دلالة الكعب العالي

حنان بديع
2021 / 4 / 4




كشف الفيديو كليب الأخير للفنانة مايا دياب عن هوسها بالأحذية والكعب العالي، وبالرغم من أن مايا دياب من أكثر الفنانات طولا فهي ذات طول فارع إلا أنها لم تتخلى عن الكعب العالي في معظم إطلالاتها ليبدو أن للكعب دلالة معينة تستهوي الكثيرات.
لا شك أن الكعب العالي يضيف الكثير من الأنوثة والإثارة لطلة المرأة لكنه ليس السبب الذي دفع بأول امرأة ارتدته في العالم الى ارتدائه، فقد ارتدته (كاثرين دي ميديس) التي أصبحت زوجة الملك الفرنسي هنري الثاني لتبدو أكثر طولا في حفل زفافها وذلك في القرن 16 الميلادي، وكان ذلك بداية ارتداء النساء له بعد أن كان خاصا بالرجال يرتدونه كمعيار الرفعة والرجولة والارستقراطية ، وبحلول القرن التاسع عشر قفز هذا المفهوم ليصبح رمزا أنثويا لدى المرأة ، فهو ليس مجرد شكل مثير أو طول إضافي بل يحمل دلالة أعمق من ذلك بكثير.
الواقع أن الكعب العالي يغير من لغة الجسد لدى المرأة ورغم الألم أو إيقاع الخطوة البطيئة التي يفرضها على النساء إلا أنه باقي ومستمر..طالما ما زال يحمل الإيحاء بالجاذبية والجمال في الأذهان ، فمن منا لا يتذكر قصة سندريلا وأميرها على جواده الأبيض؟ لهذه القصة تبعات إجتماعية وخلفيات نفسية قد لا يستطيع الجميع تمييزها، بيد أنها تعكس في مرحلة ما العلاقة الوطيدة التي تجمع ما بين المرأة والحذاء! لكنها تعكس أيضاً ما بين الرجل والحذاء، فثمة حالات كثيرة كان فيها حذاء المرأة السبب الأساسي في وقوع الرجل في حبائل الحب !
فالكعب العالي يضفي الكثير من الأنوثة على مظهر المرأة ورونقها، هو يشبه ربطات العنق التي يرتديها الرجال، لذا يصعب أن تبدو النساء بدونه رسمياتٍ وأنثويات في آنٍ واحد ، فارتبط ارتداء هذه الأحذية لدى النساء بالطموح، وأغلفة المجلات، والسجاجيد الحمراء، وعروض الجوائز، ومن المفارقة أنَّ ارتدائها يرمز للإثارة في ذات الوقت! هذا ما أكدته ملكة الإثارة مارلين مونرو حين قالت: "لا أعرف من اخترع الكعب العالي لكن كل النساء مدينات له بالكثير!
وبعيدا عن دلالات ورموز الكعب العالي فإن تصميم هذه الكعوب فن أصبح يدخل في إطار الإبداع سواء كان عمليا وقابلا للإرتداء أم لا، الفن والإبداع الذي قد تجده في متحف بروكلين حيث مجموعةً من أغرب الأحذية في التاريخ وتعود غرابة هذه الأحذية إلى تصاميمها التي تبرز كعوباً عالية لا يمكن المشي بها، أو تصاميم غير متساوية أو مواداً يندر استعمالها في صناعة الأحذية! وهو متحف له زواره من هواة الأحذية والغارقين في دلالاتها الغريبة، يعود بعض هذه الأحذية إلى حقبةٍ تاريخية ولت، ويعود بعضها الآخر إلى زمننا الحالي، لكن الأكيد هو أنها جميعها لا تقل غرابةٍ عن بعضها.
هذا بالنسبة للمصممين والفنانين ، أما بالنسبة للمثقفين من أصحاب الأقلام فنستطيع أن نشم رائحة التمرد على هذا المظهر الأنثوي الذي يحول الأنظار عن معاناة المرأة كإنسانة ،وهذا ما لفتت الكاتبة بسمة العوفي إليه الأنظار حين أصدرت مجموعة قصصية بعنوان (كعب عالي) حيث كتبت : لا أحد يعرف ما نعانيه، دائما ينظرون الى الفتيات على أنهن ذوات كعب عالي وطلاء أظافر فقط وأننا نقضي معظم أوقاتنا في الزينة والفرح ، في إشارة الى قضايا أكثر أهمية تعاني منها المرأة، أوافقها الرأي إذ أن ارتداء الكعب العالي يوحي بشخصية مرفهه للمرأة قد لا تمثل واقعها على الإطلاق، إلا أن هذا لا يحول دون اللهاث وراء جاذبية هذا الكعب حتى لا تحول معاناة المرأة أو قضاياها بينها وبين أنوثتها ، كيف لا وجميعنا نحن النساء نتذكر تلك اللحظات الطفولية وأصوات الطقطقة المضحكة عندما كنا نرتدي خلسة أحذية أمهاتنا ذات الكعب العالي،فإذا كنت قد فعلتها بفرح وأنت صغيرة فلا تتخلي عنه وأنت كبيرة.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير