نحو استثمار امثل للفائض المالي المتوقع للعراق

محمد رضا عباس
2021 / 4 / 3

سجلت أسعار النفط في الأسواق العالمية ارتفاعا ملحوظا في الفترة الأخيرة، حيث وصل سعر نفط برنت (Brent) الى 60.24 دولار للبرميل الواحد في يوم 1 نيسان 2021. هذا الارتفاع في الأسعار سيحول الميزانية العامة العراقية لسنة 2021 من منطقة العجز المالي الى منطقة الفائض المالي، وبمبلغ قدره29 مليار دولار، على فرض ان معدل صادرات العراق من النفط هي 4 مليون برميل يوميا، وان معدل سعر البرميل هو 60 دولار، وان الميزانية العامة لعام 2021 احتسبت الواردات النفطية بمعدل 40 دولار للبرميل الواحد.
كيف على العراق التعامل مع هذا الفائض؟ هناك أربع خيرات عن كيفية التعامل مع هذا الفائض والذي يعود فضله الى تراجع اعداد الإصابات في الدول الصناعية وتشجيع الحكومات على الانفتاح والعود الى مجتمع ما قبل الوباء. الخيارات الأربعة هي:
1. توزيع هذه المبالغ الفائضة على المواطنين العراقيين، خاصة وان اغلبهم تأثر سلبا مباشرة او غير مباشرة بوباء كورونا، وأكثر تأثرا بعد قرار البنك المركزي العراقي خفض قيمة الدينار العراقي بوجه الدولار الأمريكي، والذي كان من أحد نتائجه ارتفاع التضخم المالي في البلاد والذي اصبحت تعاني منه الطبقة الفقيرة. اصحاب هذا الاتجاه يحثون على توزيع الفائض المالي على المواطنين لأنهم لا يثقون بالسياسيين، ويعتقون ان هذا الفائض سيكون مصيره نفس مصير مليارات الدولارات التي اختفت ولم يستفد منها الاقتصاد الوطني، فيما ان توزيع هذا الفائض على المواطنين سوف يحرك الاقتصاد العراقي وتستفاد منه شريحة كبيرة منه.
2. الاتجاه الثاني يقول ان نقص عائدات النفط أدى الى عجز مالي مستمر وتراكم الديون على الحكومة والتي أصبحت تثقل كاهلها الفوائد المترتبة على هذه القروض. وعليه من الاحسن على الحكومة العمل على إطفاء هذه الديون حتى قبل يوم استحقاقها، وبذلك يتخلص الجيل الحاضر والقادم من ثقل هذه الديون، وينفتح طريق امام النمو والازدهار الاقتصادي.
3. الاتجاه الثالث يقول لا يجوز الاهتمام بدفع الديون المترتبة على الحكومة بسبب العجز المالي المستمر، وان عبد الله بدء يكتوي بحرارة الأسعار و يرتعش من برودة البطالة المزمنة، ومن الاحسن ان تستعمل الحكومة هذا الفائض في إعادة بناء العراق مثل بناء المدارس والمستشفيات، فتح طرق وجسور جديدة , بناء دوائر دولة تليق بمكانة وتاريخ العراق , الاهتمام بالقطاع الزراعي والصناعي , وشراء مصانع تستوعب اعداد كبيرة من الخرجين العاطلين عن العمل .
4. الاتجاه الرابع يقول ان الحكومة ومهما بلغت من نزهتها وشفافيتها، الا انها تبقى غير قادرة على منافسة القطاع الخاص. التحرك الحكومي من العادة بطيء، فيما ان تحرك القطاع الخاص سريع في اتخاذ القرارات، التحرك الحكومي يعوزه الكفاءة والإنتاجية، فيما ان القطاع الخاص مشهور بالكفاءة والانتاجية والمبادرة والتنوع، وان القطاع الحكومي يتحمل الخسارة، فيما ان القطاع الخاص يعمل بكل طاقته من اجل تجنب الخسائر والوقوف بوجه المنافسين له. وعليه فان خلق طبقة رأسمالية هو ما يحتاجه العراق الان وفي المستقبل، والطريقة المثلى لخلق هذه الطبقة هو عن طريق اقراض المواطنين والذين يحملون الكفاءة القيادية وبمبالغ كبيرة مع فؤاد قليلة جدا، قد تصل الى الصفر.
بالطبع هذه القروض او المنح المالية لأصحاب القدرات القيادية يجب ان تكون بشروط ومنها استخدامها في مشاريع اقتصادية توفر العمل للعاطلين وتوفر العملات الصعبة للبلاد. على سبيل المثال، منح قرض بمبلغ 100 مليون دولار لمجموعة من أصحاب القدرات القيادية من اجل تأسيس مصنع للصلب والحديد، وتحت المراقبة الحكومية. او تأسيس معمل للبتروكيمياويات، الأسمدة الكيماوية، صنع الأغذية، وهي مشاريع تحتاج الى جملة من الكفاءات المعطلة، اضاقة الى توفير العملات الأجنبية للبلاد.
أصحاب هذه الاتجاه، وانا منهم، يحثون على ان يكون المستفيدين من القروض العراقية الكبيرة و الرخيصة هم أصحاب القدرات القيادية من المدنيين والمعروفين في مجال الصناعة والزراعة والعقار، والقادة العسكريون، قوات البيشمركة , قادة الحشد الشعبي , شيوخ العشائر , ورجال الدين الذين حاربوا تنظيم داعش وانتصروا عليهم . ان من وقف وحارب تنظيم داعش وانتصر عليه سوف لن يكون صعبا عليه من قيادة مصنع يتكون من 500 منتسب، كما وان منح القروض الى هذه المجموعات تعد مكافئات لتضحياتهم الجسام امام عدو شرس. انه من العيب ان لا يكافئ رجل الدين الذي حارب داعش او اعطى فتوى بمحاربته ويتركوه مع الذين فضلوا العافية على وظيفتهم الشرعية.
أي الاتجاه هو الاحسن للعراق في وضعه الحالي؟ في اعتقادي هو خليط بين الاتجاه الثالث والرابع. على الدولة التريث بدفع بعض الديون المستحقة او تأجيلها، والعمل على تقسيم الفائض المالي بين مصاريف استثمارية حكومية مثل بناء المدارس ومستشفيات، الطرق العامة، الجسور والقناطر، السكك الحديد والمطارات، واقراض الجزء الاخر الى أصحاب القدرات القيادية. ان الدعم الحكومي لهذه الطبقة لا يغضب الله وليس غريب عن التجارب العالمية. ما يقارب جميع الدول الصاعدة اقتصاديا اخذت هذا المنحنى وظهرت فيها عوائل رأسمالية شهيرة وقادرة على دعم الاقتصاد الوطني، ومنها صارت من تؤثر على الاقتصاد العالمي.
بكل اسف، ففي الوقت الذي يجوب قادة البلاد العالم من اجل العثور على دولة او دول لإعادة بناء الوطن، نجد لحد كتابة هذه السطور ان البلد لم يستطع من تأسيس شركة مقاولات عامة تستطيع بناء جسر او مجمع سكني او طريق عام طوله 200 كيلو متر. لحد كتابة هذه السطور، لم يستطع العراق ان يؤسس شركة تستخدم النفط الخام كمادة أولية، ولحد كتابة هذه السطور، لم يستطع العراق تأسيس شركة تستخدم التمور كمادة للتصنيع والتصدير، فيما ان دولا لا يعرف عنها بكثرة نخيلها استطاعت تمورها ان تغزوا العالم.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا