الماركسية البنيوية عند ألتوسير: قراءة مختصرة لجزء من كتاب- الجذور الفلسفية للبنائية- للأستاذ -فؤاد زكريا-

عصام نكادي
2021 / 4 / 7

اذا ما أردنا فهم القراءة البنيوية التي قام لويس ألتوسير للمتن الماركسي، لابد أولا وقبل كل شيء من قراءة السياق الفكري الذي ظهرت فيه هذه القراءة والاسباب التي أدت إلى نشوءها، « اذ أن جهده الفلسفي يمكن أن يوصف بأنه رد فعل على رد فعل : فبعد النقد العنيف الذي وُجّه إلى الجمود الفكري الذي اتصفت به المرحلة الستالينية، حدث رد فعل في الاتجاه المضاد، وظهرت تفسيرات للماركسية تؤكد جوانبها الانسانية وتحاول التوفيق بينها وبين كثير من المذاهب الفلسفية التي حاربتها طويلا، وكأنها تحاول إزالة صفات التحجر المذهبي وإنكار النزعة الانسانية – وهي الصفات التي اتهمت بها ماركسية ستالين في أوساط كثيرة، منها الأوساط الماركسية في الخمسينيات من هذا القرن » (1)؛ فها هو روجيه غارودي يحاول قراءة كل من الوجودية والكاثوليكية والماركسية قراءة نقدية يستكنه من خلالها خيطا رابطا وناظما يربط بين كل هذه الاتجاهات المتضاربة في محاولة منه لتجاوز أوجه التباين والتناقض القائمة بينها؛ حيث أعاد الماركسية الى جذورها الانسانية ضاربا بعرض الحائط النقلات/القطائع الابستيمولوجية (Epistemological rupture) التي قام بها كل من ماركس وانجلز، وجعل من التحول الاجتماعي راجعا الى اسباب انسانية تجريدية لاغيا بذلك مقولات المادية التاريخية والدياليكتيك الموضوعي. ولعل هذا ما جعل ألتوسير يعود بالماركسية الى صلابتها العلمية scientificitéمتجاوزا بذلك الرخاوة التي أصابت هذا الفكر النقدي من طرف بعض القراءات التي غلب عليها الطابع البورجوازي والتي أفرغتها من طابعها النقدي والنضالي. فألتوسير في عودته إلى أصول المتن الماركسي (كتابات ماركس الأساسية) لم يكن خاوي اليدين، بل كان « مزودا بكل انجازات الفكر والعلم المعاصر، ويستخدم في فهم النصوص أحدث أدوات التحليل الفكري التي عرفت في النصف الثاني من القران العشرين، وخاصة تلك التي تحققت في العلوم الانسانية التي إمتد إليها تأثير العلم الطبيعي، كعلم اللغويات المرتكز على فكرة البناء، والتحليل النفسي الجديد المتأثر بهذه الفكرة نفسها »(2)، وهذه الرزنامة من الأدوات والمفاتيح الجديدة هي التي جعلت من القراءة الألتوسيرية قراءة خلاقة أثبت من خلالها أن المفكر يمكن له أن يكون ماركسيا و مبدعا في آن، عكس القراءات الشائعة التي كان يسميها بـ "الماركسية السوقية marxisme vulgaire" التي أفقدت الماركسية أصالتها وجعلتها مجرد امتداد للهيجيلية، ومن خلال هذا النقد الاولي لهذا النوع من القراءة السطحية التي قابلها ألتوسير بالرفض التام والقاطع يمكن أن نطرح السؤال التوجيهي التالي : على أي نحو انتقد ألتوسير هذا التفسير الشائع ؟ ولماذا ؟
في التفسير الشائع للماركسية كان هناك تشديد على ان الماركسية هي امتداد للفلسفة الهيجلية وفرع من فروعها؛ الا أن ماركس حسب ألتوسير ومنذ بدايته ينفصل انفصالا تاما ( كان انفصالا تدريجيا) عن هيجل الذي يعطي الأهمية للفكر على الواقع ويجعل من هذا الأخير متغير تابع وخاضع لتبدلات وتحولات الأول أي الفكر، فهيجل حين يقول « إن " كل واقع معقول، وكل معقول واقع"، فإن أساس قوله هذا هو طريقته الخاصة في إضفاء الطابع الفكري على الواقع، بحيث يكون الفكر هو الطرف الثابث والواقع هو الطرف الذي يتشكل وفقا للفكر»(3)، عكس ماركس الذي ينكر اكتفاء الفكر بذاته، ويعتبره مجرد إنتاج أو إحداث لا ينتج عن جهد الارادة الفردية، بل هو حصيلة تفاعلات بين الذات الفردية وبيئتها التي تدخل فيها عوامل اجتماعية وتاريخية، أي أنه مجرد انعكاس للواقع الموضوعي. فألتوسير يرى أن ماركس افترق عن هيجل افتاراقا جذريا، فهو لم يقلب الجدل الهيغلي (أي أنه استخدمه في فهم الواقع المادي بعد أن كان هيجل يستخدمه في فهم مسار حركة الفكر ) كما هو مزعوم ومنتشر في أوساط الماركسية السوقية، فتصور ماركس للجدل مخالف تماما للتصور الهيجلي، ذلك أنه عاد الى الوراء اي الى اللحظة الماقبل هيجلية (ما قبل بروز الايديولوجيا المثالية الألمانية التي شوهت التاريخ الحقيقي)، أي عاد الى الفلاسفة الماديين ودرسهم دراسة معمقة جعلت منه يبدد الوهم الهيجلي ونظرته المثالية الى التاريخ والواقع، حيث أعاد ماركس الاعتبار الى الواقع العيني للحياة الاجتماعية كما تتمثل في التاريخ والاقتصاد السياسي والاجتماع، فهو باختصار اقتحم أرضا جديدة واستمد تفكيره منها ومن مصادر مغايرة لتلك التي انطلق منها هيجل.
فماركس وكما أشرت من قبل لم ينفرق عن هيجل منذ كتاباته الأولى بل كان هذا الانفراق تدريجيا، فهو قد بدأ هيجليا، ولهذا يجب التفريق بين الفترة التي كان فيها ماركس يسبح داخل الاشكال الهيجلي la problématique hegelienne وتلك التي أصبح له فيها إطاره الفكري الخاص الذي يتسم بالانضباط العلمي والذي تنطبق عليه المقولات البنيوية، « لذلك يقسم ألتوسير تفكير ماركس الى مراحل : مرحلة الشباب (1840-1844) ومرحلة الانفصال أو الاعتزال coupure (1840) ومرحلة النضج (1845-1857 وما بعدها) »(4)، ففي المرحلة الاولى كان يطغى على ماركس تفكير ذو طابع أنثروبولوجي، حيث كان منغمسا في اشكالية ماهية الانسان الأصلية متأثرا في ذلك بفيورباخ وبالمصطلحات الهيجلية وطريقته التأملية في تقديم الحجج....، أما في المرحلة الثانية فقد أخذ ماركس يبحث لنفسه عن مفاهيم ومصطلحات علمية نابعة من تفكيره هو، حيث بدأ يبحث في البنية الاقتصادية والاجتماعية بعد أن كان يبحث في الانسان وماهيته، وهنا بالضبط انفصل عن الاشكال الهيجلي وأحدث قطيعة معه. فما هي أهم مميزات هذه اللحظة الفاصلة في تفكير ماركس بالنسبة لألتوسير ؟
للاجابة على هذا السؤال لا بد من تحديد الاشكال problématique المركزي الذي تدور في نطاقه كل التفاصيل والجزئيات الفكرية لكارل ماركس، اي علينا تحديد ذلك الإطار الاشكالي أو التساؤلي الذي تتصدى للاجابة عنه والذي تنفرد به عن غيرها، ورجوعا الى كتاب "رأس المال" نجد منذ الوهلة الاولى ان الفكرة الرئيسية التي تحمكه هي فكرة العمل وعلاقته برأس المال، لكن ألتوسير يرى أن الفكرة الرئيسية تتجلى في التقابل بين القيمة والقيمة الاستعمالية valeur d’usage وعلى فكرة فائض القيمة، « ومن هاتين الفكرتين يستخلص "البناء"(البنية) الأساسي الذي أخذ ماركس يطوره وينميه طوال الأجزاء الثلاثة من كتابه، بغض النظر عن الترتيب الفعلي الذي سار عليه من جزء الى آخر »(5)، وهذا البناء هو بناء موضوعي وعلمي نقل ماركس من مرحلة الانطلاق من الانسان كنقطة بداية واعتباره هو محرك التاريخ الى الانطلاق من البناء الاجتماعي الإقتصادي الذي يحمل الانسان في طياته، ومن هنا بدأ ماركس يبحث في القوانين الموضوعية التي تتحكم في الانسان وتخضعه لها ولسلطانها، ولعل مقولة الصراع الطبقي تمثل احدى مقولات البنيوية التي تنتمي الى تركيب المجتمع ذاته وتفرض نفسها على الانسان.
كما أن منظور ألتوسير البنيوي حتم عليه تجاوز الحتمية الاقتصادية وقانون السببية أو العلية الاحادي الجانب الذي يرى في البنية التحتية (البنية الاقتصادية) هي المحرك الواحد والاوحد وهي المتحكم في باقي البنى، حيث اقترح منظروا مغايرا يقرأ الواقع في تعقده وتعدده، فقد رأى ان نوع الحتمية الوحيد الذي يمكن تصوره في هذا المجال هو الحتمية المعقدة/المتعددة surdétermination؛ وهذا النوع من الحتمية ينظر الى الواقع في تعدد أسبابه وتداخلها وتعقدها وتشابكها - على الرغم من أن كتابات ماركس نفسها لم تعبر عن هذا المنظور بشكل صحيح - ، ولا شك أن البنيوية حاضرة وبقوة في هذه النظرة للعلية المتبادلة، حيث تركز على فهم العلاقات في تفاعلاتها وتبادلاتها التي تحدث على مستويات مختلفة للواقع الاجتماعي.








الحواشي :
(1) - فؤاد زكريا، الجذور الفلسفية للبنائية، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1986، ص 44.
(2) - ن، ف، ص 49.
(3) - ن، م، ص 48.
(4) - نفس المرجع، ص 46.
(5) - ن، م ، ص47.

التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد