل العربة.
(4)
عاد إلى الفندق ، دخل غير مبالٍ بالجالسين في استقبال الفندق صعد إلى غرفته ألقاء جسده على السرير وغط بنوم عميق، كبس على أنفاسه كابوسا مزعجا رأى أهل القرية جميعهم يحملون الفؤوس متوجهين لقطع شجرة التوت، لكن كلما حاولوا الاقتراب منها تصيح وتصيح بقوة . ابتعدوا عنها وهم يقولون .
- أنها شجرة مسكونة.
فز مرعوبا وهو يصيح بقوة كذلك ،صياحا يشبه صياح الشجرة .إلى ألان لا احد بعد عديد من السنين أدرك سر شجرة التوت التي تصيح بقوة كلما اقترب منها سرب من الغربان.أو حاول أحدا أن يقطعها.

انتهت
بغداد 27/3/2021

التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد