ستيف جوبس وألان الكوردي

راتب شعبو
2021 / 4 / 4

قبل حوالي الشهر ظهر على أحد جدران مخيم كاليه شمال فرنسا، الذي يضم بضعة آلاف من اللاجئين، رسم غرافيتي لفنان بريطاني يوقع باسم بانكسي، وهو رسام شهير بقدر ما هو غامض، وقد سبق له أن حصل في 2007 على جائزة أهم فنان يعيش في بريطانيا. الرسم يمثل بالحجم الطبيعي ستيف جوبس، مؤسس شركة آبل، على هيئة لاجئ يحمل بيد جهاز آبل قديم وباليد الأخرى حقيبة لأغراضه الشخصية وقد كتب إلى جوار الرسم عبارة: ابن مهاجر من سوريا. أراد الفنان لفت الانتباه إلى معاناة اللاجئين هناك وإثارة التعاطف معهم، مستفيداً من أن جوبس العبقري هو ابن مهاجر من سوريا.
في سعيه لإثارة التعاطف مع اللاجئين، يخاطب الرسام الحس النفعي في المجتمع الغربي كي يكسب تعاطفه: من يدري، قد يكون بين هؤلاء اللاجئين من أمثال "ستيف جوبس" الذي أسس إحدى أكبر الشركات الأمريكية والتي تبلغ قيمة ضرائبها السنوية حوالي 7 مليار دولار. وسبق لكاتب غربي آخر أن قال في مكان آخر لو أن أميريكا وقفت في وجه المهاجرين لما كان لدينا اليوم شركة غوغل، في إشارة إلى سيرجي برين، أحد مؤسسي غوغل، والذي هو الآخر ابن عائلة روسية مهاجرة.
في الحالتين يستند المسعى التعاطفي مع اللاجئين إلى المبدأ النفعي الذي يفتقر في بعده العميق إلى الحس الإنساني الفعلي. تماماً كما اعتدنا أن نسمع أو نقرأ من يتأسف على موت الأطفال فيقول كان يمكن أن يكون بينهم الطبيب والمهندس والعالم ..الخ، وكأن مبرر الحرص على حياة الطفل تنبع من وظيفته وفائدته المستقبلية بالدرجة الأولى. ولكن ماذا بشأن "الناس العاديين"؟ هل يحتاج الانسان إلى أن يكون مبدعاً كي تصبح مساعدته واجبة؟ أو لنقل هل من الإنسانية أن نرهن مساعدتنا لأحد، ولو بشكل مضمر، باحتمال نفع ما أو مكافأة ما لاحقة؟ ألآ يكفي أن يكون انساناً؟ ثمة خيط واضح من اللاإنسانية في هذه الدعوة الإنسانية.
ومنذ أيام نشرت جريدة شارلي إيبدو رسماً استعملت فيه مجدداً صورة الطفل السوري الغريق ألان الكردي. في هذا الرسم الساخر الذي نشرته الجريدة بتوقيع رئيس التحرير لوران سوريسو الذي يوقع باسم "Riss"، مسار معاكس لموجة إثارة التعاطف عبر مخاطبة وتحريض الجانب النفعي في المجتمع. يتناول ريس موضوع التحرش الجنسي بالنساء من قبل لاجئين في محطة القطار في كولونيا بألمانيا ليلة رأس السنة الميلادية، في رسمه الساخر يسأل ريس، وقد وضع رسم صغير للطفل السوري أيلان الكردي في الزاوية فوق رسم يمثل لاجئين يطاردون النساء: لو كبر الصغير أيلان ماذا كان سيصبح؟
في السؤال إجابة مضمرة تعني إنه كان سيصبح متحرشاً بالنساء كهولاء الذين يظهرهم الرسم. حتى أن أحد الصحفيين وصف الرسم بالقول إنه (كاريكاتير ساخر يظهر الطفل السوري آلان كردي الذي غرق، في هيئة شخص بالغ يتحرش بالنساء في المانيا). الواقع أن شارلي إيبدو في هذا الرسم تطعن الإنسانية مراراً في لحظة واحدة. طعنة حين يريد الرسم أن يقول إن في جينات الطفل الغريق ما سيجعله متحرشاً بالنساء بصرف النظر عن الثقافة والمحيط الاجتماعي والحضاري الذي سوف ينشأ فيه. وطعنة حين يريد الرسم أن يجعل اللاجئين أمة واحدة على غرار أسوأ الأفراد بينهم. وطعنة حين يريد أن يقيم حدوداً عازلة بين المجتمعات المتحضرة (التي لا تتحرش بالنساء بتاتاً) وبين المجتمعات الهمجية (التي يشكل التحرش بالنساء ديدناً لها). كما يطعن هذا الرسم الشعار الذي سار تحته المتضامنون مع شارلي إيبدو بعد تعرضها للاعتداء قبل حوالي السنة: "الحب أقوى من الكراهية".
ليس مستغرباً أن يقرر رسام الكاريكاتير ليوز الذي صمم العدد الأول من شارلي إيبدو بعد حادث الاعتداء على مقرها في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2015، الاستقالة من الجريدة عقب خلافات داخلية.
كانون ثاني/يناير 2016
الطبيعي أن الغالبية العظمى من اللاجئين ليسوا مبدعين، وأن الغالبية العظمى منهم ليسوا متحرشين بالنساء. وكما أن دغدغة الحس النفعي لدى المجتمع الغربي لإقناعه بقبول اللاجئين لا تتماشى مع الحس الإنساني الجامع، كذلك إثارة رفض المجتمع الغربي للاجئين عبر تصويرهم على أنهم جماعة يوحدها الشذوذ، لا تتماشى مع المعايير الإنسانية ولا أيضاً مع معايير حرية التعبير، وتنضوي فقط في خانة العنصرية وإثارة الكراهية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية